اقتصادان متوازيان: الذكاء الاصطناعي يزدهر... وترمب يعيد بناء الجدران الجمركية

الشركات تبني المستقبل الرقمي والرئيس يستخدم قانون التجارة لعام 1962

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

اقتصادان متوازيان: الذكاء الاصطناعي يزدهر... وترمب يعيد بناء الجدران الجمركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

من الصعب اليوم رسم خريطة دقيقة للاقتصاد الأميركي من دون التوقف عند مفارقةٍ غير مسبوقة: طفرة تكنولوجية تُعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، وسياسات تجارية قومية تُعيد إلى الأذهان روح القرن الماضي. فبينما تضخ الشركات مئات المليارات في الذكاء الاصطناعي، تتوسع إدارة الرئيس دونالد ترمب في تعريف «الأمن القومي» ليشمل كل شيء من الصلب إلى خزائن المطبخ، في محاولةٍ لتبرير موجة جديدة من الرسوم الجمركية. قد يكون الأمران صحيحين في آنٍ واحد: أن الرهانات على الذكاء الاصطناعي ستُسبب كارثة مالية، وأن الذكاء الاصطناعي سيُغير العالم. وفي الوقت نفسه، تضع سياسات ترمب التجارية الاقتصاد الأميركي أمام مفترق طرقٍ غير مأمون العواقب.

طفرة الذكاء الاصطناعي: اقتصاد جديد يولد من قلب الفقاعة

يشهد الاقتصاد الأميركي طفرة استثمارية غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي. فقد قفز الإنفاق الرأسمالي في هذا القطاع من أقل من 0.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 إلى ما يُتوقَّع أن يصل إلى 2 في المائة في عام 2025، أي ما يعادل استثمار نحو 1800 دولار لكل أميركي في هذا المجال خلال عام واحد فقط. هذه الطفرة وحدها تُضيف ما يقارب نقطة مئوية كاملة إلى نمو الاقتصاد الأميركي، وتفسّر كيف حافظت الأسواق على زخمها رغم السياسات المتقلبة للإدارة.

سام ألتمان يتحدث في مناسبة لشركة «أوبن إيه آي» في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

لكن هذا الازدهار يخفي داخله ملامح فقاعة متضخّمة. فمنذ إطلاق «تشات جي بي تي» في عام 2022، ارتفعت القيمة السوقية للأسهم الأميركية بنحو 21 تريليون دولار، وجاء 75 في المائة من عوائد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» من أسهم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وعلى سبيل المثال، أضاف إعلان صفقة استثمار جديدة بقيمة 100 مليار دولار بين شركتَي «أوبن إيه آي» و«إنفيديا»، نحو 160 مليار دولار إلى القيمة السوقية للأخيرة في يوم واحد، لترتفع قيمتها الإجمالية بما يقارب 4 تريليونات دولار خلال ثلاث سنوات. هذه الأرقام تُثير إعجاب المؤمنين بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحويل الاقتصاد، لكنها تُنذر أيضا بتكرار سيناريو فقاعة «الدوت كوم» في أواخر التسعينيات. فحينها ضخّ المستثمرون المليارات في شركات لم تحقق أرباحاً فعلية، وانهار مؤشر «ناسداك» بنسبة 75 في المائة من ذروته إلى قاعه.

متداول ببورصة نيويورك (رويترز)

يقول محللون إن التاريخ اليوم يُعيد نفسه بصيغ جديدة. فشركات مثل «مايكروسوفت» و«أمازون» و«ألفابت» تستثمر عشرات المليارات في شركات ناشئة مثل «أوبن إيه آي» و«آنثروبيك»، التي تُنفق معظم أموالها لشراء خدمات الحوسبة السحابية من تلك الشركات نفسها. وتنقل صحيفة «واشنطن بوست» عن مدير صندوق التحوط، دوغ كاس، قوله إن «صناعة الذكاء الاصطناعي تشتري إيراداتها الخاصة بطريقة دائرية»، مشبهاً الوضع بما كان يُعرف في فقاعة الإنترنت بـ«الرحلة ذهاباً وإياباً».

وتُشير تقديرات إلى أن تكلفة بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستبلغ 3 تريليونات دولار بحلول عام 2028، نصفها سيموَّل من التدفقات النقدية الداخلية لشركات التكنولوجيا العملاقة. ومع ذلك، بدأ بعضها بالفعل في جمع الديون لتغطية الإنفاق المتسارع. وتنقل الصحيفة عن المستثمر هاريس كوبرمان قوله إن «الجميع يعلم أن الأرقام لا تُصدق، لكن لا أحد يعلم أن الجميع يعلم ذلك».

ترمب يتحدث مع الصحافيين... 5 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

ترمب يعيد تعريف الأمن القومي... بالخشب والأثاث

في الجهة الأخرى من المشهد، يُواصل الرئيس ترمب دفع الاقتصاد الأميركي في اتجاهٍ مختلف تماماً. فبينما تندفع الشركات إلى بناء المستقبل الرقمي، يُعيد البيت الأبيض رسم حدود «الأمن القومي» لتشمل منتجاتٍ مثل الأخشاب وخزائن المطابخ وأحذية التزلج! وبالفعل، يستخدم ترمب قانون التجارة لعام 1962 - المعروف بالبند 232 - لفرض تعريفات جمركية تحت شعار حماية الأمن القومي، وهي آلية قانونية أقل عرضة للطعن القضائي من الرسوم «التبادلية» بين الدول.

في الأشهر الأخيرة، أعلن الرئيس عن ضرائب جديدة على منتجات الأخشاب والمعادن الصناعية، وفتح تحقيقات تستهدف الأجهزة الطبية والروبوتات الصناعية والطائرات من دون طيار. ووفقاً لوزارة التجارة، يجري 9 تحقيقات جديدة قد تفضي إلى رسوم إضافية خلال العام المقبل.

داعمو سياسات ترمب، من أمثال نيك إياكوفيلا من تحالف «أميركا المزدهرة»، يقولون: «إنها ليست مجرد حماية تجارية، بل محاولة لإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية داخل الولايات المتحدة». لكن معارضي ترمب يرون أن هذا التوسّع في مفهوم الأمن القومي يقترب من السخرية، إذ يصعب تبرير إدراج الأثاث أو خزائن المطبخ كمنتجات تمس الدفاع الوطني.

بحسب تقارير، فقد استخدم ترمب حتى الآن «البند 232» في 19 مرة، أي أكثر من جميع الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه منذ 1962 مجتمعين تقريباً. وتراهن إدارته على أن المحكمة العليا ستُقرّ دستورية هذه الإجراءات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للبت في الدعاوى المرفوعة ضدها في هذا الشأن.

غير أن هذه السياسة تأتي في وقتٍ تُظهر فيه البيانات أن الرسوم الجمركية خفّضت الناتج المحلي الأميركي بنحو 0.4 في المائة، مقارنة بما كان سيكون عليه من دونها، وأدت إلى تباطؤ التوظيف وارتفاع معدل البطالة بين الشباب إلى 10.5 في المائة، وهي نسبة لم تُسجَّل منذ عقد، بحسب أرقام رسمية.

قوتان متناقضتان... واقتصاد على حافة التحوّل

تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تعيش في اقتصادين متوازيين: اقتصادٌ رقمي ينفجر بالنمو، وآخر واقعي يئنّ تحت وطأة الرسوم والقيود. في الأول، تُحرّك شركات مثل «إنفيديا» و«مايكروسوفت» الأسواق العالمية، وتبني مراكز بيانات تفوق في تكلفتها بعض ميزانيات الدول. وفي الثاني، تتقلص الصناعات التقليدية التي تُعوِّل عليها إدارة ترمب لتحقيق ما تصفه بـ«الاستقلال الاقتصادي الوطني».

بحسب الصحيفة نفسها، تُظهر بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس أن استثمارات الذكاء الاصطناعي لا تُولّد وظائف كافية لتعويض التراجع في القطاعات الأخرى. فبناء مراكز البيانات الضخمة يتطلب رأسمالاً هائلاً، لكنه يوظّف أعداداً محدودة نسبياً. هذا ما يجعل طفرة الذكاء الاصطناعي تُفاقم التفاوت الاقتصادي بدلاً من تخفيفه.

في المقابل، تُفاقم سياسات ترمب التجارية الكلفة المعيشية وتُضعف ثقة المستثمرين العالميين في استقرار بيئة الأعمال الأميركية. ومع ذلك، تُخفي الطفرة التكنولوجية مفعول هذه السياسات مؤقتاً. فأسواق المال - المخدَّرة بنشوة الأرباح الهائلة - تتجاهل إشارات الإنذار. لكن التاريخ المالي، كما يقول كوبرمان، «يميل إلى التناغم»، فكما حدث في فقاعة السكك الحديدية البريطانية في القرن التاسع عشر أو فقاعة الإنترنت، ينتهي الحفل دائماً بانفجار. وفي حين تُظهر تقديرات «جي بي مورغان» أن شركات الذكاء الاصطناعي تُشكّل 90 في المائة من نمو الإنفاق الرأسمالي الأميركي في السنوات الأخيرة، يُحذّر خبراء من أن هذا التركّز يجعل الاقتصاد هشاً أمام أي تصحيح حاد في السوق. ويُقدّر بعض المحللين أن الصناعة تحتاج إلى إيرادات تفوق 480 مليار دولار سنوياً لتبرير استثمارات عام 2025 وحده، وهو رقم يبدو بعيد المنال في الأجل القصير.

بين الثورة والفقاعة

ويقول داريو أمودي، مؤسس شركة «آنثروبيك»، إن الذكاء الاصطناعي قد «يعالج السرطان ويُنهي الفقر ويُحقق السلام العالمي». لكن الباحثة ساشا لوتشيوني تُحذّر من أن «بيت الورق سيبدأ بالانهيار» لأن حجم الأموال المنفقة لا يتناسب مع العوائد المتوقعة. وفي مكانٍ ما بين التفاؤل الكوني والتشاؤم المالي، تقف إدارة ترمب بسياستها الحمائية لتزيد الصورة تعقيداً. فبينما تُراهن شركات التكنولوجيا على عولمة الذكاء الاصطناعي، يُعيد البيت الأبيض بناء جدران جمركية تحت شعار «الأمن القومي». وفي المحصلة، قد تكون الولايات المتحدة على أعتاب واحد من أعظم التحولات الاقتصادية في تاريخها. لكن إن كان من درسٍ من فقاعة الإنترنت أو من انهيار السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، فهو أن الثورات التكنولوجية تُغيّر العالم فعلاً لكنها نادراً ما تُغيّره من دون فوضى. الذكاء الاصطناعي سيصنع المستقبل، نعم. لكنه قد يُفجّر الحاضر أيضاً.


مقالات ذات صلة

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد شعار تطبيق «تيك توك» يظهر على هاتف ذكي أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يطالب «تيك توك» بتغيير «تصميمه الإدماني»

أعلن الاتحاد الأوروبي، الجمعة، أنه أبلغ «تيك توك» بضرورة تغيير تصميمه «الإدماني» وإلا فسيواجه غرامات باهظة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في ألمانيا (رويترز)

صانع السياسة بـ«المركزي الأوروبي»: أي ارتفاع كبير لليورو قد يستدعي التحرك

قال صانع السياسة النقدية بالبنك المركزي الأوروبي مارتينز كازاكس في تدوينة يوم الجمعة إن أي ارتفاع كبير في قيمة اليورو قد يدفع البنك لاتخاذ إجراءات.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت، ستوكهولم )
الاقتصاد بائعو أطعمة في أحد شوارع مدينة بيشاور الباكستانية (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية تواصل التراجع في يناير

تراجعت أسعار الغذاء العالمية في يناير للشهر الخامس على التوالي، مدعومة بانخفاض أسعار منتجات الألبان والسكر واللحوم.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد منازل سكنية جديدة في مشروع إسكان بمدينة آيلزبري (رويترز)

أسعار المنازل في المملكة المتحدة تسجل أكبر ارتفاع منذ نوفمبر 2024

أعلنت شركة «هاليفاكس» المتخصصة في قروض الرهن العقاري يوم الجمعة أن أسعار المنازل في بريطانيا سجلت أكبر ارتفاع منذ أكثر من عام في يناير.

«الشرق الأوسط» (لندن )

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.