حراك سياسي متصاعد لإحياء مسار المصالحة الليبية

ضم رموزاً من نظام القذافي و«ثورة فبراير»

من اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)
من اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)
TT

حراك سياسي متصاعد لإحياء مسار المصالحة الليبية

من اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)
من اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)

شهد المشهد السياسي الليبي خلال الأسابيع الأخيرة حراكاً متصاعداً، تمثل في سلسلة لقاءات جمعت شخصيات وأحزاباً من اتجاهات متباينة، بينها أطراف خاضت صراعات سابقة، في محاولة لإحياء مسار المصالحة الوطنية المتعثر منذ سنوات، فيما تُرجّح مصادر سياسية استمرار هذه اللقاءات خلال الفترة المقبلة، تمهيداً لإطلاق حوار وطني شامل برعاية الأمم المتحدة قبل نهاية العام الحالي.

لقاءات لمحاولات التقارب

في هذا الإطار شهدت القاهرة مؤخراً لقاءً جمع عدداً من رموز نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وشخصيات من «ثورة فبراير» 2011، في خطوة وُصفت بأنها امتداد لمحاولات التقارب بين مختلف المكونات الليبية. وأكدت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» صحة الأنباء عن عقد اجتماع ضمّ فتحي باشاغا، رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان سابقاً، وأحمد قذاف الدم، المسؤول السياسي لجبهة النضال الوطني الليبية، بحضور أسعد زهيو، رئيس الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية.

فتحي باشاغا رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان سابقاً (الشرق الأوسط)

وأفاد مصدر قريب من اللقاءات - فضّل عدم ذكر اسمه - بأن «الاجتماع الذي عقد قبل أسبوع في القاهرة، ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير»، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التحركات السياسية «ذات طابع شخصي بحت، ولا ترتبط بأي جهة رسمية»، مبرزاً أن الهدف منها «تقريب وجهات النظر بين الأطراف، وإن كانت النتائج تحتاج إلى بعض الوقت، بالنظر إلى عمق الأزمة الممتدة منذ أكثر من عقد».

وتحفّظ باشاغا المحسوب على «ثورة فبراير» عن التعليق على هذا الاجتماع، فيما أكد أحمد قذاف الدم، أحد رموز النظام السابق، مشاركته، مشيراً إلى أن ما يُثار حول لقاءاته مع أطراف ليبية «أمر طبيعي وغير مستغرب».

وأوضح قذاف الدم أنه يؤمن بـ«الحوار مع جميع المكونات منذ سبعينات القرن الماضي»، وأن التواصل بين الليبيين «لم ينقطع حتى بعد أحداث 2011 وتدخل (الناتو)». ودعا إلى «كلمة سواء تجمع الجميع قبل فوات الأوان»، محذراً من أن استمرار الانقسام قد يقود البلاد إلى ما هو «أخطر».

محاولات إحياء الزخم الدولي

يبدو أن دول الجوار أصبحت محطة رئيسية لاحتضان اللقاءات بين الشخصيات السياسية والحزبية الليبية، إذ سبق اجتماع القاهرة لقاءٌ آخر عُقد في تونس خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، نظمه فريق «صنّاع السلام» (غير حكومي)، بحضور ممثل عن بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لقاء بين رئيس حزب «ليبيا الكرامة» وقيادي في «الحزب الديمقراطي» (الصفحة الرسمية لحزب ليبيا الكرامة)

وأوصى المشاركون حينها بوضع «خريطة طريق» للحوار الوطني، وبناء ضمانات دستورية تكفل مشاركة شاملة، وتؤسس لاستقرار سياسي مستدام، في خطوة عُدّت تمهيداً لإحياء الزخم الدولي الداعم للمسار السياسي في ليبيا.

وقال رئيس مؤسسة «صُنّاع السلام»، مصعب القائد، لـ«الشرق الأوسط» إن الأطراف السياسية الليبية تكثّف لقاءاتها حالياً بهدف «تقريب وجهات النظر وبناء جسور للتقارب، بعد حالة السأم من الصراع والانقسام»، مؤكداً تنامي الرغبة في «الخروج من المأزق السياسي، والانطلاق نحو منافسة وتعاون لبناء الدولة».

وكشف القائد عن نية المؤسسة تنظيم حوار وطني جديد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، معرباً عن أمله في «مشاركة دول الجوار، ولو بشكل غير رسمي، عبر ممثلين عنها».

اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)

لكن لم تَغِب هذه الاجتماعات عن دائرة الانتقادات، التي عبّر عنها نشطاء ومنصات ليبية معنية بالشأن السياسي، إذ رأى البعض أن تعدد المبادرات «يُربك المشهد»، بل ذهب البعض إلى عدّها غير ذات جدوى في ظل تعقيد الأزمة، فيما عدّ مؤيدوها أنها «تجسد حراكاً وطنياً إيجابياً ينعش المسار السياسي، ويعيد الأمل في التقارب الوطني».

محاولة إفشال فرص التقارب

اتهم أسعد زهيو ما سمّاها «جهات ليبية متنفذة»، و«شبكات إعلامية مشبوهة» بمحاولة إفشال أي جهد وطني خالص، عبر حملات «تضليل وتلفيق» تستهدف ضرب فرص التقارب بين المكونات الوطنية. ودعا إلى «وعي شعبي قادر على كسر حلقة الفوضى، وفرض مسار وطني مستقل»، مؤكداً أن «الليبيين باتوا أكثر استعداداً من أي وقت مضى لطي صفحة الماضي».

لكن موسى إبراهيم، وهو آخر متحدث رسمي باسم النظام الليبي السابق، دعا إلى إطلاق حوار «ليبي - ليبي» داخل البلاد من دون تدخل أجنبي، وأكد أنه «السبيل الوحيد لإنقاذ ليبيا»، لافتاً إلى ضرورة بناء «مرجعية سياسية جديدة من الداخل»، تنبع من الإرادة الوطنية بعيداً عن الوصاية الخارجية.

يأتي ذلك وسط ترقب الأوساط السياسية الليبية لـ«حوار مهيكل»، من المقرر أن ترعاه بعثة الأمم المتحدة، ويوفر منصة تشاورية شاملة لجميع مكونات المجتمع الليبي، وفقاً لخريطة الطريق التي طرحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه صيف هذا العام.

الرئيس الراحل معمر القذافي (متداولة)

والملاحظ أيضاً أن الداخل الليبي لم يكن بعيداً عن مساعي مدّ جسور الثقة بين الخصوم، إذ شهدت مدينة بنغازي لقاءً جمع رئيس حزب «ليبيا الكرامة»، الدكتور يوسف الفارسي، المقرب من القيادة العامة للجيش الوطني الليبي، مع قيادات من الحزب «الديمقراطي»، يتقدمهم صالح المسماري، وهو الحزب الذي يترأسه محمد صوان.

وتكتسب هذه الخطوة رمزيتها من كون صوان يعد من أبرز الشخصيات، التي مثّلت تيار الإسلام السياسي خلال العقد الماضي، قبل أن يبتعد عن قيادة حزبه السابق، ويتجه إلى تأسيس حزب مدني جديد.

وأبدى الفارسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» حماسه لهذه اللقاءات، مؤكداً أن الخلافات في ليبيا «سياسية على مشاريع وليست شخصية»، مشيراً إلى أن اللقاء «يأتي في إطار الأخوة الليبية الجامعة»، وأن العملية السياسية «يجب أن تجمع الجميع حول برنامج وطني موحد».

وأضاف رئيس «ليبيا الكرامة» أن هناك زخماً دولياً متصاعداً لدفع الحوار المهيكل بين القوى الليبية، معرباً عن تفاؤله بأن «ليبيا تعود تدريجياً إلى دائرة الاهتمام الدولي، بعد سنوات من التجاهل والانقسام».

ويرى مراقبون أن وتيرة اللقاءات الأخيرة، رغم طابعها غير الرسمي، تشير إلى تحوّل تدريجي في المزاج السياسي الليبي نحو التهدئة والانفتاح على الحوار، وسط اقتناع متنامٍ لدى الفرقاء بأن استمرار الصراع لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة، وأن التوافق الوطني قد يكون المدخل الوحيد لتجاوز الانسداد المزمن في العملية السياسية.


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا العلم البريطاني خارج إحدى محاكم لندن (رويترز-أرشيفية)

محاكمة سمسارَي أسلحة في بريطانيا أبرما صفقات مع ليبيا وجنوب السودان

أبلغ مدعون بريطانيون محكمة في لندن، اليوم الثلاثاء، أن اثنين من سماسرة الأسلحة رتبا صفقات غير قانونية لتزويد ليبيا وجنوب السودان بأسلحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.