عصافير على خط النار من لبنان إلى غزة والسودان... حتى الطيور تدفع ثمن الحرب

بعضها غيّر مسار هجرته الموسمية وأخرى مهدّدة بالانقراض بسبب القصف الإسرائيلي

TT

عصافير على خط النار من لبنان إلى غزة والسودان... حتى الطيور تدفع ثمن الحرب

طائر ميت بين ركام مدينة غزة بعد سلسلة غارات إسرائيلية في أكتوبر 2023 (غيتي)
طائر ميت بين ركام مدينة غزة بعد سلسلة غارات إسرائيلية في أكتوبر 2023 (غيتي)

كان خريف 2023 قد حلّ ببَرده على أوروبا، فظنّت الطيور أن مسار الهجرة الذي تعبره سنوياً من شمال الكوكب إلى جنوبه الدافئ، سالكٌ وآمن كما في كل عامٍ تقريباً. إلا أن الحرب كانت بالمرصاد فقضى عددٌ منها.

في حمأةِ الصواريخ والمضادات الجويّة التي كانت تشعل سماء فلسطين وإسرائيل مطلع الحرب على غزة (أكتوبر/تشرين الأول 2023)، قُتل كثير من طيور البجع والكركي. لم يميّز الجنود الإسرائيليون بينها وبين المسيّرات، خصوصاً أنها تحلّق على الارتفاع ذاته وبالسرعة نفسها، فأطلقوا النار عليها.

أسراب من طيور البجع في سماء إسرائيل (رويترز)

يشرح مراقب الطيور شادي سعد لـ«الشرق الأوسط»، أنّ خطّ لبنان - فلسطين هو الممر الأساسي لمئات أصناف الطيور المهاجرة من أوروبا باتّجاه أفريقيا لقضاء فصل الشتاء هناك. وهو الممر ذاته الذي تعبره ربيعاً لدى عودتها إلى مواطنها الأوروبية. لكنّ هذا الممر يعاني اهتزازاً منذ سنتَين، ما انعكس تراجعاً في أعداد الطيور المهاجرة. قبل 2023، كان يُرصَد عبور 50 ألف طائر كركي في سماء المنطقة خلال موسم الهجرة، وقد تضاءل إلى 15 ألفاً في العامَين الأخيرين.

تراجع عدد طيور الكركي المهاجرة عبر لبنان وفلسطين بشكل ملحوظ منذ اندلاع حرب غزة (رويترز)

«مثلُها مثلُ البشر، تتأثر الطيور بكل ما يدور من حولها»، يقول سعد. فكيف إذا كان ما يدور هو حربٌ بما فيها من انفجاراتٍ تؤذي سمعها وقلبها وجهازها العصبي والتنفسي، ومن نيرانٍ تقضي على موائلها أي الأماكن التي تقطن وتأكل وتتكاثر فيها.

عصافير نازحة

فور استشعارها بالخطر، تغادر الطيور أعشاشها وموائلها الأصلية وتطير بحثاً عن مأوى جديد. هذه الظاهرة المرافقة للحروب هي أشبه بالنزوح، فحال العصافير من حال البشر.

خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان، التهمت نيران القصف عشرات آلاف الأشجار، وقضت على غاباتٍ ومساحاتٍ خضراء كانت تُعدّ ملاذاً آمناً للطيور المهاجرة وتلك المقيمة. كما أدّى استخدام الأسلحة الفوسفورية، وفق سعد، إلى تضرّر التربة والحشرات والبذور التي تقتاتها الطيور. ما كان من عصافير الجنوب سوى البحث عن مكان إقامة جديد، فاتجهت صوب جبل لبنان وشماله.

إلا أنّ هذا النزوح دونه عقبات، إذ يحدث أن «يدور نزاع بين الطيور النازحة وتلك الموجودة أصلاً في الأماكن التي تحاول الإيواء إليها». ويضيف سعد أن المعاناة في إيجاد موئل جديد يضاعف أخطار الجوع والوفاة لدى الطيور.

مراقب الطيور شادي سعد راصداً حركة الطيور المهاجرة في منطقة حمّانا - جبل لبنان (الشرق الأوسط)

عصفور الشمس الفلسطيني بخطَر

مثلما قضت الحرب الإسرائيلية على عائلاتٍ فلسطينية بأكملها في قطاع غزة، فهي تهدّد كذلك بالقضاء على نحو 200 صنفٍ من الطيور، واضعةً سلالاتها تحت خطر الانقراض.

وسط أخبار المجازر والدمار والمجاعة، ربما غاب عن بال كثيرين أنّ منطقة وادي غزّة كانت بمثابة واحة خضراء، ومحطّة حيويّة بالنسبة إلى الطيور المقيمة وتلك المهاجرة من وإلى القارة الأفريقية. أما اليوم، وبفعل استخدام إسرائيل للأسلحة المحرّمة دولياً، فقد خسر الوادي أشجاره واخضراره وهجرته الطيور التي نزح بعضها، فيما مات بعضها الآخر.

كانت منطقة وادي غزة تشكّل محطة حيوية للطيور المهاجرة قبل الحرب (رويترز)

زينةُ ذلك الوادي وسائر الأراضي الفلسطينية، طائرٌ صغير يتميّز بلون ريشه الذي يمزج ما بين الأخضر والأزرق والأسود. إنه التَّمير الفلسطيني أو عصفور الشمس، وهو رمز البلاد. غادرت أسرابٌ كثيرة منه موطنها الأصلي، ولجأت إلى الأردن ولبنان وعُمان وغيرها من دول المنطقة، إلا أنّ ذلك لم يَحُل دون اعتبار الخبراء أنّ أعداد عصفور الشمس الفلسطيني في تناقصٍ مقلق.

ومن بين الطيور التي كانت تجد لها موطناً في وادي غزة وفلسطين عموماً، الهدهد والحمام القمري. إلا أنّ تلك الأصناف أيضاً هي على قائمة الطيور المهددة حالياً، بسبب دمار موائلها والتدهور البيئي.

التمير أو عصفور الشمس الفلسطيني هجر البلاد بسبب الحرب (بكسلز)

يلفت شادي سعد إلى أنه «في مقابل رحيل الطيور الأصلية وابتعاد تلك المهاجرة عن مناطق الحروب، تتكاثر الطيور الجارحة التي تأكل الجيَف». من أبرز تلك الطيور التي تحوم فوق الجثث والأشلاء لتقتات منها، الغراب والنسر والصقر.

 

طيور في مواجهة مطبّات ناريّة

تستشعر الطيور الاضطرابات المحيطة بها، فتحاول قدر المستطاع تجنّب المطبّات النارية التي تصادفها فوق المنطقة الممتدة من جنوب لبنان إلى جنوب فلسطين.

يخبر سعد كيف أنّ الطيور المهاجرة التي اصطدمت بخط النار في سماء الجنوب اللبناني الخريف الماضي، «اضطرّت للانحراف صوب البحر». وهو يصف تلك الرحلة بالخطرة بما أن كل الطيور ليست قادرة على أن تحطّ في المياه. يُضاف إلى مخاطرها التأخير الذي تتسبب به والذي يؤثّر على حياة الطيور، فهي قد تموت إذا طال الطيران من دون استراحةٍ ولا طعام.

طيور مهاجرة عابرة في سماء لبنان (رويترز)

في مايو (أيار) 2024، لوحظ أن مجموعة كبيرة من النسور المهاجرة عبر أوكرانيا، غيّرت مسارها المعهود من أجل تجنّب مناطق القتال. وقد وجد باحثون في «جامعة إستونيا لعلوم الحياة»، أن تلك الانحرافات الكبيرة أدّت إلى سفر أطول بـ85 كيلومتراً.

وتُعدّ الحروب سبباً أساسياً في تغيير الطيور مسار هجرتها الموسمية. ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، وهي تحيد عن سماء فلسطين المشتعلة وموائلها المدمّرة لتسلك مساراً أكثر أماناً هو خليج السويس، وصولاً إلى مصر ومنها إلى أفريقيا. فأولوية الطير المهاجر هي إيجاد مسار آمن لهجرته، بما في ذلك من استراحات يتوافر فيها الغذاء والماء. أما الشرود عن المسار الآمن لأسباب خارجة عن إرادته كما الحرب، فيقلّل من فرص وصول الطير سالماً.

باتت الطيور المهاجرة من أوروبا تحيد عن الأراضي الفلسطينية وتمر عبر خليج السويس باتجاه أفريقيا (الشرق الأوسط)

من نيل مصر إلى نار السودان

مطبّ ناري آخر تصطدم به الطيور المهاجرة إذا أكملت رحلتها من مصر إلى أفريقيا عبر السودان. لذلك، فمن الملاحظ مؤخراً، أنه وبسبب القتال الدائر داخل الأراضي السودانية، ما عادت الطيور تهبط للاستراحة هناك. تفاجئها النيران المتبادلة بين الفصائل المتقاتلة، وتستنتج أن الموائل التي اعتادت الإيواء إليها تدمّرت وفقدت أمانها، وبالتالي فهي تغيّر مسارها.

غالباً ما تكون تلك المسارات المستجدّة أطول وأكثر استهلاكاً للطاقة، وهذا يؤثّر على دورة التكاثر الطبيعية للطيور، وبالتالي تتعرّض أعدادها للتناقص.

هجرة الطيور عبر السودان تأثرت بسبب الحرب الدائرة هناك (أ.ب)

يحذّر سعد من أن هذا الخلل في مسار الهجرة «سيؤثّر حكماً على النظام البيئي العالمي. فبعض الطيور يأكل الحشرات والقوارض التي تؤذي الزرع، وفي حال فقدنا تلك الطيور تتفشى الأوبئة، ولا يمكن معالجتها سوى بالمبيدات السامة التي تؤذي التربة والبشر».


مقالات ذات صلة

كيف يتعلّم صغار الشمبانزي استخدام الأدوات؟

يوميات الشرق مجموعة من قردة الشمبانزي تتفاعل معاً في مشهد مرتبط بنقل المهارات والتعلم (جامعة برشلونة)

كيف يتعلّم صغار الشمبانزي استخدام الأدوات؟

كشفت دراسة إسبانية أن قردة الشمبانزي تعتمد على مجموعة من الآليات الاجتماعية لمساعدة صغارها على تعلم استخدام الأدوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الدبّ الذي أكل أكثر... ينام مطمئناً أكثر (أ.ب)

ألاسكا تنتخب أسمن دببة العام... والسلمون يدفع الثمن

عادت الدببة إلى النهر لتكديس الدهون، مع انطلاق نسخة جديدة من «أسبوع الدبّ السمين» في حديقة «كاتماي» الوطنية...

«الشرق الأوسط» (ألاسكا)
يوميات الشرق رأسان يتقاسمان دهشة الولادة (مركز نيو إنغلاند للحياة البرّية)

سلحفاة برأسين... واحدة أم اثنتان؟

شارك مركز «كيب للحياة البرّية»، في بارنستابل بولاية ماساتشوستس الأميركية، صورةً لسلحفاة من نوع «ألماسية الظهر» برأسين.

«الشرق الأوسط» (ماساتشوستس )
يوميات الشرق تحمل بعض إناث الشمبانزي والبونوبو جثث الرضع بعد وفاتهم لمدد زمنية طويلة (جامعة أكسفورد)

لماذا تحمل إناث الشمبانزي صغارها المتوفين لأشهر؟

توصلت دراسة جديدة إلى أن حمل إناث الشمبانزي والبونوبو جثث الرضع بعد وفاتهم لمدد طويلة، يُرجح أن يكون مدفوعاً بالرابط القوي بين إناث الشمبانزي وصغارها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق كان للمدينة وجهٌ بريّ يمشي على أربع (رويترز)

أسد هوليوود يعود بتمثال... لوس أنجليس تُخلّد «بي-22»

تعتزم مدينة لوس أنجليس تخليد ذكرى أشهر أُسودها الجبلية بتمثال برونزي في متنزه غريفيث، الذي يمتدّ على مساحة 4200 فدان (1700 هكتار)، وكان الأسد يجوب أرجاءه يوماً

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.


«50/ 50»... دراما اجتماعية عن تحمُّل المرأة غياب الرجل

كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)
كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)
TT

«50/ 50»... دراما اجتماعية عن تحمُّل المرأة غياب الرجل

كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)
كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)

يقدم المسلسل المصري الجديد «50/ 50» تجربة درامية تجمع بين الكوميديا والدراما والتشويق، من خلال حكاية اجتماعية تتتبع التحولات التي تطرأ على حياة امرأة تجد نفسها أمام ظروف استثنائية تقلب شكل حياتها، وتدفعها إلى اتخاذ قرارات لم تكن تتخيل يوماً أنها ستُقدم عليها.

المسلسل الذي انطلق عرضه الخميس على منصة «يانغو بلاي» تدور أحداثه في 15 حلقة، حول «رانيا»، خريجة الحقوق التي اختارت التوقف عن العمل والتفرغ لأسرتها، لتصبح حياتها محصورة بين زوجها وابنها واحتياجات المنزل. ومع تصاعد الضغوط المالية وتغيُّر الظروف من حولها، تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن حلول جديدة، فتدخل تدريجياً في عالم مختلف تماماً عن الحياة التي اعتادتها.

تضطر «رانيا» المعروفة بنظامها الشديد وتخطيطها لكل خطوة في حياتها إلى مواجهة أعباء الحياة بمفردها بعد اختفاء زوجها، لتخرج من عالمها الخاص الذي اختارته سنوات طويلة، لتتقاطع حياتها مع شخصيات جديدة تفتح أمامها أبواباً لم تكن تتوقعها.

كندة علوش على الملصق الترويجي للمسلسل (حسابها على فيسبوك)

المسلسل الذي كتبه الثنائي عمرو أبو زيد وأحمد هشام، من بطولة كندة علوش، وياسمينا العبد، ومعتز هشام، وحمزة دياب، وحازم إيهاب، بينما يطل عدد من ضيوف الشرف، منهم: أحمد فهمي، وعمرو يوسف، وحاتم صلاح، ومن إخراج أحمد عبد الوهاب، وإنتاج سالي والي.

وقال مؤلف المسلسل عمرو أبو زيد لـ«الشرق الأوسط»، إن فكرة العمل بدأت من قصص متكررة لنساء يجدن أنفسهن فجأة أمام مسؤوليات كبيرة، سواء بسبب غياب الزوج أو تركه الأسرة لأسباب مختلفة، موضحاً أن بعض هذه الحالات قد يقود إلى ظروف عنيفة أو جرائم.

وأضاف أن السؤال الذي انطلقت منه الكتابة كان: «ماذا لو قررت امرأة أن تأخذ حقها وتنقذ حياتها وحياة نساء أخريات، ولكن بطريقة مختلفة وغير مألوفة؟» مشيراً إلى أن الهدف لم يكن منذ البداية الجمع بين الدراما والكوميديا والأكشن، وإنما فرضت الحكاية هذه العناصر.

وأوضح أن «وجود نشاط غير قانوني ضمن الأحداث جعل مشاهد الحركة جزءاً من تطور القصة، بينما كان الاتجاه منذ البداية إلى تقديم العمل بنغمة خفيفة، بعيداً عن الأجواء القاتمة أو المأساوية الثقيلة، لافتاً إلى أن العمل ليس كوميدياً بالمعنى التقليدي، ولكن الدراما هي الأساس الذي يحرك الأحداث، بينما تأتي الكوميديا من طبيعة المواقف والشخصيات، ويظهر الأكشن بوصفه نتيجة للمسار الذي تدخل فيه (رانيا)».

لقطة من مسلسل «50/50» (منصة يانغو بلاي)

ولفت إلى أن الكتابة سعت إلى تقديم حكاية عن امرأة تمر بظروف يمكن أن يواجهها كثيرون، ولكنها تختار طريقاً مختلفاً لإنقاذ نفسها ومن حولها؛ مشيراً إلى أن شخصية «رانيا» التي تجسدها كندة علوش، كانت واضحة منذ بداية الفكرة؛ فهي أم وزوجة كرست حياتها بالكامل لأسرتها، وتخلت عن عملها وحياتها الاجتماعية وعلاقاتها الخاصة من أجل بيتها وزوجها وابنها، ولم يكن لديها حلم شخصي واضح خارج إطار الأسرة؛ إذ انحصر طموحها في أن ينجح ابنها في رياضته، وأن يكون زوجها بخير.

وتبدأ نقطة التحول في حياة «رانيا» عندما تدرك أن الدور الذي كرَّست حياتها له كأم وزوجة لن يكون كافياً لإنقاذها ولا لإنقاذ ابنها، فتجد نفسها أمام عالم جديد من المال والتجارب والأشخاص الذين لم تكن تتوقع التعامل معهم؛ حيث تُقدِم على أفعال تراها خاطئة أو غير قانونية، ولكنها تفعل ذلك من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهو ما يفتح أمام الشخصية مساحات مختلفة من التناقض والتحول.

صُنَّاع المسلسل خلال الاحتفال بعرض العمل (يانغو بلاي)

من جانبه، قال شريكه في التأليف أحمد هشام، لـ«الشرق الأوسط» إن «الكتابة تعمدت ألا تُقدِّم (رانيا) بوصفها امرأة جيدة تتحول ببساطة إلى شخصية سيئة؛ لأنها تظل ترى نفسها إنسانة جيدة، حتى وهي ترتكب أفعالاً خاطئة، ولا تستطيع التخلي عن هذه الصورة أمام نفسها أو أمام ابنها، معتبراً أن هذا التناقض يمثل جانباً أساسياً في الشخصية؛ لأنها تجد نفسها مضطرة إلى خوض تجارب جديدة من دون أن تتخلى عن الصورة التي كوَّنتها عن نفسها طوال حياتها».

وحول اختيار أبطال العمل، أوضح أن المخرج أحمد عبد الوهاب كان له دور أساسي في اختيار الممثلين، بينما كانت بعض الشخصيات حاضرة في ذهن فريق الكتابة منذ ظهور الفكرة؛ مشيراً إلى أن «ياسمينا العبد كانت من الأسماء التي جرى التفكير فيها مبكراً لتقديم إحدى الشخصيات، إلى جانب مجموعة من الممثلين الشباب الذين رأى فريق العمل أنهم مناسبون للأدوار».

المسلسل لفت الأنظار في مصر (يانغو بلاي)

وأضاف أحمد هشام أن وجود عدد كبير من الممثلين الشباب وضيوف الشرف أضاف تنوعاً إلى الشخصيات والمواقف، وأسهم في خلق حيوية داخل الأحداث؛ خصوصاً أن رحلة «رانيا» تدفعها إلى التعرف على أشخاص كثيرين، والدخول في دوائر اجتماعية لم تكن جزءاً من حياتها قبل التحوُّل الذي تمر به.

ولفت إلى أن «تفاصيل كثيرة في المسلسل لها جذور في مواقف موجودة بالفعل في الحياة»، موضحاً أنه «من الصعب أن يخلو محيط أي شخص من قصة امرأة وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن كل شيء من دون دعم كافٍ، حتى في احتياجات بسيطة قد تعجز عن توفيرها، وهو ما جعل هذه القصص المتكررة بأشكال مختلفة تشكل جزءاً من الخلفية التي تحرك الفكرة، ولكن من خلال معالجة درامية خفيفة».


«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)
جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)
TT

«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)
جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

قبل عقود طويلة، كان مشروب «مصر كولا» رائجاً على أرفف المتاجر، قبل أن يتوارى من الأسواق، ويصبح عبوة نادرة يتعقبها هواة جمع المقتنيات، واليوم يعود المشروب، بما يختزنه من ذاكرة، ليُعرض داخل صندوق زجاجي بوصفه جزءاً من تراث مصر التجاري والثقافي، إلى جوار عشرات العلامات التجارية التي شهدتها الأسواق المصرية على امتداد قرن كامل، ويضمها معرض «تجارة الأحلام» في الجامعة الأميركية بالقاهرة، الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

ويقتفي زوار المعرض آثار هذا التاريخ البصري في جولة تستدعي الدهشة والنوستالجيا، وتفتح الباب أمام كثير من التأملات في تحولات السوق وصناعة الأحلام.

ولا تمثل منتجات مثل «مصر كولا»، وشوكولاته «كوفورتينا» ومسحوق غسيل «رابسو» سوى علامات على خريطة واسعة رسمتها الأكاديمية ومؤرخة الفن المصرية بهية شهاب في كتابها البحثي التوثيقي «تجارة الأحلام... قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»، الصادر عن دار نشر الجامعة الأميركية في القاهرة، وهو الكتاب الذي صاحبه معرض بصري متنوع يجمع بين المقتنيات النادرة والصور الأرشيفية للإعلانات.

الدكتورة بهية شهاب مؤلفة كتاب «تجارة الأحلام» (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

يأخذ الكتاب القارئ في رحلة تمتد من عام 1880 إلى عام 1980، راصداً التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال الإعلانات التي نُشرت، بصورة رئيسية، في الصحف والمجلات.

غير أن الكتاب لا ينشغل بالمنتجات المُعلَن عنها بقدر انشغاله بالأفكار والتطلعات التي كانت تُباع معها؛ فالإعلان لا يقدِّم قطعة صابون أو مشروباً أو سيارة فحسب، وإنما يروِّج صورة عن الحداثة والتحضر ومواكبة العصر، ويقترح على المتلقي كيف يبدو، وماذا يرتدي ويأكل، وكيف يصفف شعره.

ومن هنا اختارت بهية شهاب «تجارة الأحلام» عنواناً لكتابها، موضحة أن الإعلانات لم تكن تبيع السلع وحدها، وإنما تستورد معها تصورات كاملة عن الحياة الحديثة، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نستورد أفكاراً عن الحداثة والتحضر ومواكبة الزمن، وهذه أفكار بيعت لنا من خلال الإعلانات، وفي المقابل صدّرنا لغتنا البصرية».

وتشير إلى استعانة إعلانات غربية بعناصر مستمدة من الفن المصري القديم، خصوصاً في الترويج للتبغ وغيره من المنتجات، بما يكشف أن حركة الصور والتأثيرات لم تسر في اتجاه واحد، بل قامت على تبادل بصري بين مصر والغرب.

جانب من المعرض المصاحب لإطلاق الكتاب (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

وتضيف: «كان هناك تبادل للأحلام، لكننا، للأسف، اشترينا أكثر مما بعنا»، مؤكدة أن أثر هذه التجارة تجاوز مجرد قرار شراء سلعة، ليطال تفاصيل الحياة اليومية، من الطعام والملابس إلى تصفيف الشعر والصورة التي يطمح الإنسان إلى الظهور بها.

وعلى جدران المعرض، المقام في «فيوتشر غاليري» بحرم الجامعة الأميركية في ميدان التحرير، تتجاور تلك الأحلام وفق تسلسلها الزمني؛ إذ خُصِّصت جدران لعقود مختلفة، من بينها الأربعينات والخمسينات والستينات. وتتبدل لغة الإعلانات وصورها كلما انتقل الزائر من مرحلة إلى أخرى، لتكشف كيف أعاد كل عصر تعريف مفاهيم الجمال والمرأة والحداثة والهوية.

وتقول بهية شهاب: «كانت الفترة الممتدة من عام 1900 إلى عام 1920 حافلة بالتجارب والاكتشافات»، موضحة أن صنّاع الإعلان كانوا لا يزالون يتعرّفون إلى الأفكار التي يمكن تقديمها، والطرائق القادرة على مخاطبة الجمهور. وفي الثلاثينات، بدأت ملامح هذه الصناعة تتضح، قبل أن تدخل، خلال الأربعينات، ما تصفه بـ«العصر الذهبي للإعلانات».

إعلان لشركة «مصر للطيران» ضمن أرشيف الكتاب (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

لكن الإعلان لم يبقَ بعيداً عن السياسة؛ فمع ثورة عام 1952، شهد المجتمع تحوّلاً جذرياً انعكس بدوره على صور الإعلان وخطابه. ومن ثَمَّ، تغيّرت لغته في ظل النظام الاشتراكي خلال الستينات، قبل أن تعيد سياسات الانفتاح، في عهد الرئيس أنور السادات، تشكيل صور الاستهلاك والرفاهية والحداثة، وفق ما يتتبعه الكتاب.

وتوضح بهية شهاب: «أثّرت جميع العوامل السياسية والاجتماعية في نظرتنا إلى الجمال والمرأة والحداثة والهوية الوطنية، وفي مدى تأثرنا بالغرب أو تأثر الغرب بنا»، مضيفة: «لكل فترة عواملها التي جعلت الإعلانات دائماً مرآة للمجتمع المصري».

وكان الجسد إحدى أبرز ساحات هذه التحولات؛ فما عُدَّ علامة من علامات الجمال في زمن، فقد مكانته في زمن آخر. ففي بعض الفترات، كان الامتلاء هدفاً تروّج له الإعلانات، وكان المطلوب ألا تبدو المرأة هزيلة، قبل أن يتحول إنقاص الوزن إلى «حلم». كما اقترن الجمال بالشباب وإخفاء التجاعيد والشعر الأبيض. وفي هذا السياق، تقول بهية شهاب: «كل هذه أفكار تأتي وتذهب مع كل زمن، ويؤثر فيها المناخان السياسي والاقتصادي».

المعرض اعتمد على عرض مجسمات ومقتنيات للمنتجات (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

ولا يكتفي المعرض بالصور الواردة في الكتاب، بل يُعيد وصل الإعلان بالمنتج الذي روَّج له؛ فتجاور الصورَ عبواتٌ ومقتنيات وبوسترات تعود إلى الفترات الزمنية نفسها، بما يمنح الزائر فرصة لمعاينة جانب من الثقافة المادية التي صنعتها الدعاية، بدلاً من الاكتفاء بصورتها المطبوعة.

وتفيد بهية شهاب بأن البحث عن مقتنيات المعرض استغرق قرابة 3 أعوام، وشمل رحلات إلى أسواق مختلفة، والتواصل مع جامعي القطع القديمة وأصحاب المجموعات الخاصة.

أما المادة الإعلانية، فجُمعت أساساً من «أرشيف مكتبة الكتب النادرة» بالجامعة الأميركية، وبدأ المشروع بمنحة من الجامعة أتاحت تكوين فريق من 3 أو 4 باحثين، عملوا داخل المكتبة على أرشيفات الصحف والمجلات والمراجع.

وتقول بهية شهاب: «بعدما جمعنا قرابة 8 آلاف إعلان، اخترنا طباعة 350 صورة داخل الكتاب».

ولعل رحلة «تجارة الأحلام» تتجاوز استعادة تاريخ الصناعات والعلامات التجارية، لتقدِّم قراءة في سيرة مجتمع تفاعل مع أحلامٍ صاغتها الإعلانات، وأسهم بدوره في إعادة تشكيلها على امتداد قرن كامل.