كيف تستغل إسرائيل الحروب الحديثة لتعزيز عمقها الاستراتيجي؟

انتشار قوات إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة يوم 25 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
انتشار قوات إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة يوم 25 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

كيف تستغل إسرائيل الحروب الحديثة لتعزيز عمقها الاستراتيجي؟

انتشار قوات إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة يوم 25 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
انتشار قوات إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة يوم 25 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

يرى الكثير من الخبراء الاستراتيجيين أن وسائل التكنولوجيا الحديثة غيّرت العديد من خصائص الحرب، كما غيّرت العلاقة جذرياً بين مفهومَي الدفاع والهجوم في الحرب.

وإذا كانت دِقّة الأسلحة الأميركية تميّز الجيش الأميركي عن غيره على أنه جيش ما بعد الحداثة، فما هو مصير هذا التميز بعد أن أصبح المنافسون والأعداء يملكون الأسلحة الدقيقة، كما القدرة على دمج الدقّة والحشد في نفس الوقت، وبتكلفة تصنيع زهيدة جداً مقارنة بتكلفة الأسلحة الأميركيّة؟ وماذا يعني العمق الاستراتيجي في عصر الأسلحة فرط - الصوتية؟

وتتردد في الأذهان أيضاً أسئلة عديدة مثل: هل تخلّت الدول عن العمق الجغرافي كضمانة لأمنها القومي بعد أن تحصّلت على أسلحة دقيقة قادرة على ضرب الأهداف على بُعد آلاف الكيلومترات؟ وهل أصبحت الحروب تُحسم عن بُعد، ودون الحاجة إلى قوات على أرض المعركة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يُقاس النجاح؟ وكيف تُختم الحروب؟ وما هو العمق اللوجستي لمخازن الأسلحة والذخيرة الضرورية للحرب؟... وخاصة أن الحرب تهدف إلى فرض الإرادة على الآخر كما يقول المفكر البروسي كارل فون كلوزفيتز.

الدخان يتصاعد عقب هجوم جوي إسرائيلي على مشارف قرية الجرمق اللبنانية يوم الأحد (أ.ف.ب)

بكلام آخر، يقول الكثير من المفكرين الاستراتيجيين إن الوقت قد حان لقراءة متأنية لما يُسمّى بـ«فن الحرب» القديم، وذلك بهدف التأقلم مع التحولات الجذرية، والتي أصبحت واقعاً ملموساً لا يمكن تجاهله، والسعي لكتابة فكر من نوع جديد يتماشى مع التحولات الكبرى في القرن الحادي والعشرين.

العمق الجغرافي في العقل الأمني الإسرائيلي

من المعروف أن إسرائيل تعاني معضلة مكونة من مثلث قاتل هو: الجغرافيا، والطوبوغرافيا، والديموغرافيا.

فإسرائيل تفتقر في كيانها الجغرافي الحالي إلى العمق الاستراتيجي، وفي نفس الوقت لا تسيطر في الداخل على الطوبوغرافيا بشكل كامل. من هنا السعي إلى تهجير الفلسطينيين، والاستيطان، وإعادة هندسة الانتشار الديموغرافي الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين (البُعد الديموغرافي). ومن هنا ارتكزت كل الاستراتيجيات الأمنية الإسرائيلية على السيطرة في الداخل على المبادئ التالية: الابتعاد، العزل، التهجير، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.

هذا في الداخل الإسرائيلي. فماذا عن المحيط المباشر والمنطقة ككل؟

إسرائيل تمهّد أرضاً لشق طريق جديد للمستوطنين غرب رام الله بالضفة الغربية يوم الاثنين (أ.ف.ب)

تسعى إسرائيل حالياً إلى تعزيز عمقها الاستراتيجي في المحيط المباشر عبر الوجود العسكري في كل من لبنان وسوريا، ومن ضمن منظومة أمنيّة جديدة.

أما في المنطقة، فهي تسعى لفرض عقيدة إسرائيلية جديدة، تُكمل عقيدة مناحم بيغن، والتي تهدف إلى منع أية دولة إقليمية من امتلاك السلاح النووي.

وترتكز العقيدة الاستراتيجية الإقليمية الجديدة على فرض قواعد اشتباك في المنطقة تسمح لإسرائيل بالتدخل في أي مكان، وضد أية دولة تعتقد إسرائيل، بحساباتها الخاصة، أنها تشكّل تهديداً لأمنها القومي.

جانب من الأمثلة

وفيما يلي بعض الأمثلة:

في عام 1978، سعت إسرائيل، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إلى خلق وتقنين منطقة عازلة في جنوب لبنان، فكانت عملية الليطاني في 14-21 مارس (آذار). ونتيجة لهذه العملية، صدر قرار مجلس الأمن «425» الذي يقول بنشر «اليونيفيل».

وفي عام 1978، وبعد 6 أشهر من صدور القرار «425»، وقَّعت مصر مع إسرائيل اتفاقية كامب ديفيد، بحيث أعادت بموجبها إسرائيل شبه جزيرة سيناء إلى مصر. وتضمّنت المعاهدة ملحقاً أمنياً يُقسّم سيناء إلى أربع مناطق: «أ، ب، ج، د». وحدّد الملحق الأمني نوعية وحجم الأسلحة المصرية المسموح بوجودها في هذه المناطق، كما عدد العسكريين فيها. وأمَّن هذا الملحق لإسرائيل منطقة عازلة قانونية بعمق جغرافي قد يصل إلى 200 كيلومتر.

قوات إسرائيلية على شاطئ صيدا خلال اجتياح لبنان عام 1982 (غيتي)

وبعد اجتياح لبنان في عام 1982 وخروج «منظمة التحرير» الفلسطينية نهائياً من لبنان، حاولت إسرائيل فرض معاهدة سلام مع لبنان تمثّلت في «اتفاق 17 أيار/ مايو». وتضمّن هذا الاتفاق ملحقاً ينص على إنشاء منطقة أمنية بشروط إسرائيلية، في البر والبحر والجو. وبعد سقوط «اتفاق 17 أيار»، فرضت إسرائيل منطقة أمنية في جنوب لبنان بواسطة عملائها. واستمرّت هذه المنطقة حتى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في عام 2000.

أما في «حرب تمّوز/ يوليو» عام 2006، فقد خسرت إسرائيل الحرب؛ لأنها لم تكن قادرة على الحسم ضد «حزب الله». قبلت بوقف إطلاق النار، واستصدار القرار «1701» من مجلس الأمن، والذي بدوره عدّل مهمة وعدد قوات «اليونيفيل»، كما أمّن منطقة عازلة لإسرائيل حتى 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عندما بدأ «حزب الله» حرب الإسناد لغزّة.

وبعد سقوط «حزب الله» في حرب إسناده ضد إسرائيل، دخل الجيش الإسرائيلي إلى العمق اللبناني ليحتل بصورة مؤقتة خمس نقاط، تشكّل حالياً عمقاً جغرافياً ومنطقة أمنية، مع الاحتفاظ بحرية الاستهداف الجوي لكل مكونات «حزب الله» في الداخل اللبناني.

إضفاء الطابع المؤسسي

وأخيراً وليس آخراً، تطلب إسرائيل اليوم الأمور التالية من سوريا، وذلك بالإضافة إلى الجولان المحتل ذي القيمة الاستراتيجية العسكرية المهمة، كما بالإضافة إلى المنطقة العازلة (UNDOF)، والتي تبلغ مساحتها ما يُقارب 266 كيلومتراً مربعاً:

1- توسيع المنطقة العازلة (UNDOF) والمنزوعة السلاح أكثر ضمن العمق السوري بمعدل كيلومترين.

2- إبقاء السيطرة على نقاط استراتيجية في جبل الشيخ المُطل على العاصمة السورية دمشق.

3- اعتبار المنطقة من جنوب دمشق وحتى الحدود مع الأردن منطقة منزوعة السلاح، وغير مسموح للطيران السوري بالتحليق فوقها.

4- تأمين ممر جوي فوق الأراضي السورية يُسمح فيه للطيران الإسرائيلي بالتحليق في حال الحرب مجدداً مع إيران.

مركبة عسكرية إسرائيلية بالقرب من الحدود بين مرتفعات الجولان المحتل وسوريا يوم 4 مايو 2025 (رويترز)

أي إنه يمكن القول إن إسرائيل، بسبب النقص الديموغرافيّ لتعزيز جيشها، ومع تقدمها في التكنولوجيا العسكرية، ولأن أغلب حروبها تستند عادة على استدعاء الاحتياط؛ فإنها تحاول حالياً مزج عناصر متعددة ضمن استراتيجية «تأمين العمق الاستراتيجي»، خاصة بعد السابع من أكتوبر 2023. فهي تستخدم التكنولوجيا المُزوّدة بالاستعلام والاستخبارات للتأثير في عمق الشرق الأوسط، كما تحتل مناطق في محيطها المباشر، وتضفي الطابع المؤسسي على وجودها العسكري فيها؛ كونها تشكّل امتداداً للداخل الإسرائيلي، بحيث يمكن تأمين الإمدادات اللوجستية والدعم الناري لها على حد سواء.

ولتحقيق هذا الهدف تسعى إسرائيل إلى «تقنين العمق الاستراتيجي»، إن كان عبر التفاوض المباشر أو من خلال قرارات من مجلس الأمن.


مقالات ذات صلة

غارات إسرائيلية على جنوب بيروت

المشرق العربي دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حي حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت - 6 مايو 2026 (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية على جنوب بيروت

شنت إسرائيل السبت غارتين على طريق دولي جنوب بيروت، بحسب ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

أفادت منظمة حقوقية بأن إسرائيل ستطلق اليوم السبت سراح الناشطين في «أسطول الصمود العالمي» الداعم لغزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جنود أميركيون وإسرائيليون في مركز التنسيق المدني العسكري وهو المركز الذي تقوده الولايات المتحدة للإشراف على تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب بغزة... في كريات غات جنوب إسرائيل 17 نوفمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل توجه اتهامات لـ3 جنود ومدني بالتجسس لصالح إيران

أفاد بيان مشترك صادر عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك والشرطة الإسرائيلية بأنه من المقرر توجيه تهم التجسس لصالح إيران في المحكمة لثلاثة جنود ومدني.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا اقتياد الناشط البرازيلي تياغو أفيلا إلى المحكمة في عسقلان 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

مدريد تستدعي القائمة بالأعمال الإسرائيلية عقب تمديد احتجاز ناشط إسباني

أعلنت مدريد استدعاءها القائمة بالأعمال الإسرائيلية احتجاجاً على التوقيف «غير المقبول وغير المحتمل» لناشط إسباني مؤيّد للفلسطينيين على متن «أسطول الصمود».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية مجموعة من المشاهير تحث آيرلندا على مقاطعة مباراة مقررة أمام إسرائيل (رويترز)

لاعبون ومشاهير آيرلنديون يدعون إلى مقاطعة مباراة إسرائيل

انضم عدد من لاعبي كرة القدم الآيرلنديين البارزين إلى مجموعة من المشاهير في حملة تحث آيرلندا على مقاطعة مباراة مقررة، ضمن دوري الأمم الأوروبية أمام إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (دبلن)

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
TT

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، والعقوبات الغربية المتشابكة، تتكشف ملامح شبكة معقدة من طرق الإمداد، والتحالفات بين روسيا، وإيران، والصين، في مواجهة ضغط أميركي متزايد يستهدف بالدرجة الأولى البرنامج العسكري الإيراني، وقدرته على الاستمرار في التصنيع، والانتشار.

وتشير معطيات استخباراتية، ومسارات تجارية وملاحية إلى أن بحر قزوين، الذي طالما بقي هامشياً في حسابات الصراع الدولي، بات اليوم أحد أهم الممرات اللوجستية غير التقليدية في دعم القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، وبالتوازي مع حملة عقوبات جديدة تستهدف شبكات إمداد مرتبطة بشركات في الصين، وهونغ كونغ، وفق تقريرين منفصلين نشرتهما السبت صحيفة «نيويورك تايمز».

سفينة إيرانية استُهدفت في بحر قزوين من قِبل الطيران الإسرائيلي في مارس 2026 (فيديو وزعه الجيش الإسرائيلي)

قزوين... الممر البديل

وفق تقديرات مسؤولين أميركيين، بدأت روسيا في نقل مكوّنات أساسية للطائرات المسيّرة إلى إيران عبر هذا الممر، في خطوة تُسهم في إعادة بناء جزء من الترسانة الإيرانية بعد خسائر كبيرة قُدّرت بنحو 60 في المائة من مخزونها من الطائرات المسيّرة خلال جولات القتال الأخيرة.

هذه الشحنات لا تأتي في إطار عسكري صرف، بل تتداخل مع حركة تجارية واسعة تشمل القمح، والذرة، وزيوت الطعام، والأعلاف، وتُنقل عبر موانئ إيرانية مطلة على بحر قزوين تعمل على مدار الساعة لتأمين احتياجات الاقتصاد الإيراني المتأثر بالعقوبات.

ويرى خبراء أن هذا التحول في مسارات الإمداد يعكس «تكيّفاً استراتيجياً» بين موسكو وطهران، إذ باتت روسيا تعيد توجيه صادرات كانت تمر عبر البحر الأسود، ومضايق أكثر هشاشة أمنياً، نحو الشمال الإيراني الأكثر عزلة عن الرقابة الغربية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة نيكول غرايفسكي، المتخصصة في الشأنين الروسي والإيراني، إن «بحر قزوين يمثل البيئة المثالية تقريباً للالتفاف على العقوبات، ونقل المعدات الحساسة، نظراً لطبيعته المغلقة، وصعوبة تتبعه».

وتشير بيانات ملاحية إلى أن جزءاً من حركة السفن بين الموانئ الروسية والإيرانية يتم دون تشغيل أجهزة التتبع، ما يزيد من تعقيد عملية الرصد الدولي للشحنات، ويحول بحر قزوين إلى ثقب أسود جيوسياسي.

ولا تقتصر أهمية هذا المسار البحري على التجارة التقليدية، بل تمتد إلى البنية العسكرية الإيرانية نفسها. فالمكوّنات الروسية التي تصل عبر بحر قزوين، بحسب مسؤولين أميركيين، تُستخدم لتعزيز قدرة إيران على إنتاج الطائرات المسيّرة بوتيرة أسرع، ما يمنحها هامشاً أكبر في الصراعات الإقليمية، وفي مواجهة التفوق العسكري الأميركي، والإسرائيلي.

وبينما لا يعتقد أن هذه المكونات تغيّر ميزان القوى بشكل جذري، إلا أنها توفر لإيران قدرة مستمرة على إعادة الإمداد، وهو ما يُعد عاملاً حاسماً في الحروب طويلة الأمد.

في المقابل، ترى موسكو وطهران في هذا التعاون جزءاً من «اقتصاد مقاوم للعقوبات»، يتيح لكلا البلدين تقليل الاعتماد على المسارات التجارية الخاضعة للرقابة الغربية، مثل مضيق هرمز، أو البحر الأسود.

جانب من عملية إطلاق سابقة لمسيرات إيرانية الصنع (أرشيفية - إكس)

خناق على الشبكات الآسيوية

بالتوازي، أعلنت الولايات المتحدة عن حزمة جديدة من العقوبات تستهدف أفراداً وشركات في الصين، وهونغ كونغ، إلى جانب كيانات في بيلاروسيا، بتهمة المساعدة في تزويد إيران بمعدات تدخل في تصنيع الصواريخ، والطائرات المسيّرة.

تأتي هذه الخطوة في إطار سياسة أميركية أوسع تهدف إلى تفكيك سلسلة الإمداد الصناعية التي تدعم البرنامج العسكري الإيراني، عبر استهداف حلقاته الوسيطة، وليس فقط المنتج النهائي.

وتشير واشنطن إلى أن شركات صينية خاصة، بعضها مرتبط بمصافي نفط، لعبت دوراً في تسهيل تدفق الموارد إلى الاقتصاد الإيراني، رغم العقوبات القائمة منذ سنوات.

وتكتسب هذه الإجراءات بعداً سياسياً إضافياً، إذ تتزامن مع تحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، وسط توتر متصاعد حول دور الصين في دعم الاقتصاد الإيراني عبر مشترياتها من النفط.

وتظهر الصورة الكاملة اليوم أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يقتصر على البرنامج النووي، أو المواجهات العسكرية المباشرة، بل تحول إلى حرب شبكات إمداد عالمية تمتد من بحر قزوين إلى بحر الصين الجنوبي، مروراً بالموانئ الخليجية، والمصافي المستقلة في آسيا.

وفي هذا الإطار، تبدو إيران وروسيا والصين وكأنها تبني تدريجياً منظومة بديلة للتجارة، والتسليح، وتعمل خارج النظام المالي والتجاري الغربي، لكنها تظل عرضة لضغوط العقوبات، ومحاولات الاحتواء المستمرة.

ومع تصاعد هذه الشبكات المتشابكة، يبدو أن بحر قزوين، رغم هدوئه الجغرافي، قد تحول إلى أكثر المساحات حساسية في صراع عالمي يتجاوز حدود المنطقة إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية نفسها.


تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

أفادت منظمة حقوقية بأن إسرائيل ستطلق اليوم السبت سراح الناشطين في «أسطول الصمود العالمي» الداعم لغزة، البرازيلي تياغو أفيلا والإسباني سيف أبو كشك، على أن يبقيا في عهدة سلطات الهجرة تمهيداً لترحيلهما من البلاد، وففاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل «عدالة»، الذي يتولى تمثيل الناشطين: «اليوم، أبلغ جهاز الشاباك (الأمن الداخلي) فريق (عدالة) القانوني أنه سيتمّ اليوم السبت التاسع من مايو (أيار) 2026 إطلاق سراح الناشطين في أسطول الصمود العالمي تياغو أفيلا وسيف أبو كشك، من الاحتجاز الإسرائيلي»، على أن يسلّما إلى «سلطات الهجرة الإسرائيلية في وقت لاحق اليوم، ويبقيا في عهدتها في انتظار ترحيلهما».

ودعا أسطول الصمود العالمي الذي يحمل مساعدات إنسانية لغزة إلى إعادة التجمع في ميناء مرمريس التركي في الأيام المقبلة.

الناشط البرازيلي تياغو أفيلا الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

وقال النشطاء، أمس الجمعة، إن العديد من القوارب وصلت بالفعل في خليج البلدة وهناك قوارب أخرى من اليونان وإيطاليا في طريقها إلى هناك.

كما أظهرت البيانات من منصة تعقب إلكترونية أمس الخميس أن القوارب متجهة إلى مرمريس.

ومن غير الواضح متى يعتزم النشطاء الإبحار مجدداً من مرمريس باتجاه قطاع غزة مع إمدادات المساعدات.

وقال المنظمون إن المزيد من المعلومات بشأن «المرحلة المقبلة» من الحملة سوف تتوفر في 12 مايو (أيار).

واعترضت البحرية الإسرائيلية الأسبوع الماضي، أكثر من 20 سفينة من أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية غرب جزيرة كريت واعتقلت 175 شخصاً.


هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
TT

هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز

تحول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إلى ما يشبه «سجناً بحرياً مفتوحاً» يحتجز آلاف البحارة العالقين على متن سفن الشحن، وناقلات النفط، وسط تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار إغلاق المضيق منذ أسابيع.

ووفقاً لتقرير نشرته «وول ستريت جورنال»، فإن نحو 20 ألف بحار ما زالوا عالقين داخل الخليج العربي، فيما بدأت الإمدادات الغذائية والطبية بالنفاد على عدد من السفن، بينما يعيش البحارة تحت تهديد الطائرات المسيرة، والصواريخ، والألغام البحرية.

ويقول بحارة إنهم باتوا يقضون أيامهم في ترقب التعليمات العسكرية، والتحذيرات المتكررة عبر أجهزة اللاسلكي، في وقت أصبحت فيه العودة إلى الموانئ، أو محاولة العبور عبر المضيق محفوفة بالمخاطر.

«المنطقة حمراء»

وفي واحدة من أكثر الشهادات تعبيراً عن حجم الأزمة، روى ضابط الملاحة البنغلاديشي شميم صبير، العامل على متن ناقلة نفط مملوكة لشركة صينية، كيف بات طاقمه يعيش أيامه الأخيرة من الإمدادات الغذائية بعد أكثر من شهرين من التعطل داخل المضيق.

وقال صبير إن سفينته كانت ضمن أكثر من 800 سفينة تنتظر السماح لها بالمغادرة، مضيفاً أن الطائرات المسيّرة الإيرانية كانت تحلق باستمرار فوق السفن العالقة، بينما امتلأت قنوات الاستغاثة البحرية بنداءات بحارة يطلبون الطعام، والمياه، والمساعدة الطبية.

وأضاف أن رد البحرية الإيرانية على استفسارات الطواقم بشأن موعد فتح المضيق كان يتكرر بصورة ثابتة: «المنطقة خطيرة جداً... إنها منطقة حمراء».

ويقول البحارة إن بعض السفن اضطرت إلى التخلص من النفايات الفاسدة في البحر بعد تراكمها لأسابيع، فيما بدأ الطعام ينفد تدريجياً على عدد من السفن التي كانت تعتقد أن إغلاق المضيق لن يستمر طويلاً.

أزمة إنسانية في البحر

وتقول المنظمة البحرية الدولية إن ما لا يقل عن عشرة بحارة لقوا حتفهم منذ بدء الحرب، بينما تعرضت أكثر من 30 سفينة لهجمات بطائرات مسيّرة، وصواريخ إيرانية.

وبحسب التقرير، فإن الأزمة الإنسانية تتفاقم بشكل متسارع، خصوصاً على السفن التي تعاني نقصاً في المياه العذبة، والأدوية، والوقود.

وأبلغ بحار هندي عبر أجهزة الاتصال البحرية أن سفينته نفدت منها المؤن، والمياه، فيما دخل اثنان من أفراد الطاقم في حالة صحية حرجة. كما قال بحار روسي يعمل على ناقلة نفط إن أفراد طاقمه لم يتبقَّ لهم سوى الماء، والأرز، دون توافر أدوية لعلاج حالته المرضية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم.

ويقول خبراء شحن إن الأزمة مرشحة للتفاقم خلال الأسابيع المقبلة، مع ازدياد أعداد السفن التي تتخلى عنها الشركات المالكة بسبب الخسائر المالية الضخمة، وارتفاع تكاليف التأمين.

محاولة أميركية متعثرة

وكانت الولايات المتحدة قد أطلقت عملية محدودة لإخراج السفن العالقة أطلقت عليها اسم «مشروع الحرية»، حيث تواصلت البحرية الأميركية مع عدد من السفن، وشجعتها على محاولة المغادرة، مؤكدة أنها نجحت في تقليص مخاطر الألغام البحرية باستخدام طائرات مسيّرة، وتقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لكن العملية توقفت بعد نحو 36 ساعة فقط، وسط استمرار التهديدات الإيرانية، والهجمات المتبادلة في المنطقة.

وقال أحد الضباط العاملين على متن سفينة شحن إن كثيراً من البحارة لم يقتنعوا بسلامة الممرات البحرية التي تحدثت عنها واشنطن، مضيفاً: «الحرس الثوري ينتظر في البحر، ومعه أسلحة... الوضع ليس آمناً بالنسبة لنا».

وأشار بحارة إلى أن التحذيرات الإيرانية عبر أجهزة اللاسلكي لا تتوقف، وتشمل رسائل متكررة تؤكد أن «مضيق هرمز مغلق بالكامل».

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

تكاليف قياسية للشحن والتأمين

ألقت الأزمة بظلالها الثقيلة على قطاع الشحن العالمي، إذ ارتفعت أقساط التأمين على السفن الموجودة داخل المضيق إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت إلى نحو 8 ملايين دولار لناقلة نفط كبيرة واحدة، أي أكثر من 30 ضعف مستويات ما قبل الحرب.

وتقول شركات شحن إن كثيراً من ملاك السفن باتوا عاجزين عن تحمل التكاليف المتزايدة، فيما بدأت الخلافات تتصاعد بين بعض الشركات وأطقم السفن بسبب تأخر الرواتب، ونقص الإمدادات.

وأكد اتحاد عمال النقل الدولي أنه تلقى أكثر من ألفي طلب استغاثة من بحارة عالقين، نصفها يتعلق بعدم دفع الرواتب، بينما ترتبط مئات البلاغات الأخرى بنقص الطعام، والوقود، والمياه.

وقال منسق الاتحاد في الشرق الأوسط محمد العرشدي إن ما يجري «غير مسبوق في تاريخ الملاحة الحديثة».

محاولات يائسة للمرور

وفي محاولة للحصول على مرور آمن، بدأت بعض السفن تغيير أعلامها، أو كتابة عبارة «الطاقم كله صيني» على أجهزة التعريف الخاصة بها، بينما لجأت سفن أخرى إلى إطفاء أجهزة التتبع، والإبحار باستخدام المناظير فقط بعد تعرض إشارات الملاحة للتشويش.

ورغم ذلك، لم تتمكن سوى أعداد محدودة من السفن من عبور المضيق خلال الأيام الأخيرة.

وفي حادثة لافتة، ذكرت الصحيفة أن يختاً فاخراً يملكه الملياردير الروسي أليكسي مورداشوف تمكن من عبور الحصار الإيراني قبل ساعات من زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي ظل استمرار الأزمة، يحاول البحارة الحفاظ على توازنهم النفسي بوسائل بسيطة. بعضهم يمارس الرياضة على سطح السفن، وآخرون يشاهدون الأفلام، أو يقرأون الكتب، أو يحاولون التواصل مع عائلاتهم رغم الانقطاع المتكرر لخدمات الإنترنت والاتصالات.

وقال صبير إن طاقمه بدأ يقتصد فيما تبقى من الطعام، الذي يقتصر حالياً على الشعيرية سريعة التحضير، وبعض الخضراوات.

وأضاف: «الوضع أصبح حرجاً للغاية».

ومع استمرار إغلاق المضيق، وتصاعد المخاوف من مواجهات بحرية جديدة، أو انتشار الألغام، يبقى آلاف البحارة عالقين في انتظار إجابة عن السؤال الذي يحدد مصيرهم، ومصير جزء كبير من حركة التجارة والطاقة العالمية: متى سيُعاد فتح مضيق هرمز؟