تقارب عسكري مصري - تركي يعزز التنسيق المشترك و«يقلق الجوار»

ختام تدريبات «بحر الصداقة» بين القاهرة وأنقرة

تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وتركيا وسط توترات إقليمية (المتحدث العسكري المصري)
تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وتركيا وسط توترات إقليمية (المتحدث العسكري المصري)
TT

تقارب عسكري مصري - تركي يعزز التنسيق المشترك و«يقلق الجوار»

تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وتركيا وسط توترات إقليمية (المتحدث العسكري المصري)
تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وتركيا وسط توترات إقليمية (المتحدث العسكري المصري)

اختتمت فعاليات التدريب البحري المشترك المصري التركي «بحر الصداقة - 2025»، والذي استمر تنفيذه على مدار أيام عدة بنطاق المياه الإقليمية التركية، في خطوة تعزز التنسيق المشترك بين البلدين، لكنها قد تشكل قلقاً لدى بعض دول الجوار في مقدمتها إسرائيل، وفق مراقبين.

وقال المتحدث العسكري المصري، الثلاثاء، إن التدريبات هدفت لـ«تعظيم الاستفادة من القدرات الثنائية، وتبادل الخبرات في أسلوب تأمين مسارح العمليات البحرية ضد التهديدات المختلفة».

وأضاف، في بيان عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، أنه «تضمن عقد كثير من ورش العمل لتوحيد المفاهيم العملياتية بين العناصر المشاركة، وتنفيذ القوات الخاصة لكلا البلدين عدداً من الرمايات بمختلف الأسلحة، وتبادل الطائرات الهليكوبتر على أسطح القطع البحرية، فضلاً عن تنفيذ أعمال حق الزيارة والتفتيش للسفن المشتبه بها، وتنفيذ أعمال الإمداد بالبحر».

جانب من التدريبات العسكرية المشتركة بين مصر وتركيا (المتحدث العسكري المصري)

وبالتزامن مع انطلاق التدريبات، الأسبوع الماضي، عبَّرت أوساط إسرائيلية عن قلقها من المناورات، لا سيما أنها جاءت بالتزامن مع تصعيد إعلامي وتوترات مع مصر وتركيا خلال الأشهر الماضية، ولم تكن أصداء التعاون بعيدة عن قبرص واليونان، وهما لديهما علاقات قوية مع مصر في مقابل توتر مستمر مع تركيا.

وقالت صحيفة «معاريف» العبرية، «إن التعاون العسكري بين مصر وتركيا يشير إلى تحوُّل محتمل في العلاقات الإقليمية والتعاون الأمني»، مضيفة: «هذه الخطوة تندرج ضمن محاولات كثيرة تبذلها تركيا لترسيخ مكانتها بوصفها لاعباً مركزياً في الشرق الأوسط، بعد سقوط نظام الأسد في سوريا».

ومع الإعلان عن انطلاق التدريبات كشفت تقارير عن «تسليم إسرائيل الشحنة الثالثة من منظومة دفاع جوي متقدمة من طراز (باراك MX) إلى قبرص»، وهو ما صاحبه جدل في الأوساط التركية حول طبيعة هذا التعاون واحتمالات الصدام المستقبلي مع نيقوسيا.

السيسي وإردوغان خلال اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين (الرئاسة التركية)

ولم يستبعد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» وجود قلق قبرصي - يوناني من المناورات نتيجة الخلافات التاريخية مع تركيا، لكنهم أشاروا إلى أنها لن تؤثر في العلاقات المصرية مع كلا البلدين مع إمكانية لعب دور الوساطة مع أنقرة مستقبلاً.

وعملت وزارة الدفاع التركية على عدم ترك المجال مفتوحاً لأي تأويلات حول خلفية المناورات مع مصر، وقالت في بيان الخميس: «إن الأنشطة التي تجريها في البحر المتوسط بالتعاون مع مصر لا تستهدف أي دولة ثالثة، مشددة على أن أنقرة تسعى إلى جعل المتوسط (بحراً للسلام)».

بينما أكد المتحدث العسكري المصري، في بيان مع ختام المناورات، أن «التدريب يأتي تعزيزاً لأوجه التعاون العسكري والقدرة على العمل المشترك بين القوات المسلحة ونظائرها من الدول الشقيقة والصديقة».

وقال مستشار كلية القادة والأركان في مصر اللواء حمدي بخيت، إن «مصر دائماً ما تحرص على أن تكون تدريباتها العسكرية مع الدول الصديقة غير موجهة لأحد، وهي رسالة طمأنة لوضع هذه التدريبات في إطارها الطبيعي كأداة لتعزيز العلاقات مع الدول التي تشارك فيها، وهو ما سينعكس على العلاقات المصرية التركية التي وصلت إلى مرحلة متقدمة من التنسيق المشترك في ملفات عدة أبرزها القضية الفلسطينية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «المناورات الأخيرة تصنع قدراً من التنسيق بين القوات المسلحة المصرية ونظيرتها التركية بشأن أهداف التأمين الحيوية المرتبطة بالدولتين، والتي قد تتضمن عمليات مشتركة ضد الإرهاب أو عمليات بحث وإنقاذ أو تأمين أنشطة الغاز في شرق المتوسط».

ولدى تركيا مسرح عمليات بحري كبير يمكن التخطيط معها لمجابهة التحديات والأخطار، ورغم أن التدريبات الأخيرة لا تصل إلى درجة التعاون في عمليات قتالية من الدرجة الأولى، فإنها يمكن أن «تؤسس لتنسيق مستقبلي في حال اندلاع مواجهات، لا سيما أن هناك قلقاً من البلدين جراء تصرفات إسرائيل في المنطقة»، وفقاً لبخيت.

ويعد مصطلح «إسرائيل الكبرى» الذي استخدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة خطراً يهدد مصالح كل من القاهرة وأنقرة، وهو ما دفع مصر لطلب توضيح رسمي من الجانب الإسرائيلي عن تلك التصريحات، بينما قال هاكان فيدان وزير الخارجية التركي إن «إسرائيل تسعى لإنشاء ما يسمى (إسرائيل الكبرى) عبر التوسع على حساب دول المنطقة.

ومصطلح «إسرائيل الكبرى» استُخدم من قبل بعد حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) 1967 للإشارة إلى إسرائيل ومناطق القدس الشرقية والضفة الغربية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء في مصر، ومرتفعات الجولان.

وأكد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بشير عبدالفتاح، «أن المناورات مع تركيا تعزز التعاون الاستراتيجي بين البلدين بعد التنسيق الأمني والاستخباراتي والتعاون في الصناعات الدفاعية ووصولاً للتدريبات المشتركة، ما يدعم التفاهم حول بعض الملفات أبرزها الوضع في ليبيا وتأمين شرق المتوسط والحدود البحرية».

وعدّ عبد الفتاح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» «القلق الإسرائيلي من المناورات متعلقاً بمخاوفها من عرقلة أطماعها التوسعية ونابعاً من إدراك حكومة نتنياهو أن الدول العربية والإسلامية أدركت الخطر الداهم عليها بعد الحرب على إيران واستهداف الدوحة».

القلق اليوناني القبرصي «قائم أيضاً» بسبب الخلافات مع تركيا، وهو ما ستعمل مصر على معالجته من خلال لعبها دور الوسيط بين الدول الثلاث، مع التأكيد على تطور العلاقات مع تركيا لا يستهدف أثينا أو نيقوسيا، والتأكيد على أنه يهدف إلى صد مساعي تغيير موازين القوى لصالح إسرائيل»، وفقاً لعبد الفتاح.

ولدى تركيا خلافات قديمة مع اليونان وقبرص على خلفية خلافات بشأن ترسيم الحدود، ولم تنضم أنقرة بعد إلى منظمة «غاز شرق المتوسط» التي تأسست في عام 2019، بهدف «إنشاء سوق غاز إقليمية في منطقة شرق المتوسط»، بمشاركة دول «مصر والأردن وفلسطين واليونان وقبرص وإيطاليا وإسرائيل وفرنسا».


مقالات ذات صلة

القوات البحرية السعودية تختتم مشاركتها بتمرين «رياح السلام» في عُمان

الخليج مناورات السفن تضمنت تنفيذ سفن الملك رماية بالصواريخ والذخائر الحية في مسرح العمليات (واس)

القوات البحرية السعودية تختتم مشاركتها بتمرين «رياح السلام» في عُمان

اختُتمت في سلطنة عُمان مناورات التمرين البحري الثنائي المختلط «رياح السلام 2026» بين القوات البحرية الملكية السعودية والقوات البحرية السلطانية العُمانية

الولايات المتحدة​ حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» وقاذفة «بي - 52» تجري تدريبات في بحر العرب في 1 يونيو 2019 (أ.ب)

أميركا تعلن إجراء مناورات جوية في الشرق الأوسط

أعلنت الولايات المتحدة، الثلاثاء، أنها ستجري مناورات جوية عسكرية عدة أيام في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري حفتر في لقاء مع قائد القيادة الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)

تحليل إخباري ليبيا لاستضافة مناورة أميركية وسط آمال بـ«توحيد الجيش»

يهيمن الترقب على الأوساط العسكرية والسياسية في ليبيا قبل استضافة مدينة سرت جزءاً من مناورات «فلينتلوك 2026» السنوية التي تنظمها القيادة الأميركية في أفريقيا.

علاء حموده (القاهرة )
الولايات المتحدة​ سفينة حربية إيرانية مشاركة في المناورات (رويترز)

واشنطن تنتقد جنوب إفريقيا بسبب مشاركة إيران في مناورات قبالة سواحلها

انتقدت الولايات المتحدة الخميس مشاركة إيران في مناورات بحرية قبالة سواحل جنوب إفريقيا معتبرة أنها «غير مقبولة» مع حملة القمع التي تشنها السلطات على الاحتجاجات.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
العالم (من اليسار إلى اليمين) المدمرة الصينية تانغشان (رقم الهيكل 122) وسفينة البحرية الإيرانية آيريس مكران 441 وسفينة الإمداد الصينية تايهو (رقم الهيكل 889) في ميناء سيمونز تاون (أ.ف.ب)

سفن حربية صينية وإيرانية في جنوب إفريقيا لإجراء تدريبات عسكرية

رست سفن حربية صينية وإيرانية قبالة القاعدة البحرية الرئيسية في جنوب إفريقيا الخميس قبل مناورات قال مسؤولون إنها تهدف أيضا إلى إشراك روسيا.

«الشرق الأوسط» (سايمنز تاون (جنوب أفريقيا))

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».