«معركة بعد أُخرى»... تحفة جديدة لبول ت. أندرسن

يجمع الجودة والترفيه والسياسة

ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
TT

«معركة بعد أُخرى»... تحفة جديدة لبول ت. أندرسن

ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)

يُحقق فيلم «معركة بعد أخرى (One Battle After Another)» حالياً إيرادات ممتازة، قياساً بأنه في نهاية الأمر ليس فيلماً تجارياً بالمقصود. إنه عمل فني قابل لأن يكون تجارياً... فيلم فكري يتمتع بقدر كبير من الترفيه. وهو فيلم لبول توماس أندرسن، الذي لم يقدّم فيلماً رديئاً طيلة مسيرته المهنية منذ بدايتها في عام 1997، لكنه مختلف عن كل أعماله السابقة من دون أن يفقد المخرج أصالته.

أنجز في أيامه الثلاثة الأولى نحو 50 مليون دولار عالمياً، والمرجّح أنه سينجز أضعافها ليس فقط لأن الفيلم يحظى ببطولة تجمع بين ليوناردو دكابريو وشون بن وبنيثيو دل تورو فقط، بل لأن ما تُعرف بـ«كلمة الفم (Word of Mouth)» ستنتقل بين المشاهدين الخارجين من الفيلم إلى آخرين لم يقرروا بعد ما إذا كانوا سيحضرونه. هذا أعلى أفلام أندرسن تكلفة (130 مليون دولار) وأكبرها نجاحاً أيضاً.

هذا فيلم يقع مرّة واحدة كل عدّة أعوام. عمل سينمائي بالغ الجودة الفنية من ناحية، والجودة الفكرية من ناحية أخرى. ينتمي إلى تاريخ أميركي، ويدلي بدلوه في ما يحدث اليوم من شؤون سياسية متشعبة محلية وعالمية. يُدين المفهوم الثابت لـ«المؤسسة» حيال مواقفها ممن يناوئها أو يناوئ سياساتها من أيام الأمس البعيد إلى الحاضر، من دون تسمية أسماء. هناك مشهد لرجل شبيه بالرئيس الأميركي الحالي (لون وطريقة تصفيف شعره)، لكن هناك من يذكّر أيضاً بريغن، وآخر يبدو مثل كتاب مفتوح لأي عسكري متعصب.

المخرج أندرسن مع ديكابريو (وورنر)

جذور

الفيلم اقتباس عن رواية توماس بينشون «Vineyard» واستيحاء لوقائع مدفونة تحت رمال التاريخ. المخرج أندرسن لم ينوِ الالتزام بالرواية ولا بالتاريخ، بل ألّف عملاً متحرراً يستمد من الرواية بعض الخيوط ومن الأحداث بعض المواقف.

تدور رواية بينشون حول ثورة مجموعة يسارية من شباب أميركا في الستينات، آلت إلى هزيمة قضاياها في الثمانينات. هذا يجري فصلاً بعد فصل بنصوص استرجاعية (فلاشباك) لتغطي مرحلتين من مراحل الرئاسة الأميركية تلك التي قادها رِتشرد نيكسون والأخرى التي قادها رونالد ريغن.

يُلغي أندرسن تلك المشاهد الاسترجاعية ويستبدل بها خيطاً واحداً قوياً يجمع الماضي (لنحو 3 أرباع الساعة من الفيلم) بالحاضر (ما تبقى من نحو 160 دقيقة) في سلاسة.

لكن الفيلم أكبر ارتباطاً بالوقائع الحقيقية التي حدثت في أواخر الستينات عندما أنشأ طلاب يساريون منظّمة أطلقت على نفسها اسم «وَذر أندرغراوند (Weather Underground)» سعت لمناهضة «السيستم» السياسي الأميركي، واصفة إياه بالفاشية. في مطلع السبعينات بدأت تلك العصبة تنفيذ عمليات تخريبية؛ مما استدعى من «مكتب التحقيقات الأميركي (FBI)» تصنيفها منظمة إرهابية محلية. هذا من بعد أن بدأت تنفيذ عمليات سطو وتفجير لمتاجر، والأهم لمبانٍ حكومية رئيسية (جناح القيادة الجوية في البنتاغون يوم 19 مايو/ أيار، سنة 1972 مثلاً). ذلك النصف الأول من العقد المذكور (السبعينات) كان أكثر سنوات المنظّمة نشاطاً. في العام 1976 تفشّى الانقسام بينها، وفي العام التالي قُبض على عدد من أعضائها. عندما أصدر الرئيس جيمي كارتر قانون العفو بين عامي 1978 و1980، سلم الأعضاء الأحرار أنفسهم للاستفادة من العقوبات المخففة.

ثورات مشابهة

لا يسرد «معركة بعد أُخرى» حكاية منظّمة في هذا الاتجاه. السيناريو الذي كتبه المخرج هو زبدة الأحداث المذكورة، مع استعارات من رواية بينشون، في الوقت الذي يحافظ فيه الفيلم على استقلاله منفصلاً عن كلا المصدرين إلى حد التأليف القائم بذاته.

يستند الفيلم إلى حقيقة أن تلك الفترة (1965 - 1975) كانت شهدت ثورات عدّة لمنظّمات مشابهة من حول العالم؛ من اليابان إلى إيطاليا، ومن فرنسا واليونان إلى البرازيل وتشيلي. هذه أرضية مهمّة لولاها لبدا الفيلم خارج نطاق الواقع ولبهتت أبعاد حكايته وبدت خيالية.

تشايس إنفينيتي في دور «ويللا»... (وورنر)

ينطلق الفيلم من تعريفنا ببطليه «بوب (ليوناردو ديكابريو)» و«برفديا (تيانا تايلور)» المنتميين إلى مجموعة اسمها «فرنش75» وهما ينفذان عملية تحرير مهاجرين لاتينيين من أقفاص اعتقال في العراء وُضعوا فيها لحين إعادتهم عبر الحدود. هما في الوقت نفسه عاشقان متحابان ويرزقان بطفلة. بعد عمليات متفرّقة، يُلقي كولونيل انضم إلى تنظيم يميني يتمتع بغطاء رسمي اسمه «ستيڤن لوكجو (شون بن)» القبض على «برفديا» التي تعترف ببعض الأسماء قسراً. بعد 16 سنة ها هي ابنتها «ويللا (تشايس إنفينيتي)» تعيش مع والدها «بوب» بعيداً قدر الإمكان عن الأعين.

رغم ذلك، فإن «ستيڤن» لا يكف عن السعي لإظهار مدى كفاءته بصفته عضواً في ذلك التنظيم الحكومي، ولاحقاً، بعد حين، يصل إلى «ويللا» ويلقي القبض عليها ويوجه البوليس للقبض على «بوب»، لكن هذا، وبمساعدة ثائر آخر (بنيثيو دل تورو)، يهرب من الأسر وينطلق بحثاً عن ابنته. «لوكجو» في ارتياب وخوف من أن تكون «ويللا» ابنته نتيجة اعتدائه على والدتها الأفرو - أميركية، وهذا يشكل عصباً مهمّاً من الحكاية.

ما سبق تلخيص لا يحرق الأحداث لمن لم يُشاهد الفيلم بعد، لكنه يلخصها للدلالة على طبيعة القوى المتناقضة بين هويّة اليسار وهويّة اليمين. كلاهما يعمد للعنف، لكن قلب الفيلم، من خلال توزيع الأحداث والأدوار، مع الفريق الأول، من دون أن يعني ذلك تجسيد انتصار لأحد.

تشويق مدروس

في مشهد نرى «بوب (ديكابريو)» يبدأ بمشاهدة فيلم جيلو بونتيكورڤو «معركة الجزائر» الذي صُنّف مباشرة منذ إطلاقه سنة 1966 أحد أفضل الأفلام السياسية في التاريخ؛ كونه يتناول ثورة الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي. هذا المشهد العابر مرتبط بجوهر الفيلم الذي نراه، لكن ولا مرّة خلال عرض «معركة بعد أخرى» هناك أي خطابة. بول توماس أندرسن، الذي حقق تحفاً رائعة، من بينها «خيط وهمي (Phantom Thread)» و«ذَ ماستر» و«سيكون هناك دم (There Will Be Blood)»، يستعرض الأحداث هنا بتركيبة أسلوبية فذّة. ينتقل من حدث لآخر كما لو كان يهدف إلى صنع ترفيه مُطلق (وفي ثلث الساعة الأخير يقترب جداً من ذلك)، لكنه في الوقت نفسه يُبيّن تميّزه عن أقرانه؛ لأن كل لقطة هنا مدروسة ومركّبة بحيث تحيد عن وجهة الترفيه لحساب المضمون أو المضمون لحساب الترفيه.

الفيلم في جُلّه تشويقي ينتقل بسلاسة بين فترتي أحداثه، وبسلاسة مماثلة بين مشاهده. هو يروي حكاية ذات جبهة أحداث عريضة، لكنه يحتسب ألا يروي ما يسرده على نحو تقليدي. تشدنا شخصياته. ليوناردو ديكابريو في صورة جديدة له على الشاشة. فيه شبه من مارلون براندو، وفي مشهد عابر آخر يقوم بحركة تكاد تمر خاطفة تؤكد الصلة عندما يرفع يده اليسرى ليحك وجهه بالطريقة نفسها التي حكّ بها براندو وجهه في مطلع فيلم «العرّاب». بنيثيو دل تورو يُثير الإعجاب ويمنح الفيلم حيوية إضافية ثائراً من نوع واثق ومتحرر. في شخصية الكولونيل يقدّم شون بن تجسيداً لعسكري صارم، والمشهد الذي يعكس فيه خلفيّته المتشددة وقناعاته السياسية عندما تطلبه «الحكومة العميقة» لضمّه إليها يؤديه بإدراك متناهٍ. حاله في ذلك حال كل مشاهده، بما في ذلك المشهد الأخير له (قبل نهاية الفيلم) عندما تقرر القيادة التخلّص منه.

ما هو رائع أيضاً في فيلم أندرسن استخدامه الموسيقى. هذه ناحية لا يلتفت إليها نقاد كثيرون لأسباب تجتمع تحت مظلة التجاهل (أو الجهل). الموسيقى من جوني غرينوود، مؤلف العديد من موسيقى أفلام أندرسن. لاحظها وهي تصدح في مشاهد تشويق، ولاحظها في مشاهد تشويق أخرى وهي لا تتجاوز نطاق الترنيم الخفيف على البيانو ودقات طبلة. كلا الاستخدامين جميل ويثري الفيلم طوال الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، يستعين المخرج بـ17 أغنية من الستينات إلى الثمانينات، من بينها أغنيات للوس بانشوس وتوم بَتي وتشك وَس وفرقة «ووك ذَ مون»، وأغنيتان لإيللا فتزجرالد، وكلها موجودة في مشاهد حسّاسة ومهمّة مرتبطة بما يقع على الشاشة.


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.