مواجهة غير مسبوقة بين بابا الفاتيكان والبيت الأبيض

حول قضايا الهجرة وحقوق الإنسان

البابا ليو خلال لقائه مع فانس وزوجته أوشا في الفاتيكان يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
البابا ليو خلال لقائه مع فانس وزوجته أوشا في الفاتيكان يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
TT

مواجهة غير مسبوقة بين بابا الفاتيكان والبيت الأبيض

البابا ليو خلال لقائه مع فانس وزوجته أوشا في الفاتيكان يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
البابا ليو خلال لقائه مع فانس وزوجته أوشا في الفاتيكان يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

دخلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مواجهة غير مسبوقة مع الفاتيكان، بعدما وجّه البابا ليو الرابع عشر انتقادات لاذعة لسياسات البيت الأبيض، هذا الأسبوع، في ملف الهجرة وحقوق الإنسان.

البابا، وهو أول بابا أميركي المولد، قال بوضوح إن «المعاملة اللاإنسانية للمهاجرين تقوّض صدقية أي حديث عن حماية الحياة»، في تصريح سرعان ما أشعل سجالاً حاداً في واشنطن.

البابا يهاجم لغة الحرب

خلال لقاء مع صحافيين في مقر إقامته بكاستل غاندولفو، ذهب البابا أبعد من الدفاع عن المهاجرين. فقد ربط بين رفض الإجهاض من جهة، ورفض عقوبة الإعدام والتشدد مع المهاجرين من جهة أخرى، مؤكداً أن «من يتغاضى عن معاناة الفقراء والمهمشين لا يمكن أن يُعدّ مؤيداً للحياة حقاً». وأضاف أنه «يجب ألا يُستخدم الدين لتبرير الإقصاء أو القسوة؛ فالمحبة تتطلب انفتاح القلب قبل الحدود».

وتوقف عند الاجتماع الاستثنائي الذي عقده ترمب مع قادته العسكريين في فرجينيا، حيث تحدث الرئيس ووزير الحرب بيت هيغسيث بلغة وصفت بـ«التصعيدية». وقال البابا إن هذا الخطاب «مثير للقلق»، ويمثل «تصعيداً في لغة الحرب» داخل إدارة أميركية يفترض أن تبحث عن حلول دبلوماسية، لا عن مواجهات مفتوحة. ومع ذلك، أبدى انفتاحاً على خطة السلام التي طرحتها واشنطن لقطاع غزة، واصفاً إياها بأنها «واقعية وقابلة للنقاش».

ترمب يدافع... ويتهم بايدن

البيت الأبيض لم يتأخر في الرد. فقد نفت المتحدثة باسمه كارولين ليفيت بشدة وجود «معاملة غير إنسانية للمهاجرين»، مؤكدة أن الإدارة «تطبق القانون بأكثر الطرق إنسانية ممكنة». وأضافت في مؤتمر صحافي: «نحن نعمل وفق القانون ونُؤمن بكرامة الإنسان، ونرفض أي اتهامات بمعاملة غير إنسانية». لكنها سعت سريعاً إلى قلب الطاولة، عبر مهاجمة الرئيس السابق جو بايدن الذي «ترك الحدود في فوضى عارمة» على حد وصفها، مشيرة إلى جرائم ارتكبها مهاجرون غير شرعيين في عهده.

ورغم أن ليفيت كاثوليكية متدينة وتصلي قبل المؤتمرات الصحافية، فإنها امتنعت عن ذكر البابا بالاسم، في محاولة لتفادي صدام مباشر مع الفاتيكان. في المقابل، لم يتردد نائب الرئيس جي دي فانس، وهو أيضاً كاثوليكي بارز، في التصعيد، رافضاً مطالب الديمقراطيين بتمويل إضافي للرعاية الصحية، بحجة أن «المهاجرين غير الشرعيين يطيلون فترات الانتظار في غرف الطوارئ ويثقلون النظام الصحي».

انقسام الكاثوليك الأميركيين

تصريحات البابا تزامنت مع جدل كبير في أبرشية مدينة شيكاغو بولاية إلينوي مسقط رأسه، حيث أثار قرار تكريم السيناتور الديمقراطي ديك دوربين - المعروف بدعمه لحقوق الإجهاض - بجائزة الإنجاز مدى الحياة، موجة اعتراضات واسعة. البابا ليو شدد في كلماته على أن الكنيسة يجب أن تنظر إلى «مجمل عمل السياسيين» وليس إلى ملف واحد، في إشارة ضمنية إلى أن دوربين قدّم خدمات عامة تستحق التقدير رغم مواقفه الخلافية.

لكن الضغوط الداخلية كانت كبيرة، إلى أن أعلن الكاردينال بليز كوبيتش أن دوربين قرر التراجع عن تسلّم الجائزة «حرصاً على وحدة الكنيسة». هذه الخطوة كشفت عن حجم الانقسامات داخل المجتمع الكاثوليكي الأميركي، الذي يجد نفسه ممزقاً بين الولاء لتقاليد الكنيسة من جهة، والانخراط في صراعات السياسة الأميركية الداخلية من جهة أخرى.

المراقب البارز لشؤون الفاتيكان، ماركو بوليتي، اعتبر أن تصريحات البابا الأخيرة هي «الأكثر حدة حتى الآن ضد الآيديولوجية الترمبية»، مضيفاً أن البابا ليو يوازن بين لهجة نقدية واضحة، وحذر في اختيار الكلمات، بخلاف سلفه البابا فرنسيس الذي وصف سياسات ترمب في ولايته الأولى بأنها «عار».

قضية المناخ تدخل ساحة الجدل

لم يتوقف التوتر عند قضايا الهجرة أو السياسات الاجتماعية. ففي احتفال في روما بالذكرى العاشرة لرسالة «لوداتو سي» البيئية، شن البابا هجوماً على المشككين في تغيّر المناخ، داعياً إلى «تعزيز القوانين الدولية لحماية الأرض والفقراء الذين يدفعون ثمن الاحتباس الحراري».

ورغم أنه لم يسمِّ أحداً، فإن تصريحاته جاءت بعد أيام من خطاب ترمب في الأمم المتحدة وصف فيه الاحتباس الحراري بأنه «خدعة»، ما جعل كلمات البابا تُقرأ كإدانة ضمنية للخطاب الأميركي الرسمي.

مواجهة مفتوحة

هذه التطورات تكشف عن أن العلاقة بين الفاتيكان والبيت الأبيض تسير نحو مزيد من التوتر. فبينما يحاول ترمب إبراز التزام ديني في حملته السياسية المقبلة، يسعى البابا إلى فرض مقاربة شاملة تعطي الأولوية لكرامة الإنسان، سواء كان جنيناً لم يولد بعد، أو مهاجراً يبحث عن الأمان، أو سجيناً مهدداً بالإعدام، أو مزارعاً يعاني آثار تغيّر المناخ.

ومع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو أن صوت البابا ليو - القادم من قلب المؤسسة الكاثوليكية العالمية لكنه ابن ولاية إلينوي الأميركية - سيكون عاملاً إضافياً يزيد المشهد تعقيداً. فهو يمثل تحدياً لترمب ليس فقط على المستوى الأخلاقي والديني، بل أيضاً في قدرته على التأثير على شريحة من الناخبين الكاثوليك المتأرجحين، الذين قد يحددون وجهة السباق الرئاسي المقبل.


مقالات ذات صلة

احتفالات عيد الميلاد تعود إلى بيت لحم بعد عامين من الحرب على غزة

العالم العربي احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

احتفالات عيد الميلاد تعود إلى بيت لحم بعد عامين من الحرب على غزة

تجوب فرق الكشافة شوارع بيت لحم الأربعاء، مع بدء الاحتفالات بعيد الميلاد في المدينة الواقعة في الضفة الغربية المحتلّة بعد عامين خيّمت عليهما حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (بيت لحم)
شؤون إقليمية البابا ليو يتفقد الطراز المعماري لجامع السلطان أحمد في إسطنبول خلال زيارته له يوم 29 نوفمبر (أ.ب)

بابا الفاتيكان يتجول داخل جامع السلطان أحمد في ثالث أيام زيارته إلى تركيا

زار البابا ليو الـ14 جامع السلطان أحمد في إسطنبول المعروف بـ«الجامع الأزرق» في أول زيارة لدار عبادة ومعلم إسلامي بارز منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي مرحباً ببابا الفاتيكان في القصر الرئاسي في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

البابا يُدشّن أولى زياراته الخارجية من تركيا

دشّن بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، أولى زياراته الخارجية من تركيا، حيث وصل إلى العاصمة أنقرة، أمس (الخميس)، في زيارة تستمر 4 أيام، ينتقل بعدها إلى لبنان.

سعيد عبد الرازق ( أنقرة)
المشرق العربي السيارة التي استخدمها بابا الفاتيكان الراحل فرنسيس خلال زيارته لبيت لحم منذ أكثر من 10 أعوام (أ.ب)

سيارة استخدمها البابا الراحل فرنسيس تتحول إلى عيادة متنقلة لأطفال غزة

تحولت سيارة استخدمها البابا الراحل فرنسيس قبل أن تتحول إلى عيادة متنقلة لتقديم الرعاية للأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
يوميات الشرق البابا فرنسيس في استاد مدينة زايد الرياضية بأبوظبي... فبراير 2019 (د.ب.أ)

كاميرا للبابا فرنسيس تُباع بنحو 7.5 مليون دولار

بيعت كاميرا من ماركة «لايكا» كانت للبابا فرنسيس، ضمن مزاد أُقيم في فيينا، السبت، مقابل 7.49 مليون دولار، على أن يعود ريع المزاد لجمعية البابا الراحل الخيرية.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

ترمب: «أخلاقي هي الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يوقفني»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: «أخلاقي هي الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يوقفني»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة نُشرت الخميس إن «أخلاقه» هي الشيء الوحيد الذي يقيد سلطته في إصدار أوامر بشن عمليات عسكرية في أنحاء العالم.

وجاءت تصريحات ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» بعد أيام من إطلاقه هجوما خاطفا لإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتهديده لعدد من الدول الأخرى بالإضافة إلى إقليم غرينلاند ذي الحكم الذاتي.

وقال ترمب للصحيفة عندما سُئل عما إذا كانت هناك أي حدود لعملياته في الخارج «نعم، هناك شيء واحد. أخلاقي... إنها الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني». وأضاف «لست في حاجة إلى قانون دولي. أنا لا أسعى لإيذاء الناس». وأشار إلى أن عليه التزام القانون الدولي، لكنه قال إن «الأمر يتوقف على تعريفك للقانون الدولي».

والولايات المتحدة ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية التي تحاكم مجرمي الحرب، وقد رفضت مرارا قرارات محكمة العدل الدولية، وهي أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة. وقد واجه دونالد ترمب مشكلات قانونية في بلاده. فقد أطلق الكونغرس مرتين إجراءات عزل بحقه خلال ولايته الأولى، ثم دين بتهم جنائية تتعلق بمدفوعات غير معلنة لممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيلز، وواجه اتهامات فدرالية بمحاولات غير قانونية لقلب نتائج انتخابات عام 2020 قبل أن تساهم عودته إلى السلطة في إسقاط ملفه.

وفيما كان يقدّم نفسه «رئيسا للسلام» ويسعى لنيل جائزة نوبل، شنّ سلسلة من العمليات العسكرية خلال ولايته الرئاسية الثانية. فقد أمر بشن هجمات على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو (حزيران)، والعام الماضي أشرف أيضا على ضربات على العراق ونيجيريا والصومال وسوريا واليمن، وأخيرا فنزويلا.

ومنذ القبض على مادورو، هدد ترمب الذي يزداد جرأة، عددا من الدول الأخرى بما فيها كولومبيا، وكذلك غرينلاند التابعة للدنمارك العضو في حلف شمال الأطلسي.

وردا على سؤال حول ما إذا كانت أولويته هي الحفاظ على التحالف العسكري أو الاستحواذ على غرينلاند، قال ترمب «قد يكون هذا خيارا». وأضاف الملياردير الجمهوري الذي جمع ثروته كمطور عقاري، أن ملكية الولايات المتحدة لغرينلاند هي «ما أشعر بأنه ضروري من الناحية النفسية لتحقيق النجاح».


واشنطن لتنفيذ «ضربات برية» ضد كارتيلات المخدرات... وترمب يتطلع للقاء ماتشادو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

واشنطن لتنفيذ «ضربات برية» ضد كارتيلات المخدرات... وترمب يتطلع للقاء ماتشادو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الولايات المتحدة ستشن ضربات برية ضد كارتيلات المخدرات، دون تحديد مكانها، بعد الغارات التي استهدفت قوارب في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، كما أعرب عن «تطلعه» للقاء زعيمة المعارضة الفنزويلية الأسبوع المقبل.

وقال الرئيس الأميركي في مقابلة على قناة «فوكس نيوز»: «سنبدأ ضربات برية ضد الكارتيلات. الكارتيلات تسيطر على المكسيك. من المحزن جداً رؤية ومشاهدة ما يحدث في هذا البلد».

زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو في كاراكاس يوم 9 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وأعلن ترمب، أن زعيمة المعارضة الفنزويلية والحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2025 ماريا كورينا ماتشادو، يفترض أن تأتي إلى واشنطن الأسبوع المقبل، وقال إنه «يتطلع» إلى لقائها.

وقال: «فهمت أنها ستأتي في وقت ما الأسبوع المقبل. أتطلع إلى لقائها».


إصابة شخصين في بورتلاند جراء إطلاق نار من دورية الحدود الأميركية

ضباط فيدراليون قرب حاجز في مينيابوليس يوم أمس بعد مقتل امرأة أميركية برصاص شرطة الهجرة (ا.ب)
ضباط فيدراليون قرب حاجز في مينيابوليس يوم أمس بعد مقتل امرأة أميركية برصاص شرطة الهجرة (ا.ب)
TT

إصابة شخصين في بورتلاند جراء إطلاق نار من دورية الحدود الأميركية

ضباط فيدراليون قرب حاجز في مينيابوليس يوم أمس بعد مقتل امرأة أميركية برصاص شرطة الهجرة (ا.ب)
ضباط فيدراليون قرب حاجز في مينيابوليس يوم أمس بعد مقتل امرأة أميركية برصاص شرطة الهجرة (ا.ب)

أطلق عملاء فدراليون أميركيون النار على شخصين وأصابوهما بجروح في مدينة بورتلاند الغربية، الخميس، وفق ما أعلنت الشرطة المحلية.

وجاء في بيان صادر عن شرطة بورتلاند بعد يوم من مقتل امرأة أميركية برصاص شرطة الهجرة في مينيابوليس «أدخل شخصان المستشفى إثر حادث إطلاق نار تورط فيه عملاء فيدراليون».

وقالت قوة الشرطة المحلية التي أكدت أن عناصرها لم يشاركوا في إطلاق النار، في بيان، إنها استجابت لنداءات طلب المساعدة في منتصف فترة ما بعد الظهر.

وأضافت «استجاب العناصر ووجدوا رجلاً وامرأة مصابَين بجروح ناجمة عن طلقات نارية. وضعوا عاصبة (لوقف النزف) واستدعوا فرق الإسعاف».

وأشار البيان إلى أن «المصابَين نقلا إلى المستشفى. لا تزال حالتهما غير معروفة. وقد توصل العناصر إلى أن الشخصين أصيبا في إطلاق النار الذي تورط فيه عملاء فيدراليون».