برنامج طهران الصاروخي قد يفجر مواجهة جديدة

إيران تكثّف أنشطتها العسكرية في «جبل الفأس» رغم الضربات

صورة من القمر الاصطناعي تُظهر حفراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب غارات جوية أميركية وسط الصراع الإيراني - الإسرائيلي (رويترز)
صورة من القمر الاصطناعي تُظهر حفراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب غارات جوية أميركية وسط الصراع الإيراني - الإسرائيلي (رويترز)
TT

برنامج طهران الصاروخي قد يفجر مواجهة جديدة

صورة من القمر الاصطناعي تُظهر حفراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب غارات جوية أميركية وسط الصراع الإيراني - الإسرائيلي (رويترز)
صورة من القمر الاصطناعي تُظهر حفراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب غارات جوية أميركية وسط الصراع الإيراني - الإسرائيلي (رويترز)

تشير صور أقمار اصطناعية حديثة إلى أن إيران واصلت أعمال البناء في موقع عسكري محصن تحت الأرض، يُعرف باسم «جبل الفأس»، جنوب منشأة نطنز النووية التي استُهدفت بضربات أميركية وإسرائيلية في يونيو (حزيران) الماضي. ويكشف النشاط الجديد أن طهران لم توقف بالكامل مشاريعها النووية؛ بل ربما تعمل على إعادة هيكلة بعض أنشطتها بطريقة أكثر سرية وعمقاً، وفق ما أفاد تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» استند إلى تحليل خبراء مستقلين.

ويضم الموقع، الذي بدأ العمل فيه عام 2020، شبكة أنفاق عميقة محفورة في سلسلة جبال زاغروس، على بعد ميل واحد من نطنز.

وبحسب محللين، فإن القاعات تحت الأرض قد تكون أعمق من تلك الموجودة في منشأة فوردو، التي استهدفتها قاذفات أميركية بقنابل خارقة للأرض. وتغطي البنية التحتية للموقع مساحة تقارب ميلاً مربعاً، مع مداخل أنفاق محصّنة على الجانبين الشرقي والغربي.

ولم يُسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة «جبل الفأس»، فيما قال مديرها رافائيل غروسي، إن إيران رفضت الرد على استفسارات حول أهداف المنشأة. وتشير تقديرات إلى أنها قد تُستخدم مستقبلاً لإنتاج أجهزة الطرد المركزي، أو تخزين اليورانيوم المخصب بعيداً عن الأنظار.

وأعلنت إيران عند إطلاق المشروع عام 2020، أنه بديل لمصنع أجهزة طرد دُمّر في عملية تخريب. لكن عمق الأنفاق وتعزيز مداخلها أثارا شكوكاً واسعة حول طبيعة الاستخدام.

وبينما يرى محللون أن هذه التحصينات قد تهدف ببساطة لحماية المنشآت من هجمات مستقبلية، يحذّر آخرون من احتمال تحوّلها إلى قاعدة سرية لأنشطة تخصيب جديدة.

وتحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مؤخراً عن ضرورة اتباع الدبلوماسية مع واشنطن، محذّراً من أن إعادة بناء المواقع النووية ستجلب ضربات جديدة. غير أن موقفه لاقى اعتراضاً من التيار المتشدد، فيما تبقى الكلمة الفصل بيد المرشد الإيراني علي خامنئي.

وفي مقابلة حديثة، لمّح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، إلى أن المواقع تحت الأرض قد تبقى قيد العمل، أو تُغلق بحسب الظروف، من دون تقديم التزامات واضحة.

صورة بالأقمار الاصطناعية لـ«بلانت لبس» لمنشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم التي تقع على مسافة 120 كيلومتراً شمال أصفهان أبريل الماضي (أ.ب)

مراقبة أميركية

من جانبها، أكدت واشنطن أنها تتابع النشاط من كثب. وقال مسؤول في البيت الأبيض إن الإدارة «ستواصل مراقبة أي محاولة لإعادة بناء البرنامج النووي»، مشدداً على التزام الرئيس دونالد ترمب بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. أما وكالة الاستخبارات المركزية، فرفضت التعليق على صور البناء الجديدة، رغم أن تقارير سابقة أشارت إلى أن الوكالات الأميركية تراقب الموقع منذ سنوات، كما أوردت «واشنطن بوست».

ولم تخفِ إسرائيل استعدادها لتكرار الضربات؛ فقد لمّح وزير دفاعها إلى إمكانية تنفيذ عمليات عسكرية إضافية لمنع إيران من تطوير قدرات نووية أو صاروخية بعيدة المدى. وقد صدرت تصريحات مماثلة عن ترمب، الذي هدد بعمل عسكري إذا رفعت طهران مستوى تخصيب اليورانيوم.

غير أن الكشف عن هذا التقرير اليوم، طرح مخاوف من أن يكون مؤشراً على احتمال حصول تصعيد جديد، رداً على ما يعتقد أنه سوء تقدير سياسي في حسابات النظام الإيراني، ليس فقط فيما يتعلق بمستقبل البرنامج النووي؛ بل خصوصاً برنامجها الصاروخي، الذي قد يكون هو السبب في تجدد الحرب.

يقول الدكتور ماثيو ليفيت، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في رسالة إلكترونية لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا عجب في أن إيران بدأت بمحاولة إعادة بناء قدراتها الإنتاجية النووية والصواريخ الباليستية». وقد أوضح النظام في طهران نيته القيام بذلك، رغم العواقب التصعيدية الواضحة واحتمال إعادة فرض العقوبات بموجب آلية «سناب باك».

ويضيف ليفيت أن «القضية الأكثر ترجيحاً لعودة الأعمال العدائية على المدى القريب هي الإنتاج الضخم للصواريخ الباليستية».

ووفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، راكمت إيران قبل الضربات نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، أي خطوة قصيرة عن مستوى 90 في المائة اللازم لتصنيع سلاح نووي. مصير هذا المخزون لا يزال غير واضح بعد القصف الذي دمّر معظم منشآت الطرد المركزي.

وتفيد تقديرات استخباراتية بأنه ربما دُفن تحت الأنقاض، فيما يخشى خبراء آخرون من إمكانية نقله إلى مواقع سرية كـ«جبل الفأس».

جانب من فيديو نشره إعلام «الحرس الثوري» للدفاعات الجوية بمحيط منشأة نطنز في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

مؤشرات على استمرار البناء

ثلاثة تغييرات أساسية رصدها محللون بعد يونيو الماضي: تشييد جدار أمني شبه مكتمل حول الموقع، وتعزيز مداخل الأنفاق بالخرسانة والتراب، وازدياد حجم الركام الناتج عن الحفر. صور إضافية أظهرت معدات ثقيلة وشاحنات قلابة تعمل بشكل متواصل.

ويقول خبراء مثل جيفري لويس من مركز جيمس مارتن، إن إيران ربما قررت بعد الهجمات توسيع المنشأة لتأمين أنشطة إضافية تحت الأرض.

ورغم هذه المؤشرات، لا يجزم المحللون بأن إيران تتسارع نحو بناء قنبلة نووية. بعضهم يرى أن طهران تركز على البقاء في موقع تفاوضي أفضل، عبر الحفاظ على قدرات يمكن إعادة تشغيلها إذا انهارت المفاوضات، أو فُرضت عقوبات جديدة. كيلسي دافنبورت، مديرة سياسة منع الانتشار في جمعية الحد من الأسلحة، قالت إن «إيران لا تحتاج إلى منشآت ضخمة لإعادة بناء برنامجها»، مضيفة أنها قد تفضّل السرية والعمق على السرعة.

وحتى الآن، يبدو أن الضربات الأميركية - الإسرائيلية ألحقت أضراراً جسيمة بالمنشآت النووية الإيرانية، لكنّها لم تُنهِ طموحات طهران بالكامل. الاتفاق الأخير مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ينص على تعاون أوسع، غير أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين المتناقضة حول الالتزام تترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من الشكوك.

السؤال الأبرز اليوم هو ما إذا كانت التحركات الإيرانية ستقود إلى جولة جديدة من التصعيد؛ فبينما يؤكد خبراء أن النشاط تحت الأرض قد يكون مجرد إجراء دفاعي، تخشى العواصم الغربية أن يكون مؤشراً على إعادة بناء قدرات سرية. في كلتا الحالتين، يبقى الملف النووي الإيراني اختباراً حاسماً للتوازن بين الردع العسكري والدبلوماسية في الشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

عبادي الحائزة نوبل للسلام تدعو واشنطن لاتخاذ إجراءات «محددة» ضد قادة إيران

شؤون إقليمية شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام (أرشيفية)

عبادي الحائزة نوبل للسلام تدعو واشنطن لاتخاذ إجراءات «محددة» ضد قادة إيران

قالت شيرين عبادي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، الأربعاء، إن على الولايات المتحدة أن تتّخذ «إجراءات محددة» بحق المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة «الحرس الثوري».

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب) play-circle

إيران تلوِّح برد يتجاوز حدودها إذا تعرضت لهجوم

تقترب طهران من منعطف أمني وسياسي مع اتساع الاحتجاجات واحتدام السجال مع واشنطن، وحذرت من استهداف القواعد الأميركية في الشرق الأوسط إذا تعرضت لهجوم.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية  إيرانيون في مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران 8 يناير 2026 (أ.ب)

«أكسيوس»: ويتكوف عقد اجتماعاً سرياً مع رضا بهلوي

كشف موقع «أكسيوس» الأميركي عن لقاء سري جمع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ونجل شاه إيران السابق، رضا بهلوي، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) play-circle

ترمب يلغي اجتماعاً مع مسؤولين إيرانيين ويتعهد بدعم المحتجين

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إنه ألغى جميع اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين، احتجاجاً على ما وصفه بـ«القتل العبثي للمتظاهرين» في إيران.

هبة القدسي (واشنطن) «الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيون في مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران 9 يناير 2026 (أ.ب)

مقتل 2000 في احتجاجات إيران... وتحذيرات من تفاقم الأزمة

قال ‌مسؤول ‌إيراني، لوكالة «رويترز»، إن ‌نحو ألفيْ قتيل سقطوا ‌خلال الاحتجاجات ‍في إيران، ‍وسط تحذيرات من احتجاجات أكبر إذا تأخرت معالجة الأزمة المعيشية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

عبادي الحائزة نوبل للسلام تدعو واشنطن لاتخاذ إجراءات «محددة» ضد قادة إيران

شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام (أرشيفية)
شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام (أرشيفية)
TT

عبادي الحائزة نوبل للسلام تدعو واشنطن لاتخاذ إجراءات «محددة» ضد قادة إيران

شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام (أرشيفية)
شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام (أرشيفية)

قالت شيرين عبادي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، الأربعاء، إن على الولايات المتحدة أن تتّخذ «إجراءات محددة» بحق المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة «الحرس الثوري».

وفي مقابلة مع إذاعة دويتشه فيله الألمانية دعت عبادي أيضا إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى شلّ وسائل الإعلام الإيرانية الحكومية باستخدام تكنولوجيا التشويش. وقالت «ما نطالب به ليس الحرب، بل خطوات ملموسة لوقف قتل المدنيين».

وأضافت عبادي التي تعيش في المنفى أنه «مثلما قطع النظام التواصل بين الناس، يجب أيضا قطع قنوات الاتصال بين النظام وقواته الأمنية والجمهور (...) سيساعد ذلك في وقف نشر الدعاية». ولفتت عبادي إلى أن هناك «خيارا آخر هو إمكان اتخاذ إجراءات محددة بحق المرشد الإيراني وكبار قادة الحرس الثوري».

وتابعت «لقد شهدنا عمليات مماثلة تحدث في إيران من قبل. على سبيل المثال، عندما كان (زعيم حركة حماس) إسماعيل هنية في إيران، قُتل»، في إشارة إلى عملية اغتياله في يوليو (تموز) 2024 في طهران والتي نُسبت إلى إسرائيل. وقالت «لم يُصب أي مدني بأذى. استُهدفت غرفة واحدة فقط، ولم يُقتل أي شخص آخر. يمكن القيام بعمليات محددة مماثلة ضد المرشد الإيراني وكبار مسؤولي الحرس الثوري الإيراني».


إيران تغلق مؤقتا مجالها الجوي أمام معظم الرحلات 

طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
TT

إيران تغلق مؤقتا مجالها الجوي أمام معظم الرحلات 

طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)

أفاد إشعار على موقع إدارة الطيران الاتحادية بأن إيران أغلقت مجالها الجوي مؤقتا أمام ​جميع الرحلات الجوية باستثناء الرحلات الدولية منها وإليها بتصريح رسمي اعتبارا من الساعة 2215 بتوقيت غرينتش أمس الأربعاء.

وذكر الإشعار أنه من المقرر أن يستمر الإغلاق لأكثر من ساعتين حتى 0030 بتوقيت غرينتش، مع احتمال تمديده. وقال مسؤول أمريكي أمس الأربعاء إن الولايات المتحدة تسحب بعض الأفراد من قواعدها في الشرق الأوسط، ‌وذلك بعد أن ‌قال مسؤول إيراني كبير إن ‌طهران ⁠حذرت ​جيرانها من ‌أنها ستستهدف القواعد الأميركية إذا تعرضت إيران لقصف أميركي.

ويمثل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة بأعداد متزايدة في مناطق النزاع خطرا كبيرا على حركة الطيران. وقالت إنديغو، أكبر شركة طيران هندية، إن بعض رحلاتها الدولية ستتأثر بالإغلاق المفاجئ للمجال الجوي الإيراني. وعادت إلى موسكو رحلة تابعة لشركة إيروفلوت ⁠الروسية كانت متجهة إلى طهران بعد الإغلاق، وفقا لبيانات موقع فلايت ‌رادار24.

وأصدرت ألمانيا أمس الأربعاء توجيهات جديدة ‍تحذر فيها شركات الطيران في ‍البلاد من دخول المجال الجوي الإيراني، وذلك ‍بعد فترة وجيزة من قيام شركة لوفتهانزا بإعادة جدولة رحلاتها الجوية عبر الشرق الأوسط وسط تصاعد التوتر في المنطقة.

وتحظر الولايات المتحدة بالفعل على جميع الرحلات الجوية التجارية الأميركية التحليق فوق ​إيران ولا توجد رحلات جوية مباشرة بين البلدين.

وألغت شركات الطيران مثل فلاي دبي والخطوط الجوية ⁠التركية عددا من الرحلات الجوية إلى إيران في الأسبوع الماضي. وقالت لوفتهانزا أمس الأربعاء إنها ستتجنب التحليق في المجالين الجويين الإيراني والعراقي حتى إشعار آخر بينما ستسير رحلات نهارية فقط إلى تل أبيب وعمان من الأربعاء حتى الاثنين من الأسبوع المقبل حتى لا تضطر أطقم الطائرات إلى المبيت في المطارات. وأضافت في بيان أن بعض الرحلات قد تُلغى نتيجة لهذه الإجراءات.

وقالت شركة الطيران الإيطالية إيتا إيروايز، التي تعد مجموعة لوفتهانزا أحد المساهمين ‌الرئيسيين فيها، إنها ستعلق أيضا رحلاتها الليلية إلى تل أبيب حتى يوم الثلاثاء من الأسبوع المقبل.


الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)

على رغم أن تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يتجه إلى تنفيذ ضربة عسكرية محدودة ضد إيران، هدفها دفع النظام في طهران إلى طاولة المفاوضات، وليس تغيير النظام لصالح الاحتجاجات الشعبية الضخمة، وبالتالي ستتردد إيران كثيراً وقد تلجم نفسها وتمتنع عن الرد بضرب إسرائيل؛ فإن الأجواء في تل أبيب متوترة وتخيم عليها حالة من الحيرة والتلبك.

وبحسب ما أوردته هيئة البث العام الإسرائيلية (كان 11)، الأربعاء، فإن الاجتماع الذي عقده «الكابينت» (المجلس الوزاري المصغر الشؤون السياسية والأمنية في الحكومة)، برئاسة بنيامين نتنياهو، مساء الثلاثاء، تداول في مختلف السيناريوهات، ولكنه لم يستقر على سيناريو محدد حول حجم الأزمة.

ضبابية الأميركيين

ونقل عن مصدر رفيع قوله إن الأميركيين يحافظون على السر ولا يكشفون نواياهم بشكل دقيق. ويتركون الأمور ضبابية بشكل متعمد. ولذلك فإن على إسرائيل أن تكون متيقظة وعلى أهبة الاستعداد لمواجهة أخطر السيناريوهات.

وقالت القناة إن أجهزة الأمن الإسرائيلية قدمت للقيادة السياسية، صورة عن الوضع في إيران قالت فيها إن هناك ما لا يقل عن 4 آلاف مدني قتلوا حتى الآن في الاحتجاجات داخل إيران، مع تقدير بأن العدد الحقيقي قد يكون أعلى. وترى إسرائيل، بحسب التقرير، أن «مستوى العنف المرتفع المستخدم من قبل السلطات الإيرانية يُعد مؤشراً على قلق النظام من اهتزاز استقراره الداخلي»، في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات وغياب قيادة مركزية لها.

ومن هنا جاء الاستنتاج بأن «أميركا ستضرب حتماً، في حال لم يتخل القائد الإيراني عن غطرسته ويلجم نفسه ويوقف البطش». لكن المصدر الذي اعتمدته القناة أكد أن الضربة الأميركية لن تكون عملية حربية ضخمة لكنها ستكون موجعة. وهنا يسأل السؤال حول طبيعة الرد الإيراني، وهل سيكون بمثابة كسر للقوالب والدخول في صدامات إقليمية مع الجميع، أم سيتحكم العقل ويتجهون لتحقيق المطلب الأميركي الأساسي، وهو العودة إلى مفاوضات الاتفاق النووي بطريقة إيجابية؟!

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع الكابينت الإسرائيلي في يناير 2025 (د.ب.أ)

رفع حالة التأهب

أما «القناة 12» الإسرائيلية، فشددت على أن أجهزة الأمن، وعلى رغم أنها «لن تفاجأ في حال وقوع ضربة إذا امتنعت طهران عن الرد بضرب إسرائيل»، فقد قررت رفع حالة التأهّب الأمني إلى المستوى الأقصى، خلال الساعات الأخيرة. وأكدت أن من يقرأ جيداً تصريحات ترمب بشأن إيران، ويطلع على الحراك الأميركي، يدرك أن الضربة الأميركية لا بد منها، وباتت أقرب من أي وقت مضى.

ونقلت عن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قوله في اجتماع مغلق، أن الولايات المتحدة قد تتحرك في المرحلة الأولى عبر وسائل غير عسكرية، من دون تنفيذ ضربة عسكرية «صاخبة وعلنية»، كما أن السؤال المطروح حالياً لم يعد «هل» ستتحرك الولايات المتحدة عسكرياً، بل «متى».

توقعات الرد الإيراني

وفي هذا الإطار، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأنه، و«ضمن حدود ما تسمح الرقابة العسكرية بنشره في هذه المرحلة»، فإن الجيش الإسرائيلي رفع من مستوى جاهزيته تحسباً لسيناريوهات تصعيد محتملة مع إيران، مشيرة إلى أن حالة التأهّب رُفعت في عدة تشكيلات عسكرية للتعامل مع سيناريوهات مختلفة. وقال مسؤول أمني إسرائيلي رفيع: «الرد الإيراني سيتحدد وفق طبيعة وحجم العملية الأميركية. فقد لا تؤدي عملية محدودة بالضرورة إلى رد ضد إسرائيل، لكن عملية واسعة قد تفرض رداً، ونحن مستعدون لذلك دفاعياً وهجومياً».

وأشار التقرير إلى أن الاستعدادات الإسرائيلية لا تقتصر على الجبهة الداخلية، بل تشمل أيضاً رفع مستوى الجهوزية في البعثات الدبلوماسية والمصالح الإسرائيلية حول العالم، خشية استهداف سفارات أو جاليات يهودية في حال التصعيد.

فتح الملاجئ

وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن العديد من البلديات الإسرائيلية، بالتنسيق مع الجبهة الداخلية، قررت فتح الملاجئ لحماية المواطنين من أي هجوم إيراني، وبينها بلدية ديمونة، التي يقع المفاعل النووي ضمن منطقة نفوذها. وأكدت أن الجيش أعد بطاريات القبة الحديدية وغيرها من وسائل الدفاع الجوي لتكون في أعلى جاهزية.

وأفادت القناة 13 بأن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تُجري تنسيقاً وثيقاً مع الإدارة الأميركية خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، في ظل متابعة حثيثة للسيناريوهات المطروحة.

وأكدت القناة أن تقديرات الأجهزة الأمنية تميل إلى أن الاحتجاجات في إيران «تمتلك إمكانات غير مسبوقة قد تؤدي إلى زعزعة، بل وربما إسقاط، النظام الإيراني»، ولذلك فإن احتمال أن تقوم القيادة الإيرانية بتوجيه ضربات يائسة وارد. وقالت إنه بحسب المعطيات التي عُرضت على الوزراء في «الكابينت»، فإن 500 عنصر من أجهزة النظام الإيراني قتلوا خلال المواجهات مع المتظاهرين، ما يُعد «مؤشراً على تمرد واسع» يتجاوز ما شهدته موجات احتجاج سابقة.