أزمة سياسية جديدة في فرنسا مع استقالة لوكورنو بُعيد تشكيل حكومته

ماكرون أمام خيارات صعبة... و3 سيناريوهات في الأفق

الرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة «العيد الوطني الفرنسي»... (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة «العيد الوطني الفرنسي»... (أ.ب)
TT

أزمة سياسية جديدة في فرنسا مع استقالة لوكورنو بُعيد تشكيل حكومته

الرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة «العيد الوطني الفرنسي»... (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة «العيد الوطني الفرنسي»... (أ.ب)

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، أن الرئيس طلب من رئيس الوزراء المستقيل سيباستيان لوكورنو إجراء محادثات نهائية بحلول مساء الأربعاء مع الأحزاب السياسية لتحقيق الاستقرار في البلاد.

وقالت الرئاسة إن ماكرون حدّد للوكورنو هدفاً يتمثل في «تحديد إطار للتحرك والاستقرار في البلاد». كان لوكورنو قد قدّم استقالته واستقالة حكومته الجديدة في وقت سابق اليوم، بعد أن هدد حلفاؤه وخصومه على حد سواء بإسقاط الحكومة.

مساء الأحد، قرأ إيمانويل مولين، الأمين العام للرئاسة الفرنسية، من على عتبة «الإليزيه»، أسماء الوزراء الـ18 الذين صدر مرسوم تعيينهم بحقائبهم الوزارية. وصباح الاثنين، وقبيل الساعة التاسعة، وزع «الإليزيه» بياناً مقتضباً للغاية جاء فيه أن رئيس الحكومة المعين، سيباستيان لوكورنو، قدّم استقالة حكومته إلى الرئيس إيمانويل ماكرون عقب اجتماع لأكثر من ساعة مع رئيس الجمهورية.

رئيس الحكومة الفرنسية المستقيل سيباستيان لوكورنو إلى جانب فرنسوا بايرو الذي استقال من رئاسة الحكومة الشهر الماضي خلال حفل استقبال في «الإليزيه» يوم 10 سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وبذلك، انقضت 840 دقيقة فقط بين التعيين والاستقالة، بحيث يضرب لوكورنو الرقم القياسي لجهة قصر المدة التي أمضاها رئيسُ حكومة. وتُبين السجلات الحكومية أنه يتعين الرجوع مائة عام إلى الوراء للعثور على شيء مشابه؛ مما يعكس عمق الأزمة السياسية التي تعانيها فرنسا والتي شهدت استقالة 3 رؤساء حكومات؛ اثنان سقطا بالضربة القاضية في «الجمعية الوطنية (البرلمان)»، والثالث استقال قبل أن يصل إليها. كذلك، فإن لوكورنو، وزير الدفاع السابق والشخصية السياسية الأقرب إلى رئيس الجمهورية، لم تُتح له فرصة جمع وزرائه الـ18 الذين أُعلنت أسماؤهم، ولو لمرة واحدة، ولا المثول أمام نواب الأمة، بعكس سابقيه ميشال بارنييه وفرنسوا بايرو، فحكومة الأول استمرت 3 أشهر، والثاني 8 أشهر.

والأحجية أن لوكورنو، الذي كلفه ماكرون تشكيل الحكومة يوم 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، توفر له الوقت الكافي لإجراء مشاورات موسعة مع الأحزاب والقوى السياسية الممثلة في البرلمان، ومع النقابات وأرباب العمل وهيئات من المجتمع المدني؛ للتعرف على مطالبهم وتوقعاتهم، خصوصاً للتوصل إلى قواسم مشتركة تمكنه من تشكيل حكومة قابلة للحياة من جهة؛ ومن جهة أخرى قادرة على صياغة ميزانية متوازنة يمكن أن تمر في البرلمان من غير أن تسقط حكومته في حال رفضها.

برونو روتايو وزير الداخلية المستقيل رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي أطاح التشكيلة الحكومية بسبب اعتراضات على حصة حزبه وتعيين برونو لومير وزيراً للدفاع (أ.ف.ب)

حكومة جديدة بوجوهٍ قديمة

بيد أن جميع هذه الحسابات سقطت ومباشرة بعد إعلان أسماء الوزراء وحقائبهم. والخيبة الأولى أن لوكورنو، الذي وعد مباشرة بعد تكليفه بتغيير نهج الحكم في الشكل والمضمون، فاجأ الفرنسيين بأن حكومته بأسمائها أو بتوجهاتها، لا تختلف كثيراً عن حكومة سلفه. فالوزراء الأساسيون عادوا إلى حقائبهم، ومنهم وزراء: الخارجية (جان نويل بارو)، والعدل (جيرالد دارمانان)، والداخلية (برونو روتايو)، والثقافة (رشيدة داتي)، والتعليم (إليزابيث بورن)، وشؤون ما وراء البحار (مانويل فالس)، والزراعة (آني جينوفار)، والصحة والعمل (كاترين فوترين)، والنقلة البيئوية (أنياس بانيه روناشير)... وباختصار، فإن 12 وزيراً من أصل 18، أعلنت أسماؤهم، هم من الحكومة السابقة؛ مما يبين أن لا تغيير في النهج، ولا في الأسماء. وحدها تسمية برونو لومير، الذي أمسك حقيبة الاقتصاد طوال 7 سنوات من عهدي ماكرون، شكلت الجديد الذي لقي رفضاً جذرياً بوصفه المسؤول عن أزمة المديونية الحادة التي تعانيها فرنسا، حيث زادت تريليون يورو، لتقفز راهناً إلى 3.4 تريليون يورو، ولتجعل من فرنسا أحد أسوأ «تلامذة» الاتحاد الأوروبي في هذا الميدان.

ثمة إجماع فرنسي على أن استقالة لوكورنو تعمق الأزمة السياسية التي وصفتها وسائل إعلام بأنها «تسونامي سياسي»، وأنها بصدد التسبب بأزمة مؤسساتية يمكن أن تفضي إلى أزمة نظام. وهذه الأزمات المتناسلة تعود أصولها إلى نتائج الانتخابات التشريعية التي أُجريت ربيع العام الماضي؛ بسبب إقدام ماكرون على حل مجلس النواب، والتي لم تفرز أكثرية نيابية يمكن أن توفر الاستقرار السياسي.

وعمد ماكرون إلى الدفع باتجاه تشكيل ما سميت «كتلة مركزية» قوامها 3 أحزاب وسطية داعمة له، إضافة إلى حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي.

بيد أن هذه الكتلة جاءت قاصرة عن توفير الأكثرية المطلوبة؛ مما يعكس هشاشتها. وازدادت انقساماتها بسبب اقتراب الاستحقاق الرئاسي في ربيع 2027، حيث هناك من لا يقلون عن 5 مرشحين منها طامحين للتنافس على خلافة ماكرون. وفي كلمته الوداعية، أشار لوكورنو إلى «الطموحات الفردية»، داعياً السياسيين إلى «تفضيل العمل لمصلحة فرنسا، وليس لمصلحة أحزابهم».

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف تدعو إلى انتخابات تشريعية مبكرة (أ.ف.ب)

خيارات ماكرون... أحلاها مر

تعاني فرنسا من مشكلة «بنيوية» تتمثل في أن الكتل الثلاث الكبرى في البرلمان عاجزة عن العمل بعضها مع بعض. ثمة كتلتان إلى جانب «الكتلة المركزية»: الأولى تضم الأحزاب اليسارية، والأخرى خاصة باليمين المتطرف ممثلاً في «التجمع الوطني» الذي تتزعمه مارين لوبن. وعبر مارك فيسنو، رئيس مجموعة «الحركة الديمقراطية» في البرلمان عن إحباطه في تغريدة على منصة «إكس»، الاثنين، حيث كتب: «أشعر بالخجل من حياتنا السياسية. أريد أن أقول هنا الحقيقة كما هي. إن عدم المسؤولية الفردية، والطموحات الرئاسية، والحسابات الصغيرة التافهة، تغرق البلاد في الفوضى. وفي النهاية، سيكون الفرنسيون الضحايا الوحيدين. من حق مواطنينا أن يشعروا بالغضب. أشعر بالخجل من العواقب التي ستترتب على ذلك. وعلى الذين يحبون بلدنا فوق كل اعتبار آخر أن يتحاوروا، أخيراً، بعضهم مع بعض وبصدق».

وإزاء هذه التطورات، تكاثرت التصريحات ورمي الاتهامات. فرئيس حزب «الجمهوريون» وزير الداخلية، برونو روتايو، رفض تحمل مسؤولية الأزمة التي اندلعت بسبب تحفظاته عن تركيبة الحكومة، حيث لم يحظ بثلث وزرائها، ولرفضه تعيين لومير في وزارة الدفاع وتأكيده أن حزبه لا يستطيع البقاء في الحكومة.

والحال أن الحكومات الثلاث التي تشكلت منذ عام ونصف قامت على تحالف بين الأحزاب الثلاثة الداعمة لماكرون و«الجمهوريون»... ولذا؛ فإن انسحاب هؤلاء جعل حكومة لوكورنو مكشوفة تماماً. وسعى لوكورنو إلى «تحييد» الحزب الاشتراكي بعدد من التدابير التي لم تحظ برضاه؛ لأن الأول رفض التجاوب مع مطلبين أساسين: الأول التراجع عن قانون التقاعد الذي أُقر في عام 2023، والثاني فرض ضريبة مرتفعة على أصحاب الثروات الكبرى التي تزيد على مائة مليون يورو.

من جهته، سارع اليمين المتطرف، بصوت رئيسه جوردان بارديلا، إلى المطالبة بانتخابات نيابية مبكرة، وكذلك فعلت مارين لوبن. وغرد الأول قائلاً: «سيكون من الصعب توفر الاستقرار من غير العودة إلى صناديق الاقتراع ومن غير حل البرلمان».

المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون دعا مجدداً إلى استقالة الرئيس ماكرون أو إقالته (أ.ف.ب)

أما جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري، فقد جدد مطالبته بإقالة ماكرون أو استقالته والذهاب مباشرة إلى انتخابات رئاسية. ودعا ميلونشون النواب إلى مباشرة النظر في اقتراح قانون قُدم إلى رئاسة البرلمان الشهر الماضي ووقعه 104 من نواب اليسار والبيئويين، يدعو إلى إقالة ماكرون بموجب النصوص الدستورية بالغة التعقيد.

3 سيناريوهات

اليوم، كل الأنظار تتجه إلى «قصر الإليزيه» وماكرون، فبالصلاحيات الدستورية الممنوحة له، ترسو عليه مسؤولية إيجاد مخرج من الأزمة السياسية التي لها تشعبات اجتماعية واقتصادية ومالية وأخرى أوروبية ودولية. بيد أن مشكلته الرئيسية أن الخيارات المتاحة أمامه بالغة الصعوبة.

ويرى الخبراء أن أمامه 3 سيناريوهات؛ الأول: السعي إلى كسب الوقت من خلال تكليف شخصية «محايدة» من المجتمع المدني تشكيل حكومة من التكنوقراط (الخبراء) مع مهمة رئيسية عنوانها تمرير مشروع الموازنة لعام 2026. والثاني: تكليف شخصية تميل يساراً (ربما من «الحزب الاشتراكي»)، وهو ما رفضه ماكرون منذ العام الماضي، وحجته أنها ستسقط منذ أول اختبار بسبب الرفض المبدئي للكتلة الوسطية واليمين التقليدي فضلاً عن اليمين المتطرف. والسيناريو الثالث يتألف من شقين: الدعوة إلى انتخابات مبكرة، أو الاستقالة.

والحال، أن ماكرون أكد أكثر من مرة أنه باقٍ حتى آخر لحظة من ولايته؛ ولذا فالاستقالة مستبعدة. أما الانتخابات المبكرة، فإن لها عيبين؛ الأول: أن من المرجح لها أن تأتي بمجلس نيابي شبيه بالمجلس الحالي، وبالتالي، فإن الأزمة ستتعمق بمختلف مكوناتها. والثاني أنها قد تفتح الباب أمام اليمين المتطرف للوصول إلى الحكومة في حال حصوله على الأكثرية أو الاقتراب منها. وفي هذه الحالة، فلن يستطيع تجنب «المساكنة» معها؛ أي أن تكون الرئاسة في اتجاه والحكومة في اتجاه آخر؛ مما سيفتح الباب أمام تجاذبات خطيرة بالنظر إلى الهوة التي تفصل بين الطرفين.

ولأول مرة منذ وصوله إلى الرئاسة، يجد ماكرون نفسه أمام وضع يصعب التعامل معه. فهل سيستنبط حلاً سحرياً لم يخطر في بال أحد؟ السؤال مطروح، وجوابه سيظهر في مقبل الأيام.


مقالات ذات صلة

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

أوروبا بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ) p-circle

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز و«ستارلينك» تحجب خدمة الإنترنت عن القوات الروسية

رائد جبر (موسكو) إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون يدعو إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»، وقالت أوساطه إنه مصمم على الدفع نحو «إحداث تغيير».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمر صحافي عقب قمة حول أوكرانيا في قصر الإليزيه بباريس 9 ديسمبر 2019 (رويترز)

ماكرون: استئناف الحوار مع بوتين «قيد الإعداد»

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، أنه يجري الإعداد لاستئناف الحوار مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خلال مؤتمر صحافي في بينيو بوسط فرنسا... 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا تمضي نحو اعتماد ميزانية 2026 المؤجَّلة

من المقرر أن تعتمد فرنسا أخيراً ميزانية 2026، اليوم الاثنين، عندما يسمح الفشل المتوقع لاقتراحي حجب الثقة بإقرار التشريع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو 2025 (أ.ب)

تقييم فرنسي يحدد 4 أسباب وراء خسارة «قسد»

لا تبدو باريس مندهشة من خسارة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) أمام قوات الحكومة السورية. وبحسب التقييم الفرنسي، تقف 4 أسباب خلف هذه الخسارة.

ميشال أبونجم (باريس)

زعيم حزب العمال في اسكتلندا يدعو ستارمر إلى الاستقالة

زعيم حزب العمال الاسكتلندي أنس سروار يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غلاسكو في اسكتلندا في 9 فبراير 2026... دعا سروار في هذا المؤتمر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الاستقالة (أ.ف.ب)
زعيم حزب العمال الاسكتلندي أنس سروار يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غلاسكو في اسكتلندا في 9 فبراير 2026... دعا سروار في هذا المؤتمر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الاستقالة (أ.ف.ب)
TT

زعيم حزب العمال في اسكتلندا يدعو ستارمر إلى الاستقالة

زعيم حزب العمال الاسكتلندي أنس سروار يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غلاسكو في اسكتلندا في 9 فبراير 2026... دعا سروار في هذا المؤتمر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الاستقالة (أ.ف.ب)
زعيم حزب العمال الاسكتلندي أنس سروار يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غلاسكو في اسكتلندا في 9 فبراير 2026... دعا سروار في هذا المؤتمر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الاستقالة (أ.ف.ب)

دعا زعيم حزب العمال في اسكتلندا أنس سروار، الاثنين، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الاستقالة من منصبه، ما يزيد الضغوط على ستارمر المثقل بالمشكلات، وذلك عقب الكشف عن تفاصيل تتعلق بالعلاقة بين السفير البريطاني السابق لدى واشنطن بيتر ماندلسون والراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية.

وقال سروار إن «حالة الإرتباك يجب أن تنتهي، والقيادة في داونينغ ستريت (مركز رئيس الوزراء البريطاني)) يجب أن تتغير». ويُعد أعلى مسؤول في حزب العمال يطالب ستارمر بالتنحي، ما يزيد الضغط على رئيس الوزراء بسبب قراره تعيين ماندلسون في هذا المنصب الدبلوماسي الرفيع، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وأضاف سروار: «لقد كانت هناك أخطاء كثيرة»، معترفاً بأنه يطلق هذا الموقف في محاولة لحماية فرص الحزب في انتخابات البرلمان الاسكتلندي المقررة في مايو (أيار).

وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استقال أيضاً كبير موظفي ستارمر ومدير الاتصالات، بينما يحاول رئيس الوزراء دعم سلطته المتراجعة. وبدا موقفه هشاً يوم الاثنين وهو يسعى لإقناع نواب الحزب بعدم الإطاحة به بعد 19 شهراً فقط في المنصب.

وقال مكتب ستارمر إنه لا يخطط للتنحي، وإنه «يركز على المهمة المطروحة». وكان من المقرر أن يخاطب النواب خلف أبواب مغلقة مساء الاثنين في محاولة لاستعادة بعض من نفوذه.

واعتذر ستارمر، الأسبوع الماضي، عن «تصديقه أكاذيب ماندلسون». وتعود العاصفة السياسية إلى قرار تعيينه ماندلسون عام 2024 رغم علمه بوجود صلات بين ماندلسون وإبستين. وكان ستارمر قد أقال ماندلسون في سبتمبر (أيلول) الماضي بعد نشر رسائل إلكترونية أظهرت أنه حافظ على صداقته مع إبستين بعد إدانة الأخير عام 2008 بجرائم جنسية بحق قاصر.

ويرى منتقدون أن ستارمر كان يجب أن يتحلى بحكم أفضل قبل تعيين شخصية مثيرة للجدل مثل ماندلسون، البالغ 72 عاماً، والذي ارتبط اسمه بسلسلة من الفضائح المالية والأخلاقية. وأدى نشر دفعة جديدة من ملفات إبستين في الولايات المتحدة إلى كشف مزيد من التفاصيل وزيادة الضغوط على ستارمر. وقد تعهد ستارمر بنشر وثائق متصلة بقرار التعيين، لكن إصدارها قد يستغرق أسابيع بسبب مراجعات تتعلق بالأمن القومي واحتمال تعارضها مع تحقيق للشرطة.

وتحقق الشرطة مع ماندلسون في شبهات سوء السلوك في المنصب العام، بعد مزاعم بأنه مرر معلومات حكومية حساسة إلى إبستين قبل نحو خمسة عشر عاماً. وهذه التهمة قد تصل عقوبتها إلى السجن مدى الحياة. لكن لم يتم توقيف ماندلسون أو توجيه اتهام له، ولا يواجه مزاعم بسوء سلوك جنسي.

من جهته، أعلن كبير موظفي ستارمر، مورغان ماكسويني، تحمّله المسؤولية عن قرار التعيين باستقالته الأحد، قائلاً: «أنا من نصحت رئيس الوزراء بهذا القرار (تعيين ماندلسون سفيراً) وأتحمل المسؤولية كاملة».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يعدل نظارته أثناء انتظاره لإلقاء خطابه في سانت ليوناردز، بريطانيا 5 فبراير 2026 (رويترز)

ويرى بعض مسؤولي حزب العمال أن رحيل ماكسويني قد يمنح ستارمر وقتاً لإعادة بناء الثقة، فيما اعتبر آخرون أن خروجه يترك رئيس الوزراء ضعيفاً ومعزولاً. بدورها، قالت زعيمة حزب المحافظين المعارض، كيمي بادنوك، إن ستارمر «اتخذ قراراً سيئاً تلو الآخر»، وإن «موقعه لم يعد قابلًا للاستمرار».

ومنذ وصوله إلى السلطة، واجه ستارمر صعوبات في تحقيق النمو الاقتصادي الموعود، وإصلاح الخدمات العامة، وتخفيف أعباء المعيشة. ورغم تعهده بإعادة النزاهة بعد سنوات من فضائح المحافظين، فقد واجه انتقادات بسبب تراجعات في سياسات الرفاه وغيرها.

ويظهر حزب العمال متأخراً في استطلاعات الرأي خلف حزب «إصلاح المملكة المتحدة« اليميني المتشدد، ما أثار حديثاً عن تحدٍ لقيادة ستارمر للحزب حتى قبل تفجّر قضية ماندلسون.

وبموجب النظام البرلماني البريطاني، يمكن تغيير رئيس الوزراء دون انتخابات عامة. وإذا طُعن في قيادة ستارمر أو استقال، فسيُجرى انتخاب لزعيم جديد لحزب العمال ويصبح الفائز تلقائياً رئيساً لوزراء بريطانيا. وكان المحافظون قد شهدوا ثلاثة رؤساء وزراء بين انتخابات 2019 و2024، من بينهم ليز تراس التي بقيت في منصبها 49 يوماً فقط.

وقال النائب العمالي كلايف إيفورد إن على منتقدي ستارمر «أن يحذروا مما يتمنونه»، مضيفاً لهيئة الإذاعة البريطانية: «لم يتقبل الناس تغييرات رؤساء الوزراء عندما كان المحافظون في السلطة، ولم يفدهم ذلك».


توقعات بإطلاق حلف الأطلسي المهمة «أركتيك سنتري» خلال أيام

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)
جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)
TT

توقعات بإطلاق حلف الأطلسي المهمة «أركتيك سنتري» خلال أيام

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)
جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

قالت خمسة ​مصادر لـ«رويترز» إن حلف شمال الأطلسي من المتوقع أن يطلق المهمة «أركتيك سنتري» في الأيام المقبلة؛ في خطوة تهدف إلى تعزيز دوره في منطقة القطب الشمالي وتخفيف التوتر بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحلفاء الأوروبيين بشأن غرينلاند.

ورجَّح ثلاثة دبلوماسيين أوروبيين ومسؤول عسكري ومصدر مطلع اتخاذ قرار الإطلاق خلال الأسبوع الحالي حينما يجتمع وزراء دفاع الحلف في بروكسل.

و«أركتيك سنتري» هي مهمة استطلاع دولية تهدف إلى تعزيز الأمن في المنطقة القطبية، وتشارك فيها دول حلف الأطلسي لتعزيز التعاون الدفاعي.


كيف يمكن استبدال ستارمر في رئاسة حكومة بريطانيا؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا 5 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا 5 فبراير 2026 (رويترز)
TT

كيف يمكن استبدال ستارمر في رئاسة حكومة بريطانيا؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا 5 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا 5 فبراير 2026 (رويترز)

يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر معركة للبقاء في منصبه، في ظل تعرّضه لانتقادات حادة بسبب قراره عام 2024 تعيين السياسي المخضرم بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، رغم علاقاته بالممول الراحل المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

وأصبح ستارمر موضع تدقيق غير مسبوق بعد الإفراج مؤخراً عن ملايين الوثائق المرتبطة بإبستين من قِبل وزارة العدل الأميركية، التي أظهرت مدى قرب العلاقة بين ماندلسون وإبستين.

ويشهد الرأي العام البريطاني غضباً واسعاً بسبب تعيين ستارمر لماندلسون، الذي كان لوقت طويل من الشخصيات المحورية في حزب العمال الذي يتزعمه ستارمر، في منصب حساس ورفيع المستوى مثل منصب السفير البريطاني في واشنطن، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة حينها بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال أُقيم في مقر إقامة السفير بالعاصمة الأميركية واشنطن 26 فبراير 2025 (أ.ب)

وكان ستارمر قد أقال ماندلسون بالفعل بعد نشر دفعة أولى من الرسائل الإلكترونية في سبتمبر (أيلول)، أظهرت أنه ظل صديقاً لإبستين بعد إدانة الأخير عام 2008 بجرائم جنسية بحق قاصرة.

لكن الرسائل الجديدة تكشف عن أن ماندلسون نقل أيضاً معلومات حكومية حساسة، وربما مؤثرة، في الأسواق إلى إبستين عام 2009، عندما كان ماندلسون عضواً في حكومة حزب العمال.

باتت قيادة ستارمر الآن موضع تساؤل، ودعا عدد من نواب حزب العمال إلى استقالته. وقد استقال كبير موظفيه يوم الأحد، متحملاً المسؤولية عن نصيحته لستارمر بتعيين ماندلسون، إلا أن كثيرين يرون أن ذلك غير كافٍ لإبقاء ستارمر في منصبه.

يحاول رئيس الوزراء إقناع أعضاء حزبه بدعمه. واعتذر للشعب البريطاني ولضحايا الاتجار الجنسي المرتبط بإبستين، لأنه صدّق ما وصفه بـ«أكاذيب ماندلسون».

وهناك عدة طرق قد يغادر بها ستارمر منصبه، بعضها أسهل من غيره، وفق «أسوشييتد برس».

الطريقة الأسهل

الخيار الأبسط هو أن يعلن ستارمر نيته الاستقالة، مما يؤدي إلى إطلاق انتخابات لقيادة حزب العمال. وقد تأتي الاستقالة إذا أخبره وفد من أعضاء الحكومة أنه فقد دعماً كبيراً داخل الحزب، أو إذا استقال أعضاء من حكومته احتجاجاً.

ومن بين الذين يُعتقد أن لديهم طموحات قيادية للحلول مكان ستارمر بمنصب رئيس الوزراء، وزير الصحة ويس ستريتينغ، ووزيرة الداخلية شابانا محمود، ونائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر، التي اضطرت إلى الاستقالة العام الماضي، بعد إقرارها بأنها لم تدفع ضرائب كافية على شراء منزل. ولا يزال التحقيق في ذلك جارياً... لكن لا يوجد مرشح أوفر حظاً بشكل واضح.

أما آندي برنهام، عمدة مانشستر الشعبي الذي مُنع من الترشح في انتخابات خاصة في المدينة هذا الشهر، فلن يكون مؤهلاً، لأن زعيم الحزب يجب أن يكون من أعضاء الكتلة البرلمانية.

وأياً يكن من سيترشح، فمن المرجح أن تستغرق الانتخابات أسابيع، مع بقاء ستارمر في منصبه حتى انتهائها.

إذا قرر ستارمر الاستقالة فوراً فمن المرجح أن يختار مجلس الوزراء والهيئة الحاكمة للحزب زعيماً مؤقتاً لتولي رئاسة الوزراء، غالباً سيكون شخصاً لا ينوي الترشح لقيادة الحزب. وقد يكون نائب رئيس الوزراء ديفيد لامي مناسباً لهذا الدور.

وزير الخارجية البريطاني حينها ديفيد لامي خلال مؤتمر صحافي في كيشيناو بمولدوفا 20 نوفمبر 2024 (رويترز)

وبموجب قواعد حزب العمال، يجب أن يحصل المرشحون على دعم خُمس أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب، أي ما يعادل 80 نائباً.

ومن يستوفون هذا الشرط يتعيّن عليهم بعد ذلك الحصول على دعم 5 في المائة من فروع الحزب المحلية أو ثلاثة على الأقل من الهيئات المنتسبة، على أن يكون اثنتان منها نقابات عمالية. والهيئات المنتسبة هي مجموعات أو منظمات تُعد مصالحها متوافقة مع مصالح حزب العمال، بما في ذلك النقابات والجمعيات التعاونية والاشتراكية.

بعد ذلك يصوّت أعضاء الحزب والمنتسبون المؤهلون لاختيار الزعيم من خلال نظام انتخابي. والفائز هو أول من يحصل على أكثر من 50 في المائة من الأصوات.

ثم يدعو الملك البريطاني تشارلز الثالث الفائز إلى تولي رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة.

الطريقة الأقل سهولة

إذا لم يستقل ستارمر فقد يواجه تحدياً، ربما من داخل حكومته.

وعلى عكس حزب المحافظين الذي لديه تاريخ في إزاحة قادته مثل مارغريت ثاتشر عام 1990، وبوريس جونسون عام 2022، لا يمتلك حزب العمال هذه السابقة. فلم يُطَح بأي رئيس وزراء من الحزب، وإن كان توني بلير قد أعلن خطته للاستقالة في عام 2007 بعد سلسلة من الاستقالات المحدودة.

سيتعيّن على المنافسين تلبية شروط الأهلية المذكورة أعلاه، لكن اسم ستارمر سيكون مدرجاً تلقائياً في ورقة الاقتراع.

يواجه ستارمر سلسلة من العقبات في الأسابيع المقبلة. أولها على الأرجح سيكون عند نشر الملفات المتعلقة بعملية التدقيق في تعيين ماندلسون. وسيأمل ستارمر أن تُظهر هذه الملفات حجم الأكاذيب التي قالها ماندلسون. وإذا لم يحدث ذلك فقد يشكّل الأمر خطراً كبيراً على رئيس الوزراء.

مطب محتمل آخر قد يكون الانتخابات الخاصة في غورتون ودنتون في 26 فبراير (شباط)، وهي دائرة تُعدّ تقليدياً آمنة لحزب العمال. لكن المعركة هذه المرة ستكون صعبة، مع تحديات من حزب الإصلاح البريطاني المناهض للهجرة من اليمين، ومن حزب الخضر من اليسار.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلقي خطاباً في سانت ليوناردز ببريطانيا 5 فبراير 2026 (رويترز)

كما أن قرار منع آندي برنهام من الترشح يشكّل خطراً على الحزب. فبينما قيل إن منعه جاء لأن فوزه سيؤدي إلى انتخابات مكلفة لمنصب عمدة مانشستر، يقول منتقدون إن ستارمر لم يرغب في عودة منافس محتمل وخطير إلى مجلس العموم.

بعد ذلك تأتي مجموعة من الانتخابات في مايو (أيار). ويخشى كثيرون في حزب العمال أن يفقد الحزب السلطة في إقليم ويلز للمرة الأولى منذ إنشاء البرلمان هناك عام 1999، وأن يحقق نتائج ضعيفة جداً في اسكوتلندا، ويتلقى ضربة قاسية في الانتخابات المحلية في إنجلترا.

من الواضح أن ستارمر يواجه مشهداً صعباً. وذلك من دون احتساب أي تطورات مفاجئة قد تزيد من زعزعة رئاسته للوزراء، وفق «أسوشييتد برس».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended