هل من وساطة فرنسية لإخراج قانون الانتخابات اللبنانية من المراوحة؟

الخلاف حوله ليس تقنياً ويتعلق بالهوية السياسية للبرلمان الجديد

لبنانية ترفع أصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت في مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع أصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت في مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

هل من وساطة فرنسية لإخراج قانون الانتخابات اللبنانية من المراوحة؟

لبنانية ترفع أصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت في مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع أصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت في مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

تصاعد وتيرة الاشتباك السياسي حول أي قانون ستُجرى على أساسه الانتخابات النيابية في ربيع 2026، لا يعود لخلافات تقنية وإنما يتعلق، كما يقول مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط»، بـ«تحديد الهوية السياسية للبرلمان المنتخب، في ضوء التحولات في المنطقة وانعكاسها على الداخل اللبناني».

ويشير المصدر إلى «الاهتمام الدولي بالاستحقاق النيابي، والتعامل معه على أنه محطة لإحداث تغيير يعبّد الطريق أمام دخول لبنان في مرحلة سياسية جديدة، غير تلك التي كانت قائمة قبل أن يتفرد (حزب الله)، بإسناده لغزة».

فاضطرار اللجنة النيابية الفرعية المكلفة بدراسة مشروعات القوانين الانتخابية إلى تعليق اجتماعاتها، لم يفاجئ الوسط السياسي بعد أن تعذّر عليها تحقيق أي تقدُّم، فيما يتمسك رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بإجراء الانتخابات على أساس القانون النافذ الذي ينص على استحداث 6 مقاعد نيابية لتمثيل الانتشار اللبناني في بلاد الاغتراب، تُوزّع مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ولا يحق للمغتربين الاقتراع من مقر إقامتهم، لـ128 نائباً بحسب قيودهم في لوائح الشطب.

وفي المقابل، فإن خصوم «الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر»، يصرون على تعليق العمل بالمادة 122 الخاصة باستحداث 6 مقاعد لتمثيل الاغتراب وشطب المادة 112 من القانون النافذ، بما يسمح للمقيمين في الاغتراب، بالاقتراع من مقر إقاماتهم انطلاقاً من تقديرهم، كما يقول المصدر النيابي، بأن الانتشار هو بمثابة «منجم» انتخابي يشكل رافعة للوائح المنافسة للثنائي و«التيار الوطني»، وذلك استناداً لنتائج الدورة السابقة التي صبت لمصلحة المرشحين المنتمين لـ«قوى التغيير».

«الثنائي» يعارض اقتراع المغتربين

إن «الثنائي» يقف سداً منيعاً في وجه السماح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم لـ128 نائباً، ومن ثم، من يريد الاقتراع عليه الحضور إلى لبنان لقطع الطريق على خصومه الذين يصرون، كما يقول، على ترجمة ما آلت إليه الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، بالمفهوم السياسي للكلمة، في صناديق الاقتراع، تحت عنوان أن «(حزب الله) بتفرده بإسناده لغزة، أقحم البلد في مواجهة غير محسوبة رتبت عليه أكلافاً بشرية ومادية بالغة الثمن».

كما أن السماح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم يعني، من وجهة نظر «الثنائي»، لا يؤمّن تكافؤ الفرص بين مرشحيه ومنافسيهم، نظراً لإدراج «حزب الله» على لائحة الإرهاب التي طالت عدداً من قيادييه، ما يحدّ من حرية تحرك مرشحيه للقيام بحملات انتخابية، ويعرِّض محازبيهم لملاحقات تلحق الضرر بمصالحهم.

وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار يتفقد مركزاً للاقتراع في بيروت في مايو الماضي (إ.ب.أ)

ويلفت المصدر النيابي إلى «أن الاستعصاء السياسي لا يزال يحاصر الاتفاق على قانون الانتخاب، وهذا ما ألزم اللجنة النيابية الفرعية بتعليق اجتماعاتها»، بينما دعا وزيرا الداخلية العميد أحمد الحجار، والخارجية والمغتربين يوسف رجي، المقيمين في بلاد الانتشار لتسجيل أسمائهم للاقتراع على أساس القانون النافذ حالياً، أي بالإبقاء على استحداث 6 مقاعد لتمثيل الاغتراب اللبناني.

تدخل فرنسي

في هذا السياق، بدأ يتردد في الكواليس النيابية، أن باريس تدرس الدخول على خط الوساطة لإخراج قانون الانتخاب من المراوحة على قاعدة تعليق العمل باستحداث 6 مقاعد لتمثيل الاغتراب اللبناني، بالتلازم مع صرف نظر الأكثرية عن شطب المادة 112، ما يسمح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم لـ128 نائباً.

ولدى سؤال «الثنائي» عن موقفه في حال حسمت باريس أمرها، وقررت التوسط، كان جواب المصدر، أنه لن يتبنى ما يمكن أن تحمله الوساطة، لكن لا شيء يمنعه من تأييدها، في مقابل تأكيد نواب ينتمون للأكثرية، بأن التداول قائم بداخل البرلمان عن استعداد باريس للتدخل، «لكن لا شيء حتى الساعة، ولا بد أن ننتظر لنرى، ولكل حادث حديث».

إقبال محدود

مع أن المهلة لتسجيل الأسماء تنتهي في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإن خصوم «الثنائي» يؤكدون لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة الإقبال ما زالت محدودة؛ لأن المغتربين في حيرة من أمرهم في ظل الغموض الذي يكتنف قانون الانتخاب، مع أنهم يفضلون بغالبيتهم الاقتراع لـ128 نائباً.

فتحديد المقاعد النيابية التي ستوزّع على القارات، لا يزال موضع خلاف يتراوح بين إصدارها بمراسيم صادرة عن الحكومة، وبين إلحاقها بقانون الانتخاب الذي يتطلب موافقة البرلمان، وهذا يلقى معارضة من الرئيس بري؛ لأن مجرد طرحها على الهيئة العامة في جلسة تشريعية، سيفتح الباب أمام الذين يؤيدون إلغاء المادة 112، لإعادة طرحها بتأييد أكثرية نيابية كانت وقعت على اقتراح قانون معجل مكرر يسمح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقاماتهم.

سيدة تحمل صورة زوجها الذي قُتل في الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل خلال إدلائها بصوتها في الانتخابات البلدية بالنبطية جنوب لبنان (أرشيفية - إ.ب.أ)

ويتذرَّع «الثنائي» برفضه إلغاء المادة 112، بأن الموافقة على شطبها يعني، كما تقول مصادره لـ«الشرق الأوسط»، إن تكافؤ الفرص لمرشحيه يكاد يكون معدوماً، جراء إدراج مسؤولين في «حزب الله»، وبينهم مرشحون، على لائحتي الإرهاب والعقوبات الأميركية، ومن ثم، فإن خصومه يستمدون قوتهم من الخارج للاستقواء عليه، في إشارة للدول المعادية للحزب.

«الثنائي» يشغل ماكينته الانتخابية

ردت المصادر على اتهام «الثنائي»، بأنه يراهن على ترحيل الاستحقاق النيابي، بخلاف إصرار رئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام على إنجازه في موعده، وقالت إنه باشر تشغيل ماكينته الانتخابية، «لتجديد شرعيته الشعبية، وللتأكيد، بأن من يراهن على تراجع نفوذه سيكتشف أن الرد سيأتيه من صناديق الاقتراع، ولن يكون خرق النفوذ الشيعي في عقر داره، بأكثر من مقعد نيابي».

وعليه، يبدو أن الاستعصاء السياسي لإخراج قانون الانتخاب من التأزم، لا يزال قائماً ما لم يتدخل الكبار للتوصل إلى تسوية لتمرير رسالة للمجتمع الدولي، «بأن الحكومة عازمة على إنجاز الاستحقاق النيابي في موعده، وأن لا نية للتمديد للبرلمان إلا في حال قررت إسرائيل توسيع حربها بما يؤدي إلى تقطيع أوصال الجنوب ومنع أهله من الوصول إلى صناديق الاقتراع»، وهذا يتطلب من الولايات المتحدة الأميركية التدخّل لتوفير الأمان لإجراء الانتخابات، خصوصاً أنها تراهن على أن المجلس المنتخب، لن يكون نسخة عن الحالي، وسيشكل محطة لإحداث تغيير بتقليص نفوذ «حزب الله».


مقالات ذات صلة

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

المشرق العربي ستارمر p-circle

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الخميس، أن ضرب إسرائيل للبنان خطأ، بغض النظر عن التفاصيل الدقيقة لأي اتفاق مبرم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)

«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

أعلن «حزب الله» أن عناصره استهدفوا مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة للجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً، والدول الأوروبية المنددة تتضامن مع لبنان، ولكن من غير إجراءات عملية تردع تل أبيب.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)

استباحة إسرائيل لبيروت تُسقط الطمأنة الإيرانية إلى شمول لبنان بالاتفاق

سرعان ما استباحت إسرائيل دماء اللبنانيين، في يوم دموي غير مسبوق شهده لبنان لإسقاط تعهد إيران بشموله بالاتفاق الذي توصلت إليه مع الولايات المتحدة الأميركية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

نتنياهو يعطي «الضوء الأخضر» لمفاوضات مع لبنان

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أنه أعطى توجيهاته للبدء بمفاوضات مباشرة مع لبنان «في أقرب وقت ممكن»، ورحّب بدعوة من رئيس الوزراء اللبناني…

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

ستارمر
ستارمر
TT

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

ستارمر
ستارمر

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الخميس، أن ضرب إسرائيل للبنان خطأ، بغضّ النظر عن التفاصيل الدقيقة لأي اتفاق مبرم، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت الوكالة عن ستارمر قوله، الخميس: «ينبغي ألا يحدث ذلك، ويجب أن يتوقف. هذا هو موقفي الثابت. الأمر ليس مجرد سؤال تقنيّ عما إذا كان ذلك خرقاً للاتفاق أم لا، بل هو بالنسبة لي مسألة مبادئ».

وذكرت وكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا» أن ستارمر يزور الدول الحلفاء في المنطقة لإجراء مباحثات بشأن تثبيت وقف إطلاق النار والخطوات اللازمة لإعادة الثقة لاستعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.


«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)

أعلن «حزب الله» في 5 بيانات، الخميس، أن عناصره استهدفوا دبابة ميركافا على طريق بلدتي الطيبة دير سريان في جنوب لبنان بمسيّرة انقضاضية. كما استهدفوا مستوطنة مسكاف عام للمرة الثانية وثكنة هونين الإسرائيلية، بصليات صاروخية، ردّاً على خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان «حزب الله» قد أعلن في بيانات سابقة، الخميس، أن عناصره استهدفوا مستوطنة المنارة الإسرائيلية بصلية صاروخية، واستهدفوا آلية «نميرا» إسرائيلية بصاروخ موجّه، وقوة إسرائيلية متموضعة داخل منزل بمسيّرة في بلدة الطيبة، جنوب لبنان. واستهدفوا مستوطنتي كريات شمونة والمطلة الإسرائيليتين بصليات صاروخية. كما أعلن «حزب الله» في بيانات سابقة، اليوم (الخميس)، أن عناصره استهدفوا جنوداً إسرائيليين في موقع المرج الإسرائيلي بصليات صاروخية.

كما استهدفوا مستوطنات أفيفيم وشوميرا وشلومي وموقع هضبة العجل الإسرائيلي، بصليات صاروخية.

وكذلك أعلن «حزب الله» في بيانات سابقة، الخميس، أن عناصره استهدفوا بنى تحتية تابعة للجيش الإسرائيلي في مستوطنة يسود همعلاه. وأعلن أن عناصره اشتبكوا مع قوة إسرائيلية حاولت التقدم باتجاه مدينة بنت جبيل، جنوب لبنان، واستهدفوا جرافة «دي 0» إسرائيلية في بلدة الطيبة.


المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
TT

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)

جاء الردّ على المساعي التي تبذلها فرنسا لحماية لبنان من الضربات الإسرائيلية القاتلة سريعاً، وذلك على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أعلن الخميس أن إسرائيل تستهدف «(حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً». وجاء في تغريدة له على منصة «إكس»، الخميس، ما حرفيته: «رسالتنا واضحة: كل من يستهدف المدنيين الإسرائيليين سيتعرض للضرب. سنواصل ضرب (حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً، حتى نتمكن من استعادة الأمن بشكل كامل لسكان شمال إسرائيل». مضيفاً: «سنواصل ضرب (حزب الله) بقوة ودقة وعزم».

وجاء كلام نتنياهو بعد الاتصال الذي جرى الأربعاء بين الرئيس إيمانويل ماكرون، ونظيره اللبناني جوزيف عون، الذي كشف أن الأول أبلغه باستعداد باريس لتشغيل أدواتها الدبلوماسية حتى يكون لبنان مشمولاً باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية بالدرجة الأولى.

مساعي ماكرون

ولتنفيذ وعده، اتصل ماكرون الأربعاء بالرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والإيراني مسعود بزشكيان، للدفع باتجاه ضم لبنان إلى الاتفاق المذكور، بعد النهار الأسود الذي شهد مقتل ما يزيد عن 200 شخص، وجرح عدة مئات. ولم يكشف قصر الإليزيه أي تفاصيل عن الاتصالين. إلا أنه فُهم من مصادر متابعة في باريس أن الغرض كان مزدوجاً: الأول، التعرف على المضمون «الحقيقي» لاتفاق وقف النار لأسبوعين، والثاني حضّ ترمب على الضغط على إسرائيل لوضع حدّ لهجماتها الأعنف على لبنان، وخصوصاً على العاصمة بيروت.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس متحدثاً للصحافة قبل مغادرته بودابست العاصمة المجرية وأكد أن لبنان ليس مشمولاً باتفاق وقف القتال مع إيران (أ.ب)

أما اتصال ماكرون ببزشكيان، وهو الوحيد بين القادة الغربيين، الذي لم يقطع التواصل معه، فلاستكناه المقاربة الإيرانية للمرحلة الراهنة، وطلب منه العمل لدى «حزب الله» لتهدئة الوضع. وشدّد بزشكيان، في سياق موازٍ، على أن لبنان جاء مشمولاً بوقف النار، ما يعدّ أحد «الشروط الأساسية لخطة النقاط العشر» التي قدّمتها إيران، وتتمسك بها وبقراءتها لها.

بيد أن التجاوب مع مساعي ماكرون جاء سلبياً، ولم يحمل من الجانب الأميركي أي تشجيع. وجاء الردّ من خلال تصريحات لترمب شخصياً، وأيضاً لنائبه جيه دي فانس، وكلاهما أكد أن الاتفاق مع إيران لا يشمل لبنان، وهو ما شدّدت عليه الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الأربعاء، في مؤتمرها الصحافي.

ونبّه فانس، من بودابست، التي كان في زيارة لها، أنه «إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار بسبب لبنان الذي لا علاقة له بها، والذي لم تقل الولايات المتحدة يوماً إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا في النهاية خيارها». مضيفاً أنه «لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل قالتا إن هذا سيكون جزءاً من وقف إطلاق النار... ما قلناه هو أن وقف إطلاق النار سيركز على إيران وعلى حلفاء أميركا، سواء إسرائيل أو دول الخليج العربية». ومن المرجح أن يترأس فانس الوفد الأميركي إلى المفاوضات في إسلام آباد نهاية الأسبوع الحالي.

خيبة فرنسية من واشنطن

ما سبق يفسر الخيبة الفرنسية من الطرف الأميركي. فباريس تشكو من أن كافة الجهود المضاعفة التي بذلتها لدفع واشنطن حتى تلجم اليد الإسرائيلية في لبنان لم تجدِ نفعاً. وما فهمه دبلوماسيّوها أن ضوءاً أخضر أعطي لإسرائيل لتتابع هجماتها على «حزب الله»، وأنها غير مستعدة للضغط عليها في الوقت الحاضر.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجينا ميلوني متحدثة إلى النواب في البرلمان في جلسته ليوم الخميس (أ.ب)

لكن مصادر سياسية غير حكومية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل تريد الاستفادة من «الوقت الضائع» لإنزال أكبر الخسائر بـ«حزب الله»، قبل أن تشتد الضغوط عليها، وإن نتنياهو الذي واجه انتقادات عنيفة في إسرائيل بسبب الاتفاق بين واشنطن وطهران يريد «التعويض» عن خيبته الأميركية بمضاعفة استهداف «حزب الله» غير عابئ بمن يسقط من الضحايا. ومن جانب آخر، لا يأمل الجانب الفرنسي، رغم الجهود التي يبذلها لـ«ترطيب» علاقاته بإسرائيل، أن تستجيب تل أبيب لما يطلبه منها. فالاتصالات بين ماكرون ونتنياهو مقطوعة، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل يوم 20 مارس (آذار) الماضي، عقب حلوله في بيروت، لم تفضِ لأي نتيجة إيجابية بخصوص الترويج لخطة فرنسية مفصلة تفضي إلى إطلاق محادثات سياسية مباشرة ورفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، هدفها المعلن إنهاء حال الحرب بين البلدين.

ثمة حجة منطقية ورئيسية ترفعها باريس لإقناع الرافضين بضمّ لبنان إلى اتفاق وقف النار، وكتب ماكرون في تغريدة على منصة «إكس»: «أعربت عن أملي في أن تحترم جميع الأطراف المتحاربة وقف إطلاق النار بشكل كامل، على كل جبهات الحرب، بما في ذلك لبنان. وهذا شرط أساسي لكي يكون وقف إطلاق النار مستداماً». وبنظره، فإن هذا الاتفاق «يجب أن يمهد الطريق لمفاوضات شاملة لضمان سلامة الجميع في الشرق الأوسط».

ومن جانب آخر، عاد ماكرون للمطالبة بتفعيل آلية الرقابة على اتفاق وقف النار (الميكانيزم) لخريف عام 2024. داعياً، في كلمة له بمناسبة اجتماع لمجلس الدفاع والأمن في قصر الإليزيه، إلى «تعزيز دعم القوات المسلحة اللبنانية» لتصبح قادرة على «استعادة السيطرة على أراضيها والتصدي لـ(حزب الله) بشكل فاعل».

رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فنسنت جيرو سال إلى اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

إجماع أوروبي ولكن...

في اليومين الأخيرين، كان لبنان الشغل الشاغل للمسؤولين الفرنسيين الذين يرون أن الوضع في لبنان «خطير للغاية». ونقطة الانطلاق في القراءة الفرنسية أن «حزب الله»، كما قال ماكرون ووزيرا الخارجية والدفاع «ارتكب خطأ استراتيجياً عندما هاجم إسرائيل (في 2 مارس الماضي) وجرّ لبنان إلى أزمة إقليمية».

وقال جان نويل بارو، وزير الخارجية صباحاً في حديث لإذاعة «فرانس أنتير» إنه «ليس من مصلحة إسرائيل قصف لبنان»، معتبراً أن الضربات الإسرائيلية «لا يمكن قبولها»، وأن باريس «تدينها بشدة». ورمى الوزير الفرنسي المسؤولية على «حزب الله» الذي «أشعل فتيل النزاع» في بداية مارس، داعياً إيران لأن «تتوقّف عن ترهيب إسرائيل بواسطة (حزب الله) الذي ينبغي له بصورة ملحّة أن يلقي السلاح ويسلّمه إلى الدولة اللبنانية». وبنظره، فإن لبنان «تحول إلى كبش فداء» في نزاع لم يختره.

ومن جانبها، وصفت كاترن فوتران، وزيرة الدفاع، يوم الأربعاء بـ«المأساوي»، وأن هدف باريس من توفير الدعم العسكري للبنان «مساعدة جيشه للتخلص من (حزب الله)». وقالت أليس روفو، الوزيرة المنتدبة لدى وزارة الدفاع، التي زارت لبنان نهاية مارس، إن باريس «تقوم بما يتوجب القيام به في هذه المرحلة» لجهة الوقوف إلى جانب لبنان، مشيرة إلى أن ما حصل في لبنان مؤخراً «أمر لا يمكن القبول به». ورأى بارو أن «(حزب الله) يتحمل مسؤولية إدخال لبنان إلى النزاع».

ما تدعو إليه باريس تتشارك به مع الدول الأوروبية الأخرى، مع تنويعات بسيطة. فالأوروبيون مجمعون على ضرورة أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان. وكايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حثّت إسرائيل على وقف غاراتها على لبنان، محذرة من أنها تهدد الاتفاق الأخير. وهو حال جيورجينا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، التي دعت إسرائيل إلى وضع حدّ لعملياتها العسكرية في لبنان. وطالبت إيفيتكوبر، وزيرة الخارجية البريطانية، الخميس، في حديث تلفزيوني، بأن «يمدد وقف إطلاق النار» ليشمل لبنان، معبرة عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات الإسرائيلية. وانفردت ألمانيا عن بقية الأوروبيين بدعوتها إسرائيل إلى حصر عملياتها العسكرية «في إطار الدفاع عن النفس... وعدم تجاوز هذا الحدّ».

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إنه طالما بقي الحراك الأوروبي محصوراً ببيانات المؤاساة والتنديد، ولم يصل أبداً إلى اتخاذ قرارات تنفيذية وجريئة بحقّ إسرائيل، مثل وقف العمل باتفاقية الشراكة التي تربط الطرفين، فإن كلمة أوروبا تبقى بلا وزن وعديمة التأثير، وهو حالها منذ عشرات السنوات.