​حرب السودان... بين الضغط الدولي و«النفوذ الإسلامي»

«الرباعية الدولية» اشترطت ألا يُرسم المستقبل «وفق رغبات الجماعات المتطرفة»

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

​حرب السودان... بين الضغط الدولي و«النفوذ الإسلامي»

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تمكنت «الحركة الإسلامية» السودانية (تنظيم الإخوان المسلمين) من زيادة نفوذها داخل الجيش، منذ انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989 الذي قاده الرئيس السابق عمر البشير، لكنها اليوم تواجه ضغوطاً لإبعادها عنه. ورغم أن البشير أنكر في بداية انقلابه أن للحركة الإسلامية دوراً في استيلائه على السلطة، فإنه عاد لاحقاً واعترف بأن الحركة الإسلامية كانت جزءاً أصيلاً في ذلك الانقلاب.

كما أكدت هذه العلاقة تصريحات علنية كثيرة من كبار القادة الإسلاميين بعد سنوات من توليهم السلطة في البلاد.

ووفق كثير من الإفادات والتصريحات العلنية والمسربة لاجتماعات الحركة الإسلامية، فقد عمد الإسلاميون منذ الأشهر الأولى لانقلاب البشير، إلى إقصاء أعداد كبيرة من الضباط المستقلين واستبدالهم بواسطة عناصر إسلامية بشكل ممنهج، ثم استيعابهم عبر الكليات العسكرية لسنوات كثيرة.

ويرى كثيرٌ من السودانيين أنه مع مرور الوقت، باتت غالبية القيادات العسكرية والأمنية تدين بالولاء لتنظيم الحركة الإسلامية، إن لم تكن أصلاً من كوادره. وفي هذا الصدد قال عسكريون متقاعدون لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش أصبح خلال فترة حكم عمر البشير، التي امتدت لثلاثين عاماً، انعكاساً لمشروع الحركة الإسلامية، أكثر من كونه مؤسسة وطنية جامعة، مثلما كانت عليه الحال حتى إبان الأنظمة العسكرية السابقة التي احتفظت بهوية الجيش القومية».

وأضافوا أن «نفوذ الإسلاميين لم يقتصر على الجيش، بل امتد ليشمل الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات، حيث تم تفكيك مؤسسات الدولة القومية وإعادة أدلجتها شبه الكاملة لصالح الحركة الإسلامية».

الإسلاميون والحرب

قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش ياسر العطا (متداولة)

ومن بين الميليشيات التي أنشأها نظام البشير كانت «قوات الدعم السريع» التي دخلت لاحقاً في حرب ضد الجيش في منتصف أبريل (نيسان) 2023 بعد سقوط نظام البشير والإسلاميين بحراك شعبي واسع أدى إلى إزالته عن الحكم في أبريل 2019.

ومنذ الإطاحة بالبشير ظلت العلاقة متوترة بين «قوات الدعم السريع» من جهة، والجيش وداعميه من الحركة الإسلامية من الجهة الأخرى. وفي هذا الصدد قال سياسيون وعسكريون سابقون إن «الإسلاميين الذين فقدوا السلطة بسقوط نظام البشير، شعروا بأن الحرب فرصة مواتية لإعادتهم للحكم مجدداً بواجهة جديدة بعد التخلص من (الدعم السريع)».

وقد وثقت تقارير وتصريحات إعلامية من مسؤولين سابقين سودانيين وأجانب، دور الحركة الإسلامية في إشعال الحرب، وتأجيج الصراع، فيما يؤكد قادة الجيش على أنهم «لا ينسقون مع أي حزب» في حربهم الحالية. لكن مصادر عدة أشارت إلى استعانة الجيش بكتائب من الإسلاميين، مثل «كتيبة البراء بن مالك» وغيرها للقتال بجانبه.

بيان «الرباعية الدولية»

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 لوقف الحرب (رويترز)

كما أن «الآلية الرباعية الدولية»، التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، أصدرت بياناً في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، أشارت فيه بشكل واضح وصريح إلى دور الحركة الإسلامية في الوضع الراهن بالسودان قائلة إن «مستقبل السودان، لا يمكن أن يُرسم وفق رغبات الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة (الإخوان المسلمين)، التي أشعل نفوذها حالة من عدم الاستقرار والعنف في السودان والمنطقة بأسرها».

وبالتزامن مع صدور هذا البيان، فرضت واشنطن عقوبات على وزير المالية جبريل إبراهيم، وكتائب «البراء بن مالك» الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش، في رسالة مباشرة بأن استمرار التحالف مع الإسلاميين سيكلف الجيش عزلة دولية، وعقوبات سياسية، واقتصادية، وعسكرية، وفق ما ذكر محللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وقال اللواء المتقاعد بالجيش كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن مطالب «الرباعية» أصبحت مطلباً دولياً وإقليمياً، ومطلباً داخلياً من الشعب السوداني الذي يعاني من الحرب وينشد السلام. وأوضح أن «(الإخوان المسلمين)، بطبيعة تفكيرهم، مستفيدون وحدهم من الحرب، لأنهم تاريخياً اعتمدوا على العنف والقمع لفرض أجندتهم. فعندما جاءوا للسلطة بانقلاب 30 يونيو 1989 فككوا القوات المسلحة وكثيراً من أجهزة الدولة لصالحهم، وأعادوا أدلجتها وفق معتقداتهم المتطرفة».

«الضباط الوطنيون»

عناصر من الجيش السوداني في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)

لكن اللواء إسماعيل، يراهن على «الضباط الوطنيين» الذين ما زالوا في الخدمة داخل الجيش، بأن يقوموا بدور وطني ومهني، يعيد للمؤسسة العسكرية طبيعتها القومية لتوفي بالمهام الموكلة إليها. وقطع بأن الجيش أو أي قوة أخرى، لن يستطيع الوقوف ضد الرغبة الدولية والإقليمية والشعبية، قائلاً: «لم تعد مبادرة الرباعية مقتصرة على دولها، فقد انضم إليها الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ودول أخرى، وكلها ترغب في وقف الحرب، وإنصاف الشعب، وإنقاذه من مأساته».

وتابع إسماعيل أن «(تنظيم الإخوان) اليوم يدير ويتحكم في الحرب بشكل كامل، وهذا أمر معروف، لأنه الوحيد المستفيد من استمرار الحرب». وتوقع الضابط المتقاعد نهاية حركة «الإخوان» بقوله: «أستطيع أن أقول إنه لا مستقبل لهم في الحكم، فالجيش لا يزال يضم ضباطاً وطنيين».

من جهته، عزّز بابكر فيصل، رئيس «التجمع الاتحادي»، وهو أيضاً قيادي في تحالف «صمود» الذي يتزعمه رئيس الوزراء المدني السابق عبد الله حمدوك، ما ذهب إليه اللواء إسماعيل، بأن «(الإخوان المسلمين) يتغلغلون في مفاصل الجيش، لأنهم كانوا قد احتكروا الدخول إلى الكلية الحربية، منذ عام 1990 بعد أشهر قليلة من انقلابهم العسكري الذي نفذوه عبر البشير».

وأشار فيصل إلى ما ذكرته، في لقاء علني، القيادية في الحركة الإسلامية سناء حمد، بأنها «حققت مع قيادة الجيش حول أسباب سقوط نظامهم، واعتراف رئيس هيئة الأركان الأسبق هاشم عبد المطلب لها بانتمائه للتنظيم وتلقي أوامره من قيادته، ويعد هذا تأكيداً لسيطرتهم على الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية بشكل لا يقبل الجدال».

ورأى فيصل أن «خيارات الجيش أصبحت محدودة للغاية، فإما يذهب مع الحركة الإسلامية في هدفه المعلن المتمثل في مواصلة الحرب حتى القضاء على (الدعم السريع)، وإما يمضي في خطة (الآلية الرباعية) التي تقضي بالتفاوض من أجل وقف إطلاق النار».

خيارات الجيش

عناصر في الجيش يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس 2025 (أ.ب)

وبين الخيارين، قال فيصل لـ«الشرق الأوسط»: «إذا اختار الجيش التحالف مع الحركة الإسلامية، فسوف يعرضه ذلك لعواقب دولية كثيرة، سياسية واقتصادية وعسكرية، فضلاً عن العزلة الإقليمية والدولية، وهذا لا يسمح له بتحقيق النصر العسكري الحاسم الذي يأمل فيه». وتابع: «أما إذا اختار الجيش خريطة طريق (الرباعية) فسوف يدخله ذلك في مواجهة مباشرة مع الحركة الإسلامية وجماعاتها المسلحة وضباطها داخل الجيش نفسه، مما يهدد بإطاحة قيادة الجيش، وربما بداية حرب داخلية جديدة».

وتوقع فيصل أن تمسك قيادة الجيش العصا من منتصفها، بقوله: «تجربتنا (يعني المدنيين والسياسيين) معهم أنهم سيعملون على مسك العصا من المنتصف، بمعنى المضي في التفاوض، بغرض المماطلة وكسب الوقت، في الوقت نفسه سيعملون فيه على إرضاء الحركة الإسلامية بمواصلة الحرب». وأضاف: «لكن هذا خيار لن يستمر طويلاً لأن الوضع العام في البلاد ينهار في نواحي الحياة كافة، والتحولات في الإقليم تسير في مجملها ضد تيار الإسلام السياسي».


مقالات ذات صلة

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

شمال افريقيا صورة متداولة لمحولات بمحطة «شندي» للكهرباء التي أصابها الضرر بسبب الهجوم بالمسيرات

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

تواصلت حرب المسيّرات على منشآت الطاقة في السودان لليوم الخامس على التوالي، إذ تعرضت مدينة شندي بولاية نهر النيل، لهجوم أدى إلى تدمير محطتها التحويلية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء حرب السودان

أعلن الرئيس الروسي استعداده لمساعدة السودان لوقف الحرب، وسلم رئيس مجلس السيادة خريطة طريق للتعاون الثنائي، فيما دعا البرهان إلى علاقة استراتيجية مع موسكو.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)

الحكومة السودانية تنفي المجاعة وتتهم دولاً بتسييس الأزمة الإنسانية

تصاعد الخلاف بين الحكومة السودانية وأطراف دولية بشأن حجم الأزمة الغذائية في البلاد، بعدما نفت الخرطوم وجود مجاعة، واتهمت دولاً ومنظمات بمحاولة تسييس الأزمة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)

المسيّرات توسّع ضرباتها على منشآت الطاقة في السودان

واصلت الطائرات المسيّرة، استهداف منشآت الكهرباء والوقود في مناطق جديدة خاضعة لسيطرة الجيش السوداني، في مدينتي المناقل بولاية الجزيرة وهيا بولاية البحر الأحمر

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)

المسيّرات توسّع دائرة الظلام في السودان وتحصد قتلى في نيالا

شهدت العاصمة السودانية الخرطوم، فجر الثلاثاء، انقطاعاً واسعاً للكهرباء بعد هجوم جوي استهدف محطة تحويلية للكهرباء في منطقة المرخيات غرب مدينة أم درمان

محمد أمين ياسين (نيروبي)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء الحرب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)
TT

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء الحرب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للمساعدة في إنهاء الحرب السودانية وإرساء السلام دون إملاءات خارجية، وقدم لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان خريطة طريق لتعزيز التعاون الاقتصادي والتقني بين البلدين، خلال لقائهما على هامش القمة الروسية - الأفريقية الثالثة في موسكو.

وأكد بوتين دعم بلاده وقف الأعمال القتالية والتوصل إلى تسوية سياسية، مشيراً إلى التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحرب. وتشمل خريطة الطريق المقترحة التعاون في مجالات التجارة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.

من جانبه، دعا البرهان إلى إقامة شراكة استراتيجية مع روسيا، مقترحاً إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تضم مستودعات روسية للوقود والقمح. وشدد على تمسك حكومته بسلام «سوداني خالص» يمهد لانتقال مدني ديمقراطي وانتخابات حرة.

وفي تطور موازٍ، أكد وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم وجود عسكريين أوكرانيين يقاتلون إلى جانب «قوات الدعم السريع» ويقومون بتدريب عناصرها على استخدام المسيّرات، وأكد امتلاك الخرطوم أدلة على مشاركة أوكرانيين وكولومبيين وأجانب آخرين في الحرب. وكشف أنه سلّم واشنطن العام الماضي وثائق تثبت وصول أسلحة أميركية إلى السودان عبر أوكرانيا.


روسيا تستخدم الفيتو لنقض مشروع قرار أميركي بشأن الصحراء المغربية

جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
TT

روسيا تستخدم الفيتو لنقض مشروع قرار أميركي بشأن الصحراء المغربية

جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

استخدمت روسيا حق ​النقض (الفيتو) لنقض مشروع قرار صاغته الولايات المتحدة، كان يهدف إلى تقليص المكون العسكري لبعثة ‌الأمم المتحدة ‌لحفظ السلام ​في ‌الصحراء ⁠المغربية، ​وترسيخ خطة ⁠الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب أساساً وحيداً للتفاوض من أجل التوصل إلى ⁠تسوية سياسية للنزاع القائم ‌منذ ‌نصف قرن.

وجاء ​هذا ‌التصويت بعد مواجهة غير معتادة بين القوى الكبرى بشأن ملف كان ‌يعد لفترة طويلة إجراء روتينياً داخل مجلس ⁠الأمن، ⁠حيث طرحت روسيا مشروع قرار منافساً يقضي بتمديد ولاية البعثة عاماً آخر، دون إدخال التغييرات التي سعت إليها واشنطن، وفق وكالة «رويترز».

وقالت السلطات المغربية إن عدم تجديد مهمة حفظ السلام خطوة نحو الإغلاق النهائي لقضية الصحراء في الأمم المتحدة.

وأضافت أنه ينبغي مغادرة أفراد بعثة الأمم المتحدة ومركباتها ومعداتها ورموزها خلال الأيام المقبلة.


وصول أول قوات جزائرية إلى النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

وصول أول قوات جزائرية إلى النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وصلت قافلة عسكرية جزائرية إلى النيجر، في أول انتشار لقوات الجيش الجزائري خارج البلاد منذ حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وذلك عقب قرار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الأراضي النيجرية، في خطوة تعكس تطور العلاقات الأمنية بين البلدين، واتساع التعاون لمواجهة التحديات الأمنية وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة.

وأفادت وكالة «رويترز»، الجمعة، بوصول قافلة من الجيش الجزائري إلى النيجر، لكن دون الكشف عن حجم القوات المشاركة، أو طبيعة مهمتها، أو المدة المقررة لانتشارها، في حين يمثل التحرك سابقة عسكرية جزائرية منذ أكثر من خمسة عقود، عندما أرسلت الجزائر قوات لدعم مصر خلال حرب أكتوبر 1973.

وتحدثت وكالة «رويترز» ‌إلى 10 أشخاص قالوا إن ‌أول قافلة عسكرية جزائرية وصلت بالفعل إلى مدينة أرليت، وهي بلدة لتعدين اليورانيوم في شمال غربي النيجر.

وفي وقت سابق قالت الجزائر إنها اتخذت قرار نشر ‌القوات لحماية مصالحها في مجالي الاقتصاد والطاقة، من دون الكشف عن ⁠حجم ⁠القوة أو الجدول الزمني لوصولها، ويعد هذا الانتشار مؤشراً على تحسن العلاقات بين الجزائر ونيامي منذ العام الماضي، عندما استدعت النيجر سفيرها لدى الجزائر، ​بعد اتهام مالي الدولة ​العربية بإسقاط إحدى طائراتها المسيرة قرب الحدود.

وقالت الرئاسة الجزائرية إن إرسال هذه الوحدات يهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة، ولا سيما منشآت الطاقة وقطاع تعدين اليورانيوم، إضافة إلى تأمين الحدود، ومواجهة تهديدات الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في منطقة الساحل.

وجاء هذا التحرك

في ظل ارتباط البلدين بمصالح حيوية، من بينها مشروع «خط أنابيب الغاز العابر للصحراء»، الذي يضم الجزائر والنيجر ونيجيريا لنقل الغاز نحو الأسواق الأوروبية، إلى جانب استثمارات شركة «سوناطراك» الجزائرية في النيجر. كما

يأتي هذا التطور بعد تحسن العلاقات الثنائية بين الجزائر ونظام الحكم العسكري في النيجر الذي تولى السلطة.

وكانت غرفتا البرلمان الجزائري، قد صوّتتا بالإجماع، خلال جلستين طارئتين منفصلتين، على الموافقة على إخطار وجّهه الرئيس عبد المجيد تبون بشأن إرسال قوة عسكرية إلى النيجر، بهدف حماية المصالح الطاقوية الجزائرية، وفق ما أورده بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني»، (الغرفة السفلى للبرلمان)، من دون الكشف عن طبيعة هذه المصالح.

وفي هذا السياق، نقل برلمانيون إلى صحافيين أن وزير الخارجية أحمد عطاف، أوضح، خلال جلسة التصويت، أن الخطوة تهدف إلى تأمين مشروعات تابعة لشركة المحروقات الوطنية «سوناطراك» في النيجر، مشيرين إلى أن طلب إرسال القوة العسكرية جاء من الحكومة النيجرية.

وعبّرت التشكيلات السياسية الجزائرية، في معظمها، عن دعمها الكامل للقرار، في حين أبدت أحزاب المعارضة «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، «جيل جديد»، و«جبهة القوى الاشتراكية» تحفظات بشأن الخطوة.

وبحسب مراقبين، يرتقب أن تتمركز القوات الجزائرية في قاعدة ماداما العسكرية، الواقعة شمال النيجر بالقرب من الحدود الليبية، على اعتبار أن هذه القاعدة كانت نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية جرى تطويرها في إطار عملية عسكرية شنتها فرنسا عام 2013 ضد معاقل جماعات دينية متشددة في مالي.

وتكتسي هذه المنشأة أهمية استراتيجية لمراقبة منطقة الساحل والمحاور العابرة للحدود.

وتقع قاعدة «ماداما» العسكرية في شمال النيجر على بُعد نحو 263 كيلومتراً بخط مستقيم من قاعدة «الويغ» في إقليم فزّان الليبي، وهي موقع عسكري مرتبط بقوات المشير خليفة حفتر، ويُستخدم كنقطة إسناد في جنوب غربي ليبيا.

وعلى أثر هذا الخيار غير المألوف في تعامل الجزائر مع التحديات الواقعة خارج حدودها، تُطرح تساؤلات عدة بشأن أهداف نشر قوات من جيشها على امتداد الحدود المشتركة مع النيجر وموريتانيا.