«بيت جميل» لإحياء الفنون التراثية في مصر

بالتزامن مع إطلاق استراتيجية لتعزيز الحرف اليدوية

«بيت جميل» يسعى لإحياء الفنون التراثية (صندوق التنمية الثقافية)
«بيت جميل» يسعى لإحياء الفنون التراثية (صندوق التنمية الثقافية)
TT

«بيت جميل» لإحياء الفنون التراثية في مصر

«بيت جميل» يسعى لإحياء الفنون التراثية (صندوق التنمية الثقافية)
«بيت جميل» يسعى لإحياء الفنون التراثية (صندوق التنمية الثقافية)

في خطوة جديدة لإحياء الفنون التراثية والحرف التقليدية في مصر، احتفى صندوق التنمية الثقافية، التابع لوزارة الثقافة المصرية، بتخريج 38 من الفنانين ضمن برنامج «بيت جميل»، في حفل أقيم، الخميس، بمركز الحرف التقليدية في الفسطاط (وسط القاهرة).

وتهدف الدراسة في «بيت جميل»، التي تستمر عامين، إلى الحفاظ على الحرف التقليدية في مصر ودعمها؛ حيث يتخصص الدارسون في الأعمال الخشبية والأشغال المعدنية والخزف والجبس والزجاج المعشق، وفق بيان لصندوق التنمية الثقافية، الجمعة.

وتأسس البرنامج عام 2009 بالقاهرة، وهو شراكة تعاونية بين مؤسسة «الملك تشارلز» البريطانية، ومدرسة الفنون التقليدية ومجتمع جميل وقطاع صندوق التنمية الثقافية في مصر.

جانب من مشروعات التخرج في «بيت جميل» (صندوق التنمية الثقافية)

يأتي ذلك بالتزامن مع إبراز مجلس الوزراء في مصر جهود الدولة للحفاظ على الحرف التراثية واليدوية واستدامتها، ونشرت صفحة المجلس على «فيسبوك» بيانات عن «الاستراتيجية الوطنية للحرف اليدوية 2025-2030» التي أُطلقت في يوليو (تموز) الماضي، وتشمل 32 خطة عمل تستهدف الوصول إلى الأسواق، وتنمية التكتلات الطبيعية الحرفية، وتطوير البيئة التمكينية لقطاع الحرف اليدوية، بما يُسهم في زيادة صادرات القطاع، وتوفير مزيد من فرص العمل.

وشهد حفل «بيت جميل» جولة حول أعمال الخريجين قام بها المعماري حمدي السطوحي، مساعد وزير الثقافة ورئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية، وسوزان ودنميري، مسؤولة برامج الفنون والثقافة في مجتمع جميل، والدكتور ممدوح صقر، مدير البرنامج في القاهرة.

وأعرب الدكتور ممدوح صقر عن سعادته بما يُقدمه الطلاب من «أعمال في مجالات الخزف والأعمال المعدنية والجبس، في رحلة إبداعية وفنية نعتز بها جميعاً»، حسب بيان لصندوق التنمية الثقافية.

وأكَّد صقر أن البرنامج مستمر في التطوير، سواء تطوير التقنيات أو المناهج، موضحاً أنه «أُدرج هذا العام تخصص جديد، وهو فن تعشيق النجارة التقليدية، بالإضافة إلى تخصصات زخرفة الخشب، مثل التطعيم والحفر على الخشب وخراطة الخشب».

وعدّ المعماري حمدي السطوحي معروضات الخريجين تقوم بدور مهم في ترجمة الهوية المصرية الأصيلة من خلال «استثارة جذور الهوية داخل بواطن ذاكرة الشعوب»، وهذا ما يقوم به برنامج (بيت جميل) وفق قوله.

أعمال متنوعة من الفنون التراثية (صندوق التنمية الثقافية)

وينظم الصندوق معرضاً مفتوحاً لأعمال الخريجين من 27 إلى 29 سبتمبر (أيلول) الحالي، في مركز الفسطاط للحرف التقليدية.

ويسعى البرنامج إلى الحفاظ على أقدم الحرف التراثية في مصر ودعمها، ويستقبل نحو 20 طالباً سنوياً للدراسة لمدة عامين، ضمن برنامج تدريبي طُوِّر وفقاً للمبادئ والمعايير المتبعة في الدورات التدريبية نفسها التي تقدمها مؤسسة «الملك تشارلز» في مقرها بالعاصمة لندن.

ويتضمن البرنامج تدريس فنون الهندسة التقليدية والرسم القائم على الملاحظة وتناغم الألوان والزخارف النباتية، بالإضافة إلى توفير تدريب متخصص في أعمال الخزف والجبس والزجاج المعشق والأشغال المعدنية والخشبية.

ويقول المعماري حمدي السطوحي لـ«الشرق الأوسط»: «لو تعاملنا مع الحرف التراثية الخاصة بنا بوصفها منتجات ثقافية ظهرت في الماضي توارثناها بقيم فنية وجمالية على أنها مجرد تحفة، فنحن لم نقم بمسؤوليتنا تجاه ما ورثناه من أجدادنا، التعامل الصحيح مع التراث لإحيائه يكمن في ممارسته والإضافة إليه ليكون صالحاً لاستخدامنا وفقاً لاحتياجاتنا في هذا الزمن».

وعدّ السطوحي: «هذه هي الفكرة الأساسية في التعامل مع الحرف والفنون التراثية. لا ينبغي النظر إليها بوصفها مستنسخات من الماضي، بل تطويعها لتلبية احتياجات الحاضر. هذا ما نطبقه في جميع أنشطتنا المتعلقة بالتراث والحرف التراثية». وتابع: «خصوصاً في تجربة (بيت جميل) التي تُنفَّذ بالتشارك بين صندوق التنمية الثقافية، ممثَّلاً في مركز الحرف التقليدية، ومؤسسة (الملك تشارلز) في إنجلترا».

الحرف اليدوية توفر كثيراً من فرص العمل (رئاسة مجلس الوزراء)

وأشار رئيس صندوق التنمية الثقافية إلى أن «خريجي البرنامج يدرسون جوانب متعددة مرتبطة بالحرفة، بدءاً من كونها منتجاً ثقافياً قيّماً في الماضي، وصولاً إلى كيفية تطويعها وإضافة أبعاد فنية وجمالية إليها لتواكب حاضرنا. وقد اكتسب الدارسون معارف ثقافية ورؤى متعمقة، ولم تتوقف دراستهم عند هذا الحد، بل يواصلون البحث والتعلم والإسهام العلمي في إحياء حرفنا التراثية، لما تمثله من تعبير صادق عن هويتنا، وتجسيد حيّ لأصالتنا التي توارثناها جيلاً بعد جيل».

وتسعى مصر إلى توفير 120 ألف فرصة عمل ضمن «الاستراتيجية الوطنية للحرف اليدوية 2025-2030»، التي أطلقتها وزارة التضامن الاجتماعي وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بهدف جعل مصر مركزاً عالمياً للحرف اليدوية، وزيادة صادرات القطاع لتصل إلى 600 مليون دولار بحلول عام 2030، وفق ما أعلنه مجلس الوزراء المصري.


مقالات ذات صلة

«لوميناريا» يشتبك مع أحلام وإحباطات المرأة

يوميات الشرق لكل إنسان إضاءاته لكن عليه أن يكتشفها (الشرق الأوسط)

«لوميناريا» يشتبك مع أحلام وإحباطات المرأة

للفن قدرة على استحضار المشاعر المختلفة، وخلال ذلك يكون للإضاءة تأثير طاغ عليها، من هنا يحتفي الفنانون بتجسيد الضوء في لوحاتهم؛ ويستخدمونه كرمز لأفكارهم.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)

«Exit to Exist» في بيروت: تجهيز فنّي أربك المألوف وحرَّض على التفكير

لم يُجبر المعرض زائره على طَقْس محدّد، وفضَّل تَرْكه حراً أمام الاصطدام بالأعمال أو تجاهلها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق مجموعة من الفنانين المشاركين في المعرض (غاليري آرت أون 56)

«مختارات منتقاة بعناية» تحتفي بحصاد عام من النجاحات

يستقي زائر المعرض من كلّ لوحة نفحة فنية تخاطب أفكاره وتطلّعاته، ويطّلع على أساليب وتقنيات متنوّعة في التعبير التشكيلي...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق غراهام هول أحد «الأبطال غير المقدَّرين» (مجلس الفنون في جزيرة مان)

بعد الستين تبدأ الحكاية... معرض لوجوه عاشت كثيراً

المعرض يحمل اسم «60 وجهاً لأشخاص تتجاوز أعمارهم الستين»، ويُقام في قرية لاكسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأبواب الخشبية المنحوتة والمستلهمة من بيوت جدة التاريخية في معرض «ورث» (الشرق الأوسط)

معرض «وِرث»... أعمال الطلاب تُحيي الفنون التقليدية السعودية

احتضن معرض «وِرث» في حي جاكس بالرياض نافذة واسعة من الفنون التقليدية السعودية، بوصفها ممارسة حية قادرة على التجدد.

فاطمة القحطاني (الرياض)

فنانون مصريون يدعمون لقاء سويدان بعد إصابتها بـ«العصب السابع»

الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)
الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)
TT

فنانون مصريون يدعمون لقاء سويدان بعد إصابتها بـ«العصب السابع»

الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)
الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)

دعم فنانون مصريون زميلتهم لقاء سويدان بعد أن كشفت عن إصابتها بمرض «التهاب العصب السابع»، ومن بينهم المطرب تامر حسني، والشاعر أيمن بهجت قمر، وريهام عبد الغفور، وراندا البحيري، والإعلامية ريهام سعيد.

وفاجأت سويدان الجمهور بظهورها وهي مريضة عبر برنامجها «لقاء ع الهواء» الذي تقدمه على قناة «الشمس» مساء الأربعاء، وقد بدا وجهها متأثراً بفعل المرض، وقالت إنها مرت بأوقات كانت كل أمنياتها أن تستطيع إغماض عينيها لعدم قدرتها على تحريك رموشها، وأن هذه نعم كبيرة لا نشعر بها إلا في المرض، وأكدت أنها أرادت أن يشاركها الجمهور كل لحظاتها مثلما يشاركونها لحظات فرحها ونجاحها، وأن أصدقاء نصحوها بعدم الظهور في الوقت الحالي غير أنها أرادت أن تُظهر الجانب الإنساني في حياتها بصراحة ودون خجل بعد إصابتها بمرض العصب السابع.

وأضافت قائلة إن «الفنانين بشر يتعرضون مثل كل الناس للحظات مرض، لكننا في أوقات كثيرة لا نظهر متاعبنا للجمهور الذي يرغب في أن يرانا على أكمل وجه، وقد تكون لدينا مشاكل حياتية وصحية لا يتخيلها أحد، حفاظاً على الصورة اللامعة جداً التي لا نحب أن نكسرها، في رأي كثير من الفنانين، لكنني أردت أن أقول لكم إن كثيراً من لحظات المرض والضعف واليأس تمر بنا».

لقطة من ظهورها المفاجئ على الشاشة وهي مريضة (قناة الشمس)

وكشفت سويدان عن أساب مرضها قائلة إنها «تعرضت لضغوط شديدة في الآونة الأخيرة لكنها كانت تبدو قوية وأنها خُذلت من كثيرين»، مؤكدة أن أغلب الناس يمر بضغوط لكن الأمر هو «كيف نتحمل ولا نعطي فرصة للآخرين كي يؤثروا علينا»، ووجهت لقاء الشكر لكل من وقفوا معها وساندوها في أزمتها الصحية.

وكتب الفنان تامر حسني عبر حسابه بموقع «إنستغرام»: «ألف سلامة عليكي هتبقي زي الفل، شدة وهتعدي»، فيما كتب الشاعر أيمن بهجت قمر عبر حسابه بـ«فيسبوك» أنه «تأثر كثيراً بعدما شاهد الفيديو، وكتب قائلاً: «لقد جعلني أُعيد حساباتي في أشياء كثيرة وأفكر هل هناك أحد أو موقف يستحق كل هذا الزعل».

ووصفت الفنانة راندا البحيري لقاء سويدان في ظهورها وإعلان مرضها بأنها لديها القوة والثقة والاعتزاز بالنفس، وكتبت عبر حسابها بـ«فيسبوك»: «معك جداً في ظهورك رغم أنه موجع بعض الشيء، لكن المهم أنك استرحت»، وأضافت: «أقول للناس الطيبين أمثال لقاء لا تأخذوا كل شيء على أعصابكم».

تعاطف في مصر مع لقاء بعد إصابتها بالمرض (حسابها على «فيسبوك»)

ولفت الناقد سعد الدين أن سويدان تعرضت لضغط عصبي شديد بعد أزمتها خلال عرض مسرحية «سيد درويش» بمسرح البالون، حيث وقع خلاف بينها وبين الفنان ميدو عادل، وقامت على أثره بصفعه في أزمة كبيرة شهدت تحقيقات بنقابة الممثلين، وأضاف سعد الدين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «كل فنان تظل لديه ضغوط تتعلق بالعمل وضغوط الحياة عموماً مما يؤثر على أعصابه وفي لحظة قد يصاب بأي أزمة نفسية أو صحية»، مؤكداً أن «لقاء كانت شجاعة في ظهورها بهذا الشكل»، متمنياً لها الشفاء العاجل.

وكانت لقاء سويدان قد تعرضت لهذه الأزمة الصحية قبل أكثر من شهر حيث جرى نقلها لأحد المستشفيات لكن لم تكشف وقتها عن طبيعة مرضها.

وبحسب الدكتور محمد مليجي، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بكلية الطب جامعة الأزهر، فإن مرض العصب السابع عبارة عن التهاب يصيب العصب الحركي المتحكم في العضلات المحركة للوجه، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المرض يتسبب في شلل نصف عضلات الوجه بدءاً من العين حيث لا يكون لدى المريض قدرة على غلق عينه مما يصيبها باحمرار شديد، كما لا تكون لديه القدرة على تحريك عضلات الخد في الناحية التي تأثرت، كما تتأثر العضلات القابضة للفم فيجد صعوبة في التحكم في تناول الطعام والشراب مع شلل عضلات صفحة الوجه».

ويشير الدكتور المليجي إلى أن أسباب المرض عديدة ولعل أشهرها التعرض المباشر لاختلاف درجات الحرارة، ويلفت إلى أن هذه الفترة من العام تزداد فيها حالات الإصابة به نتيجة التعرض المباشر لتيار هواء شديد، ويشير إلى سبب آخر للمرض وهو العدوى الفيروسية. مؤكداً أن «الحالة النفسية تخفض مناعة الجسم وتجعل الإنسان عُرضة لأن يتأثر بأي مشكلة، وأن فترة العلاج تتوقف بحسب شدة الإصابة حيث يخضع المريض لعلاج دوائي يتعامل مع الالتهاب وعلاج طبيعي لتقوية العضلات التي تأثرت بالإصابة».

سويدان قالت إنها تعرضت لضغوط شديدة خلال الفترة الماضية (حسابها على «فيسبوك»)

الجدير بالذكر أن نقابة المهن التمثيلية كانت قد أحالت في عام 2023 لقاء سويدان، وميدو عادل، إلى مجلس التأديب بسبب صفع سويدان لميدو خلال ختام مسرحية «سيد درويش»، وشددت على عدم الإدلاء بأي معلومات أو آراء خاصة بالمشكلة لأي من وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات.

وشاركت سويدان في العديد من المسلسلات التلفزيونية على غرار «صاحب السعادة» و«أستاذ ورئيس قسم» مع عادل إمام، و«أريد رجلاً»، و«البيت الكبير»، و«مدرسة الحب 3».


لويد لي تشوي: تخليت عن صورة نيويورك اللامعة في «لو المحظوظ»

فاز الفيلم بجائزة «نجمة الجونة الفضية» - الشركة المنتجة
فاز الفيلم بجائزة «نجمة الجونة الفضية» - الشركة المنتجة
TT

لويد لي تشوي: تخليت عن صورة نيويورك اللامعة في «لو المحظوظ»

فاز الفيلم بجائزة «نجمة الجونة الفضية» - الشركة المنتجة
فاز الفيلم بجائزة «نجمة الجونة الفضية» - الشركة المنتجة

قال المخرج الكوري الكندي لويد لي تشوي إن فيلمه الطويل الأول «لو المحظوظ»، نشأ من رغبته في تقديم صورة إنسانية صادقة لأب يحاول التوفيق بين أحلامه وطموحاته ومسؤولياته بوصفه أباً وعاملاً ومهاجراً في مدينة «قاسية» كنيويورك، بحسب تعبيره، موضحاً أنه سعى إلى تجسيد التناقضات الداخلية لشخصية «لو» من دون إطلاق أحكام أو تبنّي مواقف سياسية مباشرة، مكتفياً بإظهار بشر يحاولون النجاة في عالم يزداد ضيقاً كل يوم.

وعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «كان» السينمائي، وحصد جائزة «نجمة الجونة الفضية» في النسخة الماضية من المهرجان بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ويحكي قصة «لو» عامل توصيل صيني في نيويورك، يجد عالمه الهش ينهار فجأة بعد أن يفقد عمله، فيضطر لمواجهة مفاهيم العائلة والنجاة والحظ في مدينة لا ترحم.

يؤكد المخرج لويد لي تشوي لـ«الشرق الأوسط» أنه أراد الاقتراب من الصدق الإنساني أكثر من الخطابة أو الرمزية، مع منح المشاهد فرصة للتأمل في مصائر شخصياته بدلاً من الحكم عليها، مضيفاً: «كنتُ أبحث عن قصة صغيرة الحجم، لكنها كبيرة في معناها، تكشف عن هشاشة الإنسان حين تتصادم أحلامه مع واقعه».

المخرج الكوري الكندي لويد لي تشوي (الشرق الأوسط)

واعتبر أن عنوان «لو المحظوظ» يحمل مفارقة لغوية وإنسانية في الوقت نفسه، فبينما يبدو ساخراً في ظاهره، يكشف في جوهره عن حقيقة الحظ الإنساني المتذبذب بين الخسارة والأمل؛ إذ يعتمد معناه في النهاية على ما يشعر به المشاهد تجاه رحلة البطل.

وأوضح تشوي أن فيلمه تأثر بالمدرسة الواقعية الإيطالية، لا سيما عبر فيلم «سارق الدراجة» لفيتوريو دي سيكا، الذي ترك فيه أثراً بالغاً فيه على المستوى الفني، مشيراً إلى أن ما أثار فضوله هو نقل تجربة مشابهة إلى سياق معاصر يعكس واقع الطبقة العاملة في نيويورك ما بعد جائحة «كورونا».

أحد الأهداف الرئيسة في بناء الفيلم، وفقاً للمخرج، كان إعادة تعريف الصورة السينمائية لمدينة نيويورك من منظور الأرض، بعيداً عن اللقطات الجوية المألوفة والأبراج اللامعة التي طبعت مخيلة المشاهدين لعقود، موضحاً أنه اتفق مع مدير التصوير نورم لي منذ المراحل الأولى على تجنّب أي مظاهر بصرية تُجمّل المدينة أو تضفي عليها طابعاً خيالياً.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «كان» السينمائي - الشركة المنتجة

وأكد أنه فضّل إبقاء الكاميرا دائماً على مستوى الشارع، ملاصقةً للبطل في مساراته اليومية، حتى يشعر المشاهد بوقع المدينة عليه، وبالضغط المتراكم في تفاصيل الحياة اليومية، وهو أمر اعتبره خياراً جمالياً وليس مجرد أسلوب تصوير، بل رؤية درامية تُبرز كيف تتحوّل المدينة نفسها إلى خصم صامت يضيق على الإنسان من كل الجهات.

وأشار إلى أنه أراد أن يستخدم المساحات السينمائية والحركة داخل الإطار لتجسيد الإحساس بالاختناق والعزلة، موضحاً أنه خطط لأن يتصاعد الضغط تدريجياً في النصف الأول من الفيلم، ليبرر للمشاهد دوافع الشخصية وقراراتها، ثم يُحدث تحوّلاً في الإيقاع عند دخول ابنته إلى حياته، فتتحول مصادر التوتر من ضغط المجتمع الخارجي إلى نظرات الابنة التي تعكس حكماً أخلاقياً داخلياً جديداً.

وقال تشوي إن العلاقة بين الأب وابنته شكّلت القلب العاطفي للفيلم، وكان حريصاً على بنائها برهافة عالية من دون الوقوع في الميلودراما، ففكرة اللقاء بعد سنوات من الفراق هي من أكثر القصص شيوعاً في حياة المهاجرين، حيث يحاول الأب والابنة التعرف من جديد إلى وجوهٍ مألوفة فقدت ملامحها بفعل المسافة والزمن، لذا فضّل الاعتماد على لحظات الصمت والمراقبة المتبادلة بين الشخصيتين بدلاً من الحوار المباشر؛ لأن تلك اللحظات الصامتة قادرة على قول ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.

حظي الفيلم بإشادات نقدية عديدة - الشركة المنتجة

وأكد أن الفيلم لا يسعى إلى تقديم بيان سياسي عن الرأسمالية أو نظام الطبقات، بقدر ما هو تأمل في التجربة الإنسانية ذاتها، مبيناً أن الجملة الشهيرة في الفيلم «إنهم يفرضون رسوماً على سيارة الإسعاف هنا»، تختصر مأساة الحياة اليومية في الولايات المتحدة أكثر مما تعبّر عن موقف آيديولوجي.

وقال لويد لي تشوي إن إحدى السمات الجوهرية في الفيلم هي غموضه الأخلاقي؛ إذ يتورط البطل في أفعال مخالفة للقانون، ومع ذلك لا يفقد المشاهد تعاطفه معه، موضحاً أن هدفه لم يكن إعادة تعريف الجريمة بل عرض إنسانٍ مضطر يفعل ما يفعله بدافع الحب والرغبة في النجاة، وأن هذا التناقض هو ما يجعله إنساناً بالدرجة الأولى.

وأشار إلى أن المشهد الختامي للفيلم يمثل لحظة نعمة عابرة وسط الظلام، ويفضّل أن يترك تفسيرها للمشاهد، معتبراً أن الأمل المؤقت أكثر صدقاً من النهايات السعيدة المصطنعة، لافتاً إلى أن «أفلام الطبقة العاملة والمهاجرين باتت نادرة في المشهد الأميركي الحالي، لكنه يشعر بالسعادة لقدرته على إنجاز فيلم كهذا في هذه الفترة».


مراد وهبة «فيلسوف التنوير» يصل إلى نهاية الرحلة

مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)
مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)
TT

مراد وهبة «فيلسوف التنوير» يصل إلى نهاية الرحلة

مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)
مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)

بعد رحلة حافلة بالعطاء الفكري والفلسفي والنقدي المؤثر رحل، صباح الخميس، «فيلسوف التنوير المصري» الدكتور مراد وهبة عن عمر ناهز مائة عام، وساهم خلال مسيرته العلمية والأكاديمية في إثراء الفكر المصري والعربي بما قدم من كتب ودراسات ذات توجهات تنويرية.

ونعت وزارة الثقافة المصرية، الدكتور مراد وهبة، ووصفت مسيرته الفكرية، في بيان، بأنها «كانت حافلة، ترك خلالها أثراً عميقاً في مسار الفكر العربي المعاصر»، وقال وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، في البيان «إن الدكتور مراد وهبة يُعدّ من أبرز دعاة التنوير في مصر والعالم العربي، أسهم عبر مشروعه الفكري ومؤلفاته ومحاضراته في ترسيخ منهج التفكير العلمي وتعزيز ثقافة الحوار، الأمر الذي أثرى الساحة الفكرية على مدار عقود طويلة».

ويعد الدكتور مراد وهبة «واحداً من أبرز المفكرين المصريين من التيار العلماني الممتد من القرن العشرين، حتى العقدين الماضيين من الألفية الجديدة، وقد ظل مؤمناً بالفكرة العلمانية في التقاليد الفلسفية والسياسية الأوروبية أساساً للثقافة المدنية، ورآها من ضرورات استكمال المشروع التاريخي للحداثة السياسية والاجتماعية والقانونية»، وفق قول الدكتور نبيل عبد الفتاح، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفكر العلماني والتنويري لوهبة كان ذا ميول يسارية إلا أن المد الديني وجماعاته الراديكالية في مصر زمن السادات وما بعده جعله يركز على مفاهيم العلمانية والتنوير».

وأوضح عبد الفتاح أن «العلمانية الفرنسية كانت مرجعاً لأفكار مراد وهبة الأساسية وكتاباته المختلفة التي واجه بها الفكر الأسطوري والميتافيزيقي وسردياته الوضعية في التدين الشعبي، ولدى العقل الديني النقلي المسيطر، وقد اتسمت كتاباته بالإيجاز الشديد والتكثيف، كما تميزت بالتجريد شأن بعض الكتابات الفلسفية الغربية، وحاول من خلال كتبه ومقالاته الربط بين الفلسفة والشارع، وسعى لكي يجعل الفكر الفلسفي شائعاً بين الجمهور».

وتعد كتبه «قصة الفلسفة»، و«رباعية الديمقراطية»، و«الأصولية والعلمانية»، و«ملاك الحقيقة المطلقة»، و«جرثومة التخلف»، و«مستقبل الأخلاق» و«مسار فكر» و«مدخل إلى التنوير»، صاحبة الأثر الأكبر في تقديم أفكاره التي تُعلي من قيمة التنوير في المجتمع المصري، وتضع الفكر الفلسفي والعلمي بين يدي القراء.

كان تعريف الدكتور مراد وهبة للعلمانية فارقاً في قضية التفكير؛ «حيث ذكر أنه لا يجوز التفكير في المطلق بما هو نسبي، ولا في النسبي بما هو مطلق، وكان يرى أن التعامل مع كليهما يجب أن يتم على نحو مناسب لكل منهما»، وفق قول الباحث والمترجم الدكتور أشرف راضي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الدكتور مراد وهبة أكد أن النسبي يجب أن يواجَه بما هو نسبي، والمطلق بما يتسم وطبيعته، ليضع حداً فاصلاً بين الأفكار المطلقة ونظيرتها البشرية النسبية، التي يمكن التراجع عنها وتعديلها، وتطويرها وفقاً لما يطرأ من تغيرات عصرية».

وهذا التعريف، وفق قول راضي، «له تأسيس فلسفي مهم عند وهبة جاء من تفريقه بين معنيين للعالم؛ (الجغرافي الساكن)، والعالم (الزمني المتغير)، ومنها تم اشتقاق كلمة العلمانية التي جاءت من النظر إلى العالم الزمني المتغير، ويظل كتابه (ملاك الحقيقة المطلقة) من أهم مؤلفاته».

كان الدكتور مراد وهبة يدير واحداً من أهم المنتديات الفلسفية في مصر، وهو منتدى «ابن رشد»، ولهذا حسب رأي راضي، «دلالة مهمة، يرد بها على من يروجون للقول بأن العلمانية منتج غربي، وقد حاول تأسيس العلمانية في مصر والعالم العربي على أفكار الفيلسوف ابن رشد، وهو فيلسوف إسلامي ذائع الصيت، وله تأثير كبير في الاتجاهات الفلسفية الغربية الحديثة».