تيرانا تنفض غبار الشيوعية وتفتح ذراعيها للسياح

بعد سنوات طويلة من العزلة إليك أجمل ما فيها

تيرانا مدينة نابضة بالحيوية (غيتي)
تيرانا مدينة نابضة بالحيوية (غيتي)
TT

تيرانا تنفض غبار الشيوعية وتفتح ذراعيها للسياح

تيرانا مدينة نابضة بالحيوية (غيتي)
تيرانا مدينة نابضة بالحيوية (غيتي)

وجهتنا اليوم هي تيرانا عاصمة ألبانيا، المدينة التي حملت على مدى عقود طويلة ملامح العزلة والفقر تحت ظل الحكم الشيوعي والدكتاتوري. فقد عاشت البلاد في القرن العشرين واحدة من أشد فترات الانغلاق في أوروبا، حيث فُرضت قيود صارمة على حياة الناس، وانعكس ذلك على معالم المدينة التي غلبت عليها الرموز الآيديولوجية والعمارة القاسية. كانت تيرانا خلال تلك الحقبة بعيدة عن أعين العالم، محاطة بأسوار الصمت والرقابة، تعاني من محدودية الموارد وتقييد الحريات. ومع ذلك، فإن هذه التجربة التاريخية القاسية أصبحت اليوم جزءاً من هوية المدينة، وجعلت من تحولها نحو الانفتاح والديمقراطية قصة ملهمة تعكس صمود شعبها ورغبته في بناء مستقبل أفضل.

عانت البانيا من العزلة واليوم تطلع للانفتاح واستقبال السياح (غيتي)

اخترنا تيرانا لنكون من أوائل الزوار الشاهدين على تحرر هذه المدينة وتطورها ونفض غبار الشيوعية عنها وفتح ذراعيها للزوار، وكلها تفاؤل بفكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي لتصبح وجهة سياحية على مستوى المنافسة مع الجيران.

تُعَدّ تيرانا القلب الثقافي والسياسي لألبانيا، وواحدة من أبرز الوجهات السياحية في منطقة البلقان. تقع في موقع استراتيجي يجمع بين الجبال والسهول، مما يمنحها طبيعة خلابة تجذب الزوار على مدار السنة. تتميز المدينة بتاريخ متنوع، يظهر في عمارتها التي تحمل بصمات عثمانية وإيطالية وشيوعية وحديثة في آن واحد. كما تضم معالم بارزة مثل ساحة سكاندربغ، المتحف الوطني للتاريخ، والمساجد والكنائس القديمة التي تحكي قصص حضارات متعاقبة. ولا تقتصر جاذبية تيرانا على معالمها فحسب، بل تمتد إلى أسلوب حياتها العصري، حيث المقاهي، والأسواق الشعبية، والمهرجانات التي تعكس روح المدينة المبهجة.

هرم تيرانا الشهير (غيتي)

عند زيارة تيرانا، يجد السائح نفسه في قلب مزيج حضاري غني، شعبها مضياف وكريم إلى حدٍ بعيد. يتمتع المجتمع بالتسامح الديني والتعايش بين المسلمين والمسيحيين، مما يضفي على البلاد تنوعاً ثقافياً فريداً، فيشكل المسلمون (سنة وبكتاشية) نحو 60 في المائة من السكان و40 في المائة من المسيحيين غالبتهم أرثوذكس. العملة المحلية هي الـ«ليك» ولكن العملات الأخرى مثل الدولار واليورو والجنيه الإسترليني متداولة في المحلات والمطاعم، غالبية الأماكن لا تقبل بطاقات الائتمان، فمن الضروري حمل العملة النقدية.

ستاد تيرانا الشهير بتصميم مبناه المميز (غيتي)

مطار تيرانا المعروف أيضاً باسم مطار الأم تيريزا تيمناً بالقديسة الألبانية، فهو مطار صغير ويبعد عن وسط المدينة بنحو 20 دقيقة، التنقل في العاصمة سيكون بواسطة التاكسي أو الحافلات العمومية أو تأجير سيارة إذا كنت تنوي زيارة المناطق القريبة من العاصمة، وفي حال كنت تنوي الإقامة في العاصمة فقط فسيكون المشي هو أفضل وأسرع طريقة لاكتشافها لأنها مدينة صغيرة من حيث المساحة وجميع معالمها السياحية وأسواقها ومقاهيها قريبة من بعضها البعض.

ساحة سكاندربغ والمتحف الوطني ( غيتي)

الإقبال الحالي الشديد على تيرانا أو البانيا بشكل عام هو بسبب رخص أسعارها، بالمقارنة مع تلك التي تجدها في باقي دول البلقان أو الدول الأوروبية المجاورة لها مثل إيطاليا واليونان، فالمطاعم والفنادق في تيرانا رخيصة بعض الشيء، فعلى سبيل المثال من الممكن بأن تنزل في فندق من فئة 5 نجوم في وسط المدينة مقابل 150 يورو لليلة الواحدة، أما أسعار المطاعم فهي تعتمد على المطعم ولكنها مقبولة نسبياً.

الساحة الكبرى في تيرانا حيث ينتصب تمثال البطل الالباني سكندربرغ (غيتي)

اخترنا فندق «جيكو» Xheko لأن موقعه جيد جداً ويضم مركزاً صحياً كبيراً ويقدم الكثير من العلاجات بأسعار مقبولة، كما يتميز الفندق بمطعم مفتوح على سطحه يقدم المأكولات الألبانية والمتوسطية والسوشي، ويعتبر من بين أهم عناوين الأكل في المدينة.

إذا كانت زيارتك لتيرانا فقط فإليك أهم ما يمكنك زيارته فيها:

- حي بيلكو

كان محظوراً على العامة أيام النظام السابق، والآن تحول إلى منطقة عصرية تضم مقاهي أنيقة ومحلات، ويعتبر من أهم المناطق السياحية المخصصة للمشاة.

- ساحة سكندربك (Skanderbeg Square)

أهم ساحة في قلب المدينة، تضم نصب البطل الوطني سكا‌ندربغ والعديد من المباني الحكومية والثقافية مثل المتحف الوطني والتّاريخي، ودار الأوبرا والسينما.

- متحف الفن السري - بيت الأوراق (House of Leaves)

متخصص في عرض تاريخ المراقبة والتجسس خلال الحقبة الشيوعية، في المقر السابق لجهاز «سيغوريمي». يحتوي على أدوات وتجهيزات أصلية، وحصل على جائزة متحف أوروبا لعام 2020.

- هرم تيرانا (Pyramid of Tirana)

في الأصل، تم بناء الهرم عام 1988 كمتحف تكريمي لأنور خوجة، زعيم ألبانيا الشيوعي، بعد وفاته تحوّل إلى مركز ثقافي حديث يضم صالات عرض ألعاب سينمائية. يُمكنك الصعود إلى أعلاه للاستمتاع برؤية المدينة من فوق.

- الحديقة الكبرى وبحيرتها الصناعية

واحة خضراء ضخمة في جنوب المدينة، تضم بحيرة اصطناعية ومتنزهات وملاعب ومتحفاً صغيراً وحتى حدائق نباتية وحديقة حيوانات، تعد من أهم مناطق الاسترخاء والنشاطات الخارجية.

- جولة مشي مع دليل سياحي

تساعدك في فهم التاريخ الحديث والعجيب للعاصمة من خلال زيارات لأهم المعالم مثل منزل خوجة القديم، والمناطق المحظورة سابقاً.

- بزار (Pazari I Ri)

سوق تقليدية تجد فيها المنتجات المحلية من طعام وحرف يدوية.

وإذا أردت اكتشاف المناطق القريبة من تيرانا فلا بد من زيارة منطقة كرويا Kruje الأثرية التي تحكي قسماً من تاريخ البانيا الغريب، أما إذا كنت من محبي المغامرات والرحلات الاستكشافية فيجب عليها التوجه إلى مصعد جبل دايتي واكتشاف المنطق بواسطة التليفيريك، أو التوجه إلى منطقة بحيرة تيرانا الاصطناعية فهي وجهة عائلية وفيها العديد من المطاعم التي تعتبر مثالية للغداء أو العشاء بعيداً عن صخب المدينة.

كرويا... مدينة التاريخ والأساطير في قلب ألبانيا

تُعد كرويا من أجمل وأهم الوجهات السياحية في ألبانيا، حيث تجمع بين التاريخ العريق والطبيعة الساحرة. تقع هذه المدينة الجبلية على ارتفاع يقارب 600 متر عن سطح البحر، على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال العاصمة تيرانا. فهي تحتفل بالبطل القومي سكندربك (Skanderbeg) الذي قاد مقاومة الألبان ضد الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر، ولهذا فهي رمز للفخر الوطني. وأهم الزيارات فيها متحف سكاندربغ أو (سكندربك) والبزار العثماني.

أين تأكل؟

في تيرانا لن تشعر بالجوع لأن المقاهي والمطاعم منتشرة وبكثرة في جميع الأماكن وتفتح حتى ساعة متأخرة من الليل، وبما أن الغالبية من السكان مسلمة فجميع المأكولات فيها حلال.

كارباتشيو البقر في مطعم سينيز المتخصص بتقديم اللحوم (الشرق الاوسط)

إيوس EOS Mezze Bar

يقع هذا المطعم في منطقة عصرية جداً مليئة بالمطاعم الجميلة مع جلسات خارجية، يقدم المأكولات المتوسطية على طريق التاباس (أطباق صغيرة للمشاركة) أو المازة كما يدل الاسم، ويقدم مأكولات تمزج ما بين المطبخ اليوناني والإيطالي والألباني والتركي، من أشهر وألذ الأطباق مثل الزيتون المقلي والكفتة على طريقة الـ«لولي بوب» مع صلصة الزبادي اللذيذة الكبدة على الطريقة الألبانية، بالإضافة إلى أطباق عديدة أخرى. الأجواء في هذا المطعم جميلة وعصرية والديكور الداخلي بسيط ومريح، فكرة المطعم جديدة من نوعها في البانيا، فهي تعكس تاريخ البلاد وتأثير الهجرة والتجارة والدين عليها.

باذنجان محشي على الطريقة الالبانية في إيوس (الشرق الاوسط)

سينيز Ceni’s

يمكن القول إنه من أكثر المطاعم تفردا في العالم، فهو صغير من حيث الحجم ويقدم الأطباق التي تعتمد على اللحوم بشكل خاص. إنه مطعم عائلي تأسس في عام 2008، لتذوق أشهى النكهات المتوسطية الأصيلة. يقع هذا المطعم الأنيق والدافئ في قلب تيرانا النابض بالحياة، ويضمن لكم شعوراً بالدفء والراحة. يضمن فريق الطهاة، بقيادة ندل ماهرين، أرقى خدمة ويُلبي رغبات حتى أكثر الزبائن تميزاً. يمتاز «سينيز» بجودة ونضارة مكوناته، حيث يجمع المنتجات بعناية فائقة من مزارع القرى المجاورة. من الدجاج واللحوم المُختارة بعناية إلى الأطباق المنزلية التي تُخلّد ذكرى لحوم ألبانيا المُفضّلة، يُجسّد كل طبق في «سينيز» جوهر المذاق المتوسطي الأصيل. أطباقه لذيذة جداً ولكنها مخصصة لمحبي اللحوم فقط.

من أطباق "إيوس" ومن الذها الزيتون المقلي (الشرق الاوسط)

ترايب Tribe

يقع في وسط تيرانا، وهو من العنوانين الراقية في المدينة، أسعاره ليست رخيصة بالمقارنة مع المطاعم الأخرى ولكنه يتميز بأجوائه وديكوره والموسيقى والطعام.

سوما فينيل ستايشون Soma Vinyl Station

يناسب هذا المطعم محبي الموسيقى فأجواؤه عصرية جدا ويتميز بمأكولاته اللذيذة وجلساته المريحة.

مازة البانية في إيوس (الشرق الاوسط)

أتي Aty

يقع بالقرب من هرم تيرانا الشهير، أجواؤه رائعة وعصرية، أطباقه من وحي المتوسط مع لمسة ألبانية.

من أطبق مطعم إيوس في تيرانا (الشرق الاوسط)

زونا Gzona

من العناوين الجديدة في تيرانا، يقدم المأكولات المحلية والمتوسطية في أجواء عصرية وشبابية مريحة.


مقالات ذات صلة

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة 3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله.

فيفيان حداد (بيروت)
سفر وسياحة ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة،

عادل عبد الرحمن (لندن)
يوميات الشرق تتمتع المدينة بتاريخ عريق يعود إلى أكثر من 2000 عام (غيتي)

ليتشي الإيطالية… «فلورنسا الجنوب» من دون زحام السياح

«أفضل طريقة لاكتشاف ليتشي هي أن تتجول فيها بينما ترفع رأسك إلى الأعلى»... كانت هذه النصيحة الأولى التي تتلقاها بعد وصولك إلى ثاني أكبر مدن إقليم بوليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)

لماذا يُحظر على النساء دخول جبل آثوس المستقل منذ ألف عام؟

يُعد جبل آثوس شبه جزيرة يونانية بحكم ذاتي يمنع دخول النساء منذ ألف عام، حيث يعيش الرهبان بتوقيت بيزنطي خاص مرتبط بغروب الشمس.

كوثر وكيل (لندن)

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.