الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»

مخططات طموحة لبناء نظم مطوّرة

الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»
TT

الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»

الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»

لم يُبدِ سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، أي تردد إزاء كشف مدى استعداد شركته للإنفاق في خضم مساعيها لبناء الذكاء الاصطناعي.

وقال ألتمان حديثاً: «يجب أن تتوقعوا أن تنفق (أوبن إيه آي) تريليونات الدولارات على أعمال مثل بناء مراكز البيانات في المستقبل القريب»، في إشارة إلى المرافق الحوسبية الضخمة، التي تشغّل تقنيات الذكاء الاصطناعي لدى الشركة.

فما هذا الشيء والعمل على وجه التحديد؟ هل أن الشركات بصدد بناء نظام ذكاء اصطناعي ذكي مثل البشر؟ أم «آلة أقرب إلى قدرات الآلهة» قد تغيّر العالم إن لم تُدمّر البشرية أولاً؟

"تشات جي بي تي"

هل تعمل على نسخ محسَّنة من البرامج التي كانت تبيعها لعقود؟ هل يجري إنفاق كل هذه الأموال على خطة جريئة لإنشاء أصدقاء وهميين على الإنترنت وإعلانات أكثر فاعلية؟ أم أنها فقط تخشى أن يفوتها ما يفعله الآخرون؟

رؤى بين الخيال والحقيقة

إليك نظرة على الرؤى المختلفة، التي تتنوع بين ما يمكن تحقيقه والخيالية، ولماذا يسعون خلفها:

* الوعد - محرك بحث أفضل: تشبه روبوتات الدردشة محركات البحث إلى حد كبير، إلا أنها تولد إجابات بلغة إنجليزية واضحة، بدلاً من إيراد قائمة روابط زرقاء.

ويمكن أن يكون هذا أسلوباً أسرع وأسهل وأكثر بديهية للإجابة عن الأسئلة، رغم أن روبوتات الدردشة كثيراً ما تخطئ أو حتى تفبرك المعلومات.

- لماذا يطورونه؟ يُعد محرك بحث «غوغل» العمل الأكثر ربحاً في صناعة التكنولوجيا. وإذا تمكنت الشركات من طرح طريقة أفضل للبحث عن المعلومات، فقد تهيمن على سوق تضم مليارات الأشخاص.

- ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ يستخدم مئات الملايين من الأشخاص روبوتات الدردشة بالفعل لجمع المعلومات. وتشير الأرقام أن أكثر من 700 مليون شخص يستخدمون «تشات جي بي تي» كل شهر.

ومع ذلك، فإن جني أرباح من هذه التكنولوجيا لا يخلو من تحدّ؛ فتكلفة تشغيل روبوت دردشة أعلى بكثير من تشغيل موقع ويب عادي. كما أن التكنولوجيا لا تتماشى بسهولة مع أسلوب الربح المجرّب عبر محركات البحث، أي الإعلانات الرقمية.

من جهتها، تبيع «أوبن إيه آي» نسخة من «تشات جي بي تي»، مقابل 20 دولاراً شهرياً. وحسب الشركة، فإن هذا السعر يغطي تكلفة تشغيله على الأقل. ومع ذلك، فإن المشتركين فيه لا يمثلون سوى أقل من 6 في المائة من مجمل مستخدمي «تشات جي بي تي» الحاليين.

أما النسخة المجانية، فلا تزال تمنى بخسائر، خاصة أن «أوبن إيه آي» لم تبدأ بعد في تجربة الإعلانات. في المقابل، نجد أن «غوغل» تجني 54 مليار دولار من إيرادات الإعلانات كل ربع سنة من محرك بحثها، الذي يستخدمه نحو ملياري شخص يومياً.

أدوات انتاجية

* الوعد - أدوات تجعل موظفي المكاتب أكثر إنتاجية (وربما تحل محلهم): لا تقتصر تكنولوجيا «تشات جي بي تي» على الإجابة عن الأسئلة فقط، بل هي أداة يمكن أن تساعد الأشخاص على الاضطلاع بوظائفهم. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب البرامج، ويلخّص الوثائق والاجتماعات، ويصوغ رسائل البريد الإلكتروني، بل ويستخدم تطبيقات برمجية أخرى، مثل الجداول والرزنامات الإلكترونية.

لماذا يطورونه؟ يعتقد المسؤولون التنفيذيون في مجال التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغيّر عالم الأعمال، مع دخوله إلى مكاتب المحاماة، والمستشفيات، وغرف الأخبار، وغيرها. وتجني شركات مثل «مايكروسوفت» و«أوبن إيه آي» بالفعل إيرادات ضخمة من بيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يمكنها توليد برامج حاسوبية.

من جهتها، تخطط «أمازون»، و«غوغل»، و«ميتا»، و«مايكروسوفت»، و«أوبن آي إيه» لإنفاق أكثر من 325 مليار دولار هذا العام على بناء مراكز بيانات ضخمة، أي ما يزيد بمقدار 100 مليار دولار عن الميزانية السنوية لبلجيكا.

وبمرور الوقت، من المتوقع أن يجري استخدام نحو 10 في المائة من هذه البنية التحتية لبناء تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما يُخصص 80 إلى 90 في المائة منها لتقديم هذه التقنيات إلى العملاء، حسب الرئيس التنفيذي لـ«أمازون»، آندي جاسي.

من جهتها، تعكف «أمازون» على تشييد مجمع ضخم لمراكز البيانات في ولاية إنديانا، لصالح عملها مع شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة «أنثروبيك».

- ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ شرع كثير من الشركات بالفعل في تجربة الذكاء الاصطناعي، لكن طرحه بشكل واسع على مستوى قطاعات الاقتصاد الأميركي لم يحدث بعد. وما لم تواصل شركات، مثل «أمازون» و«غوغل» و«أوبن آي إيه» تحسين هذه التقنيات، فقد يكون تبني الذكاء الاصطناعي أبطأ من المتوقَّع.

وتكشف الأرقام أن نحو 8 من كل 10 شركات شرعت في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن العدد ذاته تقريباً أفاد بأنه «لم يعاين تأثيراً ملحوظاً على النتائج النهائية»، حسب دراسة أجرتها شركة «مكنزي آند كمباني».

في هذا الصدد، أوضحت ساشا لوشيوني، باحثة في شركة «هغينغ فيس» الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، أنه «سيبدأ هذا الوضع القائم في التداعي، فالمبالغ التي يجري إنفاقها لا تتناسب مع العائدات».

نظارات ميتا راي بان

مساعد متعدد الاستخدامات

* الوعد - مساعد متعدد الاستخدامات: علاوة على ما سبق، تدمج شركات التكنولوجيا تقنيات شبيهة ببرامج الدردشة الآلية في مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات الاستهلاكية، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعمل كمساعد رقمي يظهر أينما دعت الحاجة.

من ناحيتها، تضيف شركة «ميتا» هذه التكنولوجيا إلى نظارتها الذكية؛ ما يسمح للناس بتحديد المعالم في أثناء سيرهم في الشارع، وترجمة لافتات الشوارع عند زيارتهم دولاً أجنبية. أما «أمازون»، فتنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لتحسين كل شيء، بدءاً من مواقع التسوق الخاصة بها ووصولاً إلى مساعدها الصوتي «أليكسا».

-لماذا يطورونه؟ إذا بدأت باستخدام مساعد رقمي، فإن الشركة التي تقف وراء هذا الروبوت لديها طرق أكثر لجذب انتباهك، وفي النهاية، كي تبيعك منتجاتها.

لذا، تضيف هذه الشركات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى أكبر عدد ممكن من الأجهزة والخدمات عبر الإنترنت، على أمل التحكم في طريقة استخدامك للإنترنت. وقال روهيت براساد، نائب رئيس شركة «أمازون»: «سيتغير كل شيء مع الذكاء الاصطناعي».

-ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ جدير بالذكر هنا أن «أمازون» أضافت الذكاء الاصطناعي إلى جهاز «أليكسا» المنزلي. كما أضافت: «ميتا» الذكاء الاصطناعي إلى نظارات «راي بان» الذكية. حتى الآن، لا تزال نظارات الذكاء الاصطناعي من «ميتا» منتجاً محدوداً يستخدمه بضعة ملايين من الناس. وتتميز «أليكسا»، من «أمازون»، بشعبية أكبر بكثير، لكن جمهورها لا يزال صغيراً مقارنة بجميع أجهزة الكومبيوتر والهواتف في العالم.

ومنذ إطلاقها للمرة الأولى قبل أكثر من عقد، عانت «أليكسا» من خسائر مالية، خصوصاً أنه جرى استخدامها بشكل أساسي لإثراء منتجات وخدمات أخرى.

اليكسا بالذكاء الاصطناعي

وعندما أعادت «أمازون» تشغيل «أليكسا» بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الجديدة، أتاحت الترقية مجاناً لأي شخص يدفع مقابل الاشتراك بالبرنامج المميز. وربما يزيد الذكاء الاصطناعي من شعبيته، لكن من غير المرجح أن تتحول إلى مصدر ربح في أي وقت قريب.

رفقة الذكاء الاصطناعي

* الوعد - أصدقاء الذكاء الاصطناعي: بدأت «ميتا» وشركات ناشئة مختلفة، بينها «كاراكتر إيه آي» و«إكس إيه آي»، التابعة لإيلون ماسك، في تقديم روبوتات ذكاء اصطناعي، تتيح نمطاً جديداً من الرفقة. ويمكن للناس التفاعل مع هذه الروبوتات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بنفس الطريقة التي يتفاعلون بها مع الأصدقاء. في هذا الصدد، قال زوكربيرغ في مقابلة «بودكاست» حديثة: «يرغب الشخص العادي في تواصل أكبر مما هو متاح لديه».

-لماذا يُطوّرون هذا؟ يتولى كل من زوكربيرغ وماسك الإشراف على شبكات تواصل اجتماعي، وقد يفرضان رسوماً مقابل الأصدقاء الافتراضيين الذين يتيحانهم. ويُقدّم ماسك برامجه الروبوتية من خلال خدمات اشتراك بتكلفة 300 دولار شهرياً.

وربما تتقاضى «ميتا» كذلك رسوم اشتراك مقابل الأصدقاء الافتراضيين، تماماً كما تفعل «أوبن إيه آي» مع «تشات جي بي تي»، رغم أن «ميتا» لطالما فضّلت زيادة إيرادات الإعلانات، من خلال إبقاء المستخدمين على مواقع مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتس آب» (تُطبّق الشركة الذكاء الاصطناعي في هذا المجال كذلك. وقد وجدت «ميتا» أخيراً أن احتمالية نقر المستخدمين على الإعلانات المُنشأة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة تزيد بنسبة 7 في المائة تقريباً).

-ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ اللافت أن بعض الناس يعاملون برامج الدردشة الروبوتية باعتبارهم أصدقاء بالفعل. ومع ذلك، بدأت رفقة الذكاء الاصطناعي تُواجه انتقادات لاذعة؛ فهذه التقنيات قد تُبعد الناس عن العلاقات الإنسانية وتدفعهم نحو سلوكيات وهمية مُقلقة. ولا يزال أمامها سنوات قبل أن تصبح سوقاً واعدة، وهي مجرد سيناريو واحد من سيناريوهات عديدة تستكشفها الشركات.

ويُشبّه بعض المراقبين ما يفعله المسؤولون التنفيذيون في قطاع التكنولوجيا بمحاولة خداع منافسيهم، ليسبقوهم في الوصول إلى التكنولوجيا الكبرى التالية. في هذا الصدد، قال ديفيد كاهن، الشريك في شركة «سيكويا» لرأس المال الاستثماري في «وادي السيليكون»: «تكمن هذه القوة الهائلة في أيدي عدد قليل للغاية من الأشخاص، وهم يلعبون لعبة شطرنج تخلف آثارها علينا جميعاً».

إنجازات علمية

* الوعد - الإنجازات العلمية: يعتقد داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، من أبرز منافسي «أوبن إيه آي»، أنه في غضون بضع سنوات (ربما العام المقبل) سيُصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة «مجتمع من العباقرة داخل مركز بيانات»، قادر على العمل معاً لحل أكبر المشكلات العلمية التي يجابهها مجتمعنا.

- لماذا يطورونه؟

يعتقد خبراء التكنولوجيا، مثل أمودي، أن هذا النوع من التكنولوجيا سيُغير الحياة كما نعرفها. وفي العام الماضي، في مقال مؤلف من 14000 كلمة، قال إن الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يُعالج السرطان، ويُنهي الفقر، بل ويرسي أسس السلام العالمي. وتوقع أنه في غضون عقد، سيُضاعف الذكاء الاصطناعي متوسط عمر الشخص العادي إلى 150 عاماً.

-والآن، ما مدى قرب هذا التوقع من الواقع؟ ليس من الواضح كيف سيجري بناء هذه التقنيات، أو حتى إن كانت ممكنة.

من جهته، صرح جيمس مانيكا، نائب رئيس شركة «غوغل» لشؤون الأبحاث والمختبرات والتكنولوجيا والمجتمع، بأنه في ظل سعي «غوغل» لتحقيق أهداف أسمى، ستُطوّر تقنيات يُمكن استخدامها فوراً. وعلى سبيل المثال، أشار إلى «ألفافولد» (نظام طورته «غوغل» يُمكن أن يُساعد في تسريع اكتشاف الأدوية بطرق بسيطة ومهمة، ونال حديثاً جائزة نوبل في الكيمياء).

في الوقت ذاته، يهدف مشروعٌ فرعي من «غوغل» يُسمى «إيسومورفيك لابس»، إلى جني الأموال من خلال مساعدة شركات الأدوية على استخدام هذا النوع من التقنيات.

مراكز بيانات "امازون"

نظم «ذكاء بشري»

* الوعد - ذكاء اصطناعي بذكاء بشري، أو أذكى: أوضح مسؤولون تنفيذيون مثل زوكربيرغ وديميس هاسابيس، رئيس مختبر أبحاث «ديب مايند»، التابع لـ«غوغل»، أن شركاتهم تسعى إلى تحقيق الذكاء الاصطناعي العام artificial general intelligence A.G.I، ويقصد به آلة يُمكن أن تُضاهي قدرات الدماغ البشري، أو تكنولوجيا أكثر قوة تُسمى الذكاء الفائق.

-لماذا يطورونه؟ يصرّ الكثير من خبراء التكنولوجيا على تحقيق أكبر هدف يمكن تخيله: الذكاء الفائق. وقد سعى هؤلاء الخبراء بالفعل وراء هذا الحلم منذ خمسينات القرن الماضي.

-ما مدى قرب ذلك من الواقع؟ بوجه عام، يصعب تحديد ماهية مصطلحات، مثل الذكاء الاصطناعي العام والذكاء الفائق. في الواقع، لا يتفق العلماء حتى على تعريف الذكاء البشري.

المؤكد أن بناء آلة تُضاهي قدرات الدماغ البشري لا يزال على بُعد سنواتٍ طويلة، ربما عقودٍ أو أكثر.

وحتى هذه اللحظة، لم يُحدد أحدٌ كيف ستجني الشركات المال من وراء هذا النوع من التكنولوجيا. وفي الوقت الذي تُنفق شركات التكنولوجيا مئات المليارات على مراكز بيانات جديدة، فإنها تُخاطر.

ويقف خلف هذه القفزة نفسُ المزيج الذي يُحرك في الغالب أقطاب «وادي السيليكون»، حسبما شرح أورين إتزيوني، الرئيس التنفيذي المؤسس لـ«معهد ألين للذكاء الاصطناعي»: الجشع والغرور والخوف من التعرض للإطاحة عبر اختراق غير متوقع. وأضاف إتزيوني: «لو طُلب مني أن أُجيب بكلمة واحدة، لكانت: (الخوف من إهدار الفرصة)».

في الواقع، فإن الخوف من إهدار الفرص ليس بالأمر الهيّن. وقال ألتمان إنه في الوقت الذي يسعى هو ومنافسوه لتحقيق هذه الأهداف النبيلة، قد يُفرط بعض المستثمرين في الإنفاق.

وقد يُطوّر الباحثون سبلاً لبناء الذكاء الاصطناعي باستخدام أجهزة أقل بكثير. وقد لا يرغب الناس في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تُطوّرها هذه الشركات. وربما تتباطأ وتيرة التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي على مدى السنوات القليلة الماضية، أو حتى يُواجه عقبات. وربما يحدث تحولاً في الاقتصاد بأكمله لأسباب غير ذات صلة.

وعن ذلك، قال ألتمان: «سينطفئ وهج بعض منافسينا، وسيُحقق البعض الآخر نجاحاً باهراً، وهكذا تعمل الرأسمالية. أظن أن أحدهم سيخسر أموالاً هائلة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«كوالكوم» و«أمازون» تبرمان صفقة بـ4 مليارات دولار لتصنيع رقائق لمراكز بيانات

الاقتصاد شعار شركة «كوالكوم» في المؤتمر العالمي للجوال (MWC) في شنغهاي بالصين (رويترز)

«كوالكوم» و«أمازون» تبرمان صفقة بـ4 مليارات دولار لتصنيع رقائق لمراكز بيانات

أصدرت «كوالكوم» ضماناً لشركة «أمازون»، يمنحها الحق في شراء حصة بقيمة 4 مليارات دولار تقريباً، وذلك في إطار تعاون لتطوير رقائق مخصصة لمراكز البيانات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «إيه إس إم إل» على أحد مكاتبها في فيلدهوفن (رويترز)

«إيه إس إم إل» تبدأ بناء مجمع إنتاجي ضخم جديد في هولندا

بدأت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر شركة مصنعة لمعدات إنتاج رقائق الحاسوب في العالم، الثلاثاء، أعمال بناء مجمع إنتاجي ضخم جديد في هولندا.

«الشرق الأوسط» (آيندهوفن)
علوم هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

يشعل جدلاً جديداً حول معنى الذكاء

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
علوم خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

تعطيل الآلاف منها واحداً تلو الآخر في الخلايا التائية البشرية لمراقبة تأثير كل جين على الخلية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
الاقتصاد إعلانات لشركة «ميسترال إيه آي» معروضة داخل محطة مترو غراند سنترال في مدينة نيويورك (رويترز)

«ميسترال» الفرنسية للذكاء الاصطناعي تجمع 3 مليارات يورو وترفع قيمتها إلى 21 ملياراً

حققت شركة «ميسترال» قفزة جديدة في مسارها التوسعي، بعدما أعلنت جمع 3 مليارات يورو في جولة تمويلية وصفتها بأنها الأكبر من نوعها في قطاع التكنولوجيا الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا
TT

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

بعد انعدام قدرتهم على التنبؤ بموسم الإنفلونزا، العام الماضي، حين انتشر نوع جديد من الفيروس على نطاق واسع وبسرعة، يأمل خبراء الأمراض المعدية بحلول خريف وشتاء أكثر اعتدالاً هذا العام.

مؤشرات الانتشار... من أستراليا

نظر العلماء إلى دول مثل أستراليا، في نصف الكرة الجنوبي، بحثاً عن مؤشرات حول كيفية انتشار الإنفلونزا هذا العام. وكما يبدو فان الإنفلونزا تنتشر في تلك المناطق بمستويات معتدلة نسبياً، ويبدو أن لقاحات الإنفلونزا لهذا العام فعالة في مكافحة الفيروس، لكن من غير المؤكد ما إذا كان هذا سيتغير مع بدء موسم الإنفلونزا في نصف الكرة الشمالي.

وقال الدكتور سكوت روبرتس، الأستاذ المساعد للأمراض المعدية في كلية الطب بجامعة ييل، مؤكداً على كلمة «بحذر»: «أنا متفائل بحذر»، كما يطمئن الأطباء لوجود خيارات جديدة للتطعيم ضد الإنفلونزا، ولدخول عدد من الاختبارات المنزلية إلى السوق في السنوات الأخيرة.

أي لقاح تختار؟

تُجرى تعديلات سنوية على مجموعة متنوعة من خيارات التطعيم ضد الإنفلونزا لحماية المرضى من السلالات الأكثر انتشاراً. وتتوفر لقاحات الإنفلونزا التقليدية، التي تُعطى عن طريق الحقن في الذراع، في بعض الصيدليات وعيادات الأطباء. ويمكن إعطاؤها لأي شخص يبلغ من العمر 6 أشهر فأكثر. وقد أظهرت الأبحاث أن هذه اللقاحات تُقلل من خطر زيارات الأطباء المرتبطة بعدوى الإنفلونزا بنسبة تتراوح بين 40 في المائة و60 في المائة.

تتوفر أنواع عديدة من هذه اللقاحات، بما في ذلك جرعة أعلى يوصي بها الأطباء للبالغين من عمر 65 عاماً فأكثر، لأنها تُحفز إنتاج مستويات أعلى من الأجسام المضادة لدى كبار السن.

لقاحات جديدة

كما وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية أخيراً على لقاح جديد بتقنية حمض «آر إن إيه- المرسال» mRNA، ومن المتوقع طرحه قريباً، على الرغم من أنه قد يكون أقل انتشاراً من اللقاح التقليدي.

وقد منحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية الموافقة الكاملة على هذا اللقاح للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاماً، ومنحت موافقة مُسرّعة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً؛ ما يعني أن الأشخاص في هذه الفئة العمرية سيتمكنون من تلقي اللقاح حتى في الوقت الذي تستمر فيه الدراسات الإضافية. يعتقد العلماء أن اللقاح سيعزز مستويات الأجسام المضادة؛ ما يوفر حماية أقوى ضد الإنفلونزا.

يقول أندرو بيكوز، أستاذ علم الأحياء الدقيقة الجزيئية وعلم المناعة في كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة: «يُعدّ البدء بالتفكير في هذا اللقاح المُحسّن، الذي يوفر حماية إضافية بسيطة، في سن الخمسين، ليقي من الإصابة بمرض شديد، خياراً مناسباً».

احتمالات الآثار الجانبية للقاح الجديد

مع ذلك، قد يُسبب لقاح الإنفلونزا بتقنية mRNA عدداً أكبر من الآثار الجانبية الطفيفة مقارنةً باللقاح التقليدي، كما يقول سكوت هينسلي، عالم المناعة في جامعة بنسلفانيا، والذي عمل على تطوير لقاح الإنفلونزا بهذه التقنية.

لقاح بالأنف

يتوفر أيضاً لقاح FluMist، الذي يُعطى عن طريق الأنف، للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و49 عاماً، والذين لا يعانون من ضعف في جهاز المناعة، وليسوا من الحوامل. يُمكن إعطاء هذا اللقاح الذي يرسل الرذاذ في المنزل. ويميل لقاح FluMist إلى أن يكون أكثر فاعلية لدى الأطفال، على الرغم من أن العلماء ليسوا متأكدين تماماً من السبب، كما يقول بيكوز.

ويؤكد الأطباء أن جميع اللقاحات خيارات جيدة، وقال روبرتس: «القاعدة العامة التي ننصح بها دائماً هي: أياً كان اللقاح المُقدّم لك، اختره. أي لقاح أفضل من لا شيء».

من ينبغي تطعيمه؟

توصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) بتلقي جميع الأشخاص من عمر 6 أشهر فما فوق لقاح الإنفلونزا السنوي.

كما توصي المراكز بتلقي معظم الناس لقاح الإنفلونزا في سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول). ووقّع الرئيس دونالد ترمب مؤخراً أمراً تنفيذياً يقضي بإعطاء لقاح الإنفلونزا للأطفال فقط بعد استشارة الطبيب. ومع ذلك، لا يُغيّر هذا الأمر توصية المراكز القائمة.

الفحوصات والعلاجات المتاحة

من العوامل التي تميز الإنفلونزا عن غيرها من الفيروسات التنفسية ظهورها المفاجئ، فغالباً ما يصاب المرضى بحمى شديدة فجأة، وقد يعانون من أعراض مثل آلام العضلات، والقشعريرة، والإرهاق، والغثيان، والسعال، والتهاب الحلق.

عادةً ما تتحسن حالة المرضى في المنزل بالراحة، ولكن قد يصف الأطباء أدوية مضادة للفيروسات مثل «تاميفلو». وأوضح روبرتس أن هذه العلاجات «لن تكون مضمونة الشفاء»، لكنها قد تساعد المرضى على التعافي بشكل أسرع. مع ذلك، يجب تناول الدواء خلال 48 ساعة من بدء ظهور الأعراض. ​​كما يمكن للأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بأمراض خطيرة، الذين يعيشون مع شخص مصاب أو على اتصال دائم به، تناول «تاميفلو» كوقاية.

تتوفر فحوصات منزلية لتحديد ما إذا كنت مصاباً بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، أو الإنفلونزا، أو الفيروس المخلوي التنفسي. وتظهر نتائج هذه الفحوصات في غضون 15 دقيقة تقريباً. وأوصى روبرتس بإجراء الفحص مبكراً، خاصةً إذا كان الشخص أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة. قال: «إذا بدأت الأعراض بالظهور على شخص ما يوم الجمعة، وتفاقمت خلال عطلة نهاية الأسبوع، ثم أجرى فحصاً يوم الاثنين مثلاً، فإنه يكون قد فات الأوان لتلقي أي علاج».

ولكن نظراً لأن الأمر قد يستغرق بضعة أيام حتى يرتفع مستوى الفيروس في الدم إلى الحد الذي يُظهر نتيجة إيجابية، لذا ينصح الأطباء بإجراء فحص ثانٍ بعد بضعة أيام إذا استمرت الأعراض وكانت نتيجة الفحص الأول سلبية.

* خدمة «نيويورك تايمز».


جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
TT

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

​«لقد وصل الذكاء الاصطناعي العام»... بهذه الكلمات أعاد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» (NVIDIA)، في السادس من سبتمبر (أيلول) 2026، فتح واحد من أكبر الأسئلة في تاريخ الذكاء الاصطناعي.

فإذا كان «AGI» -أو الذكاء الاصطناعي العام- قد وصل بالفعل، فنحن لا نتحدث عن نموذج أسرع يكتب نصوصاً أفضل أو يحل مسائل أكثر تعقيداً؛ بل عن احتمال عبور الآلة عتبة ظل الباحثون لعقود يتساءلون عما سيحدث بعدها: متى يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة متخصصة، ويصبح ذكاءً قادراً على التعامل مع طيف واسع من المهام على نحو يقترب من الإنسان أو يتجاوزه؟

لكن هنا تبدأ المفارقة: إعلان الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام أسهل بكثير من إثباته. فحتى اليوم، لا توجد «شهادة علمية» لـ«AGI»، ولا اختبار عالمي متفق عليه يمكن أن نضع أمامه أحدث النماذج، ثم نقول بثقة: نعم، لقد عبرت الآلة الخط الفاصل.

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل وصل الذكاء الاصطناعي العام فعلاً؟ أم أن قدرات الآلة أصبحت تتقدم أسرع من قدرتنا على تعريف ما نسميه «الذكاء»؟

عندما يصبح تعريف الذكاء هو المشكلة

يرمز «AGI» إلى «الذكاء الاصطناعي العام» (Artificial General Intelligence)، ويُستخدم عادة لوصف نظام لا يتفوق في مهمة واحدة فقط؛ بل يستطيع التعلم والاستدلال والتكيف، وإنجاز طيف واسع من المهام بمستوى يقارب الإنسان أو يتجاوزه.

وقد عرَّفت شركة «أوبن أيه آي» (OpenAI) المفهوم سابقاً بأنه أنظمة شديدة الاستقلالية تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية.

لكن ما يبدو تعريفاً واضحاً للوهلة الأولى يفتح باباً لأسئلة أصعب: ما المقصود بـ«معظم الأعمال»؟ وهل التفوق على الإنسان في أداء مهمة يعني امتلاك ذكاء يشبه ذكاءه؟ وإذا استطاع نموذج أن يكتب برنامجاً، ويحل مسألة رياضية، ويحلل بيانات، ويستخدم الحاسوب، فكم قدرة إضافية يحتاج إليها قبل أن ننتقل من وصفه بـ«AI» إلى«AGI»؟

هنا لا يعود الخلاف مجرد سباق تقني بين نماذج أكثر قوة؛ بل يصبح معضلة علمية وفلسفية: كيف نثبت وصول شيء لم نتفق بعد على تعريفه؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

وراء القفزات الأخيرة في أداء الذكاء الاصطناعي توسع هائل في القدرة الحاسوبية والبيانات وأساليب التدريب. ومع كل جيل جديد، تستطيع النماذج إنجاز مهام كانت تبدو قبل سنوات قليلة بعيدة المنال.

لكن هنا يظهر سؤال لا يقل أهمية عن إعلان هوانغ نفسه: عندما نمنح النموذج حوسبة أكبر وبيانات أكثر وتدريباً أكثر تطوراً، ثم تتحسن قدراته بصورة مذهلة، فهل يمثل ذلك دليلاً على ظهور «ذكاء عام»، أم على اتساع نطاق المهام التي أصبح قادراً على أدائها؟

إن الفرق جوهري، فقد تتفوق الآلة في الرياضيات والبرمجة والبحث واستخدام الحاسوب، ثم تتعثر أمام سياق جديد، أو استثناء غير متوقع، أو مشكلة مفتوحة تختلف عما واجهته أثناء التدريب.

وتظهر هنا مفارقة لافتة: كلما اجتاز الذكاء الاصطناعي اختباراً كنا نظن أنه يتطلب قدرة بشرية، ارتفع السقف وبدأ البحث عن اختبار أصعب. فهل نحن نقترب من الذكاء العام؟ أم أن تعريفنا للذكاء يبتعد كلما اقتربت منه الآلة؟

ما الذي لا تقيسه الاختبارات؟

الذكاء البشري ليس مجموع درجات في اختبارات. فهو يشمل أيضاً القدرة على نقل ما نتعلمه من موقف إلى آخر، وفهم السياق، والتعامل مع الغموض، والتعلم من خبرات محدودة، واتخاذ القرار عندما لا تكون القواعد مكتوبة سلفاً.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم اختباراً يستطيع النموذج أن يتفوق فيه على البشر؟ بل: ماذا يفعل عندما ينتهي الاختبار ويبدأ العالم الحقيقي؟ فالاختبار يمنح النموذج مشكلة محددة ومعياراً للنجاح، أما العالم الحقيقي فيقدم مواقف متغيرة ومعلومات ناقصة ونتائج قد لا تظهر إلا لاحقاً. وهنا يصبح التفوق في الاختبارات دليلاً مهماً على القدرة، ولكنه ليس بالضرورة، -بمفرده- دليلاً حاسماً على الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام.

ومع ذلك، ثمة مفارقة أخرى: ماذا لو لم نكن بحاجة إلى حسم هذا الجدل أصلاً قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير العالم الحقيقي؟

تساؤلات الطب

وفي الطب تحديداً، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً. في الطب... هل نسأل السؤال الخطأ؟ هنا يقدم الطب زاوية مختلفة تماماً.

ففي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ينقل الدكتور أنتوني تشانغ، رئيس الجمعية الأميركية للذكاء الاصطناعي في الطب ورئيس مؤتمر «AIMed26»، النقاش من سؤال: «ما الذكاء؟» إلى سؤال أكثر عملية: ماذا يستطيع أن يفعل؟

يقول تشانغ: «في الذكاء الاصطناعي السريري، لم يكن السؤال المهم سريرياً يوماً: هل هو ذكي بصورة عامة؟ بل: هل أصبح قادراً بما يكفي، ومنخفض التكلفة بما يكفي، وموثوقاً بما يكفي، لكي يغيِّر من يقوم بأي عمل في الرعاية الصحية؟».

ثم يضيف عبارة تختصر تحولاً قد يكون جارياً بالفعل: «هذه العتبة يجري تجاوزها، مهمة بعد أخرى، وبهدوء، بصرف النظر عما نطلقه على الصورة الكلية».

هل تستطيع الآلة أداء المهمة الطبية بصورة جيدة وموثوقة وبتكلفة مقبولة؟

هنا يتغير السؤال كله. فبالنسبة إلى الطبيب أو المستشفى، قد لا يكون السؤال العاجل ما إذا كان النظام يستحق لقب «AGI»، ولا انتظار لحظة تاريخية يعلن فيها العالم وصول الذكاء الاصطناعي العام. السؤال الأكثر عملية هو: هل تستطيع الآلة أداء هذه المهمة بصورة جيدة، وموثوقة، وبتكلفة مقبولة؟

فإذا أصبحت قادرة على تحليل صورة طبية، أو تلخيص ملف مريض، أو إعداد مسودة تقرير، أو دعم قرار سريري، فإن توزيع بعض المهام بين الإنسان والآلة يكون قد بدأ يتغير فعلاً، حتى لو استمر العلماء سنوات أخرى في الاختلاف على تعريف «AGI».

وهنا ربما تكمن المفارقة: قد يستمر العالم في الجدل حول اسم الذكاء الجديد، بينما يكون هذا الذكاء قد بدأ فعلاً في تغيير مَن يفعل ماذا داخل المستشفى.

التعليم يصنع المستقبل

الثورة التي قد تحدث بلا إعلان

وربما تكمن هنا المفارقة الأكبر. لقد تخيلنا طويلاً وصول الذكاء الاصطناعي العام كلحظة تاريخية واضحة: آلة تعبر عتبة فاصلة، ثم يستيقظ العالم في اليوم التالي وقد دخل عصر «AGI»، ولكن التحول الحقيقي قد يحدث بطريقة أكثر هدوءاً.

مهمة كانت تستغرق ساعة تُنجز في دقائق، تحليل كان يتطلب عملاً متخصصاً يصبح مدعوماً بخوارزمية، برنامج كان ينتظر أمراً بعد آخر، يصبح قادراً على تنفيذ سلسلة كاملة من الخطوات، ثم مهمة أخرى... ثم أخرى.

ومع تراكم هذه التحولات الصغيرة، قد تتغير العلاقة بين الإنسان والآلة، من دون لحظة واحدة نستطيع أن نشير إليها ونقول: «هنا بدأ كل شيء». وهنا تكتسب عبارة تشانغ «مهمة بعد أخرى، وبهدوء» معناها الأعمق: قد لا نعرف اللحظة التي وصل فيها الذكاء الاصطناعي العام؛ لأن العالم ربما يكون قد بدأ يتغير قبل أن نتفق على ما نسميه.

من يملك حق إعلان وصول «AGI»؟

قد يثبت التاريخ أن جنسن هوانغ كان محقاً، وأن عام 2026 كان بالفعل بداية عصر الذكاء الاصطناعي العام. وقد يثبت أننا كنا لا نزال أبعد عن تلك العتبة مما تصورنا. ولكن إعلان هوانغ يترك وراءه سؤالاً ربما يكون أهم من الإعلان نفسه: من يملك حق القول إن «AGI» قد وصل؟ هل هي الشركات التي تبني النماذج؟ أم العلماء الذين يختبرونها؟ أم المؤسسات والمجتمعات التي ستعيش آثارها؟ أم أننا لن ندرك أننا عبرنا العتبة إلا عندما ننظر إلى الوراء؟

وفي الطب، قد تكون الإجابة أكثر تعقيداً. فقد لا نحتاج إلى لحظة واحدة تصبح فيها الآلة «ذكية مثل الإنسان» حتى نشهد تحولاً عميقاً في طريقة العمل. يكفي أن تتراكم القدرات، وأن تتغير المهام والأدوار، وأن يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس جزءاً من الممارسة اليومية.

وربما لهذا لن يحسم تاريخ الذكاء الاصطناعي سؤال «متى وصل AGI؟» بذكر يوم واحد أو نموذج واحد أو تصريح واحد. فقد نختلف طويلاً حول اللحظة التي أصبحت فيها الآلة «ذكية بما يكفي».

لكننا قد نكتشف، ونحن منشغلون بتعريف تلك اللحظة، أن العالم كان قد عبرها فعلاً.


خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة
TT

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

كشفت دراسة ضخمة شملت 22 مليون خلية مناعية بشرية، عن كيفية عمل آلاف الجينات داخل الجهاز المناعي وتفاعلها مع الظروف المختلفة، وذلك في خطوة قد تساعد في تحديد الأسباب الجينية لأمراض متعددة وتطوير علاجات أكثر دقة للسرطان وأمراض المناعة الذاتية.

تأثير الجينات يتغير وفق حالة الخلية

أظهرت الدراسة المنشورة بمجلة «Cell» في 28 أغسطس (آب) 2026، أن تأثير الجينات لا يعمل بصورة ثابتة أو منفردة؛ بل يتغير بحسب حالة الخلية والبيئة المحيطة بها مثلما يحدث عندما تكون الخلايا في حالة سكون، أو أثناء استجابتها لعدوى أو إشارات مناعية. وتمكن الباحثون من تحويل هذه التفاعلات المعقدة إلى خريطة وظيفية عالية الدقة تكشف الدوائر التي تربط الجينات بسلوك الخلايا.

وأجرى الدراسة علماء من معاهد غلادستون وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو وجامعة ستانفورد، بالتعاون مع «بايوهب» (Biohub) التي تعمل على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع علوم الأحياء لتسريع الاكتشافات العلمية. واستخدم الفريق تقنية متطورة أتاحت تعطيل نحو 12800 جين بشكل منفصل في الخلايا التائية (المناعية) البشرية، ثم رصد التغيرات التي طرأت على الخلايا نتيجة كل تعديل.

ولا تكتفي هذه الخريطة بتحديد الجينات الموجودة في الخلية، بل تكشف ما يحدث فعلياً عند تغييرها، ما يوفر حلقة مفقودة بين المعلومات الوراثية الموجودة في الحمض النووي (دي إن إيه) وصحة الإنسان والمرض. ويرى الباحثون أن هذه البيانات قد تصبح أساساً لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بكيفية استجابة الخلايا للتغيرات الجينية، وتسريع اكتشاف أهداف علاجية جديدة، خصوصاً في السرطان وأمراض المناعة الذاتية.

من قراءة الجينات إلى اختبار وظائفها

على مدى العقود الماضية، مر علم الوراثة بمراحل متتالية؛ فقد ساعد مشروع الجينوم البشري العلماء في تحديد المخطط الجيني للإنسان، ثم أسهمت مشاريع مثل أطلس الخلايا البشرية في فهم كيفية استخدام أنواع الخلايا المختلفة لهذا المخطط.

أما الدراسة الجديدة فتضيف مرحلة أخرى تتمثل في التدخل بالجينات واختبار تأثير تغييرها مباشرة على الخلايا. وقال ألكسندر مارسون، الباحث في معهد غلادستون لعلم المناعة الجينومي وقسم الطب بجامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأميركية، وأحد كبار مؤلفي الدراسة: «الآن أصبحت لدى العلماء وسيلة لفهم العلاقة بين التسلسل الجيني والحالة الفعلية للخلية».

وللوصول إلى هذه النتائج، استخدم الباحثون تقنية متقدمة تُعرف باسم «Perturb-seq» أتاحت لهم تعطيل نحو 12800 جين واحداً تلو الآخر في الخلايا التائية البشرية، ثم مراقبة تأثير كل جين على الخلية. وتجمع هذه التقنية بين تعديل الجينات باستخدام كريسبر (CRISPR)، وتحليل نشاط الجينات داخل الخلية، ما يساعد العلماء في فهم وظيفة كل جين والتغيرات التي يحدثها بدقة.

وتعدّ الخلايا التائية من أهم مكونات جهاز المناعة؛ إذ تساعد الجسم في التعرف على مسببات الأمراض والخلايا غير الطبيعية ومهاجمتها.

اختبار الجينات في خلايا بشرية حقيقية

من أهم ما يميز الدراسة أن الباحثين لم يعتمدوا فقط على خطوط الخلايا المزروعة في المختبر؛ بل أجروا التجارب على خلايا مناعية أولية مأخوذة من متبرعين بالدم.

وتحتفظ هذه الخلايا بقدرتها الطبيعية على الاستجابة للإشارات التي تنشط جهاز المناعة، ما يسمح للعلماء برؤية تأثير التغيرات الجينية في بيئة أقرب إلى ما يحدث داخل جسم الإنسان. ويقول الباحثون إن هذا النهج قد يساعد في تفسير سبب اختلاف الاستجابة المناعية بين الأشخاص، ولماذا يكون بعض الأفراد أكثر عرضة للإصابة بأمراض معينة.

الجينات لا تعمل منفردة

كشفت الدراسة أيضاً أن وظيفة الجينات لا يمكن فهمها دائماً بالنظر إلى كل جين بشكل منفصل؛ فالجينات تعمل ضمن شبكات أو «دوائر» مترابطة، ويمكن أن تتغير طريقة عمل هذه الدوائر بحسب الظروف المحيطة بالخلية.

فعلى سبيل المثال، قد يكون للجين تأثير مختلف عندما تكون الخلية في حالة سكون مقارنة بحالتها أثناء مواجهة عدوى، أو استجابة لإشارة مناعية. وشبه الباحثون هذه الشبكات بالدوائر الإلكترونية التي تتحكم في أجهزة الكمبيوتر، حيث تتعاون مكونات متعددة لإنتاج استجابة محددة.

وتوفر هذه المعلومات طريقة جديدة لفهم كيفية انتقال تأثير الاختلافات الجينية الطبيعية إلى صفات مرتبطة بالصحة والمرض، بما في ذلك أعداد الخلايا المناعية وقابلية الإصابة بأمراض مرتبطة بالجهاز المناعي.

«مشروع المليار خلية» - قاعدة بيانات للذكاء الاصطناعي

تعدّ البيانات التي أنتجتها الدراسة أكبر مساهمة حتى الآن في «مشروع المليار خلية» (Billion Cells Project)، وهو مشروع يهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة تضم مليار خلية بشرية منفردة، وذلك بهدف تعزيز الفهم القائم على الذكاء الاصطناعي للسلوك الخلوي ووظائف الجينات.

ويأمل الباحثون في استخدام هذه البيانات لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بكيفية استجابة الخلايا للتغيرات الجينية والظروف المختلفة.

ويؤكد العلماء أن تدريب الذكاء الاصطناعي على نوع واحد من الخلايا أو حالة واحدة، قد لا يكون كافياً للتنبؤ بما يحدث داخل جسم الإنسان، لأن وظيفة الجينات تعتمد بدرجة كبيرة على السياق البيولوجي. وقد تمكن الفريق من فحص 33.4 مليون خلية، وانتهى التحليل النهائي إلى 22 مليون خلية عالية الجودة شكلت أساس الخريطة الجديدة.

الخطوة التالية: السرطان

بعد بناء هذه الخريطة الواسعة للخلايا التائية، بدأ الباحثون بالفعل في المرحلة التالية من المشروع التي ستركز على السرطان.

ويخطط الفريق لاستخدام التقنية نفسها لدراسة كيفية تغير الخلايا التائية وراثياً ووظيفياً عندما تدخل إلى الأورام وتتفاعل مع البيئة المعقدة المحيطة بها.

ويأمل العلماء في أن تتحول الخريطة الجديدة إلى مرجع يستخدمه الباحثون لمعرفة تأثير أي جين تقريباً على الخلايا المناعية البشرية، بما قد يسرّع اكتشاف أهداف علاجية جديدة، ويدعم تطوير الطب الدقيق والعلاجات المناعية في المستقبل.