عصافير على خط النار من لبنان إلى غزة والسودان... حتى الطيور تدفع ثمن الحرب

بعضها غيّر مسار هجرته الموسمية وأخرى مهدّدة بالانقراض بسبب القصف الإسرائيلي

TT

عصافير على خط النار من لبنان إلى غزة والسودان... حتى الطيور تدفع ثمن الحرب

طائر ميت بين ركام مدينة غزة بعد سلسلة غارات إسرائيلية في أكتوبر 2023 (غيتي)
طائر ميت بين ركام مدينة غزة بعد سلسلة غارات إسرائيلية في أكتوبر 2023 (غيتي)

كان خريف 2023 قد حلّ ببَرده على أوروبا، فظنّت الطيور أن مسار الهجرة الذي تعبره سنوياً من شمال الكوكب إلى جنوبه الدافئ، سالكٌ وآمن كما في كل عامٍ تقريباً. إلا أن الحرب كانت بالمرصاد فقضى عددٌ منها.

في حمأةِ الصواريخ والمضادات الجويّة التي كانت تشعل سماء فلسطين وإسرائيل مطلع الحرب على غزة (أكتوبر/تشرين الأول 2023)، قُتل كثير من طيور البجع والكركي. لم يميّز الجنود الإسرائيليون بينها وبين المسيّرات، خصوصاً أنها تحلّق على الارتفاع ذاته وبالسرعة نفسها، فأطلقوا النار عليها.

أسراب من طيور البجع في سماء إسرائيل (رويترز)

يشرح مراقب الطيور شادي سعد لـ«الشرق الأوسط»، أنّ خطّ لبنان - فلسطين هو الممر الأساسي لمئات أصناف الطيور المهاجرة من أوروبا باتّجاه أفريقيا لقضاء فصل الشتاء هناك. وهو الممر ذاته الذي تعبره ربيعاً لدى عودتها إلى مواطنها الأوروبية. لكنّ هذا الممر يعاني اهتزازاً منذ سنتَين، ما انعكس تراجعاً في أعداد الطيور المهاجرة. قبل 2023، كان يُرصَد عبور 50 ألف طائر كركي في سماء المنطقة خلال موسم الهجرة، وقد تضاءل إلى 15 ألفاً في العامَين الأخيرين.

تراجع عدد طيور الكركي المهاجرة عبر لبنان وفلسطين بشكل ملحوظ منذ اندلاع حرب غزة (رويترز)

«مثلُها مثلُ البشر، تتأثر الطيور بكل ما يدور من حولها»، يقول سعد. فكيف إذا كان ما يدور هو حربٌ بما فيها من انفجاراتٍ تؤذي سمعها وقلبها وجهازها العصبي والتنفسي، ومن نيرانٍ تقضي على موائلها أي الأماكن التي تقطن وتأكل وتتكاثر فيها.

عصافير نازحة

فور استشعارها بالخطر، تغادر الطيور أعشاشها وموائلها الأصلية وتطير بحثاً عن مأوى جديد. هذه الظاهرة المرافقة للحروب هي أشبه بالنزوح، فحال العصافير من حال البشر.

خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان، التهمت نيران القصف عشرات آلاف الأشجار، وقضت على غاباتٍ ومساحاتٍ خضراء كانت تُعدّ ملاذاً آمناً للطيور المهاجرة وتلك المقيمة. كما أدّى استخدام الأسلحة الفوسفورية، وفق سعد، إلى تضرّر التربة والحشرات والبذور التي تقتاتها الطيور. ما كان من عصافير الجنوب سوى البحث عن مكان إقامة جديد، فاتجهت صوب جبل لبنان وشماله.

إلا أنّ هذا النزوح دونه عقبات، إذ يحدث أن «يدور نزاع بين الطيور النازحة وتلك الموجودة أصلاً في الأماكن التي تحاول الإيواء إليها». ويضيف سعد أن المعاناة في إيجاد موئل جديد يضاعف أخطار الجوع والوفاة لدى الطيور.

مراقب الطيور شادي سعد راصداً حركة الطيور المهاجرة في منطقة حمّانا - جبل لبنان (الشرق الأوسط)

عصفور الشمس الفلسطيني بخطَر

مثلما قضت الحرب الإسرائيلية على عائلاتٍ فلسطينية بأكملها في قطاع غزة، فهي تهدّد كذلك بالقضاء على نحو 200 صنفٍ من الطيور، واضعةً سلالاتها تحت خطر الانقراض.

وسط أخبار المجازر والدمار والمجاعة، ربما غاب عن بال كثيرين أنّ منطقة وادي غزّة كانت بمثابة واحة خضراء، ومحطّة حيويّة بالنسبة إلى الطيور المقيمة وتلك المهاجرة من وإلى القارة الأفريقية. أما اليوم، وبفعل استخدام إسرائيل للأسلحة المحرّمة دولياً، فقد خسر الوادي أشجاره واخضراره وهجرته الطيور التي نزح بعضها، فيما مات بعضها الآخر.

كانت منطقة وادي غزة تشكّل محطة حيوية للطيور المهاجرة قبل الحرب (رويترز)

زينةُ ذلك الوادي وسائر الأراضي الفلسطينية، طائرٌ صغير يتميّز بلون ريشه الذي يمزج ما بين الأخضر والأزرق والأسود. إنه التَّمير الفلسطيني أو عصفور الشمس، وهو رمز البلاد. غادرت أسرابٌ كثيرة منه موطنها الأصلي، ولجأت إلى الأردن ولبنان وعُمان وغيرها من دول المنطقة، إلا أنّ ذلك لم يَحُل دون اعتبار الخبراء أنّ أعداد عصفور الشمس الفلسطيني في تناقصٍ مقلق.

ومن بين الطيور التي كانت تجد لها موطناً في وادي غزة وفلسطين عموماً، الهدهد والحمام القمري. إلا أنّ تلك الأصناف أيضاً هي على قائمة الطيور المهددة حالياً، بسبب دمار موائلها والتدهور البيئي.

التمير أو عصفور الشمس الفلسطيني هجر البلاد بسبب الحرب (بكسلز)

يلفت شادي سعد إلى أنه «في مقابل رحيل الطيور الأصلية وابتعاد تلك المهاجرة عن مناطق الحروب، تتكاثر الطيور الجارحة التي تأكل الجيَف». من أبرز تلك الطيور التي تحوم فوق الجثث والأشلاء لتقتات منها، الغراب والنسر والصقر.

 

طيور في مواجهة مطبّات ناريّة

تستشعر الطيور الاضطرابات المحيطة بها، فتحاول قدر المستطاع تجنّب المطبّات النارية التي تصادفها فوق المنطقة الممتدة من جنوب لبنان إلى جنوب فلسطين.

يخبر سعد كيف أنّ الطيور المهاجرة التي اصطدمت بخط النار في سماء الجنوب اللبناني الخريف الماضي، «اضطرّت للانحراف صوب البحر». وهو يصف تلك الرحلة بالخطرة بما أن كل الطيور ليست قادرة على أن تحطّ في المياه. يُضاف إلى مخاطرها التأخير الذي تتسبب به والذي يؤثّر على حياة الطيور، فهي قد تموت إذا طال الطيران من دون استراحةٍ ولا طعام.

طيور مهاجرة عابرة في سماء لبنان (رويترز)

في مايو (أيار) 2024، لوحظ أن مجموعة كبيرة من النسور المهاجرة عبر أوكرانيا، غيّرت مسارها المعهود من أجل تجنّب مناطق القتال. وقد وجد باحثون في «جامعة إستونيا لعلوم الحياة»، أن تلك الانحرافات الكبيرة أدّت إلى سفر أطول بـ85 كيلومتراً.

وتُعدّ الحروب سبباً أساسياً في تغيير الطيور مسار هجرتها الموسمية. ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، وهي تحيد عن سماء فلسطين المشتعلة وموائلها المدمّرة لتسلك مساراً أكثر أماناً هو خليج السويس، وصولاً إلى مصر ومنها إلى أفريقيا. فأولوية الطير المهاجر هي إيجاد مسار آمن لهجرته، بما في ذلك من استراحات يتوافر فيها الغذاء والماء. أما الشرود عن المسار الآمن لأسباب خارجة عن إرادته كما الحرب، فيقلّل من فرص وصول الطير سالماً.

باتت الطيور المهاجرة من أوروبا تحيد عن الأراضي الفلسطينية وتمر عبر خليج السويس باتجاه أفريقيا (الشرق الأوسط)

من نيل مصر إلى نار السودان

مطبّ ناري آخر تصطدم به الطيور المهاجرة إذا أكملت رحلتها من مصر إلى أفريقيا عبر السودان. لذلك، فمن الملاحظ مؤخراً، أنه وبسبب القتال الدائر داخل الأراضي السودانية، ما عادت الطيور تهبط للاستراحة هناك. تفاجئها النيران المتبادلة بين الفصائل المتقاتلة، وتستنتج أن الموائل التي اعتادت الإيواء إليها تدمّرت وفقدت أمانها، وبالتالي فهي تغيّر مسارها.

غالباً ما تكون تلك المسارات المستجدّة أطول وأكثر استهلاكاً للطاقة، وهذا يؤثّر على دورة التكاثر الطبيعية للطيور، وبالتالي تتعرّض أعدادها للتناقص.

هجرة الطيور عبر السودان تأثرت بسبب الحرب الدائرة هناك (أ.ب)

يحذّر سعد من أن هذا الخلل في مسار الهجرة «سيؤثّر حكماً على النظام البيئي العالمي. فبعض الطيور يأكل الحشرات والقوارض التي تؤذي الزرع، وفي حال فقدنا تلك الطيور تتفشى الأوبئة، ولا يمكن معالجتها سوى بالمبيدات السامة التي تؤذي التربة والبشر».


مقالات ذات صلة

فئران المختبرات تتحوَّل إلى نجوم مهرجان في الأرجنتين

يوميات الشرق حتى أصغر الكائنات تستحق الرحمة (أ.ب)

فئران المختبرات تتحوَّل إلى نجوم مهرجان في الأرجنتين

يهدف هذا المهرجان السنوي إلى التشجيع على تبنّي القوارض التي تُربّى في منشآت الحيوانات أو تُستخدم في مختبرات البحوث العلمية

«الشرق الأوسط» ( بوينس آيرس)
يوميات الشرق كائنات صغيرة تُهرَّب عبر العالم كأنها كنوز نادرة (أ.ف.ب) p-circle 01:10

تجارة النمل الأفريقي تغزو العالم... والملكة تُباع بأكثر من ألف دولار

على مشارف العاصمة الكينية نيروبي، تنشط فوق أرض مشبَّعة بالمياه مئات الآلاف من النمل الأحمر والأسود، التي باتت هدفاً للصيادين الجائرين...

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
يوميات الشرق على ظهر الخيل تبدّل شكل العالم (غيتي)

الخيول غيَّرت التاريخ قبل 1300 عام مما كان يُعتقد

تمتدّ الروابط بين الخيول والبشر إلى ماضٍ سحيق، إذ لعبت هذه الحيوانات دوراً محورياً في انتشار الجنس البشري حول العالم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بين العناق والطبيعة تولد الحكايات الأجمل (حديقة حيوان أستراليا)

عائلة الأمير ويليام تُسمّي صغير كنغر أسترالي «العناق»

شارك أمير وأميرة ويلز، ويليام وزوجته كاثرين، أطفالهما الثلاثة في اختيار اسم لصغير كنغر رمادي شرقي في حديقة حيوان أستراليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

أغلقت إدارة المتنزهات الوطنية الأميركية أجزاء من متنزه «غريت سموكي ماونتنز» أمام الجمهور، في أعقاب سلسلة من المواجهات العنيفة مع دببة عدوانية...

«الشرق الأوسط» (كارولاينا الشمالية)

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
TT

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)

منذ نحو 3 سنوات، حزمت الإعلامية والممثلة هيام أبو شديد حقائبها متخذة قرار الهجرة من لبنان. وكانت كندا وجهتها الجديدة، حيث تقيم اليوم في مدينة مونتريال.

لم تحتج وقتاً طويلاً للانخراط في مجتمع يعيش بأمان ويطبّق القوانين. نظمت محترفات فنية في المدارس، وسجلت في نقابة الفنانين بعد معادلة شهاداتها الجامعية. انضمت بصفتها مبتدئة لتصبح اليوم عضواً محترفاً. لم تشأ أن تتخلّى عن مهنة التمثيل، فاستمرت في العمل من هناك في أفلام ومسلسلات لبنانية، وشاركت في فيلم كندي بعنوان «السيدة البيضاء». كما تبث برنامجاً إذاعياً مرتين أسبوعياً عبر إذاعة «الشرق الأوسط»، لتبني جسور التواصل بين لبنان والمغتربين.

هاجرت هيام أبو شديد إلى كندا منذ نحو 3 سنوات (إنستغرام)

تستضيف هيام أبو شديد في برنامجها «الحكي بيناتنا» أبناء الجاليات العربية من سوريين، ومصريين، ومغاربة، ولبنانيين، وغيرهم. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «يشكِّل البرنامج منبراً حرّاً للمغتربين للتعبير عن همومهم ومشاعرهم بعيداً عن أوطانهم. تصلني تعليقات كثيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يصفه بعضهم بأنه صوتهم في بلاد الغربة يوقظ فيهم الحنين، في حين يعدُّه الوافدون الجدد إلى كندا بارقة أمل تشجعهم على الانخراط في المجتمع الغربي وتخفف عنهم شعور الوحدة في بداياتهم».

وتشير هيام إلى أن البرنامج يضم شهادات حيّة وقصص نجاح لمغتربين لبنانيين وعرب، قائلة: «أقدِّمه منذ 4 أشهر، ولم يتبقَّ سوى أيام قليلة على ختام موسمه الأول».

وعن أكثر ما لفتها في ضيوفها، ترد: «شعرت بأنهم يتمتعون بوعي كبير وذكاء عاطفي، وهو أمر ليس سهلاً بناؤه في الشخصية. كما أن الجاليات العربية تهتم ببعضها بعضاً وتساند أبناءها الذين يخوضون تجربة الاغتراب. وأنا شخصياً تلقيت دعماً وتشجيعاً كبيرين من أبناء الجالية اللبنانية».

أما عن قرار الهجرة، فتوضح أن الظروف الصعبة في لبنان كانت العامل الأساسي وراء اتخاذها هذه الخطوة، إلى جانب وجود أولادها وأحفادها في كندا. وتضيف: «الأزمات المتراكمة في لبنان تشعر الإنسان بالتعب والإحباط، كما أن وجود أولادي شجعني على الانتقال، فأصبحت قريبة منهم ومن أحفادي الذين كنت أشتاق لاحتضانهم».

وتؤكِّد أن الحنين إلى لبنان لا يفارقها: «نحن نشتاق إلى لبنان حتى ونحن نعيش فيه. نشتاق إليه بعيداً عن الحروب والأزمات، ونأمل أن يعود يوماً كما عرفنا».

في برنامجها «الحكي بيناتنا» تمد جسر التواصل بين لبنان المقيم والمغترب (إنستغرام)

وتصف تجربتها مع «الحكي بيناتنا» بأنها فتحت أمامها آفاقاً واسعة للتعرف إلى ثقافات وحضارات مختلفة، مشيرة إلى أن هموم اللبنانيين في الاغتراب تختلف عن تلك الموجودة في الوطن: «وجع الفراق صعب، لكنهم يعيشون هنا في أجواء من السلام والطمأنينة».

وتتابع: «أستمتع بالحوارات التي أجريها لا سيما أن كثيرين يتفاعلون معي ويمدونني بتعليقاتهم وانطباعاتهم الإيجابية. فيسرّون لي بأن البرنامج هو بمثابة نسمة من بلادهم تبرّد قلوبهم».

وتؤكد أن قرارها بالعمل في كندا نابع من رغبتها في البقاء منتجة ومستقلة، موضحة: «لم أرغب في أن أكون عبئاً على أولادي، لذلك بحثت عن فرصة عمل منذ وصولي».

تحنُّ إلى لبنان حتى وهي تعيش فيه (إنستغرام)

وعن الهجرة، تقول: «لا أستطيع أن أشجع أو أعارض، فلكل شخص ظروفه الخاصة. اتبعت إحساسي ببساطة ولم أحاول الاستفهام عن هذه الخطوة أو ما ينتظرني بعدها. لم يشجعني أحد على اتخاذها، بل فعلت ما رأيته مناسباً وصائباً بالنسبة إليّ. الأهم أن يكون صاحب القرار جاهزاً لتنفيذه».

وتختم حديثها بالتأكيد أنها تعيش اليوم بهدوء في كندا وتزور لبنان بين الحين والآخر، كما أن المرأة والرجل متساويان في خوض تجربة الاغتراب: «لم أؤمن يوماً بالتمييز بينهما، ومن يجتهد يصل. أكثر ما أحببته في كندا هو احترام القوانين وحصول الجميع على حقوقهم من دون تفرقة. بينما نفتقد في لبنان أننا نعيش وسط فوضى تحرمنا متعة الحياة».


الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
TT

الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)

ثمة دائماً طرائق جديدة لتقديم روائع الفنون القديمة والمعاصرة. ولم يعد المعرض مكاناً لتأمُّل لوحات معلقة على جدران هذه الصالة أو تلك، بل مغامرة تجريبية متجدّدة تُعيد وضع العمل الفنّي في موقعه من تطوّر الزمن وثورة التقنيات الحديثة.

وتنطبق هذه النظرة على المعرض المُقام حالياً في متحف بيكاسو حتى السادس من سبتمبر (أيلول) المقبل، بعنوان «تحولات غيرنيكا». وهي تجربة فريدة من نوعها للواقع الافتراضي تدور حول إحدى أشهر التحف الفنّية في القرن العشرين.

ويتيح المعرض فرصة مبتكرة وغير مسبوقة للغوص في أعماق جدارية بابلو بيكاسو الشهيرة، «غيرنيكا»، متتبّعاً تاريخها منذ تكليف الفنان برسمها لمعرض باريس الدولي عام 1937، وصولاً إلى تحوّلها إلى رمز عالمي للسلام.

وفور دخول الزائر، يجد نفسه مدعواً إلى رحلة تمر بمحطات أساسية في تاريخ اللوحة، من الجناح الجمهوري الإسباني حيث عرضت للمرة الأولى، إلى أطلال مدينة غيرنيكا الباسكية بعد القصف الذي ألهم الفنان رسمها، مروراً بمرسم بيكاسو الباريسي في شارع «غراند أوغسطين» حيث ولدت الجدارية، وصولاً إلى رحلاتها المتعدّدة قبل استقرارها النهائي في متحف الملكة صوفيا.

الواقع الافتراضي يعيد رسم الطريق إلى «غيرنيكا» (صور المعرض)

ويرافق الزائر في هذه التجربة صوتا شاهدين أساسيين: الكاتب خوان لاريا، عضو الوفد الجمهوري الإسباني، ودورا مار، الفنانة السريالية وشريكة بيكاسو، التي لعب التزامها بمناهضة الفاشية دوراً محورياً في ولادة العمل. وهي أيضاً مَن وثَّقت مراحل رسم الجدارية عبر سلسلة من الصور الفوتوغرافية الشهيرة.

ومَن يُشاهد صور بيكاسو خلال العمل على اللوحة يلاحظ ظهوره بكامل أناقته، مرتدياً سروالاً أسود وقميصاً أبيض وربطة عنق قاتمة، وكأنه يشارك في جنازة الأبرياء الذين قضوا تحت أنقاض منازلهم نتيجة قصف القوات الألمانية لبلدة غيرنيكا الإسبانية.

وفي تجربة حسية تجمع بين تاريخ الفن والانغماس العاطفي، يقدم معرض «تحولات غيرنيكا» منظوراً جديداً لفهم هذا العمل ذي الصدى العالمي، مستعيناً بدراسات أولية ووثائق أرشيفية وأعمال مرتبطة مباشرة بولادة الجدارية.

ورغم مئات الدراسات التي تناولت «غيرنيكا» عبر العقود، يرى القائمون على المعرض أن استحضارها اليوم بتقنيات الواقع الافتراضي يمنحها حياة جديدة، خصوصاً أنّ رسالتها المناهضة للحروب لا تزال تنسجم مع الزمن الراهن.

ومن المعروف أنّ بيكاسو رسم جداريته الشهيرة، التي يبلغ حجمها 349 في 776 سنتيمتراً، بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران) 1937 مستخدماً الأسلوب التكعيبي، بناءً على طلب الحكومة الجمهورية الإسبانية لعرضها في الجناح الإسباني بمعرض باريس الكوني.

وجاءت اللوحة بمثابة صرخة إدانة للقصف الذي تعرضت له بلدة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية، قبل أن تُحفظ في الولايات المتحدة خلال فترة الحكم الديكتاتوري بطلب من الفنان نفسه، ثم تعود إلى إسبانيا عام 1981.


شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
TT

شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)

كشف الشقيقان هاريسون وكايتي ديفاين، المُشاركان في أحدث مواسم برنامج «ريس أكروس ذا وورلد» (سباق حول العالم) الذي تبثّه «بي بي سي»، عن التجربة الغريبة التي يعيشانها خلال مشاهدة نفسيهما على الشاشة، وذلك قبيل عرض الحلقة الأخيرة من البرنامج.

وسيظهر هاريسون، البالغ 24 عاماً، وشقيقته كايتي، 21 عاماً، وهما من مدينة مانشستر، في المرحلة النهائية من البرنامج، حيث يخوض المتسابقون مغامرة شاقّة في السفر من دون استخدام الهواتف المحمولة وبميزانية محدودة.

ووثَّق هذا الموسم رحلة الفرق المشاركة وهي تتسابق لمسافة تزيد على 12 ألف كيلومتر عبر أوروبا وآسيا.

وقال هاريسون، الذي يعمل مساعداً مالياً: «إنه شعور غريب... يبدو الأمر كأنك تُشاهد شخصاً آخر». وأضاف: «أنت تدرك أنّ مَن تراه على الشاشة هو أنت بالفعل، لكن الأمر يعود إلى مرحلة مضى عليها وقت طويل، كما أنّ كثيراً يحدث خلال يوم واحد لدرجة أنك لا تتذكر كلّ ما تراه على الشاشة». وتابع: «تقول أحياناً لنفسك: هل قلت ذلك فعلاً؟».

وأوضح أنّ مشاعره تتراوح بين الإحراج والضحك على نفسه، مضيفاً: «هذه تجربة غريبة جداً، وليست شيئاً معتاداً بالنسبة إلينا».

وتنطلق رحلة المتسابقين من مدينة باليرمو في جزيرة صقلية الإيطالية، وصولاً إلى قرية هاتغال النائية الواقعة على ضفاف بحيرة هوفسغول في شمال منغوليا، وذلك سعياً للفوز بالجائزة المالية البالغة 20 ألف جنيه إسترليني.

أما كايتي، التي تعمل مديرة حسابات، فقالت إنّ مشاهدة البرنامج أعادت إليها كثيراً من الذكريات. وأضافت: «عندما أشاهد الحلقات، أجد نفسي أضحك دائماً، لأنني لا أتذكر أن الأمور كانت تبدو بهذا الشكل». وتابعت: «أشعر أنّ الأحداث تبدو أكثر طرافة عند مشاهدتها لاحقاً».

وأوضحت أنّ التوتّر كان يرافقهم طوال مدّة التصوير، لكنها ترى الآن أنها تستطيع الاستمتاع بالتجربة بشكل كامل عند مشاهدتها مجدداً، قائلة: «في تلك اللحظات، ثمة كثير من الضغط النفسي، لكن عندما تُشاهد الأمر لاحقاً تستطيع أن تستمتع فعلاً بكلّ ما عشناه».

وكانت كايتي قد تحدَّثت سابقاً عن أن قضاء كل يوم مع شقيقها كان في الواقع الجزء الأسهل من التجربة. وقالت: «نعرف بعضنا بعضاً بشكل جيد جداً، وكأنّ كلاً منا امتداد للآخر».

وترى أنّ المشاحنات بينهما قد تكون في الواقع عاملاً إيجابياً يُساعدهما،

وأضافت أنّ بعض الأشقاء قد يعدُّون ذلك نوعاً من الشجار، لكنّ الأمر بالنسبة إليهما مختلف تماماً، موضحةً: «كلّما كنا أكثر قسوة مع بعضنا، أصبحت علاقتنا أقوى».