الصين تفتح سوق خيارات الأسهم المستقبلية للمستثمرين الأجانب

انكماش نشاط المصانع مع ترقب التحفيز واتفاقية التجارة الأميركية

الرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدث في قاعة الشعب الكبرى ليلة اليوم الوطني (أ.ف.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدث في قاعة الشعب الكبرى ليلة اليوم الوطني (أ.ف.ب)
TT

الصين تفتح سوق خيارات الأسهم المستقبلية للمستثمرين الأجانب

الرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدث في قاعة الشعب الكبرى ليلة اليوم الوطني (أ.ف.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدث في قاعة الشعب الكبرى ليلة اليوم الوطني (أ.ف.ب)

فتحت الصين سوق خيارات الأسهم المستقبلية للمستثمرين الأجانب، يوم الثلاثاء، فيما تُكثّف بكين جهودها لزيادة جاذبية أصول اليوان. ويأتي هذا الإعلان من بورصة شنغهاي عقب إجراءات لجذب المستثمرين العالميين إلى سوق السندات الصينية، وتعزيز الاستخدام الدولي لليوان الصيني.

وأعلنت بورصة شنغهاي أنه سيُسمح للمستثمرين المؤسسيين الأجانب المؤهلين بتداول الخيارات لأغراض التحوّط، ويمكنهم تقديم الطلبات فوراً. ويمنح خيار الأسهم الحق - وليس الالتزام - بشراء أو بيع سهم بسعر مُحدّد مُسبقاً في وقتٍ مُستقبلي. وقد يُتيح هذا التحرير للمستثمرين الأجانب أداةً ضروريةً للغاية للتحوّط من المخاطر في سوق الأسهم الصينية التي تبلغ قيمتها 100 تريليون يوان (14.05 تريليون دولار).

وتشهد الأسهم الصينية ارتفاعاً ملحوظاً، مدعومةً بدعم السياسات والثقة المُتنامية في الابتكار الصيني. وحالياً، يتم تداول خمسة منتجات خيارات في بورصة شنغهاي، بالاعتماد على صناديق المؤشرات المتداولة. وتكثف الجهات التنظيمية المالية في الصين جهودها لجذب المستثمرين الأجانب، حيث أضعفت الحرب التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترمب وسياساته المتقلبة جاذبية الأصول الدولارية.

وفي الأسبوع الماضي، وسّعت الصين نطاق الوصول الأجنبي إلى سوق إعادة شراء السندات، ورفعت الحد الأقصى اليومي للتداول الصافي في نظام «سواب كونكت» العابر للحدود. كما كشفت السلطات عن خطط لتعزيز أعمال اليوان الخارجية في هونغ كونغ، وافتتحت مركز عمليات في شنغهاي لتعزيز التبني العالمي لليوان الرقمي للبنك المركزي.

• انكماش جديد للصناعات

وفي شأن آخر، أظهر مسح رسمي، يوم الثلاثاء، انكماش نشاط الصناعات التحويلية في الصين للشهر السادس على التوالي في سبتمبر (أيلول)، مما يشير إلى أن المنتجين ينتظرون مزيداً من التحفيز لتعزيز الطلب المحلي، بالإضافة إلى وضوح بشأن اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة.وارتفع مؤشر مديري المشتريات الرسمي إلى 49.8 نقطة في سبتمبر مقابل 49.4 نقطة في أغسطس (آب)، وهو مستوى أقل من مستوى 50 الذي يفصل النمو عن الانكماش، ولكنه يتجاوز متوسط التوقعات البالغ 49.6 في استطلاع أجرته «رويترز».

ويؤكد الركود المطول الضغوط المزدوجة على الاقتصاد الصيني، فقد فشل الطلب المحلي في تحقيق انتعاش مستدام في السنوات التي أعقبت الجائحة، بينما ضغطت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على المصانع الصينية، وكذلك على الشركات الأجنبية التي تشتري المكونات. وعلى الرغم من ذلك، أظهر مسح منفصل للقطاع الخاص لمديري المصانع أسرع توسع منذ مارس (آذار)، مدعوماً بارتفاع الطلبات الجديدة وتسارع نمو الإنتاج، بما في ذلك ارتفاع طفيف في طلبات التصدير الجديدة.

ويغطي المسحان مجموعتين مختلفتين من المنتجين، حيث ركز المكتب الوطني للإحصاء بشكل أكبر على الشركات الكبيرة والمتوسطة التي تركز على المبيعات المحلية، بينما شمل مؤشر مديري المشتريات العام لشركة «راتينغ دوغ» الذي جمعته شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، والذي بلغ 51.2 نقطة مرتفعاً من 50.5 نقطة في أغسطس، حصة أكبر من الشركات الخاصة الموجهة نحو التصدير.

وقال شو تيانشن، كبير الاقتصاديين في وحدة «إيكونوميست إنتليجينس»، في إشارة إلى الرقم الرئيسي الرسمي لمؤشر مديري المشتريات: «يعكس هذا الانتعاش انتعاشاً موسمياً مع تجاوز اضطرابات الصيف وزيادة دعم الحكومة». وأضاف أن الزخم الاقتصادي الصيني يتميز بتقلبات، اشتملت على ربع أول قوي نتيجة التحفيز المبكر، وتباطؤ في منتصف العام، يليه انتعاش في الربع الرابع مع تكثيف الحكومة لإجراءات الدعم لتحقيق أهداف النمو.

• غموض اتفاقية التجارة الأميركية

أطلق صانعو السياسات سلسلة من إعانات القروض الاستهلاكية في منتصف أغسطس، وهو قرارٌ أكدته بيانات منفصلة لإنتاج المصانع ومبيعات التجزئة لهذا الشهر، والتي شهدت أضعف نمو لها في 12 شهراً. وصرح بان جونغ شنغ، محافظ بنك الشعب الصيني (المركزي)، الأسبوع الماضي بأن مجموعة من أدوات السياسة النقدية لدعم الاقتصاد لا تزال متاحة، لكنه امتنع عن اتباع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة، حيث توقع بعض الاقتصاديين أن البنك المركزي قد يفعل ذلك.

وعلى الرغم من المؤشرات على أن الاقتصاد البالغ 19 تريليون دولار يفقد زخمه، يبدو أن السلطات ليست في عجلة من أمرها لطرح تدابير تحفيزية رئيسية، بالنظر إلى مرونة الصادرات وارتفاع سوق الأسهم، وفقاً لمراقبي السوق. ومما زاد مؤشرات التباطؤ، انخفاض مؤشر مديري المشتريات الرسمي للقطاعات غير الصناعية، والذي يشمل الخدمات والبناء، إلى 50.0 نقطة من 50.3 في أغسطس، وفقاً للمكتب الوطني للإحصاء، وهي أسوأ قراءة له منذ نوفمبر (تشرين الثاني). بلغ مؤشر مديري المشتريات المركب للقطاعين الصناعي وغير الصناعي الصادر عن المكتب الوطني للإحصاء 50.6 نقطة في سبتمبر، مقارنةً بـ 50.5 نقطة في أغسطس.

وانكمش المؤشر الفرعي لطلبات التصدير الجديدة للشهر السابع عشر على التوالي، بينما ظلّ التوظيف وأسعار بوابة المصنع في حالة ركود. وتشير البيانات إلى قيام المنتجين بخفض الأسعار لإيجاد مشترين في الخارج، على الرغم من أن صادرات الصين إلى منافستها الإقليمية الهند بلغت أعلى مستوى لها على الإطلاق في أغسطس، وفقاً لبيانات الجمارك، وأن الشحنات إلى أفريقيا وجنوب شرق آسيا في طريقها لتحقيق أرقام قياسية سنوية. لكن لا توجد دولة أخرى تقترب من القوة الاستهلاكية للولايات المتحدة، حيث يبيع المنتجون الصينيون سلعاً تزيد قيمتها على 400 مليار دولار سنوياً، وهو ما يمثل حوالي 14 في المائة من إجمالي الصادرات.

واتصل الزعيم الصيني شي جينبينغ هاتفياً بترمب في 19 سبتمبر لأول مرة منذ ثلاثة أشهر، وبينما بدا أن المكالمة قد خففت من حدة التوترات، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت قد أسفرت عن الاتفاق المتوقع بشأن تطبيق الفيديو القصير الشهير «تيك توك»، والذي يعده المحللون مفتاحاً لصفقة تجارية أوسع. ويبدو أن الخلافات حول التفاصيل الفنية تُلقي بظلالها على المفاوضات، فقد اجتمع مسؤولو التجارة الصينيون والأميركيون مجدداً يوم الخميس الماضي لإعادة النظر في القضايا التي نوقشت في المحادثات قبل قمة مدريد هذا الشهر، والتي تم خلالها التوصل إلى اتفاق إطاري بشأن «تيك توك».


مقالات ذات صلة

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

الاقتصاد صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

لا يبدو طرح «سبايس إكس» أسهمها للاكتتاب العام حدثاً مالياً عادياً، حتى بمقاييس «وول ستريت» التي اعتادت المبالغات في تسعير شركات التكنولوجيا.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)

قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

ارتفعت قروض البنوك الصينية الجديدة في مايو (أيار) بأقل من المتوقع بعد انكماشها في الشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ بنك فرنسا إيمانويل مولان يلوح بيده خلال منتدى باريس للتمويل يوم 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

محافظ بنك فرنسا: أزمة الطاقة ستترك آثاراً طويلة الأمد

قال محافظ بنك فرنسا، إيمانويل مولان، إن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط بدأت بالفعل تدفع مستويات الأسعار إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مارة يمرون بجوار عرض لصور لاعبي كرة قدم دوليين خارج متجر لشركة «نايكي» يوم 10 يونيو 2026 في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كأس العالم 2026... فرصة استثمارية تعزز أسهم شركات عالمية

تتوقع الأسواق استفادة شركات الرياضة والسياحة والدفع والإعلام من التوسع غير المسبوق لكأس العالم 2026 وزيادة الإنفاق والمشاهدات العالمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رجل وامرأة يحتفلان بزواجهما أمام مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

الشركات اليابانية الصغيرة تعاني ضغوط حرب إيران

أشار استطلاع ياباني إلى أن ارتفاع تكاليف المشتريات يُعدّ أكبر ضغوط حرب الشرق الأوسط على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

تراجع أسعار النفط بعد الاتفاق بين أميركا وإيران

عناصر من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط إيرانية خلال عملية تفتيش يوم 20 مايو الماضي (البحرية الأميركية)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط إيرانية خلال عملية تفتيش يوم 20 مايو الماضي (البحرية الأميركية)
TT

تراجع أسعار النفط بعد الاتفاق بين أميركا وإيران

عناصر من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط إيرانية خلال عملية تفتيش يوم 20 مايو الماضي (البحرية الأميركية)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط إيرانية خلال عملية تفتيش يوم 20 مايو الماضي (البحرية الأميركية)

انخفضت أسعار النفط بشكل حاد في أعقاب اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران.

وهبط سعر خام برنت، وهو المعيار العالمي، للتسليم في أغسطس (آب) بنحو 4 في المائة ليصل إلى حوالي 84 دولارا للبرميل (159 لتراً).

وانخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط، وهو المعيار الأميركي، للتسليم في أواخر يوليو (تموز) بنسبة مماثلة في الولايات المتحدة مساء الأحد، ليصل إإلى حوالي 81 دولارا للبرميل.

وبعد بدء حرب إيران في أواخر فبراير (شباط)، كانت طهران قد أوقفت حركة الشحن في مضيق هرمز بشكل كبير من خلال التهديدات والهجمات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم.

ويعد المضيق حيويا لصادرات النفط والغاز الطبيعي المسال من دول الخليج الغنية بالموارد.


السعودية: معاقبة المتسببين في انسكاب مادة بترولية قرب محطة وقود

الانسكاب نتج عن بيع محطة وقود مغلقة الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة (صورة تعبيرية - وزارة البلديات)
الانسكاب نتج عن بيع محطة وقود مغلقة الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة (صورة تعبيرية - وزارة البلديات)
TT

السعودية: معاقبة المتسببين في انسكاب مادة بترولية قرب محطة وقود

الانسكاب نتج عن بيع محطة وقود مغلقة الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة (صورة تعبيرية - وزارة البلديات)
الانسكاب نتج عن بيع محطة وقود مغلقة الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة (صورة تعبيرية - وزارة البلديات)

أكدت «لجنة مراكز الخدمة ومحطات الوقود» السعودية مباشرة حادثة تضرر مركبة نتيجة انسكاب مادة بترولية في شارع مجاور لمحطة بمدينة الرياض في حينها، مشيرة إلى أن العمل جارٍ لاستكمال إجراءات معاقبة المتسببين فيها وتعويض المتضررين.

جاء تصريح «اللجنة التنفيذية الدائمة لمراكز الخدمة ومحطات الوقود»، في بيان لها، الاثنين، أشار إلى مقطع الفيديو المتداول بوسائل التواصل الاجتماعي، الذي يظهر فيه تضرر مركبة نتيجة انسكاب مادة بترولية في شارع مجاور لمحطة وقود.

وأوضح بيان اللجنة أن الحادثة وقعت يوم الثلاثاء 2 يونيو (حزيران) الحالي في مدينة الرياض، مبيِّنة أن فرق الدفاع المدني باشرتها في حينها، واتخذت جميع الإجراءات الوقائية اللازمة، ولم ينتج عن الحادثة أي إصابات.

وأضاف البيان أن الانسكاب نتج عن قيام محطة وقودٍ مغلقة، لعدم امتثالها للاشتراطات النظامية، ببيع الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة، وغير مرخصة من وزارة الطاقة، منوهاً بأنه يجري الآن استكمال التحقيقات والإجراءات النظامية لمعاقبة المتسببين في الحادث وتعويض المتضررين.

وأكّدت اللجنة أهمية التواصل معها في حال وجود أي ملاحظاتٍ أو أنشطة مشبوهة في محطات الوقود، وذلك بالاتصال بالرقم المجاني (8001244777)، أو عبر تطبيق «طاقة» لخدمة الشركاء، المتاح في متجرَي «أبل» و«أندرويد».

من جانبه، أفاد «الدفاع المدني»، في منشور عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، بأن فِرقه أخمدت - في حينه - حريقاً في مركبتين بحي طويق (غرب الرياض) إثر تسرب وقود من شاحنة، ولا إصابات، وجرى استكمال الإجراءات النظامية من جهات الاختصاص حياله.


شراكة «المملكة» و«السيادي» تُحلّق مع «سبايس إكس» إلى 6.83 مليار دولار

مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
TT

شراكة «المملكة» و«السيادي» تُحلّق مع «سبايس إكس» إلى 6.83 مليار دولار

مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)

لم يكن إعلان شركة «المملكة القابضة» السعودية في بيان عن بلوغ القيمة العادلة لحصتها في «سبايس إكس» حاجز 6.83 مليار دولار مجرد رصد لرقم مالي جديد طفا على شاشات البورصة فور إدراج الأخيرة؛ بل كان بمثابة إعلان رسمي عن نجاح أسلوب «الصبر الاستراتيجي» للتحالف الاستثماري بين الشركة و«صندوق الاستثمارات العامة» الذي يمتلك حصة 16.87 في المائة منها.

وهذا الرقم، الذي كشفت عنه الشركة استناداً إلى سعر إغلاق السهم، شكّل ثمرة رهان مالي جريء، حقق أرباحاً دفترية قياسية تجاوزت 2.3 مليار دولار مقارنة بقيمتها الدفترية السابقة البالغة 4.47 مليار دولار، ما انعكس فوراً على تداولات السوق السعودية، دافعاً سهم «المملكة القابضة» للتحليق بنحو 4 في المائة.

وجاء هذا الإعلان الرسمي عقب الطرح العام الأولي التاريخي لشركة الفضاء والتقنية «سبايس إكس» في بورصة «ناسداك» الذي نجح في جمع 75 مليار دولار عند قيمة سوقية إجمالية بلغت 1.78 تريليون دولار، وسط منافسة عالمية حادة تجاوزت فيها طلبات الاكتتاب حاجز 250 مليار دولار؛ حيث أظهرت سجلات الطرح حصول صناديق الثروة السيادية الخليجية في السعودية وقطر والكويت على تخصيصات استثنائية تجاوزت مليار دولار لكل منها.

وأوضحت «المملكة القابضة» في بيانها أنها تمتلك أكثر من 42.4 مليون سهم من الفئة (أ)، وهو ما أدى لقفزة حصتها إلى مستوى الـ25.6 مليار ريال (6.83 مليار دولار) بعد إغلاق السهم عند 160.95 دولار في أولى جلسات تداوله.

نضج الفلسفة الاستثمارية السعودية

وفي قراءة متعمقة لأبعاد هذا البيان، أكد الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح المالية»، محمد الفراج، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرار شركة «المملكة القابضة» بالاحتفاظ باستثماراتها في منصة «إكس» وتحويل الأسهم، بالتوازي مع أرقام طرح «سبايس إكس»، يعكس نضجاً ملموساً في فلسفتها الاستثمارية.

وأوضح أن هذا التوجه يبرهن على تبني نهج استراتيجي طويل الأجل يركز على «الأصول التحويلية» القادرة على إيجاد قيمة مستقبلية هائلة، بدلاً من الارتهان للأرباح قصيرة الأجل، وهو ما يتناغم تماماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، الساعية لبناء حضور سعودي مؤثر في قطاعات التقنية والتكنولوجيا المتقدمة عالمياً.

من جانبه، اتفق المستشار المالي والاقتصادي، الدكتور حسين العطاس، مع هذا الطرح، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الأرقام التي أفصحت عنها «المملكة القابضة» تبرهن على أن القوى الرأسمالية للمملكة لم تعد مجرد ممول مالي عابر يبحث عن عوائد سريعة، بل شريك استراتيجي يصنع قطاعات المستقبل واقتصاد الفضاء ويحتكر تقنياتها.

وأشار العطاس إلى أن هذا التميز المؤسسي حظي بإسناد قوي وحاسم منذ دخول «صندوق الاستثمارات العامة» شريكاً استراتيجياً رئيسياً بحصته البالغة 16.87 في المائة في «المملكة القابضة»، ما منح الشركة مركزاً مالياً شديد المرونة، ونفساً طويلاً، أتاح لها التحول نحو العمل المؤسسي بدلاً من الفردي، والصمود أمام تقلبات وعواصف «السيليكون فالي» خلال السنوات الماضية، لتنجح في تسييل الفرصة في الوقت المثالي، وبما يحقق انسجاماً تاماً مع مستهدفات «رؤية 2030» في بناء اقتصاد رقمي ومستدام قائم على الابتكار.

موظفو شركة «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة «ناسداك» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

الأصول التقليدية «صمام أمان» ضد الفائدة

وحول آليات إدارة المخاطر وإعادة هندسة التوازن داخل المحفظة الاستثمارية لـ«المملكة القابضة»، كشف الفراج عن أرقام تمويلية ضخمة تفسر سياسة الشركة في دمج الأصول التقليدية، كالفنادق والعقارات، مع الاستثمارات التقنية عالية النمو (مثل «إكس» و«سبايس إكس»).

وأوضح الفراج أن هذا التنوع يكتسب أهمية مضاعفة في البيئة الاقتصادية العالمية الحالية التي تتسم بارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح التدفقات النقدية صمام أمان محورياً لتخفيف حدة المخاطر.

وبالنظر إلى البيانات المالية لشركة «سبايس إكس»، يتجاوز الإنفاق الرأسمالي المتوقع حاجز 20 مليار دولار خلال عام 2025، ما يؤدي إلى تدفقات نقدية حرة «سالبة» تقارب 14 مليار دولار نتيجة التوسع المكثف والضخم في مشروعات طموحة، مثل «ستارلينك» و«ستارشيب»، وهي مشروعات تتطلب سنوات طويلة قبل أن تُحقق كامل قيمتها الاقتصادية. ومن هنا، يسهم وجود الأصول التقليدية الدفاعية ذات العوائد المستقرة في الحفاظ على مستويات السيولة المطلوبة، وموازنة الأصول الأكثر مخاطرة التي تستهدف تحقيق نمو رأسمالي ضخم.

وفي السياق ذاته، أشار العطاس إلى أن هذا النموذج المتوازن يكتسب أهمية قصوى اليوم؛ حيث توفر الأصول التقليدية الاستقرار والسيولة الحمائية، فيما تمنح الاستثمارات التقنية فرصاً لتعظيم القيمة الرأسمالية على المدى الطويل، وهو نموذج ذكي تتبعه العديد من الشركات الاستثمارية العالمية الكبرى للحد من مخاطر الاعتماد على قطاع واحد.

رأس المال الخليجي شريك مفضل

وفيما يتعلق بالأولوية والشهية المفتوحة تجاه الصناديق الخليجية، أكد الفراج لـ«الشرق الأوسط» أن البيئة التمويلية المعقدة لشركات التكنولوجيا هي ما جعلت من رأس المال الخليجي شريكاً مفضلاً وجاذباً؛ نظراً لامتلاكه ثلاث مزايا تنافسية رئيسية، تتمثل في: السيولة الضخمة، والأفق الاستثمارية الطويل، والقدرة العالية على تحمل التقلبات الاقتصادية الدورية.

وكشف الفراج أن الشركات التقنية العملاقة تحتاج إلى مستثمرين استراتيجيين قادرين على الالتزام بخطط تمويلية تمتد لـ10 سنوات أو أكثر، لا سيما أن شركة «سبايس إكس» على سبيل المثال تحمل حالياً ديوناً تقارب 23 مليار دولار، وتواصل ضخ استثمارات رأسمالية تتجاوز 20 مليار دولار سنوياً.

وعلاوة على الدعم المالي، فإن الصناديق السيادية الخليجية لا تقتصر على تقديم التمويل الفوري فحسب، بل تفتح لعمالقة التكنولوجيا أسواقاً واعدة، وفرصاً استراتيجية حيوية في قطاعات الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والطاقة، ما يُعزز مكانتها بوصفها شريكاً استراتيجياً متكاملاً، وليس مجرد ممول مالي تقليدي.

وهو ما ثنّى عليه الدكتور العطاس بالإشارة إلى أن دول الخليج تحولت من «صراف آلي» لتمويل الشركات الغربية إلى أسواق استراتيجية ومستهلك رئيسي للتقنيات المتقدمة، ما يجعل الشراكة مع المستثمر الخليجي تتجاوز ضغوط الأرباح الفصلية والتخارج السريع إلى إيجاد فرص تجارية متبادلة طويلة الأجل.

نائب رئيس قسم الموارد البشرية بـ«سبايس إكس» مرتدياً بدلة فضاء وآخرون يحتفلون على الشرفة بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة «ناسداك» (رويترز)

معضلة التقييم الملياري

وعن التقييمات المرتفعة التي صاحبت طرح «سبايس إكس»، والتي تجاوزت حاجز 2.2 تريليون دولار، أفاد الفراج بأن الأرقام تكشف عن أن المستثمرين يدفعون مضاعفات مرتفعة للغاية مقارنة بالشركات التقليدية؛ ففي مقابل إيرادات متوقعة بنحو 18.7 مليار دولار في عام 2025، لا تزال الشركة تتوقع خسائر صافية تقارب 4.4 مليار دولار خلال العام نفسه، فضلاً عن تدفقات نقدية حرة سالبة بنحو 14 مليار دولار.

واستدرك الفراج قائلاً: «إن القفزات المتوقعة في الإيرادات لتتجاوز 32 مليار دولار في عام 2026، ثم نحو 56 مليار دولار في عام 2027، تفسر بوضوح هذه الشهية الاستثمارية المفتوحة. فالتقييم الحالي لا يعكس الأداء المالي اللحظي للشركة، بل يُمثل رهاناً ضخماً، وتوقعات سوقية متفائلة بشأن تحول (ستارلينك) إلى واحدة من كبرى شركات الاتصالات في العالم، وتحول (سبايس إكس) إلى البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الفضائي العالمي خلال العقد المقبل».

واختتم الخبيران تحليلهما لـ«الشرق الأوسط» بالاتفاق على أن هذه القيمة السوقية الفلكية لـ«سبايس إكس» هي مزيج بين الإنجازات التشغيلية المحققة و«علاوة التفاؤل والرهان على المستقبل»، ما يجعل فرصة الاستثمار واعدة ومغرية للغاية لشركات كبرى مثل «المملكة القابضة»، مع الأخذ في الحسبان ارتفاع مستوى مخاطر التمويل والتشغيل في حال عدم تحقق تلك التوقعات الطموحة خارج الغلاف الجوي.