الولايات المتحدة تواجه أكبر نزوح لموظفيها الفيدراليين منذ 80 عاماً

خروج قياسي لـ154 ألفاً يُثير مخاوف من فقدان الخبرات المؤسسية

موظفو الحكومة الفيدرالية يهتفون خلال تجمع دعماً للخدمة المدنية في كانساس سيتي مارس 2025 (رويترز)
موظفو الحكومة الفيدرالية يهتفون خلال تجمع دعماً للخدمة المدنية في كانساس سيتي مارس 2025 (رويترز)
TT

الولايات المتحدة تواجه أكبر نزوح لموظفيها الفيدراليين منذ 80 عاماً

موظفو الحكومة الفيدرالية يهتفون خلال تجمع دعماً للخدمة المدنية في كانساس سيتي مارس 2025 (رويترز)
موظفو الحكومة الفيدرالية يهتفون خلال تجمع دعماً للخدمة المدنية في كانساس سيتي مارس 2025 (رويترز)

سيغادر أكثر من 150 ألف موظف فيدرالي كشوف رواتب الحكومة الأميركية هذا الأسبوع، بعد قبولهم عروض إنهاء الخدمة مقابل تعويضات (buyouts) -وهو أكبر نزوح لموظفين مدنيين في عام واحد منذ ما يقرب من 80 عاماً-، مما يُثير تحذيرات من النقابات وخبراء الحوكمة بشأن فقدان مُضر للخبرة المؤسسية.

وتبدأ الاستقالات الرسمية، يوم الثلاثاء، للموظفين الذين اختاروا برنامج المغادرة المؤجلة الذي أبقاهم على كشوف الرواتب حتى سبتمبر (أيلول). وتُعد خطة إنهاء الخدمة مقابل تعويضات (buyouts) حجر الزاوية في مساعي الرئيس دونالد ترمب، لتقليص القوة العاملة الفيدرالية، حيث تجمع بين الحوافز المالية والتهديد بالفصل لمن يرفضون العرض، وفق «رويترز».

ووفقاً لمكتب الموارد البشرية للحكومة الفيدرالية، فقد غادر العديد من الموظفين وكالاتهم قبل أشهر، وكانوا فعلياً في إجازة مدفوعة الأجر.

وقال أستاذ في كلية «فورد» للسياسات العامة بجامعة ميشيغان، دون موينهان، إن التأثير الأكبر لموجة الخروج هذا الأسبوع ستكون هجرة الأدمغة بين الموظفين ذوي الخبرة، وهو فقدان للمواهب سيكون من الصعب تعويضه. وأضاف: «يستغرق تطوير المعرفة العميقة والخبرة اللازمة لإدارة البرامج الحكومية سنوات، والآن يغادر جزء كبير من هذه المعرفة أبواب الحكومة».

ويجعل فقدان الخبرات من الصعب على العديد من الوكالات أداء عملها وخدمة الجمهور الأميركي، وفق مقابلات أُجريت مع عشرات الموظفين الحاليين والسابقين ومسؤولي النقابات.

وأثرت برامج شراء الاستقالة على مجموعة واسعة من الأنشطة الحكومية، بما في ذلك التنبؤ بالطقس، وسلامة الغذاء، والبرامج الصحية، والمشروعات الفضائية، حسب ما صرح به الأشخاص الذين تحدثوا إلى «رويترز».

فقد أدى قبول نحو 200 شخص في مصلحة الأرصاد الجوية الوطنية لخطة إنهاء الخدمة مقابل تعويضات إلى فقدان موظفين تقنيين يتولون صيانة معدات التنبؤ، بالإضافة إلى عديد من خبراء الأرصاد الجوية ذوي الخبرة.

وقال المدير التشريعي لمنظمة موظفي خدمة الأرصاد الوطنية، توم فاهي: «لقد تسبّب ذلك في اضطراب هائل في المكاتب بجميع أنحاء البلاد».

وأوضحت المتحدثة باسم الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، جاسمين بلاكويل، أن الوظائف يتم شغلها حسب الحاجة، «لضمان سلامة الأميركيين والاستخدام المسؤول لأموال دافعي الضرائب».

ويحمل الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون الرقم القياسي بعد الحرب العالمية الثانية في تقليص العمالة الحكومية، لكن ذلك تم على مدى كامل ولايتيه، حيث أشرف على تقليص القوى العاملة الفيدرالية بأكثر من 430 ألف موظف، أي نحو 20 في المائة.

في الوقت نفسه، أسفر الاقتصاد المزدهر وطفرة التكنولوجيا خلال فترة كلينتون عن خلق أكثر من 22 مليون وظيفة في القطاع الخاص، ولم تترك تخفيضات القوى العاملة الفيدرالية أثراً واضحاً على سوق العمل الإجمالية.

«نزيف الأدمغة» في وكالة «ناسا»

قال مات بيغز، رئيس الاتحاد الدولي للمهندسين والفنيين المحترفين، وهي نقابة تمثّل 8 آلاف موظف في «ناسا»، إن ما يقرب من 4 آلاف موظف في وكالة «ناسا» قبلوا عروض إنهاء الخدمة مقابل التعويضات التي قدّمتها إدارة ترمب في يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان).

وقالت المتحدثة باسم «ناسا»، شيريل وارنر، إن الوكالة تسعى لتحقيق «عصر ذهبي» من الاستكشاف والابتكار، بما في ذلك الوصول إلى القمر والمريخ. وأضافت: «ستواصل الوكالة تقييم المهارات والأدوار اللازمة لتحقيق أولوياتها».

وتُعدّ خطط إنهاء الخدمة مقابل تعويضات التي شملت 154 ألف موظف، جزءاً من حملة أوسع قام بها ترمب، الجمهوري، ومستشاره السابق الملياردير إيلون ماسك، اللذان جادلا بأن القوة العاملة الفيدرالية أصبحت ضخمة جداً وغير فعّالة. في المقابل، يقول الديمقراطيون المعارضون إن التخفيضات كانت عشوائية.

وأنفقت الحكومة الأميركية 359 مليار دولار على رواتب ومزايا الموظفين المدنيين في السنة المالية 2023، وفق أحدث الأرقام المنشورة.

وقال رئيس مكتب الموارد البشرية في الإدارة خلال أغسطس (آب)، إن إدارة ترمب ستتخلص على الأرجح من نحو 300 ألف عامل بحلول نهاية هذا العام، من خلال مزيج من عروض إنهاء الخدمة والفصل وحوافز أخرى لترك العمل، وهو ما يمثّل انخفاضاً بنسبة 12.5 في المائة في القوة العاملة الفيدرالية منذ يناير.

وقالت ماكلورين بينوفر، المتحدثة باسم مكتب إدارة شؤون الموظفين، الذي يتعامل مع مسائل الموارد البشرية الفيدرالية، إن عروض إنهاء الخدمة ستؤدي إلى توفير سنوي يُقدّر بنحو 28 مليار دولار. ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل مما إذا كان هذا الرقم دقيقاً. وقالت بينوفر: «برنامج الاستقالة المؤجلة قدم إعفاءً مذهلاً لدافعي الضرائب الأميركيين».

ومن غير المرجح أن يؤثر خروج هذا العدد الكبير من الموظفين على معدل البطالة الوطني، إذ تمثّل القوى العاملة الفيدرالية أقل من 1.5 في المائة من إجمالي التوظيف، وفق مكتب إحصاءات العمل الأميركي.

تأثير عروض إنهاء الخدمة على وكالات الصحة

في دائرة البحوث الزراعية التابعة لوزارة الزراعة، قبل نحو 1200 موظف عروض الاستقالة، أي نحو 17 في المائة من موظفي الوكالة.

وقال إيثان روبرتس، رئيس الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة، الفرع «3247»، وهي نقابة تُمثّل بعض موظفي الهيئة، إن أحد المغادرين كان عالماً متخصصاً في الكشف السريع عن السموم الفطرية في صوامع الحبوب، وهو ما يساعد المزارعين ومعالجي الحبوب على تقييم ما إذا كانت المحاصيل ملوثة.

وأضاف روبرتس أنه دون المعرفة المتخصصة للغاية لهذا العالم، لا يوجد أحد لمواصلة هذا العمل. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يمكن أن تسبب الحبوب الملوثة أمراضاً خطيرة أو حتى تقتل البشر والماشية.

وقال متحدث باسم وزارة الزراعة إن الوكالة ستحافظ على جميع وظائفها الحيوية على الرغم من مغادرة أكثر من 15 ألف عامل من خلال برامج الاستقالة.

كما أثرت عروض إنهاء الخدمة على وكالات الصحة، بما في ذلك المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، وإدارة الغذاء والدواء (FDA).

وأعلن وزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت ف. كينيدي جونيور، في مارس (آذار)، أن الوزارة ستخفّض 10 آلاف موظف من خلال مزيج من التسريح وعروض إنهاء الخدمة. وقال إنه العدد سيشمل 3500 في إدارة الغذاء والدواء، و2400 في المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض.

وقال موظف فيدرالي، مُنح السرية خوفاً من الانتقام، إن إدارة الغذاء والدواء تكافح لتحديث المسح الوطني لتعاطي التبغ بين الشباب، الذي يجمع بيانات حول استخدام التبغ بين طلاب المدارس المتوسطة والثانوية الأميركية، بسبب عروض إنهاء الخدمة والتسريح في وحدة الوقاية من التبغ ومكافحته التابعة للمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض.

وقال المتحدث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، أندرو جي. نيكسون، إن الإشارات إلى «هجرة الأدمغة» في غير محلها، وإن المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض وإدارة الغذاء والدواء لا تزال ملتزمة بشدة بالوقاية من التبغ ومكافحته.


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد Saudi Minister of Finance speaks at a dialogue session at the Miami Summit (Asharq Al-Awsat)

الاقتصاد السعودي أثبت كفاءته في إدارة الأزمات

أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن الاقتصاد السعودي أثبت كفاءة استثنائية في إدارة الأزمات وقدرة فائقة على امتصاص الصدمات بمرونة عالية، وحذر في الوقت.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.