«معركة بعد أُخرى»... تحفة جديدة لبول ت. أندرسن

يجمع الجودة والترفيه والسياسة

ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
TT

«معركة بعد أُخرى»... تحفة جديدة لبول ت. أندرسن

ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)

يُحقق فيلم «معركة بعد أخرى (One Battle After Another)» حالياً إيرادات ممتازة، قياساً بأنه في نهاية الأمر ليس فيلماً تجارياً بالمقصود. إنه عمل فني قابل لأن يكون تجارياً... فيلم فكري يتمتع بقدر كبير من الترفيه. وهو فيلم لبول توماس أندرسن، الذي لم يقدّم فيلماً رديئاً طيلة مسيرته المهنية منذ بدايتها في عام 1997، لكنه مختلف عن كل أعماله السابقة من دون أن يفقد المخرج أصالته.

أنجز في أيامه الثلاثة الأولى نحو 50 مليون دولار عالمياً، والمرجّح أنه سينجز أضعافها ليس فقط لأن الفيلم يحظى ببطولة تجمع بين ليوناردو دكابريو وشون بن وبنيثيو دل تورو فقط، بل لأن ما تُعرف بـ«كلمة الفم (Word of Mouth)» ستنتقل بين المشاهدين الخارجين من الفيلم إلى آخرين لم يقرروا بعد ما إذا كانوا سيحضرونه. هذا أعلى أفلام أندرسن تكلفة (130 مليون دولار) وأكبرها نجاحاً أيضاً.

هذا فيلم يقع مرّة واحدة كل عدّة أعوام. عمل سينمائي بالغ الجودة الفنية من ناحية، والجودة الفكرية من ناحية أخرى. ينتمي إلى تاريخ أميركي، ويدلي بدلوه في ما يحدث اليوم من شؤون سياسية متشعبة محلية وعالمية. يُدين المفهوم الثابت لـ«المؤسسة» حيال مواقفها ممن يناوئها أو يناوئ سياساتها من أيام الأمس البعيد إلى الحاضر، من دون تسمية أسماء. هناك مشهد لرجل شبيه بالرئيس الأميركي الحالي (لون وطريقة تصفيف شعره)، لكن هناك من يذكّر أيضاً بريغن، وآخر يبدو مثل كتاب مفتوح لأي عسكري متعصب.

المخرج أندرسن مع ديكابريو (وورنر)

جذور

الفيلم اقتباس عن رواية توماس بينشون «Vineyard» واستيحاء لوقائع مدفونة تحت رمال التاريخ. المخرج أندرسن لم ينوِ الالتزام بالرواية ولا بالتاريخ، بل ألّف عملاً متحرراً يستمد من الرواية بعض الخيوط ومن الأحداث بعض المواقف.

تدور رواية بينشون حول ثورة مجموعة يسارية من شباب أميركا في الستينات، آلت إلى هزيمة قضاياها في الثمانينات. هذا يجري فصلاً بعد فصل بنصوص استرجاعية (فلاشباك) لتغطي مرحلتين من مراحل الرئاسة الأميركية تلك التي قادها رِتشرد نيكسون والأخرى التي قادها رونالد ريغن.

يُلغي أندرسن تلك المشاهد الاسترجاعية ويستبدل بها خيطاً واحداً قوياً يجمع الماضي (لنحو 3 أرباع الساعة من الفيلم) بالحاضر (ما تبقى من نحو 160 دقيقة) في سلاسة.

لكن الفيلم أكبر ارتباطاً بالوقائع الحقيقية التي حدثت في أواخر الستينات عندما أنشأ طلاب يساريون منظّمة أطلقت على نفسها اسم «وَذر أندرغراوند (Weather Underground)» سعت لمناهضة «السيستم» السياسي الأميركي، واصفة إياه بالفاشية. في مطلع السبعينات بدأت تلك العصبة تنفيذ عمليات تخريبية؛ مما استدعى من «مكتب التحقيقات الأميركي (FBI)» تصنيفها منظمة إرهابية محلية. هذا من بعد أن بدأت تنفيذ عمليات سطو وتفجير لمتاجر، والأهم لمبانٍ حكومية رئيسية (جناح القيادة الجوية في البنتاغون يوم 19 مايو/ أيار، سنة 1972 مثلاً). ذلك النصف الأول من العقد المذكور (السبعينات) كان أكثر سنوات المنظّمة نشاطاً. في العام 1976 تفشّى الانقسام بينها، وفي العام التالي قُبض على عدد من أعضائها. عندما أصدر الرئيس جيمي كارتر قانون العفو بين عامي 1978 و1980، سلم الأعضاء الأحرار أنفسهم للاستفادة من العقوبات المخففة.

ثورات مشابهة

لا يسرد «معركة بعد أُخرى» حكاية منظّمة في هذا الاتجاه. السيناريو الذي كتبه المخرج هو زبدة الأحداث المذكورة، مع استعارات من رواية بينشون، في الوقت الذي يحافظ فيه الفيلم على استقلاله منفصلاً عن كلا المصدرين إلى حد التأليف القائم بذاته.

يستند الفيلم إلى حقيقة أن تلك الفترة (1965 - 1975) كانت شهدت ثورات عدّة لمنظّمات مشابهة من حول العالم؛ من اليابان إلى إيطاليا، ومن فرنسا واليونان إلى البرازيل وتشيلي. هذه أرضية مهمّة لولاها لبدا الفيلم خارج نطاق الواقع ولبهتت أبعاد حكايته وبدت خيالية.

تشايس إنفينيتي في دور «ويللا»... (وورنر)

ينطلق الفيلم من تعريفنا ببطليه «بوب (ليوناردو ديكابريو)» و«برفديا (تيانا تايلور)» المنتميين إلى مجموعة اسمها «فرنش75» وهما ينفذان عملية تحرير مهاجرين لاتينيين من أقفاص اعتقال في العراء وُضعوا فيها لحين إعادتهم عبر الحدود. هما في الوقت نفسه عاشقان متحابان ويرزقان بطفلة. بعد عمليات متفرّقة، يُلقي كولونيل انضم إلى تنظيم يميني يتمتع بغطاء رسمي اسمه «ستيڤن لوكجو (شون بن)» القبض على «برفديا» التي تعترف ببعض الأسماء قسراً. بعد 16 سنة ها هي ابنتها «ويللا (تشايس إنفينيتي)» تعيش مع والدها «بوب» بعيداً قدر الإمكان عن الأعين.

رغم ذلك، فإن «ستيڤن» لا يكف عن السعي لإظهار مدى كفاءته بصفته عضواً في ذلك التنظيم الحكومي، ولاحقاً، بعد حين، يصل إلى «ويللا» ويلقي القبض عليها ويوجه البوليس للقبض على «بوب»، لكن هذا، وبمساعدة ثائر آخر (بنيثيو دل تورو)، يهرب من الأسر وينطلق بحثاً عن ابنته. «لوكجو» في ارتياب وخوف من أن تكون «ويللا» ابنته نتيجة اعتدائه على والدتها الأفرو - أميركية، وهذا يشكل عصباً مهمّاً من الحكاية.

ما سبق تلخيص لا يحرق الأحداث لمن لم يُشاهد الفيلم بعد، لكنه يلخصها للدلالة على طبيعة القوى المتناقضة بين هويّة اليسار وهويّة اليمين. كلاهما يعمد للعنف، لكن قلب الفيلم، من خلال توزيع الأحداث والأدوار، مع الفريق الأول، من دون أن يعني ذلك تجسيد انتصار لأحد.

تشويق مدروس

في مشهد نرى «بوب (ديكابريو)» يبدأ بمشاهدة فيلم جيلو بونتيكورڤو «معركة الجزائر» الذي صُنّف مباشرة منذ إطلاقه سنة 1966 أحد أفضل الأفلام السياسية في التاريخ؛ كونه يتناول ثورة الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي. هذا المشهد العابر مرتبط بجوهر الفيلم الذي نراه، لكن ولا مرّة خلال عرض «معركة بعد أخرى» هناك أي خطابة. بول توماس أندرسن، الذي حقق تحفاً رائعة، من بينها «خيط وهمي (Phantom Thread)» و«ذَ ماستر» و«سيكون هناك دم (There Will Be Blood)»، يستعرض الأحداث هنا بتركيبة أسلوبية فذّة. ينتقل من حدث لآخر كما لو كان يهدف إلى صنع ترفيه مُطلق (وفي ثلث الساعة الأخير يقترب جداً من ذلك)، لكنه في الوقت نفسه يُبيّن تميّزه عن أقرانه؛ لأن كل لقطة هنا مدروسة ومركّبة بحيث تحيد عن وجهة الترفيه لحساب المضمون أو المضمون لحساب الترفيه.

الفيلم في جُلّه تشويقي ينتقل بسلاسة بين فترتي أحداثه، وبسلاسة مماثلة بين مشاهده. هو يروي حكاية ذات جبهة أحداث عريضة، لكنه يحتسب ألا يروي ما يسرده على نحو تقليدي. تشدنا شخصياته. ليوناردو ديكابريو في صورة جديدة له على الشاشة. فيه شبه من مارلون براندو، وفي مشهد عابر آخر يقوم بحركة تكاد تمر خاطفة تؤكد الصلة عندما يرفع يده اليسرى ليحك وجهه بالطريقة نفسها التي حكّ بها براندو وجهه في مطلع فيلم «العرّاب». بنيثيو دل تورو يُثير الإعجاب ويمنح الفيلم حيوية إضافية ثائراً من نوع واثق ومتحرر. في شخصية الكولونيل يقدّم شون بن تجسيداً لعسكري صارم، والمشهد الذي يعكس فيه خلفيّته المتشددة وقناعاته السياسية عندما تطلبه «الحكومة العميقة» لضمّه إليها يؤديه بإدراك متناهٍ. حاله في ذلك حال كل مشاهده، بما في ذلك المشهد الأخير له (قبل نهاية الفيلم) عندما تقرر القيادة التخلّص منه.

ما هو رائع أيضاً في فيلم أندرسن استخدامه الموسيقى. هذه ناحية لا يلتفت إليها نقاد كثيرون لأسباب تجتمع تحت مظلة التجاهل (أو الجهل). الموسيقى من جوني غرينوود، مؤلف العديد من موسيقى أفلام أندرسن. لاحظها وهي تصدح في مشاهد تشويق، ولاحظها في مشاهد تشويق أخرى وهي لا تتجاوز نطاق الترنيم الخفيف على البيانو ودقات طبلة. كلا الاستخدامين جميل ويثري الفيلم طوال الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، يستعين المخرج بـ17 أغنية من الستينات إلى الثمانينات، من بينها أغنيات للوس بانشوس وتوم بَتي وتشك وَس وفرقة «ووك ذَ مون»، وأغنيتان لإيللا فتزجرالد، وكلها موجودة في مشاهد حسّاسة ومهمّة مرتبطة بما يقع على الشاشة.


مقالات ذات صلة

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

سينما بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي صِراط وخاطئون ومعركة بعد أخرى.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

يكمن فن السينما في تأطير العالم للجمهور، ومساعدتهم على رؤيته بطريقة جديدة تماماً. وهذا يعني أن من طوروا أساليب التصوير السينمائي اليوم لهم دور بالغ الأهمية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

أثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»...

انتصار دردير (القاهرة)

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
TT

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)

يحظى الممثل باسم مغنية بتفاعل ملحوظ من الجمهور من خلال تجسيده شخصية «فريد» في مسلسل «بالحرام»، إذ عبّر عدد من المشاهدين عن رغبتهم في استمرار العمل.

يجسّد مغنية شخصية «فريد»، رجل أعمال غامض ومضطرب نفسياً، يترأس شبكة مافيوية تستدرج الشبان لتوريطهم في أعمال فساد. وهو، في الوقت نفسه، حنون، مستعد لفعل أي شيء لإرضاء شقيقته طلباً لصفحها. ومن خلال شبكة تتاجر بالفتيات والمراهقين، يبني إمبراطوريته الدموية، مقدّماً شخصية مركَّبة.

يقول مغنية لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت من دون شك بتفاعل الناس، إلا أن الحرب التي يشهدها لبنان أفقدتني طعم الفرح». ويضيف: «لبنان يسكنني، ولا أستطيع وصف حبّي له. قلبي يعتصر حزناً وألماً عندما أشاهده يحترق وأهله يعانون».

وكان مغنية قد لفت الأنظار بأدائه في أعمال درامية عدّة، منها «أسود»، و«للموت»، و«بالدم».

لفت مغنية في «بالحرام» المشاهد بأدائه المتّقن (إنستغرام مغنية)

دور «فريد» دقيق في خطوطه وقالبِه المرضي، وقد جسَّده مغنية شخصية صادمة تُشعر المشاهد بالغضب. وعن مدى جرأة تقديمه، يقول: «أعدُّ هذا الدور رسالة توعوية بامتياز، أوجِّه من خلالها نداءً إلى الأهل بضرورة الإحاطة بأبنائهم وحمايتهم من الانزلاق إلى المجهول. وبما أنه يحمل هذه الرسالة الإنسانية، كان لا بد من التحلي بالجرأة في تقديمه».

وتمكَّن مغنية من إقناع المشاهد بأداء عفوي، دقَّ من خلاله جرس الإنذار محذّراً من الوقوع في فخ أشخاص يضعون الأقنعة لإخفاء حقيقتهم، لا سيما من يعانون اضطرابات نفسية عميقة.

ويعلّق: «كان لا بد من لفت انتباه المشاهد إلى المخاطر التي قد يتعرَّض لها أولاده. (فريد) يمكن أن يكون موجوداً في أي عائلة. وقد سمعنا مؤخراً عن أحداث كثيرة كان ضحاياها أطفالاً خُدشت براءتهم من أقرب المقرّبين».

ويتابع: «في موضوع بهذه الأهمية، يحدِّد مصائر الأطفال، كنت أتمنى لو حملت الشخصية حدَّة أكبر. تأثَّر المشاهدون بخطوط العمل، وتلقَّفوا رسالته بوضوح. كمية الكراهية التي ولَّدتها لديهم دفعتهم إلى مزيد من الحذر».

ويشير مغنية إلى أن هذه الكراهية لم تؤثر على علاقته بالناس عند لقائهم به، بل إنهم يبادرونه بتعليقات إيجابية، كتلك التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف أن أداءه استند إلى مخزون من الخبرات المتراكمة: «لدي تقنيات تعلَّمتها من شخصيات تعرَّفت إليها. فكلما اتَّسعت ثقافة الممثل، استفاد منها. بعضهم يمتلك خلفية غنية، لكنه لا يوظّفها في المكان المناسب». ويتابع: «غالباً ما ينبع أدائي من اللحظة، وتتبلور التفاصيل أكثر خلال التصوير، حيث أكون في حالة تركيز تام على المشهد كي لا يتشتت ذهني».

وعن مشاركاته الرمضانية، يقول: «أحب المشاركة في الأعمال الرمضانية لما تحمله من منافسة جميلة، حيث يعمل الممثل إلى جانب زملاء يتمتعون بالمستوى نفسه. لكن إذا لم أجد العمل الذي يقنعني، أغيب ببساطة. لست من الممثلين الذين يستهلكون حضورهم. قد أشارك في مسلسلات قصيرة بين وقت وآخر، لكن للدراما الرمضانية نكهتها الخاصة».

مع ماغي بو غصن التي تجسد دور شقيقته (إنستغرام مغنية)

وعن كيفية بناء شخصياته، يوضح: «على الممثل أن يجدِّد أداءه باستمرار. فتركيب الشخصية ليس سهلاً، وإذا لم يُحسن الإمساك بخيوطها، بدت مصطنعة أو مبالغاً فيها، لذلك تبقى العفوية ضرورية. هناك أدوار قدَّمتُها كما كُتبت، وأخرى أضفت إليها من عندي أو بتوجيه من المخرج، لكنني عموماً أعتمد على العفوية لحظة التصوير».

ويؤكد مغنية أنه، مثل غيره من الممثلين، يسعد بالإشادة، لكنه لا يحب المبالغة، أو ما يسميه «التبخير»، قائلاً: «بعض الأقلام توزِّع الإطراء عشوائياً، وهذا يضرُّ بالممثل، لذلك أفضل التريث في إطلاق الأحكام».

وعن متابعته للأعمال الرمضانية، يقول: «اطلعت على بعض المسلسلات، منها (المحافظة 15)، لكنني لم أكمل مشاهدتها. وبحكم متابعة زوجتي لمسلسل (لوبي الغرام)، كنت أشاهده أكثر من سواه. وبشكل عام، أحب الأعمال الرمضانية، خصوصاً أن معظم نجومها أصدقائي وزملاء مقرّبون».


صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
TT

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

مع انتهاء موسم الدراما الرمضانية، تبرز الحاجة إلى قراءة نتائجه من داخل صناعة الإنتاج. في هذا السياق، يقدّم المنتج صادق الصبّاح رؤيته للمشهد، مستنداً إلى خبرة تمتدّ منذ عام 1981.

ومن موقعه على رأس «سيدرز برودكشن» (الصبّاح إخوان)، يشارك في إنتاج أعمال درامية تُقدَّم سنوياً في بلدان عربية عدَّة؛ من سوريا إلى مصر فالمغرب، ضِمن إطار عابر للحدود.

في الموسم الرمضاني الماضي، قدَّم مجموعة من الأعمال التي لقيت حضوراً لدى المشاهد العربي، متولّياً الإشراف على مختلف مراحل إنتاجها. ويعتمد في اختياراته على خبرة تراكمية لصياغة أعمال متكاملة.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الصبّاح عن المشهد الدرامي، ويستعرض ملامح الخريطة الرمضانية لعام 2027، كما يقيِّم تجاربه مع مواهب شابة، ويعلِّق على تعاوناته مع نجوم أعماله.

تقييم الموسم والمرحلة المقبلة

يحمل موسم رمضان 2027 عملاً سعودياً (شركة الصبّاح)

عقب انقضاء كل موسم رمضاني، تُجري شركة «الصبّاح إخوان» مراجعة لأعمالها وللمشهد الدرامي عموماً. ويوضح صادق الصبّاح، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»: «نعقد سلسلة اجتماعات تمتدّ لأيام، نراجع فيها ما قُدِّم ونبحث في الخطوات المقبلة للموسم الجديد. وفي رمضان 2027 نعمل على مجموعة من الأعمال الدرامية، بينها تعاون متجدِّد مع تيم حسن ضِمن مشروع مختلف، بعد تجربته في (مولانا). كما نتَّجه إلى إنتاجات خليجية، ولا سيما سعودية، إلى جانب استمرار حضور الدراما المصرية، مع اهتمام بدعم مواهب تمثيلية جديدة. وقد قدَّمنا، خلال العام الحالي، عمرو سعد في مسلسل (إفراج) ضِمن إطار مختلف عن أعماله السابقة. كذلك نعمل على مشروع لمسلسل مغربي، مع انتقال الأفكار إلى مراحل التنفيذ».

ياسمينة زيتون في تجربتها الأولى

في كل موسم رمضاني، يقدّم الصبّاح وجوهاً تمثيلية شابة، يختبر من خلالها حضورها وإمكاناتها. وقد تكرَّر ذلك، العام الحالي، مع تقديم وجهين جديدين: ملكة جمال لبنان السابقة ياسمينة زيتون، والإعلامية جينيفر عازار، فهل تتجهان إلى أدوار أكبر في أعماله المقبلة؟

يجيب: «قد يحدث ذلك في حالة ياسمينة زيتون، إذا أثبتت جدارتها، ولا سيما أننا حرصنا على تقديمها بعيداً عن صورتها المرتبطة بلقبها الجمالي. خاضت تجربتها الأولى في (بخمس أرواح)، وأرى أنها نجحت في الاختبار، كما خضعت لتدريبات في التمثيل مع فادي أبي سمرا على مدى 8 أشهر، إضافة إلى تدريب مع أساتذة سوريين، ما أسهم في تطوير أدائها. وقد نُظّمت هذه الورش بإشرافنا».

ويضيف: «أما جينيفر عازار فكان التوجّه في البداية لإسناد دور ياسمينة إليها، قبل أن نرى أن حضورها أنسب لشخصية زلفا، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التدريب لتعزيز أدواتها. كلتاهما تمتلكان قدرات وإمكانات قابلة للتطوير، وقد خاضتا التجربة برضا، رغم ما تطلَّبته من جهد. فالمواهب الجديدة يمكن أن تُغني الدراما العربية ككل».

الشارة الغنائية خارج إطار النجوم

إنتاجات «الصبّاح إخوان» الرمضانية كانت شاملة عربياً (شركة الصبّاح)

اللافت، هذا العام، في شارات مسلسليْ «مولانا» و«بخمس أرواح» غياب أصوات النجوم، فقد قُدِّمت شارتا البداية والنهاية في العمل الأول بصوتيْ منى واصف وسارة درويش، في حين اكتفى العمل الثاني بالموسيقى. فما أسباب هذا التوجّه؟

يوضح صادق الصبّاح: «في السابق تعاقدنا مع نجوم غناء لتنفيذ الشارات، لكننا، هذا العام، فضَّلنا إعادة توجيه الكلفة نحو عناصر إنتاجية أخرى، في ظل الظروف الراهنة. لذلك استعنّا بصوتيْ منى واصف وسارة درويش على موسيقى من تأليف أريجان، الذي سبق أن تعاونّا معه، في حين اختار مُخرج (بخمس أرواح) الاعتماد على الموسيقى فقط في الشارة، وهو خيار لقي قبولاً لدى الجمهور».

ولم يقتصر هذا التوجّه على ذلك، بل شمل أيضاً كاريس بشار، التي جمعت في «بخمس أرواح» بين التمثيل وأداء مقاطع غنائية ضِمن العمل. ويعلِّق الصبّاح: «أُلقّبها بـ(وَحْشة تمثيل)، حضورها متكامل وأداؤها رائع، إنها مُبدعة، ولا تزال حتى اليوم تصقل موهبتها، حتى إنها خضعت لدروس مسرحية في أمستردام».

البطولات المطلقة تتراجع

يشير الصبّاح إلى تراجع حضور البطولات المطلقة، في ظل بروز مواهب شابة يجري إشراكها في الأعمال الدرامية. ويقول: «عندما يتوافر هذا العدد من الطاقات الجديدة، يصبح من الضروري توظيفها. أعتمد هذا النهج في مصر أيضاً، حيث اتفقتُ مع نقابة الفنانين على إشراك خرِّيجي معهد الفنون في تجارب الأداء، بدءاً من أدوار صغيرة تتدرَّج مع الوقت. كما أُطبِّق المقاربة نفسها في لبنان، حيث يعمل المخرجون على الاستفادة من هذه الطاقات».

تأجيل «ممكن» خارج السباق الرمضاني

مسلسل «ممكن» مستوحى من فيلم «بريتي وومن» (شركة الصبّاح)

أثار خروج مسلسل «ممكن»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين، من السباق الرمضاني تساؤلات حول أسبابه. يوضح الصبّاح: «بعد نقاشات مع مجموعة (إم بي سي)، تقرّر تأجيل العرض. طبيعة العمل، المستوحَى من الفيلم الأميركي (Pretty Woman)، لم تكن ملائمة للشهر الفضيل. وقد أنهينا التصوير أخيراً، مع اعتماد عدد حلقات أقل، على أن يُسلَّم العمل قريباً إلى (إم بي سي)؛ لعرضه في توقيت لاحق». ويشير إلى استمرار تعاونه مع نادين نسيب نجيم، واصفاً إياها بأنها من الأسماء الأساسية في أعمال الشركة.

تحديات الكتّاب في الدراما العربية

وعن تعاونه المرتقب مع الكاتبة نادين جابر، بعد انتقالها سابقاً إلى «إيغل فيلمز»، يقول: «نادين كاتبة لها أسلوبها، ولها كامل الحرية في خياراتها. تعود، اليوم، للتعاون معنا في عمل رمضاني لموسم 2028، وتعمل على مشروعات أخرى؛ بينها عمل مصري، وآخر لبناني. نواصل البحث عن كتَّاب دراما، في ظل نقص بهذا المجال على مستوى المنطقة. نتلقى عدداً كبيراً من النصوص، تُراجعها لجنة متخصصة، لكننا لا نزال نبحث عن نصوص تلبي متطلباتنا».

وعن الأعمال التي تابعها خلال الشهر الكريم، يختم المنتج صادق الصبّاح: «تابعت مسلسل (أب ولكن) بطولة محمد فراج، إلى جانب أعمالنا. كما لفتتني مخرجة العمل ياسمين أحمد كامل، وطلبت من ابني أنور مواكبة جيل المخرجين الشباب للاستفادة من طاقاتهم، وتطوير العمل الدرامي».


حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
TT

حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

أعلن فريق بحثي مصري، الخميس، اكتشاف حفرية لقرد قديم في منطقة وادي مغرة بشمال مصر، قد يغير خريطة البحث عن أصول القردة العليا والأسلاف الأوائل للبشر.

وأوضح الباحثون من فريق «سلام لاب» بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (دلتا مصر)، أن هذا الكشف يشير إلى أن أقرب الأسلاف للقردة العليا قد تكون نشأت في شمال أفريقيا، خارج المناطق التقليدية التي دُرست طويلاً في شرق أفريقيا. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Science».

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وأطلق الباحثون على الحفرية المكتشفة اسم «مصريبيتيكوس مغرانسيس» (Masripithecus moghraensis)، أو «القرد المصري من مغرة».

ويعود تاريخ الحفرية، وهي عبارة عن فك سفلي، إلى عصر الميوسين المبكر؛ أي قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة. ويُعد هذا النوع أقرب صلة معروفة بسلالة القردة التي أدت في نهاية المطاف إلى جميع القردة الحية اليوم.

أصل القردة العُليا

ومن المعروف أن أقدم القردة، أو القردة الأولى (stem hominoids)، نشأت في أفريقيا، خلال عصر الأوليغوسين قبل أكثر من 25 مليون سنة، وتنوعت هناك قبل أن تنتشر إلى أوراسيا منذ نحو 14 إلى 16 مليون سنة، خلال عصر الميوسين.

ومع ذلك، ظل أصل القردة العُليا، التي تضم جميع الأنواع الحية وآخر سلف مشترك لها، أمراً غير مؤكد؛ نظراً لندرة الأحافير من تلك الفترة وصعوبة تفسيرها. وتزيد هذه الصعوبة عدم تكافؤ سجل الأحافير في أفريقيا، حيث اقتصرت معظم الاكتشافات على مناطق قليلة، ما يترك مساحات واسعة محتملة لم تُستكشف بعد.

رسم تخيلي لـ«مصريبيتيكوس مغرانسيس» (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وجاء في مقالة مرتبطة بنتائج الدراسة نُشرت بدورية «Science» أن «النتائج تشير إلى أن علماء الحفريات ربما كانوا يبحثون عن أسلاف القردة العُليا في المكان الخطأ».

وحسب الدراسة، يعكس هذا الاكتشاف أهمية توسيع نطاق البحث الجغرافي؛ إذ إن التركيز السابق على مناطق محددة في أفريقيا قد ترك أجزاء واسعة من موطن قردة الميوسين دون استكشاف.

وقالت الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة الرئيسية للدراسة بمركز الحفريات الفقارية بكلية العلوم في جامعة المنصورة، إن الاكتشاف يفتح نافذة جديدة وواسعة لفهم تطور القردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الاكتشاف يلقي الضوء على منطقة غير مكتشفة تماماً فيما يتعلق بحفريات القردة العُليا، وهي شمال أفريقيا، وتحديداً مصر؛ إذ كانت معظم الحفريات السابقة مكتشفة في شرق أفريقيا، خصوصاً كينيا وأوغندا.

وأوضحت الأشقر أن نتائج الدراسة تدعم الفرضية القائلة إن أصل القردة العُليا قد يكون في شمال أفريقيا، وتحديداً في مصر.

«تأريخ الأطراف»

ولتحديد مكان النوع المكتشف في شجرة التطور، استخدم الفريق نهجاً حديثاً يُعرف بـ«تأريخ الأطراف» (Bayesian tip-dating)، وهو أسلوب يجمع بين السمات التشريحية وأعمار الحفريات لتقدير العلاقات التطورية وأوقات التفرع. وتشير نتائج التحليلات إلى أن «مصريبيتيكوس» يمثل القرد الأولي الأكثر ارتباطاً بالسلالة التي أدت إلى ظهور جميع القردة الحية.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبيتيكوس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وعما يميز هذا الاكتشاف عن الأحافير المكتشفة سابقاً في شرق أفريقيا، أشارت الأشقر إلى أن مقارنة الحفرية المكتشفة مع مثيلاتها السابقة أظهرت أن ما يميز «مصريبيتيكوس» هو حجم الأنياب الكبيرة في الفك السفلي مقارنة بحجم الأسنان الخلفية، وطبوغرافيا السن شديدة التجعيد، وعظمة الفك قوية للغاية، وعادةً ما تميز الأنياب الكبيرة ذكور القردة العُليا عن الإناث، لكن الناب المكتشف كان أكبر من أي ناب ذكري معروف سابقاً.

وأشارت الأشقر إلى أن منطقة وادي مغرة في شمال مصر تكتسب أهمية خاصة، كونها المنطقة الوحيدة الباقية في مصر التي تحتوي على صخور تعود إلى عصر الميوسين، ما يتيح فرصة البحث عن حفريات مماثلة تعود إلى هذه الحقبة.