الشارع السوداني يرحب بإدانة «الجنائية الدولية» أحد قادة «الجنجويد» في جرائم دارفور

في تجريم كوشيب قرائن تدين البشير ومساعديه

مبنى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (رويترز)
مبنى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (رويترز)
TT

الشارع السوداني يرحب بإدانة «الجنائية الدولية» أحد قادة «الجنجويد» في جرائم دارفور

مبنى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (رويترز)
مبنى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (رويترز)

استقبلت الأوساط السودانية بارتياح شديد إدانة المحكمة الجنائية الدولية، علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، أحد أبرز قادة ميليشيا «الجنجويد» إبان حرب دارفور 2003 - 2004.

وتوالت ردود الفعل من القوى السياسية والهيئات الحقوقية المدنية، التي رأت في تلك الإدانة «انتصاراً للعدالة وإنصافاً للضحايا، ومصيراً ينتظر بقية المطلوبين لدى «الجنائية» بالتهم ذاتها، أبرزهم الرئيس المعزول عمر البشير، واثنان من كبار مساعديه، هما عبد الرحيم محمد حسين، وأحمد محمد هارون، وآخرين».

علي كوشيب في المحكمة (إ.ب.أ)

وأدين كوشيب، الاثنين الماضي، بـ27 تهمة من بينها: «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والاغتصاب والقتل الجماعي والتعذيب والترحيل القسري للسكان الأصليين».

وقال القانوني المحامي معزّ حضرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «إدانة كوشيب تستند إلى المسؤولية الجنائية الشخصية ضده، وفقاً للبيانات التي توفرت للمحكمة، وهذه البيانات جزء من القرائن التي يمكن أن تشكل إدانة غير مباشرة للرئيس البشير وبقية المتهمين».

وأوضح أن «حكم الإدانة على الجهة المنفذة ينسحب على المسؤولية القيادية التي أصدرت الأوامر، وبالتالي يمهد لإدانة المتهمين المشاركين في هذه الجريمة، (البشير ومن معه)».

وأثبتت المحكمة في حيثيات الحكم، ضلوع عبد الرحيم حسين، وأحمد هارون «في تخطيط وتمويل وتوجيه تلك الجرائم، بتزويد كوشيب بالأسلحة والمال، وإعطائه الأوامر المباشرة لقيادة الهجمات ضد المدنيين في مناطق دارفور».

القاضية جوانا كورنر خلال جلسة المحكمة (رويترز)

ورأى حضرة أن إدانة علي كوشيب تمثل دافعاً أكبر للمحكمة «لمطالبة مجلس الأمن الدولي بالإسراع في القبض على المتهمين المطلوبين، وتقديمهم إلى المحاكمة في لاهاي».

وقال إن مجلس الأمن يمكن أن يصدر قرارات بالقبض على المتهمين، «كما أن لديه صلاحيات واسعة، وآليات ضغط لاتخاذ إجراءات أخرى، من بينها فرض عقوبات ضد الحكومة السودانية حال رفضت الالتزام بقراراته».

وأضاف أن «المسؤولين في بورتسودان، ظلوا على الدوام يماطلون، ويرفضون التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في تسليم المتهمين المطلوبين».

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير أثناء إلقائه خطاباً بولاية جنوب دارفور سبتمبر 2017 (أ.ف.ب)

ويواجه أحمد هارون، وزير الدولة بوزارة الداخلية في عهد البشير، 42 تهمة تتعلق بالقتل والترحيل القسري والاغتصاب والتعذيب، فيما يواجه عبد الرحيم حسين، وزير الدفاع الأسبق، 13 تهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وعَدّ «محامو الطوارئ» (هيئة حقوقية طوعية)، قرار إدانة المتهم، أول حكم يصدر عن «الجنائية الدولية» في الجرائم المرتكبة في دارفور منذ إحالة ملف السودان إليها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 1593 في عام 2009، كما أنه يشكل ضغطاً «غير مسبوق على السلطات السودانية، لتسليم البشير وهارون وحسين إلى لاهاي».

وسلم كوشيب نفسه طوعاً للمحكمة في دولة أفريقيا الوسطى في يونيو (حزيران) 2020؛ خوفاً من اعتقاله وتصفيته من جهات تخشى من مثوله أمام المحكمة.

عمر البشير في أثناء محاكمته بالخرطوم (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وقُتل على يد المدان كوشيب، مئات الرجال من «قبيلة الفور» الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب في منطقتي مكجر ودليج بوسط دارفور، بأوامر مباشرة من حكومة السودان التي كانت تقوم بتسليح ميليشيا «الجنجويد» لقمع تمرد الحركات المسلحة في الإقليم الواقع غرب السودان.

بدوره، قال: «المنسق العام لمخيمات اللاجئين والنازحين في إقليم دارفور»، يعقوب محمد عبد الله، إن «إدانة علي كوشيب بعد أكثر من عقدين من الزمان على ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، هي انتصار لحقوق الضحايا».

ووصف، في بيان الثلاثاء، هذه الإدانة «بأنها تمثل خطوة أولى لتحقيق العدالة الكاملة، وتفتح الباب واسعاً أمام تسريع مسار تسليم بقية المطلوبين للمحكمة».

وتحدث البيان عن «مسؤولية علي كوشيب المباشرة عن القتل الجماعي والاغتصاب والحرق والتدمير لقرى كاملة وتهجير أهاليها من السكان الأصليين»، وفقاً لروايات الشهود الذين أدلوا بها في المحكمة.

المحكمة الجنائية الدولية تتولى مهمة ملاحقة مرتكبي الجرائم الأشد خطورة في العالم (رويترز)

ومن بين المتهمين المطلوبين للمثول أمام «الجنائية الدولية» أيضاً عبد الله باندا، القيادي في حركة «العدل والمساواة»؛ لمشاركته في الهجوم على بلدة «حسكنيتة» بجنوب دارفور 2007، وظهر أخيراً ضمن القوة المشتركة التي تحارب إلى جانب الجيش السوداني ضد «قوات الدعم السريع».

من جانبه، دعا «تحالف السودان التأسيسي» (تأسيس) الموالي لـ«الدعم السريع»، المجتمع الدولي إلى «ضمان تسليم بقية المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية، الذين يتمتعون بالحماية من الحكومة التي يقودها الجيش في مدينة بورتسودان».

ودرجت «المحكمة الجنائية» في تقريرها السنوي أمام مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، على تكرار مطالبتها للحكومة السودانية، بتسليم المتهمين، دون أي تجاوب يذكر.

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك (رويترز)

وسبق أن وافقت الحكومة الانتقالية المقالة، بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، على تسليم المسؤولين في الحكومة المعزولة إلى «المحكمة الجنائية الدولية»، إلا أن الانقلاب الذي قاده الجيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 قطع الطريق أمام هذه الخطوة.

وخلّف النزاع في دارفور 2003 - 2010 أكثر من 300 ألف قتيل، إضافة إلى ملايين النازحين واللاجئين، ووُثّقت انتهاكات واسعة النطاق شملت القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري، وحرق القرى، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.


توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

 جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)
جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)
TT

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

 جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)
جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

تدعم توترات الملاحة في مضيق هرمز الربط التجاري بين موانئ السعودية ومصر، بما يوفر منفذاً جديداً لسلاسل الإمداد بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا.

وأعلن «ميناء نيوم» أخيراً تدشين ممر لوجيستي متعدد الوسائط يربط بين أوروبا ومصر ونيوم ودول مجلس التعاون الخليجي، في خطوة يراها خبراء «تدعم حركة التجارة الإقليمية».

ورغم إعلان إيران، الجمعة، فتح المضيق بشكل مؤقت لحين انتهاء «مهلة الهدنة» بين واشنطن وطهران، فإن الممر اللوجيستي «يحمل أهمية قصوى كونه سيخفف من ضغط حركة التجارة في مضيق هرمز»، وفقاً لما أكده الخبراء لـ«الشرق الأوسط».

وتسبب الحصار الأميركي لمضيق هرمز وقبله إغلاق طهران للمضيق، في اضطراب حركة الملاحة، ما أثر على سلاسل إمداد الطاقة وحركة التجارة الإقليمية، حيث يمر عبر المضيق خُمس نفط العالم والغاز الطبيعي المسال في أوقات السلم.

وجاء خبر تدشين الممر اللوجيستي الجديد، عبر حساب «ميناء نيوم» على منصة «إكس»، حيث أشار إلى أنه «يوفر ممراً متكاملاً يجمع بين النقل البري والبحري، ليضمن نقل البضائع بسلاسة وكفاءة، وفي وقت قياسي، إلى أسواق الخليج».

ويعتمد الممر الجديد على نموذج «الجسر البري - البحري»، حيث تنقل البضائع من أوروبا إلى موانئ مصرية مثل دمياط أو سفاجا، ثم تعبر البحر الأحمر بواسطة عبارات إلى «ميناء نيوم»، ومنها إلى دول الخليج... ويعد هذا النموذج أحد الحلول المتقدمة لتسريع سلاسل الإمداد وتقليل زمن العبور.

ويعتمد مستوردون على «ممر نيوم» في عدة أسواق أوروبية، للوصول إلى الإمارات والكويت والعراق وعُمان والمنطقة، وذلك بدعم من شركاء عالميين وإقليميين رائدين، حسب «ميناء نيوم».

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء المصري)

وأشار «ميناء نيوم» إلى أن «الشحنات الحساسة للوقت بدأت بالفعل استخدام هذا الممر اللوجيستي، بالتعاون مع شركة النقل البحري (بان مارين) وعدد من شركات الخدمات اللوجيستية الإقليمية».

ووفق خبير النقل البحري، أحمد الشامي، «يشكل (ممر نيوم) إضافة مهمة لسلاسل الإمداد بالمنطقة»، ويقول إن «الممر يستغل الموقع الجيوسياسي للموانئ السعودية والمصرية، للربط بين دول التعاون الخليجي وشرق المتوسط».

ويضيف: «سيفيد الممر في نقل كثير من البضائع وتنشيط حركة التجارة الإقليمية»، ويوضح أن «الممر سيخفف من ضغط حركة التجارة في مضيق هرمز»، ويشير إلى أنه «يستثمر قدرات الموانئ المصرية بالبحرين الأحمر والمتوسط بوصفها محوراً تجارياً إقليمياً، يمكن استغلاله في دعم صناعات القيمة المضافة بمنطقة قناة السويس».

وأعلنت الحكومة المصرية، الشهر الماضي، عن خطة لتطوير ميناء السخنة (الذي يقع على ساحل البحر الأحمر شرق القاهرة) بما يتيح التشغيل الفوري وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الحالية للميناء.

ويحقق «ممر نيوم» اللوجيستي ميزة النفاذ للأسواق الخليجية، بحسب الشامي، ويقول إن «الممر يساعد في نقل البضائع عبر وسائط متعددة بين دول التعاون الخليجي وأوروبا».

تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

ويشار إلى أنه جرى تدشين الممر اللوجيستي بالتعاون مع شركة «بان مارين»، وبدعم من شركات لوجيستية أخرى من بينها «دي إف دي إس»، إلى جانب شركات نقل إقليمية، بما يعكس توجهاً لتوسيع نطاق الربط التجاري بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط عبر مسارات بديلة وأكثر كفاءة.

عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله، قال إن «الظروف الإقليمية أنتجت مشاريع لتطوير عمليات النقل بين الرياض والقاهرة»، وأشار إلى أن «ميزة المشروع الجديد أنه يقدم ممراً يدمج بين النقل البري والبحري بالمنطقة، ويستثمر قدرات الموانئ بالبحر الأحمر لتعزيز التجارة بين أوروبا ودول الخليج».

ويرى جاب الله أن «الممر يفيد في نقل البضائع الخفيفة»، ويشير إلى أن «دوره يعدّ مكملاً للممرات الملاحية الكبرى مثل قناة السويس»، ويوضح أن «البنية التحتية في الموانئ المصرية جاهزة لمثل هذه المشاريع بفضل عمليات التطوير التي تشهدها السنوات الأخيرة».

وتمتلك مصر خريطة من الموانئ البحرية، وتستهدف تطويرها لتحسين دورها في التجارة البينية والدولية، وقالت وزارة النقل المصرية أخيراً إن «عملية تطوير الموانئ المصرية كافة تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجيستيات وتجارة الترانزيت، وزيادة قدرة تلك الموانئ على جذب الاستثمارات واستيعاب النمو المتزايد في حركة التجارة».


«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)
رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)
TT

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)
رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

تسارعت الجهود الأوروبية بشكل لافت، خلال الأسابيع الأخيرة، لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط»، وهو ما عكسته الزيارات المكثفة لمسؤولين أوروبيين كبار خلال أشهر: فبراير (شباط) ومارس (آذار) الماضيين، وأبريل (نيسان) الحالي؛ حيث تسعى عواصم أوروبية من خلال هذا الضغط الدبلوماسي والأمني إلى ترسيخ مكانة الجزائر كحائط صدّ أساسي، يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية، وتأمين الحدود البحرية لمصلحة الفضاء الأوروبي.

رئيسا جهازي الشرطة الجزائري والألماني (الشرطة الجزائرية)

وأعلنت «الإدارة العامة للأمن الوطني» الجزائري، في بيان، أن مديرها علي بدوي استقبل، الخميس، رئيس الشرطة الفيدرالية الألمانية دييتر رومان، الذي يؤدي حالياً زيارة رسمية إلى الجزائر على رأس وفد أمني رفيع، مؤكدة أن المسؤولَين الجزائري والألماني «أجريا محادثات ثنائية، ثم توسعت لتشمل وفدي شرطة البلدين، حيث ركزت المباحثات على سبل تعزيز وترقية آليات التعاون، لا سيما في مجالات تأمين وإدارة الحدود، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى تبادل الخبرات في مجال إدارة وتسيير الأحداث الكبرى، وتوحيد الجهود لمواجهة القضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك، بما يتماشى والتحديات الراهنة والمستجدة».

اجتماع بين مسؤولي الشرطة في الجزائر وألمانيا تناول التصدي للهجرة غير النظامية (الشرطة الجزائرية)

وأوضح البيان نفسه أن الشرطي الأول في ألمانيا، زار مديرية شرطة الحدود بإدارة الشرطة الجزائرية، «حيث وقف ميدانياً على المهام الحيوية المسندة لهذه المديرية، والمصالح والفرق التابعة لها، واطلع على الأساليب المعتمدة في تسيير وتأمين الحركة الحدودية للأشخاص والمركبات»، مبرزاً «رغبة مشتركة لتبادل التجارب الميدانية، وتطوير الأداء الشرطي بين البلدين».

تطوير آليات مراقبة الحدود

وفق مصادر صحافية جزائرية، وضعت زيارة دييتر رومان «ملف تسيير تدفقات الهجرة» على رأس أجندة التعاون الثنائي، حيث تم التركيز، حسب المصادر نفسها، على «تحديث التنسيق العملياتي، وتطوير آليات الرقابة الحدودية، فضلاً عن تبادل المعلومات الاستخباراتية، والخبرات التقنية في تأمين التظاهرات الكبرى». وتعكس كثافة هذا النشاط، استناداً إلى المصادر ذاتها، «رغبة مشتركة في مواجهة التحديات العابرة للحدود بأسلوب أكثر تنسيقاً».

مهاجران سريان يتلقيان الإسعافات بعد إنقاذهم من الغرق في عرض المتوسط (أرشيفية وزارة الدفاع الجزائرية)

وافتتحت الزيارات الأوروبية المكثفة إلى الجزائر، بشأن تدفقات الهجرة، أجندتها في فبراير الماضي، بزيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز، الذي بحث مع المسؤولين الجزائريين، خلال يومين كاملين (16 و17 فبراير الماضي) الملف الخلافي، المرتبط بمئات المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، الذين صدرت بحقهم أوامر بالطرد من فرنسا، والذين رفضت الجزائر خلال الأشهر الماضية استعادتهم، في سياق تصاعد التوترات بين البلدين، إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء في 2024.

طرق الهجرة البحرية نحو إسبانيا انطلاقاً من السواحل الجزائرية (مواقع مهتمة بالهجرة السرية)

وبعد أيام من زيارة نونييز، أعلنت «اللجنة المشتركة لمساعدة اللاجئين والمهاجرين» في فرنسا، المعروفة اختصاراً بـ«لا سيماد»، أن الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات بمغادرة الأراضي الفرنسية بدأ ترحيلهم مجدداً إلى بلدهم الأصلي، ما يعني أن القنصليات الجزائرية في فرنسا رفعت الحظر عن إصدار التصاريح التي تتيح ترحيلهم.

وتتصدر الجالية الجزائرية قائمة الوجود الأجنبي في فرنسا، وهو حضور يرافقه تعقيد قانوني، يتمثل في ملف المقيمين غير النظاميين. وبحسب بيانات «لا سيماد»، يشكل الجزائريون الفئة الأكبر من المشمولين بقرارات الترحيل داخل مراكز الاحتجاز الإداري؛ حيث سجلت هذه المراكز خلال عام 2024 عبور أكثر من 5 آلاف جزائري، يليهم التونسيون بـ1900، فالمغاربة بـ1700 محتجز.

الهجرة والطاقة تتصدران أولويات روما

إثر هذه التفاهمات بين الجزائر وفرنسا، أجرت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، زيارة رسمية إلى الجزائر في 25 مارس (آذار) الماضي، حملت أبعاداً استراتيجية عميقة في ظل التوترات الجيوسياسية، التي أفرزتها الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وتأثيرها على إمدادات الطاقة العالمية.

وزير الخارجية الجزائرية خلال اجتماعه بالمسؤولين البلجيكيين في بروكسل نهاية مارس الماضي (وزارة الخارجية الجزائرية)

لم تكن زيارة ميلوني إلى الجزائر مجرد مسعى لتأمين احتياجات إيطاليا من الطاقة، في ظل تقلبات السوق الدولية، بل كانت محطة لترسيخ رؤية إيطالية أعمق، تزاوج بين الحفاظ على تدفقات الغاز، وضرورة ضبط تدفقات الهجرة غير النظامية، باعتبارهما محددين أساسيين للاستقرار في حوض المتوسط.

وفي سياق تفعيل «خطة ماتي»، بحثت ميلوني في الجزائر سبل تجسيد هذه الرؤية، التي تربط بشكل عضوي بين تحقيق التنمية الاقتصادية في دول المنشأ والعبور، والحد من تدفقات الهجرة؛ حيث ركزت نقاشاتها مع كبار المسؤولين، وفي مقدمتهم الرئيس عبد المجيد تبون، على أن استقرار إيطاليا وشريكتها في المغرب العربي، يمثل الضمانة الأولى والركيزة الأساسية لتقليص ضغوط الهجرة عبر المتوسط.

وشددت ميلوني على تبني «مقاربة شاملة»، تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية، لتشمل تعاوناً وثيقاً في مراقبة الحدود البحرية، وتسهيل إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين.

وزير الخارجية الإسباني مع نظيره الجزائري (وزارة الخارجية الجزائرية)

بعد يوم واحد من زيارة ميلوني، حل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بالجزائر (26 و27 مارس) في زيارة رسمت ملامح إذابة الجليد بين البلدين، بعد الأزمة التي اندلعت في 2022، إثر انحياز مدريد للمغرب في نزاع الصحراء.

قوارب الهجرة مصدر إزعاج لمدريد

كانت مكافحة الهجرة غير النظامية محوراً أساسياً في المحادثات، حيث بحث ألباريس مع نظيره الجزائري، أحمد عطاف، سبل تعزيز التنسيق الأمني لمواجهة تدفقات الهجرة عبر «طريق المتوسط»، مع التركيز على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتفكيك شبكات تهريب البشر.

وزير الداخلية الفرنسي في لقائه مع نظيره الجزائري في 17 فبراير الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

والمعروف أن آلاف الجزائريين يسافرون عبر قوارب الهجرة السرّية، إلى جزر البليار الإسبانية، عدد كبير منهم يلقون حتفهم في عرض البحر بسبب تعطل القوارب أو فقدان الوجهة.

وفي 31 من الشهر نفسه، أثمرت زيارة أحمد عطاف إلى بروكسل عن توقيع عدة اتفاقيات مع الجانب البلجيكي، برزت من بينها اتفاقية وصفت بـ«التاريخية»، تهدف إلى تسهيل إعادة قبول الرعايا الجزائريين المقيمين في بلجيكا بطريقة غير نظامية.

وتكتسي هذه الاتفاقية أهمية خاصة لدى الحكومة البلجيكية؛ إذ اعتبرتها وزيرة الهجرة، فان بوسويت، ثمرة مفاوضات شاقة استمرت لعشرين عاماً، مشددة على دورها المحوري في تعزيز مكافحة الهجرة غير الشرعية، وتخفيف الضغط عن السجون البلجيكية.

وتقضي بنود الاتفاقية بتسريع إجراءات تحديد هوية المعنيين بالترحيل في غضون 15 يوماً، مع إصدار وثائق سفر صالحة لمدة شهر كامل، كما تمنح المرونة اللازمة لتنظيم رحلات جوية مباشرة، أو غير مباشرة، تضم مجموعات من الأشخاص، مع إمكانية الاستعانة بمرافقين أمنيين جزائريين في حالات الإعادة القسرية، وهو ما يضع إطاراً عملياتياً جديداً، ينهي عقوداً من الجمود في هذا الملف الحساس بين البلدين.