مصر: مشروعات أفلام طموحة عن «حرب أكتوبر» تصطدم بعقبة التمويل

«الكتيبة 26» للراحل لطفي لبيب من بينها

محمود ياسين في فيلم «بدور» (يوتيوب)
محمود ياسين في فيلم «بدور» (يوتيوب)
TT

مصر: مشروعات أفلام طموحة عن «حرب أكتوبر» تصطدم بعقبة التمويل

محمود ياسين في فيلم «بدور» (يوتيوب)
محمود ياسين في فيلم «بدور» (يوتيوب)

بعد مرور 52 عاماً على حرب السادس من أكتوبر 1973، تتردد أسئلة في الوسط الفني المصري حول أسباب قلة الأعمال الدرامية والسينمائية التي تتناول الحرب، وانحسارها في الفترة الأخيرة تماماً، رغم القيمة التاريخية والوطنية الكبرى للحدث، ويشير نقاد إلى تحطم حلم إنتاج أعمال كبرى عن انتصارات أكتوبر على صخرة التمويل.

ومع كل ذكرى لانتصارات أكتوبر تذيع الشاشات المصرية أفلاماً عن الحرب أنتجت في وقت قريب من الحرب، من بينها «بدور» و«الرصاصة لا تزال في جيبي» و«حكايات الغريب»، و«أغنية على الممر» الذي يرصد حرب الاستنزاف، و«حتى آخر العمر»، وكان أحدث تلك الإنتاجات في عام 2019 فيلم «الممر» الذي تناول بطولات الجيش المصري خلال حرب الاستنزاف، وقام ببطولته أحمد عز وإياد نصار وأحمد رزق، من تأليف وإخراج شريف عرفة.

فيلم «الممر» تناول جانباً من بطولات الجندي المصري (الشركة المنتجة)

في المقابل، هناك أكثر من مشروع سينمائي عن حرب أكتوبر لم ير النور، من بينها فيلم «الكتيبة 26»، وهو كتاب من تأليف الفنان الراحل لطفي لبيب الذي شارك في حرب أكتوبر، وكتب يوميات كتيبة المشاة التي عبرت القناة وشاركت في الانتصار، وقال لبيب، في إحدى مقابلاته التلفزيونية، إنه قام بتوثيق بطولات سلاح المشاة في حرب أكتوبر بفيلم «الكتيبة 26» التي كان من بين جنودها، وأعرب عن أمنيته إنتاج هذا الفيلم الذي يتضمن خبرته ومشاهد حية من الحرب، بعد أن قضى الفنان الراحل 6 سنوات مقاتلاً على الجبهة.

ويقول محمد الديب، مدير أعمال الفنان الراحل لطفي لبيب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «الفنان الراحل كتب بالفعل سيناريو الفيلم (الكتيبة 26)، ولكن لا يُعرف إن كان عرضه على أحد المنتجين، أو إذا كان اتخذ خطوات جدية نحو إنتاجه».

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «عقبة التمويل التي تضطر الدولة للمشاركة في مثل هذه الأفلام لفترة طويلة يجب أن نتجاوزها ونبحث عن بدائل لعدم تعطيل مشروعات فنية حول هذا الحدث التاريخي».

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مشروعات كثيرة تعطلت بسبب التمويل أو بسبب الطعن في التوجهات الآيديولوجية لصناع السينما أحياناً؛ فالكاتب الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة كتب فيلماً عن حرب 1973 كان من المفروض أن يخرجه شريف عرفة، لكن مؤسسة صحافية كبرى نشرت ما يفيد بأن عكاشة توجهاته ناصرية، وانتصار 73 مرتبط بالسادات، فكيف نأتي بشخص لا يحب السادات ليكتب سيناريو الفيلم؟ فتوقف المشروع الذي كان من المفترض أن تنتجه الدولة».

وكان السيناريست الراحل أسامة أنور عكاشة كتب فيلماً سينمائياً عن حرب أكتوبر، وذلك في عام 1995 بعنوان «أبواب الفجر»، وفي تصريحات صحافية قالت ابنته الإعلامية نسرين عكاشة، إن السيناريو توقف ولم يكتمل بسبب ظروف خارجة عن إرادة السيناريست، فيما قال اللواء سمير فرج في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه حين كان يتولى إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، تحمّس لفكرة أن تنتج الدولة فيلماً كبيراً عن حرب أكتوبر، وعرض الفكرة على المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع وقتها، ووافق على الفكرة، «ووقع الاختيار على أسامة أنور عكاشة لكتابة الفيلم، وشريف عرفة لإخراجه، وجلس عكاشة مع نحو 500 ضابط وجندي للتعرف على قصصهم والخروج بفكرة الفيلم، لكن لم يكتمل المشروع، بسبب حملة شرسة أطلقت ضد عكاشة بأنه ناصري الهوى، وبالتالي سيبخس السادات حقه»، على حد تعبيره.

وتابع فرج: «كل يوم يمر من دون إنتاج فيلم كبير يوثّق لحرب أكتوبر يمثل خسارة كبيرة لنا؛ لأن المعدات والأسلحة التي كانت موجودة وقتها تختفي تدريجياً، صحيح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر بدائل، لكنه لن يكون مثل الأسلحة الحقيقية، كما أن أبطال الحرب يرحلون، وكنا رصدنا إنتاجاً ضخماً لهذا الفيلم ولكنه لم ينجز»، في المقابل يشير فرج إلى قيام الشؤون المعنوية بإنتاج 13 فيلماً وثائقياً عن حرب أكتوبر، تصل مدة كل منها إلى 45 دقيقة، كما تناول حرب الاستنزاف، وقام خلالها بالتسجيل مع معظم قادة الحرب، من بينهم سعد الدين الشاذلي وصاحب حائط الصواريخ محمد علي فهمي، وتناولت الأفلام كل محاور الحرب.

واعترض الشناوي على فكرة ارتباط أفلام الحرب بالدولة، مؤكداً أن «فيلم (الممر) كان إنتاجاً خاصاً لهشام عبد الخالق رئيس غرفة صناعة السينما، ويمكن أن تكون الدولة ساعدت في الأسلحة والمعارك وتفاصيل من هذا القبيل، لكن القطاع الخاص يجب أن يتصدى لهذه الأفلام، وسمعت أن شريف عرفة يكتب الجزء الثاني من (الممر)، وسيكون عن حرب أكتوبر مباشرة، وأتمنى له النجاح كما نجح فيلم (الممر1) وحقق إيرادات كبيرة».

فيلم «حائط البطولات» تناول حرب أكتوبر (السينما دوت كوم)

ويرى الشناوي أن «سبب نجاح (الممر) ربما يعود لإبرازه الروح القتالية للجندي المصري والسماح رقابياً بالحديث عن بشاعة الهزيمة وحتى عرض النكات التي قيلت عنها باعتبارها جزءاً من الحالة المصرية»، ويتابع: «إذا سمح سقف الرقابة والإنتاج بتقديم انتصارات 73 بكل أبعادها سيصب في عمل فني جيد ليس بالضرورة أن تنتجه الدولة لكن يمكن أن تساعد لوجيستياً أو أدبياً».

ومن الأفلام المهمة التي تناولت بطولات الجيش المصري وتم عرضها على الشاشات خصوصاً خلال احتفالات أكتوبر، «الطريق إلى إيلات» للمخرجة إنعام محمد علي، و«العمر لحظة» و«المواطن مصري» من إخراج صلاح أبو سيف، و«حائط البطولات» من إخراج محمد راضي، وتكلّف إنتاج فيلم «الممر» من إخراج شريف عرفة 63 مليون جنيه، وفق تصريحات لمنتجه هشام عبد الخالق، فيما حقق إيرادات بالسينما تعدت 74 مليون جنيه، وفق تقارير محلية. (الدولار الأميركي يعادل حالياً نحو 48 جنيهاً).

وعدّ الناقد الفني المصري، أحمد السماحي، أن «مشكلة تمويل فيلم ضخم عن حرب أكتوبر موجودة منذ انتهاء حرب أكتوبر وحتى الآن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لنحو 52 عاماً ومشكلة التمويل تطارد صناع السينما المصرية ممن يرغبون في تقديم فيلم عن الحرب، وإن كانت السينما تناولت حرب أكتوبر في 8 أفلام روائية طويلة من بينها (الرصاصة لا تزال في جيبي) إخراج حسام الدين مصطفى، و(الوفاء العظيم) إخراج حلمي رفلة، و(بدور) إخراج نادر جلال، وغيرها، فإن السينما المصرية لم تقترب من حرب أكتوبر من بعد هذه الأفلام التي كان بعضها أفلاماً عاطفية تخللتها مشاهد من الحرب».

وأشار السماحي إلى أن «الرئيس السادات قائد حرب أكتوبر كان يتمنى إنتاج فيلم كبير يوثّق لبطولات الحرب يجمع بين الروائي والتسجيلي، وتحدث في هذا الأمر مع يوسف السباعي، وزير الثقافة وقتها، بحيث يتم إنتاج فيلم ضخم عن تدمير اللواء 190 وأسر قائده عساف ياغوري، وبالفعل تم الإعداد للفيلم، ولكن المشروع لم يكتمل بسبب التمويل، رغم أن الرئيس نفسه هو الذي تحمّس لإنتاج الفيلم».

ويؤكد الناقد الفني أن «التمويل سيظل العائق الأكبر أمام إنتاج أفلام كبيرة عن حرب أكتوبر، ولكن أعتقد أن الدولة حالياً والشركة المتحدة يمكنها أن تقدم فيلماً كبيراً عن أكتوبر حتى لو اضطرت لتوفير ميزانية 3 أو 4 مسلسلات وتوجيهها لإنتاج فيلم عظيم عن حرب أكتوبر، خصوصاً أن الشركات الخاصة لن تتمكن من ذلك».


مقالات ذات صلة

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

خاص مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجاً مشاركاً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.