تجربة نزوح قاسية يواجهها مئات الآلاف من الغزيين

قصة يرويها نازح من مدينة غزة

TT

تجربة نزوح قاسية يواجهها مئات الآلاف من الغزيين

فلسطينيون يتفقدون الدمار الناجم عن هجوم إسرائيلي بمخيم النصيرات للاجئين بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يتفقدون الدمار الناجم عن هجوم إسرائيلي بمخيم النصيرات للاجئين بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)

في ساعة مبكرة من صباح يوم صيفي حار، انطلق الغزي أحمد الشنطي (56 عاماً) في رحلة نزوح جديدة، نحو مصير مجهول لا يعلم عنه شيئاً؛ فقد كان مجبراً على ترك منزله في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تحت نار القصف الجوي والمدفعي.

وبدأ الشنطي رحلة بحث شاقة عن مكان يؤويه وعائلته المكونة من 16 فرداً، ويوفر لهم ولو قدراً بسيطاً من الأمن والأمان.

كان عثوره، هو ومئات الآلاف غيره من سكان مدينة غزة، على مأوى ينجيهم من جحيم الصواريخ والعربات العسكرية المفخخة أشبه بالمعجزة، بينما تدمر العملية العسكرية الإسرائيلية المكثفة ما تبقى من المدينة، مع تركيز الهجمات على الأحياء المكتظة بالسكان والنازحين وعلى ما بقي من مبانٍ سكنية.

دخان يتصاعد جراء ضربات إسرائيلية بقطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

ورغم النزوح المتكرر، كانت هذه المرة هي الأقسى على أهالي مدينة غزة الذين تركوا منازلهم من قبل ولاذوا بوسط القطاع وجنوبه، ثم تنقلوا بعدها مرتين على الأقل، في حين نزح آخرون داخل المدينة نفسها، هرباً مما يحدق بهم من خطر داهم.

«عجز وقهر»

يروي الشنطي تجربة نزوحه الجديدة، ويقول: تمثلت فيها «كل معاني العجز والقهر».

ويستطرد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، فيقول: «كل من مر بهذه التجربة واجه ظروفاً لم يرها من قبل».

ففي نزوحه الأول إلى رفح أقصى جنوب القطاع، مع بدايات الاجتياح البري في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023، خرج من منزله تحت القصف مجبراً، لكنه لم يحمل معه سوى بعض الملابس البسيطة، على أمل العودة قريباً.

لم يكن يعرف أن البُعد سيطول لأكثر من عام، فارق فيها بيته ومدينته قبل أن يعود إليها ويقيم في منزله المتضرر جزئياً.

غير أن النزوح هذه المرة مختلف، فهو يترك بيته وهو يخشى تدميره بعد أن لجأت القوات الإسرائيلية في الأشهر الماضية لسياسة نسف وتفجير ممنهجة لا تترك فيها مبنى على حاله.

يحمل النازحون معهم هذه المرة أمتعتهم، لا يعلمون متى سيعودون، أو حتى إن كانوا سيعودون أصلاً، وسط حملة تدمير لا تُبقي ولا تذر. يخرجون من المدينة، منهكين نفسياً وجسدياً ومادياً، لا يملكون المال للانتقال، وإن وجدوه فالمركبات المهترئة تزيد من قسوة النزوح، وأسعار النقل طاحنة، ولا أماكن متوافرة لاستقبال النازحين؛ فإن توفرت فالإيجار باهظ، حتى ولو كانت المساحة المنشودة مجرد أرض قاحلة.

مركبات متهاوية محملة بأمتعة النازحين من مدينة غزة (الشرق الأوسط)

يقول الشنطي: «منذ قررت أنا وعائلتي النزوح، صُدمنا من هول أعداد النازحين الذين ينتظرون دوراً طويلاً حتى يجدوا مركبة تنقلهم وأمتعتهم إلى جنوب القطاع».

ويستطرد: «بقيت أبحث عدة أيام عن مركبة قادرة على نقلنا دون مشاكل، فغالبية المركبات المتوفرة مهترئة وتتعطل في الطريق. واجهنا صعوبات بسبب الطلب الشديد على المركبات. وبعدما وصلت إلى أحد السائقين، طلب مني الانتظار 3 أيام حتى يحل دوري. وبعد هذه المدة، وعند موعد الانطلاق، فوجئت أنه حدد لحظة وصوله عند الثانية فجراً، ثم أجَّل الوقت بسبب ظروف الازدحام إلى السادسة صباحاً. وبعدما حمَّلنا أمتعتنا، تحركنا من مخيم الشاطئ في السابعة».

الزحام شديد والأسعار «فلكية»

وبمرارة يمضي الشنطي في روايته: «كان الطريق مزدحماً جداً بأعداد المركبات التي تنقل المواطنين. استمرت رحلتنا أكثر من 8 ساعات ونصف الساعة، انطلاقاً من مخيم الشاطئ وصولاً إلى تبة النويري غرب مخيم النصيرات وسط قطاع غزة؛ ثم مضت ساعة أخرى حتى وصلنا إلى منطقة مواصي القرارة شمال خان يونس جنوب القطاع».

كان الزحام شديداً لكثرة أعداد النازحين وعدد المركبات التي تمر من طريق الرشيد الساحلي والوحيد المخصص للنزوح، إلى جانب تعطل كثير من العربات، مما زاد من التكدس ومن تأخر الحركة.

ورغم كل هذه الصعوبات، يرى الشنطي أن الحظ حالفه حين تمكن من إيجاد مكان ينزح إليه بعدما نجح نجله البكر في ذلك بعد رحلة ذهاب وإياب استمرت عدة أيام للبحث عن مكان في خان يونس.

نجح هو، لكنّ كثيرين غيره لم ينجحوا.

نازحون من شمال غزة يتجهون جنوباً يوم الخميس (رويترز)

وما إن وصل الشنطي إلى قطعة الأرض التي تبلغ مساحتها نحو 500 متر، التي استأجرها مقابل 1000 شيقل شهرياً (ما يعادل نحو 300 دولار)، حتى واجه عقبات أخرى تتمثل في إيجاد الخشب ولوازم إقامة مأوى على الأرض المفتوحة، أو الخيام الجاهزة التي لا تتوافر بسهولة، فإن توافرت كانت بأثمان باهظة.

ويتراوح ثمن الخيمة من 2000 إلى 3500 شيقل (من 600 إلى 1045 دولاراً)، في حين يصل سعر متر الخشب الواحد إلى 90 شيقلاً (27 دولاراً). أما سعر الشادر الذي تبلغ مساحة نحو 4 في 6 أمتار فيصل إلى 600 شيقل (نحو 180 دولاراً)، ويصل ثمن تركيبها لما يقرب من 2000 شيقل (نحو 600 دولار).

ويقول الشنطي: «هذه أسعار فلكية لم تكن في موجة النزوح الأولى، لكن حالياً تجار الحروب يستغلون الظروف القاسية التي نعيشها، ويبيعون ما يتوفر لديهم من مواد وما يُسرق من مساعدات مثل الشوادر والخيام ويبيعونها بهذه الأثمان الباهظة».

ويشير إلى أن التجار يشترطون البيع بالسيولة النقدية والتي لا تتوفر لدى السكان، وفي حال استطاع المواطن توفيرها من بعض التجار كان المقابل دفع عمولة تصل إلى 40 في المائة، ومن ثم تكون التكلفة الإجمالية كبيرة جداً، لمجرد العيش في مكان بأبسط مقومات الحياة.

أما توفير المياه في المكان الجديد فمأساة أخرى يضطر فيها أبناء الشنطي للسير يومياً لمسافة ليست بالقليلة، ثم الاصطفاف في طابور طويل لأكثر من ساعة، من أجل الحصول على 22 لتراً من المياه الصالحة للشرب، وعلى نحو 200 لتر من المياه المخصصة للاستخدام الآدمي، كل يومين.

فلسطينيون يجلبون مياهاً بمنطقة الزوايدة بوسط قطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

يقول: «نعاني ظروفاً قاسية لتوفير أبسط مقومات الحياة. بعدما استقررنا نسبياً في منازلنا التي عدنا لها بعد الهدنة الأولى في يناير (كانون الثاني) الماضي، ها نحن نعود للمعاناة من جديد في ظروف مريرة».

النزوح سيراً

وبينما ابتسم الحظ قليلاً للشنطي عندما تمكن من إيجاد مركبة تنقله وعائلته وأمتعته للجنوب، اضطرت عوائل كثيرة للسير على الأقدام من مدينة غزة وصولاً إلى وسط القطاع، وقطع مسافة لا تقل عن ستة كيلومترات من ميناء غزة وحتى تبة النويري بالنصيرات، في رحلة قاسية امتدت لأكثر من ست ساعات، حاملين فيها أهم الأمتعة التي تخصهم وأبناءهم.

وهناك من الأسر من أمضى ساعات أطول لقطع مسافات أكبر.

من بين هؤلاء سامي النجار (32 عاماً)، وهو من سكان حي الشيخ رضوان بشمال مدينة غزة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه تناوب هو وزوجته على حمل أمتعتهما وأطفالهما الثلاثة في رحلة النزوح من الحي إلى مخيم النصيرات بعدما فشلوا في إيجاد مركبة تقلهم بأسعار في متناولهم.

وكثيراً ما اضطر النجار وعائلته للجلوس على قارعة الطريق بعدما خرجوا من غزة في وقت مبكر من الصباح طمعاً في تجنب ساعات ذروة الزحام.

بالكاد تمكن النجار من العثور على قطعة أرض مفتوحة مساحتها 60 متراً، دفع مقابل استئجارها ما يقرب من 150 دولاراً، وسط ظروف قاسية في توفير المياه والطعام بسبب بُعد الأسواق وغلاء الأسعار.

ورغم هذا، كانت أيضاً حالته أفضل من غيره ممن لم يجدوا أي مكان يضمهم.


مقالات ذات صلة

«لقاء القاهرة» المرتقب... تحركات جديدة للوسطاء لمنع انهيار «اتفاق غزة»

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون يشقون طريقهم بين أنقاض المباني في مخيم الشاطئ للاجئين (أ.ف.ب)

«لقاء القاهرة» المرتقب... تحركات جديدة للوسطاء لمنع انهيار «اتفاق غزة»

تتجه الأنظار نحو لقاء مرتقب يجمع «حماس» بالوسطاء في القاهرة، وسط تحذيرات الحركة من «انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة»، عقب تصعيد إسرائيلي.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي فلسطينيات وسط دمار مبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة الجمعة (د.ب.أ)

غزة تعيش ليلة جديدة من ليالي الحرب

عاش سكان قطاع غزة ليلة عصيبة، مساء الخميس وفجر الجمعة، بعد سلسلة من الغارات الجوية التي أعادت مشاهد الحرب.

المشرق العربي «الشرق الأوسط» تنشر رسالة «حماس» للوسطاء ولقاء مرتقب في القاهرة

«الشرق الأوسط» تنشر رسالة «حماس» للوسطاء ولقاء مرتقب في القاهرة

أرسلت «حماس» الوثيقة للوسطاء في مصر، ووجهت منها نسخة لقطر وتركيا، وعبر تلك الدول نقلت لجهات أخرى منها «مجلس السلام» والإدارة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا وزير الخارجية ​الفرنسي جان نويل بارو (رويترز) p-circle

باريس تطالب بتحقيق في معاملة فرنسيين شاركوا بأسطول دعم غزة

كشف وزير الخارجية ​الفرنسي جان نويل بارو اليوم الجمعة أن فرنسا طلبت أن يحقق ‌المدعي العام ‌في معاملة ​الفرنسيين ‌الذين ⁠شاركوا ​في أسطول ⁠مساعدات لغزة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو: أمرت الجيش بالسيطرة على 70 % من قطاع غزة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخميس، إنه أمر الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على 70 في المائة من قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

أعلن ​الاتحاد الأوروبي، اليوم (الجمعة)، فرض عقوبات إضافية على حركتي ‌«حماس» ​و«الجهاد ‌الإسلامي» ⁠في ​فلسطين.

وجاء في بيان للاتحاد: «قرّر ⁠الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق إجراءاته التقييدية ⁠المتعلقة بـ(حماس) ‌وحركة (الجهاد ‌الإسلامي) ​في ‌فلسطين ‌لتشمل أيضاً أعضاء المكتب السياسي لـ(حماس)، الذين ‌يروجون لأعمال العنف ويدافعون عنها ⁠ويبررونها».

ويأتي ⁠هذا الإجراء بعد يوم من فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بعض ​المستوطنين ​الإسرائيليين.


إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان، الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مشارف الأراضي اللبنانية المحتلة، توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وعبور قواته نهر الليطاني، فيما قال رئيس الأركان إيال زمير إن «الخط الأصفر لا يقيّدنا»، وإن جيشه سيعمل «في كل مكان نرصد فيه تهديداً».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة الجمعة، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله عرض للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأكد الرئيس عون، خلال الاتصال، ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الوزير روبيو «جدّد التزام الإدارة الأميركية بالاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، كما دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقّه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره».

نتنياهو

وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، بمطلب لبناني حاسم بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية إن «القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضد (حزب الله) في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي «يعمل دون توقف على مختلف الجبهات».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «عبرت نهر الليطاني وتجاوزته»، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله» ضمن ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير خلال زيارته جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

تخطي الخط الأصفر

بالموازاة، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييماً للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في هار دوف (مزارع شبعا المحتلة) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالاً وغرباً في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، حسبما قال الجيش الإسرائيلي، في بيان.

وقال زمير: «هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضد (حزب الله)، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصناً لـ(حزب الله)، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة». وتابع: «الخط الأصفر لا يقيّدنا، في كل مكان نرصد فيه تهديداً وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور. كل ضربة لـ(حزب الله) هي أيضاً ضربة للمحور الإيراني والاستثمار الإيراني في المنطقة. نحن مستعدون لأي تطور، ونحافظ على جاهزية عالية أيضاً في مواجهة إيران».

وقال زمير إن «هدفنا واضح، تعميق ضرب (حزب الله)، وإبعاد التهديد، وتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال. هذا هو الهدف المركزي الذي يوجّه كل عمل وكل قرار. حتى في هذه اللحظات قواتنا تتقدم وتعمل. كل إنجاز إضافي على الأرض يعزز أمن السكان ويساهم في خلق ظروف أفضل لترتيبات أمنية مستقبلية محسّنة من موقع قوة».

وإذ أعلن عن قتل 7500 مقاتل في «حزب الله»، بينهم 2500 منذ بدء الحرب الحالية، قال إن «تهديد الطائرات المسيّرة هو تحدٍ، لكننا سننتصر عليه. ساحة المعركة ليست نظيفة، ولن تكون كذلك، لكننا نستثمر فيها أفضل الموارد والعقول والقدرات في جيش الدفاع»، لافتاً الى «حلول عملياتية وتكنولوجية في مراحل التطوير والتطبيق، وسنواصل إدخالها إلى ساحة المعركة بسرعة».

قلق بريطاني

ويثير التصعيد الإسرائيلي قلقاً دولياً. وقال السفير البريطاني لدى لبنان هاميش كول: «نحن قلقون جداً إزاء الوضع في جنوب لبنان»، لافتاً إلى مقتل مدنيين، بينهم مسعفون، وهدم القرى والبنى التحتية المدنية والمخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية العالمية.

وقال، في تصريح: «هناك حاجة ماسة إلى خفض التصعيد، كما على الأطراف جميعهم احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقانون الدولي الإنساني».

وتابع: «تُشكل المحادثات بقيادة الولايات المتحدة فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، وهو السبيل الوحيد الذي يُمكّن المجتمعات على جانبي الحدود من العودة بثقة إلى العيش بسلام. وستعمل المملكة المتحدة مع شركائها على دعم إنهاء هذا الصراع غير المرغوب فيه وغير الضروري بشكل دائم».

تداعيات إنسانية

ومع توسع الحرب، رفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، مستوى التحذير من التداعيات الإنسانية للتصعيد، معتبراً أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر للأعمال العدائية وأوامر التهجير.

وقال ريزا إن أوامر الإخلاء الواسعة وغير الواضحة في صور والنبطية ومناطق جنوب الزهراني تسببت بحالة واسعة من الذعر والمعاناة، وأجبرت أعداداً كبيرة من العائلات على النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.

وأشار إلى أن القطاع الصحي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، موضحاً أن 182 هجوماً استهدفت مرافق وعاملين صحيين منذ الثاني من مارس (آذار)، وأسفرت عن مقتل 125 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 311 آخرين.

وأضاف أن مراكز الإيواء بلغت طاقتها القصوى، فيما لا تزال المدارس تُستخدم لاستضافة النازحين، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم.

صورة مركبة لغارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالتوازي مع التحذيرات الإنسانية، حذّر وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة من المخاطر التي تهدد مواقع أثرية أساسية في لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية.

ودعا سلامة منظمة «اليونيسكو» إلى تعيين مفوض خاص، وإرسال لجنة تحقيق لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، فور التوصل إلى هدنة، مشيراً إلى أن لبنان وضع إشارات الحماية الدولية الخاصة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن القصف استمر رغم ذلك.


مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.