كيف تستغل إسرائيل الحروب الحديثة لتعزيز عمقها الاستراتيجي؟

انتشار قوات إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة يوم 25 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
انتشار قوات إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة يوم 25 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

كيف تستغل إسرائيل الحروب الحديثة لتعزيز عمقها الاستراتيجي؟

انتشار قوات إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة يوم 25 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
انتشار قوات إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة يوم 25 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

يرى الكثير من الخبراء الاستراتيجيين أن وسائل التكنولوجيا الحديثة غيّرت العديد من خصائص الحرب، كما غيّرت العلاقة جذرياً بين مفهومَي الدفاع والهجوم في الحرب.

وإذا كانت دِقّة الأسلحة الأميركية تميّز الجيش الأميركي عن غيره على أنه جيش ما بعد الحداثة، فما هو مصير هذا التميز بعد أن أصبح المنافسون والأعداء يملكون الأسلحة الدقيقة، كما القدرة على دمج الدقّة والحشد في نفس الوقت، وبتكلفة تصنيع زهيدة جداً مقارنة بتكلفة الأسلحة الأميركيّة؟ وماذا يعني العمق الاستراتيجي في عصر الأسلحة فرط - الصوتية؟

وتتردد في الأذهان أيضاً أسئلة عديدة مثل: هل تخلّت الدول عن العمق الجغرافي كضمانة لأمنها القومي بعد أن تحصّلت على أسلحة دقيقة قادرة على ضرب الأهداف على بُعد آلاف الكيلومترات؟ وهل أصبحت الحروب تُحسم عن بُعد، ودون الحاجة إلى قوات على أرض المعركة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يُقاس النجاح؟ وكيف تُختم الحروب؟ وما هو العمق اللوجستي لمخازن الأسلحة والذخيرة الضرورية للحرب؟... وخاصة أن الحرب تهدف إلى فرض الإرادة على الآخر كما يقول المفكر البروسي كارل فون كلوزفيتز.

الدخان يتصاعد عقب هجوم جوي إسرائيلي على مشارف قرية الجرمق اللبنانية يوم الأحد (أ.ف.ب)

بكلام آخر، يقول الكثير من المفكرين الاستراتيجيين إن الوقت قد حان لقراءة متأنية لما يُسمّى بـ«فن الحرب» القديم، وذلك بهدف التأقلم مع التحولات الجذرية، والتي أصبحت واقعاً ملموساً لا يمكن تجاهله، والسعي لكتابة فكر من نوع جديد يتماشى مع التحولات الكبرى في القرن الحادي والعشرين.

العمق الجغرافي في العقل الأمني الإسرائيلي

من المعروف أن إسرائيل تعاني معضلة مكونة من مثلث قاتل هو: الجغرافيا، والطوبوغرافيا، والديموغرافيا.

فإسرائيل تفتقر في كيانها الجغرافي الحالي إلى العمق الاستراتيجي، وفي نفس الوقت لا تسيطر في الداخل على الطوبوغرافيا بشكل كامل. من هنا السعي إلى تهجير الفلسطينيين، والاستيطان، وإعادة هندسة الانتشار الديموغرافي الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين (البُعد الديموغرافي). ومن هنا ارتكزت كل الاستراتيجيات الأمنية الإسرائيلية على السيطرة في الداخل على المبادئ التالية: الابتعاد، العزل، التهجير، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.

هذا في الداخل الإسرائيلي. فماذا عن المحيط المباشر والمنطقة ككل؟

إسرائيل تمهّد أرضاً لشق طريق جديد للمستوطنين غرب رام الله بالضفة الغربية يوم الاثنين (أ.ف.ب)

تسعى إسرائيل حالياً إلى تعزيز عمقها الاستراتيجي في المحيط المباشر عبر الوجود العسكري في كل من لبنان وسوريا، ومن ضمن منظومة أمنيّة جديدة.

أما في المنطقة، فهي تسعى لفرض عقيدة إسرائيلية جديدة، تُكمل عقيدة مناحم بيغن، والتي تهدف إلى منع أية دولة إقليمية من امتلاك السلاح النووي.

وترتكز العقيدة الاستراتيجية الإقليمية الجديدة على فرض قواعد اشتباك في المنطقة تسمح لإسرائيل بالتدخل في أي مكان، وضد أية دولة تعتقد إسرائيل، بحساباتها الخاصة، أنها تشكّل تهديداً لأمنها القومي.

جانب من الأمثلة

وفيما يلي بعض الأمثلة:

في عام 1978، سعت إسرائيل، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إلى خلق وتقنين منطقة عازلة في جنوب لبنان، فكانت عملية الليطاني في 14-21 مارس (آذار). ونتيجة لهذه العملية، صدر قرار مجلس الأمن «425» الذي يقول بنشر «اليونيفيل».

وفي عام 1978، وبعد 6 أشهر من صدور القرار «425»، وقَّعت مصر مع إسرائيل اتفاقية كامب ديفيد، بحيث أعادت بموجبها إسرائيل شبه جزيرة سيناء إلى مصر. وتضمّنت المعاهدة ملحقاً أمنياً يُقسّم سيناء إلى أربع مناطق: «أ، ب، ج، د». وحدّد الملحق الأمني نوعية وحجم الأسلحة المصرية المسموح بوجودها في هذه المناطق، كما عدد العسكريين فيها. وأمَّن هذا الملحق لإسرائيل منطقة عازلة قانونية بعمق جغرافي قد يصل إلى 200 كيلومتر.

قوات إسرائيلية على شاطئ صيدا خلال اجتياح لبنان عام 1982 (غيتي)

وبعد اجتياح لبنان في عام 1982 وخروج «منظمة التحرير» الفلسطينية نهائياً من لبنان، حاولت إسرائيل فرض معاهدة سلام مع لبنان تمثّلت في «اتفاق 17 أيار/ مايو». وتضمّن هذا الاتفاق ملحقاً ينص على إنشاء منطقة أمنية بشروط إسرائيلية، في البر والبحر والجو. وبعد سقوط «اتفاق 17 أيار»، فرضت إسرائيل منطقة أمنية في جنوب لبنان بواسطة عملائها. واستمرّت هذه المنطقة حتى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في عام 2000.

أما في «حرب تمّوز/ يوليو» عام 2006، فقد خسرت إسرائيل الحرب؛ لأنها لم تكن قادرة على الحسم ضد «حزب الله». قبلت بوقف إطلاق النار، واستصدار القرار «1701» من مجلس الأمن، والذي بدوره عدّل مهمة وعدد قوات «اليونيفيل»، كما أمّن منطقة عازلة لإسرائيل حتى 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عندما بدأ «حزب الله» حرب الإسناد لغزّة.

وبعد سقوط «حزب الله» في حرب إسناده ضد إسرائيل، دخل الجيش الإسرائيلي إلى العمق اللبناني ليحتل بصورة مؤقتة خمس نقاط، تشكّل حالياً عمقاً جغرافياً ومنطقة أمنية، مع الاحتفاظ بحرية الاستهداف الجوي لكل مكونات «حزب الله» في الداخل اللبناني.

إضفاء الطابع المؤسسي

وأخيراً وليس آخراً، تطلب إسرائيل اليوم الأمور التالية من سوريا، وذلك بالإضافة إلى الجولان المحتل ذي القيمة الاستراتيجية العسكرية المهمة، كما بالإضافة إلى المنطقة العازلة (UNDOF)، والتي تبلغ مساحتها ما يُقارب 266 كيلومتراً مربعاً:

1- توسيع المنطقة العازلة (UNDOF) والمنزوعة السلاح أكثر ضمن العمق السوري بمعدل كيلومترين.

2- إبقاء السيطرة على نقاط استراتيجية في جبل الشيخ المُطل على العاصمة السورية دمشق.

3- اعتبار المنطقة من جنوب دمشق وحتى الحدود مع الأردن منطقة منزوعة السلاح، وغير مسموح للطيران السوري بالتحليق فوقها.

4- تأمين ممر جوي فوق الأراضي السورية يُسمح فيه للطيران الإسرائيلي بالتحليق في حال الحرب مجدداً مع إيران.

مركبة عسكرية إسرائيلية بالقرب من الحدود بين مرتفعات الجولان المحتل وسوريا يوم 4 مايو 2025 (رويترز)

أي إنه يمكن القول إن إسرائيل، بسبب النقص الديموغرافيّ لتعزيز جيشها، ومع تقدمها في التكنولوجيا العسكرية، ولأن أغلب حروبها تستند عادة على استدعاء الاحتياط؛ فإنها تحاول حالياً مزج عناصر متعددة ضمن استراتيجية «تأمين العمق الاستراتيجي»، خاصة بعد السابع من أكتوبر 2023. فهي تستخدم التكنولوجيا المُزوّدة بالاستعلام والاستخبارات للتأثير في عمق الشرق الأوسط، كما تحتل مناطق في محيطها المباشر، وتضفي الطابع المؤسسي على وجودها العسكري فيها؛ كونها تشكّل امتداداً للداخل الإسرائيلي، بحيث يمكن تأمين الإمدادات اللوجستية والدعم الناري لها على حد سواء.

ولتحقيق هذا الهدف تسعى إسرائيل إلى «تقنين العمق الاستراتيجي»، إن كان عبر التفاوض المباشر أو من خلال قرارات من مجلس الأمن.


مقالات ذات صلة

محكمة إسرائيلية تلغي حظر زيارات «الصليب الأحمر» للمعتقلين الفلسطينيين

المشرق العربي صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

محكمة إسرائيلية تلغي حظر زيارات «الصليب الأحمر» للمعتقلين الفلسطينيين

ألغت المحكمةُ العليا الإسرائيلية قراراً كان يحظر على ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي العلم الإسرائيلي مرفوعاً على مبنى مهدم في جنوب لبنان (أ.ب)

ترحيب إسرائيلي بنتائج الاتفاق مع لبنان

على الرغم من مظاهر الاعتراض على اتفاق وقف النار مع لبنان رحب غالبية المسؤولين الإسرائيليين به ودافعوا عنه وعدوه خطوة مهمة إلى الأمام.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين ضد السياح الإسرائيليين بعد وصولهم إلى أثينا (أ.ف.ب)

تقرير مقلق لإسرائيل ويفند روايات نتنياهو: المهاجرون شباب وأدمغة

قلق في إسرائيل بعد أن أكدت الأرقام أن معظم المهاجرين في السنوات الماضية كانوا شباباً ومتعلمين. ومعظمهم ليسوا مهاجرين جدداً

كفاح زبون (رام الله)
خاص فلسطيني يجلس في موقع غارة عسكرية إسرائيلية استهدفت مباني وخياماً تؤوي عائلات نازحة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

خاص مصدر فلسطيني: «حماس» تبحث مع الوسطاء «مقاربة أقل حدة» لملف السلاح

أكد مصدر فلسطيني مطلع ومقرب من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث المتداول حول إلغاء زيارة وفد حركة «حماس» إلى العاصمة المصرية القاهرة، أو تأجيلها، غير دقيق.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي وفد من قوات الأمم المتحدة العاملة في المنطقة مع أعضاء اتحاد فلاحي القنيطرة (سانا)

وفد أممي يستمع لمطالب فلاحي القنيطرة بتأمين وصولهم إلى حقولهم

اعتقلت قوات إسرائيلية، الثلاثاء، شاباً سورياً في محافظة القنيطرة، فيما بحث وفد من قوات الأمم المتحدة العاملة في المنطقة معاناة فلاحي القنيطرة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«الحرس» و«حزب الله» يرفضان تفاهمات واشنطن


بحارة أميركيون يصلون إلى حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»  في بحر العرب 28 مايو (البحرية الأميركية)
بحارة أميركيون يصلون إلى حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب 28 مايو (البحرية الأميركية)
TT

«الحرس» و«حزب الله» يرفضان تفاهمات واشنطن


بحارة أميركيون يصلون إلى حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»  في بحر العرب 28 مايو (البحرية الأميركية)
بحارة أميركيون يصلون إلى حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب 28 مايو (البحرية الأميركية)

رفض «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني، عملياً، صيغة التفاهمات التي أُعلن عنها في واشنطن لوقف القتال في لبنان، في وقت وصف فيه الرئيس اللبناني جوزيف عون الاتفاق مع إسرائيل بأنه «الفرصة الأخيرة» للتوصل إلى تهدئة شاملة.

وتمسّكت طهران بربط أي تفاهم مع واشنطن بشأن وقف الحرب وفتح مضيق هرمز بوقف إطلاق النار في لبنان. وقال «الحرس الثوري» إن قبول وقف النار في الحرب الإقليمية كان مشروطاً بوقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، محذراً من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية يهدد الهدنة مع واشنطن.

وفي بيروت، قال الرئيس عون إن الاتفاق يمثل «الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار»، مضيفاً أن التنفيذ قد يبدأ خلال 24 ساعة من موافقة الأطراف المعنية وتقديم الضمانات اللازمة، معتبراً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيكون «الضامن المباشر» للاتفاق.

لكن الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم رفض التفاهمات التي وصفها بأنها «خريطة طريق لإبادة قسم من الشعب اللبناني واستعباد الباقي». وقال إن الحزب معني فقط بـ«وقف العدوان الشامل» وانسحاب إسرائيل.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المحادثات مع واشنطن «لم تحقق أي تقدم ملموس»، مؤكداً أن إيران تربط التهدئة بإنهاء الحرب في لبنان.

في المقابل، قال ترمب إن المحادثات مع إيران «تجري بشكل جيد جداً»، وقد تفضي إلى نتائج «بنهاية الأسبوع». وتعرض ترمب لضغوط سياسية داخلية بعد تصويت «مجلس النواب» على قرار يدعو لوقف العمليات العسكرية ضد إيران، وهو ما وصفه الرئيس الأميركي بأنه «غير وطني» ويعرقل المفاوضات الجارية مع طهران.


الهدير الإيراني... من «عاصفة الخميني» إلى «طوفان السنوار»

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
TT

الهدير الإيراني... من «عاصفة الخميني» إلى «طوفان السنوار»

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)

كان عام 1979 منعطفاً غيّر وجه الشرق الأوسط. في ذلك العام عاد الخميني من منفاه الباريسي إلى طهران، وسقط نظام الشاه، وبدأت الجمهورية الإسلامية تكريس مبدأ «ولاية الفقيه» و«تصدير الثورة»، وصولاً إلى «طوفان السنوار».

تروي «الشرق الأوسط» في 3 حلقات تنشر أولاها اليوم، قصة الهدير الإيراني الذي انطلق ذلك العام، وكيف تمكنت طهران من الإمساك بملفات أساسية في العالم العربي.

وترصد الحلقات عبر شهادات لاعبين أساسيين كيف منح خصوم إيران نظامها «هدايا» سهلت هذه المهمة، من غزو صدام للكويت الذي حوّل الأنظار إلى «الخطر العراقي»، ثم هجمات 11 سبتمبر التي قادت إلى إسقاط «طالبان» ونظام صدام، فوجدت إيران خصومها يتساقطون وبدأت عبر «فيلق القدس» توسيع نفوذها في العراق والمنطقة.

لم يكن سهلاً تخيل هذا المسار. صدام كان قد رفض، خلال إقامة الخميني في النجف، اقتراحاً من الأجهزة العراقية باغتياله واتهام الشاه بالعملية، قائلاً إن العراق «لا يغدر بضيوفه». لكن صدام سيجد لاحقاً في «ولاية الفقيه» تهديداً مباشراً لوحدة العراق، إذ عدّها مدخلاً لولاء شيعي عابر للحدود.


ما مدى السلطة الفعلية لمجتبى خامنئي؟

كرسي تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران حيث كان يلقي سنوياً الخطاب التقليدي للمناسبة قبل مقتله في الضربات الأميركية - الإسرائيلي (جماران)
كرسي تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران حيث كان يلقي سنوياً الخطاب التقليدي للمناسبة قبل مقتله في الضربات الأميركية - الإسرائيلي (جماران)
TT

ما مدى السلطة الفعلية لمجتبى خامنئي؟

كرسي تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران حيث كان يلقي سنوياً الخطاب التقليدي للمناسبة قبل مقتله في الضربات الأميركية - الإسرائيلي (جماران)
كرسي تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران حيث كان يلقي سنوياً الخطاب التقليدي للمناسبة قبل مقتله في الضربات الأميركية - الإسرائيلي (جماران)

لم يظهر مجتبى خامنئي علناً منذ تعيينه مرشداً لإيران في مطلع مارس (آذار)، ولا يزال وضعه الصحي غير مؤكد، كما أن حجم سلطته الفعلية لا يزال غامضاً، لكن واشنطن تقول إنه بات يؤدي دوراً أكثر نشاطاً في شؤون الحكم والمفاوضات.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن خامنئي «منخرط تماماً»، بعدما كان قد شكك سابقاً في كونه على قيد الحياة. كما تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن «مؤشرات تظهر أن مجتبى خامنئي يزداد انخراطاً، على مستوى معين».

ومنذ أن خلف والده، الذي قُتل في اليوم الأول من الضربات الإسرائيلية - الأميركية في 28 فبراير (شباط)، أصدر المرشد الإيراني البالغ 56 عاماً نحو 12 تصريحاً مكتوباً، كان آخرها رسالة حادة ضد «العدو الخبيث» تليت الخميس.

ويعد منصب المرشد ركيزة أساسية في نظام الحكم الإيراني، وله الكلمة الفصل في السياسات العليا والخطوط العامة للأجهزة السياسية والأمنية والعسكرية.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس أركان القوات المسلحة الجنرال علي عبد اللهي، إنهما التقيا خامنئي، رغم عدم نشر أي صور لهذه اللقاءات.

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (جماران)

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن خبراء أن آليات عمل النظام قد تكون غير شفافة، لكن يبدو أن مجتبى ومكتبه يؤديان دوراً داخلها، حتى لو بقيا في الخلفية في الوقت الراهن. ويرى هؤلاء أن مجتبى سيحتاج إلى وقت لترسيخ سيطرة أكثر مباشرة، إذا أراد ذلك.

وكما في رسائله السابقة، كرر بيان خامنئي الخميس الخطاب المناهض بشدة للولايات المتحدة وإسرائيل الذي كان يتبناه والده، متهماً واشنطن وتل أبيب بمحاولة زرع «الانقسام» بين الإيرانيين بعد تعرضهما لـ«نكسة قاسية».

وأدلى خامنئي برسالته بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لوفاة المرشد المؤسس لنظام الحكم (الخميني). لكنه لم يحضر المراسم، خلافاً لوالده الذي كان نادراً ما يغيب عن هذه المناسبة، ووُضع في موقع الاحتفال كرسي فارغ تعلوه صورته.

وقرأ إمام جمعة طهران الرسالة، فيما بث التلفزيون الرسمي تصريحاته السابقة.

وأكد عدد من المسؤولين الإيرانيين أن خامنئي أصيب في إحدى الضربات، لكن الروايات بشأن وضعه الصحي لا تزال متضاربة.

وقال توماس جونو، الأستاذ في جامعة أوتاوا، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «دور مجتبى خامنئي غامض، ومن المستبعد جداً أن يكون لديه حالياً مستوى النفوذ نفسه الذي كان يتمتع به والده».

لكنه أضاف أن «من المؤكد أنه قريب من شخصيات مهمة كثيرة»، ولا سيما شخصيات رئيسية في «الحرس الثوري».

وبحسب جونو، يبدو أن السلطة باتت في يد لجنة غير رسمية تضم قادة في «الحرس الثوري» وعدداً محدوداً من الشخصيات السياسية البارزة، بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قائد سابق في «الحرس الثوري» وكبير المفاوضين في المحادثات مع الولايات المتحدة.

ورغم غيابه عن الساحة العامة، حرصت السلطات الإيرانية على إبقاء مجتبى خامنئي حاضراً في أذهان الإيرانيين. وعلقت لافتات ضخمة في طهران تحمل صور المرشد الأول (الخميني) والمرشد السابق علي خامنئي وخليفته، مجتبى خامنئي، في مسعى واضح إلى إبراز استمرارية السلطة.

لافتة تضم صور المرشد الجديد مجتبى خامنئي مع والده علي خامنئي والمرشد الأول الخميني خلال مراسم الذكرى الـ37 لوفاته في ضريحه جنوب طهران الخميس (رويترز)

وقال فرزان ثابت، الباحث في معهد الدراسات الدولية العليا في جنيف، إنه يتوقع أن يؤدي خامنئي دوراً أكبر مع عودة الوضع الأمني إلى طبيعته وتحسن حالته الصحية.

وأضاف أن خامنئي «يشرف على التوجه العام للسياسة، بما في ذلك على مستوى المفاوضات مع واشنطن».

ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان مجتبى خامنئي سيكرر نموذج حكم والده، الذي مارس سيطرة واسعة على السلطة لأكثر من 35 عاماً، مع إدارة التنافسات داخل الجهاز.

وخلافاً للبنية الهرمية للسلطة التي كانت قائمة في عهد والده، يرى محللون أن السلطة «تُمارس على الأرجح بصورة أكثر تفتتاً وتوزعاً»، وأن مجتبى قد يكون طرفاً بين أطراف أخرى في نظام يتجه فيه «الحرس الثوري» إلى أداء دور مهيمن.

وختم جونو بالقول: «مجتبى لا يمتلك سلطة والده، ولا يبدو أنه يملك القدرة على أداء دور الموازن الرئيسي والحكم النهائي داخل النظام».