تصريحات ترمب عن أوكرانيا بين «التكتيك التفاوضي» والغموض

تثير جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة وخارجها مع أصداء أوروبية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء (رويترز)
TT

تصريحات ترمب عن أوكرانيا بين «التكتيك التفاوضي» والغموض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء (رويترز)

ما زالت التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترمب حول الحرب في أوكرانيا تثير جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة وخارجها، بعدما فاجأ جمهوره السياسي بخطاب غاضب تجاه موسكو. وفيما رأى مسؤول أميركي كبير في البيت الأبيض أنه مجرد «تكتيك تفاوضي»، عدّه آخرون مؤشراً على احتمال أن ينفض يده من الصراع الذي يقترب من إنهاء عامه الرابع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

وبينما انشغل المسؤولون في واشنطن بتقييم مغزى هذه التصريحات، انقسم الحلفاء الأوروبيون بين الترحيب الحذر والريبة الصامتة، في حين بدا الكرملين مصمماً على الاستهانة بالخطاب الجديد.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن المسؤول الأميركي الكبير وصفه نبرة الرئيس الأخيرة بأنها انعكاس «لإحباط متزايد من فلاديمير بوتين»، مؤكداً أن ما يقوم به ترمب لا يعكس تحولاً جذرياً بقدر ما ينطلق من سؤال واحد: «كيف يمكننا إبرام صفقة؟». هذا التفسير لم يمنع سيل الانتقادات من مشرعين وخبراء رأوا في الخطاب الجديد دليلاً آخر على تذبذب الرئيس، وغياب أي خطوات عملية تترجم وعوده.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماعهما في نيويورك (أ.ف.ب)

النائب غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، عدّ إعلان ترمب بأن أوكرانيا قادرة على استعادة كامل أراضيها بأنه «كلام رخيص»، ما لم يقترن بتشريع عقوبات مباشرة على روسيا، وتوفير مزيد من الأسلحة لكييف. وأضاف أنه مستعد للتعاون مع الجمهوريين، ولا سيما السيناتور ليندسي غراهام الذي يعمل مع الديمقراطيين على مشروع قرار لفرض عقوبات قاسية إذا فشلت ضغوط البيت الأبيض، لكنه شكك في جدية الرئيس قائلاً إن مواقفه على منصة «تروث سوشيال» لا تُبنى عليها سياسة حقيقية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي متوجهاً إلى اجتماع في مقر الأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)

في المقابل، بدا السيناتور الجمهوري المخضرم ميتش ماكونيل أكثر ميلاً لإعطاء الخطاب بعداً إيجابياً؛ إذ رأى أن ترمب حدّد روسيا «كمعتدٍ بوضوح». لكنه حذّر من أن بعض مسؤولي البنتاغون «يقوضون جهود الرئيس» عبر تقييد المساعدات الأمنية أو إلقاء اللوم على حلفاء الناتو.

وكتب ماكونيل في مذكرة داخلية أن «على القائد الأعلى ألا يتسامح مع سياسات مستقلة تضعف نفوذه»، في إشارة ضمنية إلى تصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث حول تخفيضات في التدريب العسكري لدول حدودية مع روسيا.

أما وزير الخارجية ماركو روبيو فقد سعى إلى تهدئة الانطباعات، مؤكداً في نيويورك أن الحرب ستنتهي «على طاولة المفاوضات وليس في ساحة المعركة»، في إعادة تأكيد على الموقف الأميركي التقليدي.

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيجوت، في بيان، إن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، دعا، خلال اجتماعه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، إلى وضع حد لإراقة الدماء في حرب أوكرانيا، حيث «كرر روبيو دعوة الرئيس ترمب إلى وقف أعمال القتل، وضرورة أن تتخذ موسكو خطوات ملموسة نحو حل دائم للحرب الروسية - الأوكرانية». ولم يصدر في البداية أي تعليق من الجانب الروسي عن الاجتماع.

أحد المسؤولين أضاف أن ترمب «ما زال مستعداً لاستخدام الرسوم الجمركية على موسكو» إذا لم تتوقف أوروبا عن شراء الطاقة الروسية، ما عُدّ إشارة إلى تمسكه بأدوات ضغط اقتصادية غير تقليدية بدلاً من العقوبات الكلاسيكية.

صورة مركبة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) ونظيره الأميركي دونالد ترمب (وسط) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

في أوساط الخبراء انقسمت القراءات. بيتر دوران، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، رأى في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن إحباط ترمب من روسيا يتصاعد منذ أشهر، بعدما رد بوتين على مبادراته الدبلوماسية بمزيد من القصف ضد المدنيين. وقال دوران إن «صبر الرئيس نفد أخيراً، ومن غير المرجح أن يتغير»، مضيفاً أن وصف روسيا بأنها «نمر من ورق» يعكس فقدان الثقة بقدرات موسكو.

لكن ريتشارد فونتين، الرئيس التنفيذي لمركز الأمن الأميركي الجديد، قال لصحيفة «نيويورك تايمز» إن خطاب ترمب «تحليل وليس سياسة»، معتبراً أن الرئيس «يتأرجح بين رؤى متطرفة»؛ فمرة يقول إن كييف لا تملك فرصة للفوز، ومرة أخرى يؤكد أنها قادرة على استعادة كامل أراضيها. وبرأيه فإن هذه المواقف تعكس نزعة تكتيكية أكثر منها استراتيجية، ولا تعني تغيراً جوهرياً في النهج الأميركي.

الرئيس الأميركي ونظيره الروسي خلال مؤتمر صحافي بقاعدة «إلمندورف ريتشاردسون» المشتركة في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

حتى داخل البنتاغون، عبّرت أصوات عن قلق من غياب الفعل وراء الكلام. لورا كوبر، المسؤولة السابقة عن ملف روسيا وأوكرانيا، قالت إن بوتين «يراقب الدعم الأميركي مادياً، وليس مجرد خطابات»، لافتة إلى أن المساعدات الأوروبية باتت تشكّل المصدر الأساسي لدعم كييف مع تراجع الحصة الأميركية. وأضافت: «من غير الواضح كيف يمكن تحقيق السلام من دون دعم واشنطن».

ورغم هذا التردد، فقد كان وقْع التصريحات مختلفاً في كييف.

مسؤول أوكراني كبير وصف لقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي مع ترمب بأنه «إيجابي»، مشيراً إلى أن مجرد تغيير النبرة الأميركية يمنح الجمهوريين في واشنطن غطاءً لمواقف أكثر صرامة تجاه روسيا. بالنسبة لزيلينسكي، بدا التحول انتصاراً سياسياً بعد أشهر من الضغوط التي مورست عليه للقبول بتسوية إقليمية. وقال بيتر دوران لـ«الشرق الأوسط»، إن «تصريحات ترمب بأن أوكرانيا قادرة على الفوز تعكس قيادة قوية من كلا الزعيمين، وستزداد قوة إذا سارع الرئيس إلى تشديد العقوبات الثانوية على مشتري الطاقة الروسية».

دونالد ترمب مع القادة الأوروبيين في واشنطن (إ.ب.أ)

وقال زيلينسكي إنه مستعد للتنحي بعد انتهاء الحرب مع روسيا. وأردف قائلاً لموقع «أكسيوس» الإخباري: «هدفي هو إنهاء الحرب»، وليس الاستمرار في المنصب.

وأضاف «أردت بشدة، في فترة زمنية صعبة للغاية، أن أخدم بلدي. هدفي هو إنهاء الحرب»، وأكد زيلينسكي أنه سيطلب من البرلمان الأوكراني تنظيم انتخابات إذا تم التوصل إلى وقف إطلاق النار. ونتيجة لذلك شككت روسيا مراراً وتكراراً في شرعية زيلينسكي بوصفه زعيماً.

أما في أوروبا فقد انقسمت المواقف بين الترحيب والريبة. وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي أجاب ضاحكاً: «إن شاء الله»، حين سُئل إن كان يعتقد أن ترمب غيّر موقفه فعلاً، مضيفاً أن الرئيس الأميركي «يحب دعم الفائزين، وربما قرر أن أوكرانيا لديها فرصة في النهاية».

وفي إستونيا، وصف وزير الخارجية مارغوس تساهكنا الخطاب الجديد بأنه «تغيير مهم للغاية»، مؤكداً أن الرسالة واضحة: «أوكرانيا ستنتصر». أما لندن فتعاملت بحذر أكبر. رئيس الوزراء كير ستارمر قال إن بوتين لا يستجيب إلا للضغط الأميركي المكثف، بينما رأى مسؤول بريطاني أن «اقتراح ترمب لا يبدل شيئاً في الوضع الراهن».

الرئيسان ترمب وبوتين خلال قمة ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، الخميس، أن الحلف مستمر في دعمه لأوكرانيا، بما في ذلك إمدادها بالأسلحة والإمدادات الأميركية التي يمولها الحلف. وأضاف عبر منصة «إكس» أنه عقد اجتماعاً جيداً، أمس، مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وشدد على أن الناتو يواصل العمل لضمان قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها.

في المقابل، حرص زيلينسكي على استثمار الموقف في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، واصفاً التحول بأنه «مغيّر لقواعد اللعبة»، لكنه لم يُخفِ استمرار حاجته إلى المال والتكنولوجيا والاستخبارات والجنود. وأقر بأن الصراع مع روسيا تفاقم بسبب «انهيار القانون الدولي»، قبل أن يضيف بواقعية: «الأمن لا يأتي من القوانين والقرارات، بل من الأصدقاء والأسلحة».

هذه الازدواجية في تلقي تصريحات ترمب تعكس إلى حد بعيد نمطه في السياسة الخارجية. فمنذ بداية ولايته الثانية، أظهر استعداداً للانتقال من لهجة التصعيد إلى الدعوة للمساومة تبعاً للظرف السياسي والجمهور المستهدف؛ مرة يصف الجيش الروسي بأنه «نمر من ورق»، ومرة أخرى يشيد بقوة موسكو الاقتصادية والعسكرية. النتيجة، كما قال أحد المسؤولين الأميركيين، أن «كلا الجانبين يحاول استمالته، لكن شيئاً لم يتغير على الأرض».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

غير أن منتقديه يرون أن ما بدا دعماً قوياً لكييف قد يكون في الواقع تمهيداً للتراجع عن أي دور مباشر في الحرب.

وقال مستشار سابق: «ترمب متقلب المزاج، وتدفعه مشاعر الغضب أكثر من الحسابات الاستراتيجية»، وهو ما يجعل التنبؤ بمواقفه بالغ الصعوبة، ويجعل الحلفاء في أوروبا والخصوم في موسكو يتعاملون بحذر مع كل تصريح جديد. ويبقى السؤال: هل تصريحات ترمب ورقة في لعبة تفاوضية أكبر مع بوتين، أم بداية لمسار جديد يضع أوكرانيا في موقع أقوى؟ حتى الآن، المؤكد أن أقوال الرئيس الأميركي تواصل إرباك الساحة السياسية من دون أن تغيّر في المعادلة الميدانية.


مقالات ذات صلة

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف نائب رئيس المخابرات العسكرية الروسية (لقطة من فيديو لوزارة الدفاع الروسية-أ.ب) p-circle

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

نقلت وكالة ​أنباء «إنترفاكس» الروسية عن جهاز الأمن الاتحادي القول إن محاولة اغتيال ‌الجنرال فلاديمير ‌أليكسييف ‌جرت بأوامر ​من ‌جهاز الأمن الأوكراني.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أواكرنيون نجوا من قصف روسي على حي في كراماتورسك غرب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ثلاثة قتلى في غارات روسية ليلية على أوكرانيا

قُتل ثلاثة أشخاص جراء غارات جوية روسية خلال الليلة الماضية على منطقتي خاركيف في شرق أوكرانيا وأوديسا في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية («أ.ب» نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

بوتين يشكر رئيس الإمارات على اعتقال مشتبه به في إصابة جنرال روسي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يُشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)

هل كان إبستين عميلاً للموساد؟ وثائق جديدة تثير تساؤلات

إبستين وماكسويل في صورة نشرتها وزارة العدل الأميركية بتاريخ 19 ديسمبر 2025 (رويترز)
إبستين وماكسويل في صورة نشرتها وزارة العدل الأميركية بتاريخ 19 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

هل كان إبستين عميلاً للموساد؟ وثائق جديدة تثير تساؤلات

إبستين وماكسويل في صورة نشرتها وزارة العدل الأميركية بتاريخ 19 ديسمبر 2025 (رويترز)
إبستين وماكسويل في صورة نشرتها وزارة العدل الأميركية بتاريخ 19 ديسمبر 2025 (رويترز)

كان المعلم الروحي الأميركي من أصل هندي، ومؤلف كتب الصحة الشهير، ديباك شوبرا، مُغدقاً في إشادته بإسرائيل بقدر حماسه لانضمام جيفري إبستين إليه في تل أبيب.

ووفق تقرير نشرته «التايمز» البريطانية، قبل عامين من توقيفه عام 2019، دُعي إبستين للقاء شوبرا خلال زيارة الأخير لإلقاء محاضرة بقاعة المنارة في تل أبيب. وكتب شوبرا، حسب إحدى الرسائل التي أُفرج عنها ضمن ملايين الوثائق المرتبطة بإبستين: «تعالَ إلى إسرائيل معنا. استرخِ واستمتع مع أشخاص مثيرين للاهتمام. إذا أردت، فاستخدم اسماً مستعاراً. أحضر فتياتك. سيكون من الممتع وجودك. محبتي».

غير أن إبستين بدا متردداً. فكتب: «مكان آخر. لا أحب إسرائيل إطلاقاً».

وأسباب رفض إبستين الدعوة في مارس (آذار) 2017 تبقى من بين الألغاز في الملفات التي نشرتها وزارة العدل الأميركية؛ إذ ترسم هذه الوثائق صورة متناقضة ومربكة لعلاقته بإسرائيل، وخصوصاً برئيس وزرائها الأسبق إيهود باراك.

«إبستين تلقى تدريباً تجسسياً»

وازدادت في الولايات المتحدة مزاعم بأن إبستين ربما كان يعمل لصالح جهاز أمني أجنبي، وهو طرح روَّج له، إلى حد بعيد، الإعلامي اليميني تاكر كارلسون وآخرون. وتضمَّنت الملفات ادعاءات من مصدر سري لـ«مكتب التحقيقات الفيدرالي» بأن إبستين -خلافاً لما أبداه من نفور- كان في الواقع يعمل لصالح جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد). وأشار تقرير للمكتب في لوس أنجليس في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 إلى أن المصدر «أصبح مقتنعاً بأن إبستين كان عميلاً مُجنّداً من قبل (الموساد)».

وزعم التقرير أن إبستين «تلقى تدريباً تجسسياً» لصالح «الموساد»، وأن له صلات بعمليات استخباراتية أميركية وحليفة، عبر محاميه الشخصي لفترة طويلة آلان ديرشوفيتز، أستاذ القانون في جامعة هارفارد الذي كان ضمن دائرة تضم «كثيراً من الطلاب من عائلات ثرية». وذكر أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وشقيقه جوش، كانا «من طلابه».

لكن ديرشوفيتز سخر من المزاعم، قائلاً: «لا أعتقد أن أي جهاز استخباراتي كان سيثق به حقاً»، مضيفاً أن إبستين لم يكن ليخفي أمراً كهذا عن محاميه.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن صداقة إبستين مع باراك دليل على أنه لم يكن جاسوساً، وكتب على منصة «إكس»: «العلاقة الوثيقة وغير العادية بين جيفري إبستين وإيهود باراك، لا توحي بأنه عمل لصالح إسرائيل؛ بل تثبت العكس».

وأظهرت الملفات أن باراك وزوجته نيلي أقاما مراراً في شقة إبستين بنيويورك، وكانا يخططان لزيارة قبيل توقيفه الأخير ووفاته بعد شهر في سجن بمانهاتن عام 2019. واستمرت علاقتهما بعد توقيفه الأول عام 2006 بتهم الاتجار الجنسي واستدراج قاصر. وقال باراك لاحقاً إنه ندم على علاقته بإبستين.

وفي عام 2018، طلب إبستين من باراك عبر بريد إلكتروني «توضيح أنني لا أعمل لصالح (الموساد)». كما سأله قبل ذلك بعام عما إذا كان أحد قد طلب منه «المساعدة في الحصول على عملاء (موساد) سابقين لإجراء تحقيقات قذرة».

وتشير الوثائق إلى أن إبستين ساهم في استثمار بقيمة 1.5 مليون دولار في شركة إسرائيلية ناشئة تُدعى «كاربين» (كانت تُعرف سابقاً باسم «Reporty Homeland Security»). وحذَّر باراك من أن «الحيلة الإسرائيلية باستخدام قبرص لتجنب الضرائب قديمة وخطيرة»، واقترحت سيدة الأعمال نيكول يونكرمان استخدام لوكسمبورغ بدلاً من قبرص.

«لا أدلة حاسمة»

وأثار مصدر ثروته تساؤلات واسعة. وقالت لينيت نوسباخر، الضابطة السابقة في استخبارات الجيش البريطاني، إن من الممكن نظرياً أن يكون قد خدم كأصل استخباراتي، ولكن «لا توجد أدلة تثبت أنه كان أكثر من الشخص المدان بجرائمه».

وفي عام 2003، تقدم إبستين بطلب للحصول على جواز سفر ثانٍ لشريكته غيلين ماكسويل «لتجنب أختام التأشيرات المتضاربة»؛ مشيراً إلى أنها كانت تعتزم السفر إلى إسرائيل والأردن والسعودية. وكان والدها -قطب الإعلام الراحل روبرت ماكسويل- يُشتبه في صلاته بـ«الموساد».

وُلد إبستين لأبوين يهوديين، ونشأ في «سي غيت»، وهو مجمَّع سكني مغلق يغلب عليه اليهود، في كوني آيلاند، ومن المعروف أنه زار إسرائيل مع عائلته عام 1985؛ حيث أقام في فندق «بلازا» بتل أبيب، وفندق «الملك داود» في القدس، ويُقال إنه استأجر سيارة «ليموزين» ليطوف بوالديه.

زيارات أخرى لم تُوثَّق رسمياً. ففي رسالة بتاريخ 20 مايو (أيار) 2012، طلب من سكرتيرته ليزلي غروف: «ابحثي لي عن رحلات من باريس إلى تل أبيب، ثم من تل أبيب إلى نيويورك، أو من تل أبيب إلى يالطا (القرم)». وفي 21 مايو أضاف: «احجزي 24 إلى تل أبيب، والدرجة الأولى إلى نيويورك في 27».

وكان إبستين مشتركاً في موقع مزادات عقارية باهظ الثمن، كان يراسله بخيارات للمزايدة على أكثر المنازل حصرية في إسرائيل.

وحتى إن لم يكن يرغب في السفر إلى إسرائيل بحلول 2017، فإنه لم يُبدِ نفوراً من النساء الإسرائيليات؛ إذ طلب من شوبرا العثور له على «شقراء إسرائيلية جذابة... العقل فوق المادة». ورد شوبرا محذراً من أن النساء الإسرائيليات «مقاتلات وعدوانيات ومثيرات جداً».

وقال شوبرا الأسبوع الماضي: «أريد أن أكون واضحاً، لم أشارك أبداً في أي سلوك إجرامي أو استغلالي». وأضاف: «أدين بشكل قاطع الإساءة والاستغلال بكل أشكالهما».

وتضيف العلاقة العميقة والطويلة الأمد بين إبستين وماكسويل التي تقضي حالياً عقوبة السجن 20 عاماً، لدورها في شبكة الاتجار الجنسي بالقاصرين، مزيداً من الوقود لنظريات المؤامرة بشأن صلته بإسرائيل.

وكان والد ماكسويل، قطب الإعلام الراحل روبرت ماكسويل، يُشتبه على نطاق واسع في صلاته بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، ويُعرف بأنه ضخ ملايين في الاقتصاد الإسرائيلي، واعداً باستثمار «ربع مليار دولار على الأقل» لرئيس الوزراء آنذاك إسحاق شامير.

عُثر على روبرت ماكسويل طافياً قبالة جزر الكناري عام 1991، بعد سقوطه من يخته «ليدي غيلين». ونُقل جثمانه إلى إسرائيل ليدفن في جبل الزيتون بالقدس، وهي مقبرة مخصصة لخدمة نخبة إسرائيل.

هل اغتال «الموساد» روبرت ماكسويل؟

وكانت هناك إشارات في رسائل إبستين إلى اعتقاده بأن ماكسويل اغتيل على يد «الموساد». ففي 15 مارس 2018، حمل بريد إلكتروني من إبستين إلى مستلم محجوب الاسم عنوان: «لقد تم تمريره». وفي الرسالة، تكهن إبستين بمصير ماكسويل، زاعماً أنه هدد جهاز الاستخبارات الإسرائيلي بعد أن عمل كعميل غير رسمي، متجسساً على المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

وردَّد البريد الإلكتروني نظرية طرحها غوردون توماس ومارتن ديلون، مؤلفا كتاب «اغتيال روبرت ماكسويل: جاسوس إسرائيل الخارق»، اللذان قالا إن ماكسويل دُفع من قبل «الموساد». وزعما أنه نفَّذ عمليات لصالح الجهاز؛ لكنه هدد بكشف الأمر ما لم يُسدَّد له 600 مليون دولار فوائد مستحقة على أكثر من 3 مليارات دولار من الديون.

وقال كثير من الخبراء الذين تواصلت معهم «التايمز» إنهم لم يصادفوا معلومات تثبت وجود صلات بين ماكسويل و«الموساد»، فضلاً عن ربط إبستين بالمؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية. غير أن مؤلفاً إسرائيلياً له صلات بالجهاز، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، قال إنك لا تعرف أبداً من قد يوظفه «الموساد». وقال: «أي شخص يمكن أن يكون جاسوساً».


ترمب يدعو قادة دوليين إلى الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل وثيقة إنشاء «مجلس السلام» لغزة في دافوس بسويسرا 27 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل وثيقة إنشاء «مجلس السلام» لغزة في دافوس بسويسرا 27 يناير 2026 (رويترز)
TT

ترمب يدعو قادة دوليين إلى الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل وثيقة إنشاء «مجلس السلام» لغزة في دافوس بسويسرا 27 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل وثيقة إنشاء «مجلس السلام» لغزة في دافوس بسويسرا 27 يناير 2026 (رويترز)

تلقّى عدد من قادة العالم دعوة لحضور الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام»، الذي شكّله الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والمقرر عقده في 19 فبراير (شباط) الحالي.

وفي حين وافقت بعض الدول على الحضور، مثل الأرجنتين برئاسة خافيير ميلي، والمجر بقيادة فيكتور أوربان، رفضت ذلك دول أخرى؛ بما فيها فرنسا وإيطاليا والنرويج وتشيكيا وكرواتيا.

وأعلن الرئيس الروماني نيكوسور دان، الأحد، على «فيسبوك»، أنه تلقّى دعوة لحضور الاجتماع، لكنه أضاف أن بلاده لم تحسم بعدُ قرارها بشأن المشاركة في الجلسة الأولى لـ«مجلس السلام».

وأوضح أن الأمر يتوقف على «المناقشات مع شركائنا الأميركيين حول صيغة الاجتماع بالنسبة إلى دول مثل رومانيا ليست في الواقع أعضاء في المجلس، لكنها تود الانضمام إليه بشرط مراجعة ميثاقه».

وكان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان قد أفاد، السبت، بأنه تلقّى دعوة إلى الاجتماع وأنه يعتزم المشاركة فيه.

في المقابل، أعلن رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش، السبت، أنه لا يعتزم الانضمام إلى «مجلس السلام»، مضيفاً، لشبكة «تي في نوفا» الخاصة: «سنتصرف بالتشاور مع الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، قال بعضها إنها لن تنضم إلى المجلس».

وبموجب خطة الرئيس الأميركي لإنهاء حرب غزة، ستتولى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» شؤون القطاع الفلسطيني مؤقتاً تحت قيادة «مجلس السلام» الذي يرأسه ترمب.

لكن ميثاق المجلس لا يذكر صراحةً غزة، ويمنحه هدفاً أوسع هو المساهمة في حل النزاعات المسلَّحة في العالم.

وتنتقد ديباجته ضمنياً «الأمم المتحدة» عبر تأكيد أنه على «مجلس السلام» التحلي «بالشجاعة للتخلي عن مقاربات ومؤسسات فشلت، في كثير من الأحيان».

وقد أثار ذلك استياء عدد من القادة أبرزهم الرئيسان؛ الفرنسي إيمانويل ماكرون، والبرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، اللذان دعوا، في وقت سابق من الأسبوع، إلى تعزيز «الأمم المتحدة»؛ في رد على دعوة الرئيس الأميركي.

استياء

من جهته، جدد وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني تأكيد أن بلاده لن تنضم إلى «مجلس السلام» بسبب معوقات دستورية «لا يمكن تجاوزها».

وقال تاياني، السبت، لوكالة أنسا الإيطالية: «لا يمكننا المشاركة في مجلس السلام بسبب قيود دستورية»، إذ إن الدستور الإيطالي لا يسمح بالانضمام إلى منظمة يقودها زعيم واحد.

ويوم الجمعة، اتهم الرئيس البرازيلي نظيره الأميركي البالغ 79 عاماً بأنه يريد أن ينصب نفسه «سيداً» لـ«أمم متحدة جديدة».

ودافع لولا عن التعددية في وجه تقدم «الأحادية»، مُعرباً عن أسفه لأن «ميثاق الأمم المتحدة يجري تمزيقه».

وأعلن دونالد ترمب إنشاء «مجلس السلام» في منتدى دافوس بسويسرا في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ووفق ميثاقه، فإن الرئيس الجمهوري يسيطر على كل شيء، فهو الوحيد المخوَّل بدعوة القادة الآخرين، ويمكنه إلغاء مشاركتهم، إلا في حال استخدام «أغلبية ثلثي الدول الأعضاء حق النقض».

وتتسبب نقاط أخرى في استياء قادة آخرين، من بينها أن النص لا يذكر غزة صراحةً، والرسوم الباهظة للانضمام إليه، إذ يتعين على الدول الراغبة في الحصول على مقعد دائم بـ«مجلس السلام» أن تدفع رسوماً مقدارها مليار دولار.


ماسك: «سبيس إكس» ستبني مدينتين على القمر والمريخ

وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي» في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الصناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي» في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الصناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
TT

ماسك: «سبيس إكس» ستبني مدينتين على القمر والمريخ

وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي» في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الصناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي» في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الصناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)

قال الملياردير إيلون ماسك إن شركة «سبيس إكس» حولت تركيزها إلى بناء «مدينة ذاتية النمو» على سطح القمر، مشيرا إلى أن من الممكن تحقيق ذلك خلال أقل من 10 سنوات.

وأضاف ماسك في منشور على إكس «ومع ذلك، ستسعى سبيس إكس أيضا إلى بناء مدينة على المريخ والبدء في ذلك خلال فترة من خمس إلى سبع سنوات، لكن الأولوية القصوى هي تأمين مستقبل الحضارة، والقمر هو الطريق الأسرع».

كانت صحيفة وول ستريت جورنال قد ذكرت يوم الجمعة نقلا عن مصادر أن «سبيس إكس» أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولا وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقا، مستهدفة مارس (آذار) 2027 للهبوط على القمر بدون رواد فضاء. وقال ماسك العام الماضي إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد من الصين في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يذهب إليه أي إنسان منذ آخر مهمة مأهولة ضمن برنامج أبولو الأميركي في عام 1972.

تأتي تعليقات ماسك بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي» في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الصناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة غروك. وتقدر قيمة شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة شركة الذكاء الاصطناعي 250 مليار دولار.