مصارف لبنان تعاني فجوات حادة في الميزانيات والمؤشرات

مراجعة إحصائية تظهر تسريح نصف الموظفين خلال الأزمة المستمرة

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

مصارف لبنان تعاني فجوات حادة في الميزانيات والمؤشرات

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

كشفت المراجعة الكليّة الاقتصاديّة التي أجراها مصرف لبنان المركزي، مدى حدّة وعمق الفجوات التي شهدها الجهاز المصرفي خلال سنوات الانهيارات المالية والنقدية، والتي تشرف على ختام عامها السادس بعد أقل من شهر، وبانتظار ترجمة وعود حكومية بصياغة مشروع قانون إعادة الانتظام المالي، والمعني خصوصاً بتحديد سبل وآليات معالجة نواة الأزمات (الفجوة المالية العامة)، والمقدرة بنحو 73 مليار دولار.

وبدا شكلياً في الرصد الإحصائي، والمحقق لغاية نهاية النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة عينها من منتصف عام 2019، أي مع بدء انفجار الأزمات الحادة، أنّ القطاع المصرفي اللبناني يضم حالياً 57 مصرفاً، منها 45 تجاريّاً، موزعاً بين 36 مصرفاّ مملوكاً من لبنانيين - وهو ما يمثل انخفاضاً عن رقم 38 في بداية الأزمة - و9 مصارف مملوكة من أجانب و12 مصرفاً استثمارياً متخصصاً - أي بانخفاض عن رقم 16 قبل الأزمة.

وتبدأ «تراجيديا» الأرقام والبيانات، في مقارنات بيانات الميزانية المجمعة، بعدما لجأت المصارف كافة، وتحت الضغوط الناشئة عن الأزمات، إلى تقليص ذاتي لكياناتها وعمليّاتها، سواء من حيث عدد الفروع المحليّة التي انخفضت بمقدار 425 فرعاً، أي بنسبة 40.2 في المائة ليستقر العدد عند 633 فرعاً، بينما تقلّص عدد الفروع في الخارج بمقدار 29 فرعاً، أي بنسبة 39.7 في المائة لتهبط إلى 44 فرعاً. وبالمثل، انحدر عدد أجهزة الصرّاف الآلي بمقدار 571 جهازاً، أو بنسبة 28.5 في المائة، لتفضي هذه الأرقام المتراجعة إلى الضرر الأكبر المتمثل بكادرات الموظفين واليد العاملة التي انخفضت بمقدار انحدر بنحو 12 ألف موظّف، أي بنسبة 47.7 في المائة، لينخفض الإجمالي إلى نحو 13 ألف موظف.

استتباعاً، أظهر الرصد الإحصائي حجم الكارثة التي لحقت بالمؤشرات الرئيسية للميزانيات المجمعة، ولا سيما بيانات الرساميل والأصول، ليشمل استطراداً المدخرات العالقة وتسجيل الضمور الحاد في محافظ الائتمان والتمويل، التي تعدّت أرقام الناتج المحلي البالغ نحو 53 مليار دولار قبل الأزمات، وذلك جراء موجات سداد بالسعر الرسمي السابق لليرة، أو من خلال شيكات مصرفية بالدولار المصرفي، الذي يوازي بين 10 و15 في المائة فقط من القيمة الفعلية للدولار النقدي في أسواق الصيرفة.

وقد أدّت عمليات السداد الضخمة للقروض التي شهدتها المصارف التجاريّة خلال الأزمة، بالإضافة إلى التدهور الحاد في سعر صرف العملة المحليّة إلى انكماش كبير في حجم محفظة التسليفات الذي تراجع من 56 مليار دولار، كما هو عشية الأزمة، بينها نحو 39.2 مليار محررة بالدولار، و16.8 مليار محررة بالليرة بسعر 1507 ليرات للدولار الواحد، لتنحدر بحدّة بالغة إلى نحو 5.5 مليار دولار، في منتصف العام الحالي، بينها 5.3 مليار بالدولار.

ويقر البنك المركزي في تحليله، بأنّه نتيجة للتباين في سعر الصرف فقد كانت القيمة الحقيقيّة للقروض المسدّدة أقل بكثير من قيمتها الدفتريّة. وهو ما كبّد المصارف خسائر كبيرة. في حين يتوقّع «المركزي» أن يظل نشاط الإقراض خجولاً ما لم تتم إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي وحلّ مشكلة المودعين.

وتؤكد إحصاءات القروض الجديدة بالدولار «الفريش» صعوبات استعادة البنوك حضورها القوي والميسر في أسواق الائتمان، حيث لاحظ الرصد الإحصائي أنّها لا تزال في مستويات منخفضة، حيث بلغت قيمة هذه القروض 553 مليون دولار منتصف العام الحالي، مع اقتضاء التنويه بأنّ غالبية هذه التمويلات على شكل قروض شخصيّة صغيرة بأسعار فائدة مرتفعة للغاية، كما تتطلب فرض معايير صارمة، مثل توطين الراتب وقياس القدرة الفعلية على التزام سداد الأقساط، مما يستبعد شرائح كبيرة من السكّان والشركات.

ولم يكن حجم الكارثة الرقمية أقل وطأة في بيانات الخصوم (المطلوبات)، حيث تظهر الفوارق الخيالية بين أرقام حقيقية معززة بتوظيفات مصرفية موازية لصالح المودعين، وأرقام معلقة يتم سداد مبالغ صغيرة منها تتراوح بين 400 و800 دولار كأنها حصص شهرية، حسب تعاميم البنك المركزي.

وتم رصد تراجع حجم بيانات الودائع المجمعة في الجهاز المصرفي من نحو 172 مليار دولار عشية الأزمة، موزعة بين 123.1 مليار دولار مودعة بالعملات الأجنبيّة وما يماثل بالسعر الرسمي حينها نحو 49 مليار دولار مودعة بالليرة، لتنحدر إلى نحو 88.8 مليار دولار منتصف العام الحالي، منها 87.3 مليار محررة بالدولار وفق القيود الدفترية لدى البنوك. مع التنويه بأن الودائع بالليرة قد استُنفدت بشكل رئيسي بسبب عمليات السحب، وتراجع سعر صرف العملة المحليّة، بينما جرى استخدام جزء كبير من الودائع بالعملات الأجنبيّة لتسوية القروض المباشرة أو الاتجار بالشيكات لتسويتها.

أما فيما يتعلق بالودائع «الفريش»، أي الدولار القابل للتسييل نقداً أو بسعر 89.5 ألف ليرة، فقد كشف الرصد ارتفاعها بشكل مطرد لتصل إلى نحو 4.36 مليار دولار منتصف العام الحالي، ومنها 2.2 مليار دولار أرصدة قائمة بموجب تعميم مصرف لبنان رقم 158، أي لصرف الحصص الشهرية للمودعين، ولا تُمثل بالتالي سيولة فعليّة لأنها تخضع للسداد التدريجي. أما المبلغ المتبقي، وقدره 2.16 مليار دولار، فهو يُمثّل ودائع جديدة يتعين على المصارف تحويطها بالكامل، وبحد أدنى للسيولة بنسبة 100 في المائة، من خلال الاحتفاظ بأرصدة معادلة في فروعها أو لدى بنوك مراسلة في الخارج، وبالتالي ليس لها تأثير مضاعف، ولا يمكن استخدامها لدعم الإقراض أو الاستثمار أو الوساطة الماليّة.

بحصيلة هذه الانخفاضات الحادة في بندي الأصول والخصوم (موجودات ومطلوبات)، تقلصّت بحدة مماثلة حسابات رأس المال لدى المصارف التجارية من مستوى 20.9 مليار دولار، لتصل إلى 5.2 مليار دولار خلال فترة القياس عينها. لتعكس بذلك فجوات الخسائر المتكرّرة التي تُسجّلها المصارف، وتنسحب تلقائياً على مستوى الرسملة الضعيف لدى في مؤشر القدرة على امتصاص الصدمات.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)

العرقوب بين التوغلات الإسرائيلية وغياب الاحتلال المباشر

تفرض التحركات الإسرائيلية المتكررة في منطقة العرقوب، عند السفوح الغربية لجبل الشيخ والمحاذية لمزارع شبعا، واقعاً أمنياً مختلفاً عن مناطق أخرى في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز (إكس)

صندوق النقد: اقتصاد لبنان سينكمش بقوة في 2026 وسط تضخم مرتفع

توقع صندوق النقد الدولي، ​الجمعة، أن يشهد النشاط الاقتصادي في لبنان انكماشاً كبيراً في 2026، وذلك ‌في ‌ظل ​استمرار ‌الصراع ⁠في ​الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الأسهم العالمية تستعيد بعض توازنها بدعم من الذكاء الاصطناعي

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسهم العالمية تستعيد بعض توازنها بدعم من الذكاء الاصطناعي

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

ارتفعت الأسهم العالمية، الاثنين، مستعيدةً بعضاً من توازنها، بعدما عززت مؤشرات على قوة الطلب على الذكاء الاصطناعي أسهم التكنولوجيا، في حين تراجعت أسعار النفط رغم استمرار الحرب.

وارتفعت أسواق السندات، التي تعرضت الأسبوع الماضي لموجة بيع هي السادسة على التوالي وسط ارتفاع أسعار الفائدة واستمرار ارتفاع أسعار النفط، بقيادة الديون الأوروبية، وفق «رويترز».

وصعد مؤشر «إم إس سي آي» العالمي لجميع الدول 0.3 في المائة، في حين ارتفعت الأسهم الأوروبية 0.75 في المائة.

وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنحو 1 في المائة مع صعود أسهم شركات صناعة الرقائق؛ إذ ارتفع سهم «إنتل» 5.4 في المائة، في حين زاد سهما «ميكرون» و«إيه إم دي» بنحو 2 في المائة لكل منهما في التعاملات السابقة لفتح السوق.

وأظهرت بيانات من كوريا الجنوبية أن صادرات البلاد خلال أول 20 يوماً من الشهر الحالي سجلت مستوى قياسياً، مدفوعة بارتفاع الطلب على الرقائق.

كما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 0.6 في المائة.

وتراجعت بعض المخاوف التي أثارت قلق المستثمرين الأسبوع الماضي بشأن احتمال دخول البنوك المركزية الكبرى في دورة جديدة من رفع أسعار الفائدة، مع اقتراب أسعار النفط مجدداً من مستوى 100 دولار للبرميل، بعدما تجاوزت 109 دولارات الأسبوع الماضي.

وقال كريس بوشامب، كبير استراتيجيي الأسواق لدى «آي جي»: «ربما اتخذت الأمور منحى كارثياً بعض الشيء الأسبوع الماضي، وهي الآن تهدأ قليلاً. لكن اتجاه أسعار النفط لا يزال صعودياً بوضوح، وما يحدث حالياً ليس سوى تصحيح محدود».

وأضاف: «في المقابل، عُزي انتعاش أسهم التكنولوجيا خلال الليل إلى الطلب على الذكاء الاصطناعي؛ لذلك تستمر العوامل الرئيسية نفسها في الظهور مجدداً... إنها أشبه بحالة تتناوب فيها رواية على أخرى للسيطرة على الأسواق في الوقت الراهن».

وعلى الصعيد الجيوسياسي خارج منطقة الشرق الأوسط، سيحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، قبل اجتماعه مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، الخميس.

تراجع النفط في الوقت الراهن

تراجعت أسعار العقود الآجلة للنفط رغم تبادل إيران والولايات المتحدة تهديدات جديدة، حيث انخفض خام برنت 2 في المائة إلى 101.7 دولار للبرميل.

وقال فيفيك دار، رئيس قسم السلع الأولية في «سي بي إيه»: «نقدّر الآن أن أسواق النفط أمامها فترة تتراوح بين 5 و10 أسابيع قبل نفاد المخزونات العالمية من النفط والمنتجات المكررة، مقارنة بتقديرات كانت تقترب من 15 إلى 20 أسبوعاً قبل أسبوعين فقط».

وفي ظل هذه التطورات، من المتوقع أن ترفع البنوك المركزية في معظم الاقتصادات الكبرى أسعار الفائدة مجدداً هذا العام. ودفع التوجيه المتشدد الصادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي المتعاملين إلى تسعير احتمال نسبته 56 في المائة لرفع الفائدة مجدداً في أكتوبر (تشرين الأول)، في حين يُعد رفعها مرة أخرى قبل نهاية العام أمراً محسوم التوقعات في الأسواق.

وتعرضت السندات لضغوط قوية نتيجة لذلك؛ إذ بلغ متوسط عائد السندات لأجل 10 سنوات في دول مجموعة السبع الكبرى نحو 4.2 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2008.

كما أثارت المخاوف بشأن تأثير التضخم، إلى جانب أوضاع المالية العامة للحكومات على المدى الطويل، ضغوطاً على السندات الفرنسية، الجمعة؛ ما دفع علاوة المخاطر عليها إلى أعلى مستوى منذ أزمة ديون منطقة اليورو عام 2012.

وفي ألمانيا، سجل حزب المستشار فريدريش ميرتس المحافظ الرئيسي أسوأ نتائج انتخابية له منذ عام 1949. لكن العامل الرئيسي الداعم للسندات ظل تراجع أسعار النفط؛ ما دفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى الانخفاض 5 نقاط أساس إلى 3.472 في المائة، في حين تراجع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات 10 نقاط أساس إلى 4.469 في المائة، ليمحو تقريباً كامل الارتفاع المسجل الجمعة.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار قليلاً أمام الين إلى 157.1 ين، مع توخي المستثمرين الحذر تحسباً لاستغلال «بنك اليابان» ضعف السيولة خلال عطلة «أسبوع الفضة» الممتدة ثلاثة أيام للتدخل ودعم العملة.

وقفز الين، الجمعة، بعدما أجرت السلطات اليابانية عمليات تحقق من أسعار الصرف في سوق العملات، وفقاً لما أوردته صحيفة «نيكي».


الصين تكبح حمى إدراج شركات الروبوتات البشرية

روبوتات من إنتاج شركة «يونيتري» الصينية تتجول في أحد شوارع مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
روبوتات من إنتاج شركة «يونيتري» الصينية تتجول في أحد شوارع مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
TT

الصين تكبح حمى إدراج شركات الروبوتات البشرية

روبوتات من إنتاج شركة «يونيتري» الصينية تتجول في أحد شوارع مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
روبوتات من إنتاج شركة «يونيتري» الصينية تتجول في أحد شوارع مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

بدأت الجهات التنظيمية الصينية إبطاء موجة إدراج شركات الروبوتات البشرية في البورصة، مع تصاعد المخاوف من أن تكون التقييمات المرتفعة للقطاع قد سبقت قدرته الفعلية على تحقيق إيرادات تجارية مستدامة، في تحول ينقل اهتمام المستثمرين من العروض التقنية الباهرة إلى الاستخدام الحقيقي في المصانع وحجم الطلب وربحية الشركات.

وقالت مصادر مطلعة إن الجهات التنظيمية استخدمت توجيهات غير رسمية لتأخير بعض عمليات الطرح العام الأولي، بعد البداية شديدة التقلب لسهم شركة «يونيتري روبوتيكس»، المصنعة للروبوتات البشرية ورباعية الأرجل.

وقفز سهم «يونيتري» بأكثر من خمسة أضعاف خلال ظهوره الأول في بورصة شنغهاي قبل شهر، قبل أن يهبط بنحو 55 في المائة من ذروته. وأدى هذا التقلب إلى زيادة المخاوف بشأن المبالغة في تقييم شركات القطاع، خصوصاً مع الإقبال الكبير من المستثمرين الأفراد.

وقال أحد المصادر إن عمليات طرح شركات الروبوتات البشرية جُمدت عملياً في الوقت الراهن، بينما أكد مصدر آخر عدم وجود حظر رسمي، واصفاً التحرك بأنه إبطاء خاص بالقطاع. ولم ترد هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية على طلب للتعليق.

ويكشف التحرك عن معادلة دقيقة أمام بكين: تهدئة المضاربات حول أحد أكثر قطاعات الاستثمار سخونة، من دون الإضرار بصناعة وضعتها الحكومة ضمن أولوياتها التكنولوجية.

وتدعم الصين بقوة مفهوم «الذكاء المتجسد»، الذي يجمع الذكاء الاصطناعي بأنظمة قادرة على الإدراك والتفاعل مع العالم المادي. وأسهم هذا التوجه في تدفق استثمارات كبيرة من القطاع الخاص والحكومات المحلية إلى الروبوتات البشرية.

ووصف ليو وانغ، المستثمر في رأس المال المغامر لدى «تشيانتشوانغ كابيتال»، موجة الاستثمار بأنها شكل من «الابتكار على طريقة الحملات»، حيث تتدافع الشركات ورؤوس الأموال سريعاً نحو قطاع يحظى بدعم السياسات الحكومية.

وأشار إلى أن الحماس تجاه الذكاء المتجسد تجاوز موجات الاستثمار السابقة في الإنترنت والطاقة الجديدة، مع تحول شركات للروبوتات الصناعية إلى الروبوتات البشرية وارتفاع تقييمات الشركات الناشئة بسرعة. ووصل الأمر ببعض المؤسسين إلى استقبال عشرات المستثمرين المحتملين خلال أسابيع ورفض إجراءات الفحص التقليدية، بينما تعرضت بعض المشروعات الخاصة بالفعل لتخفيضات في التقييم تراوحت بين 30 و50 في المائة.

ويتركز التدقيق التنظيمي بصورة خاصة على جودة الإيرادات. فبعض شركات الروبوتات تحصل على دخل كبير من مراكز جمع البيانات المستخدمة في تدريب الروبوتات، أو من مشروعات مشتركة مع حكومات محلية قد توفر ما بين 80 و90 في المائة من الاستثمار الأولي.

وتساعد هذه المشروعات الشركات على تسجيل طلبيات وإيرادات تدعم تقييماتها وتساعدها على استيفاء متطلبات الإدراج، لكن الجهات التنظيمية تتساءل عما إذا كانت تعكس طلباً حقيقياً من عملاء مستقلين.

وقدر مصدر قريب من مستثمري القطاع أن تقييم بعض شركات الروبوتات قد ينخفض بين 60 و70 في المائة إذا استُبعدت الإيرادات المرتبطة بمراكز جمع البيانات.

وتستعد ست شركات صينية على الأقل للروبوتات البشرية لدخول أسواق الأسهم، من بينها «ديب روبوتيكس»، و«إكس سكوير روبوت»، و«أجيبوت»، ما يجعل تشدد الجهات التنظيمية عاملاً مهماً في مسار التمويل المستقبلي للقطاع.

ولا يعني ذلك تراجع بكين عن دعم الصناعة، بل يشير، وفق مستثمرين ومسؤولين تنفيذيين، إلى انتقال التركيز نحو قدرة الشركات على تحويل الابتكارات التقنية إلى منتجات قابلة للاستخدام التجاري، مع الاهتمام بعدد الروبوتات المنتشرة فعلياً وحجم الطلبيات المتكررة.

وقالت رويينغ تشاو، كبيرة محللي الأبحاث في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن معنويات المستثمرين تتحول من «الحماس الشامل إلى العقلانية الانتقائية»، مع تدقيق أكبر في مدى تبرير القيمة التجارية الفعلية للعلاوات السعرية المرتفعة.

ويأتي ذلك رغم انتعاش أسواق جمع الأموال الصينية. فقد جمعت شركات البر الرئيسي 148.9 مليار دولار من مبيعات الأسهم والإصدارات القابلة للتحويل منذ بداية 2026، بزيادة 59 في المائة على أساس سنوي، واستحوذت شركات التكنولوجيا على 41 في المائة من الإجمالي.

ولا يزال المستثمرون مستعدين لتمويل شركات الروبوتات، لكن بشروط أكثر صرامة. وأصبح السؤال الأساسي، كما قال مصرفي بارز يعمل في طروحات الأسهم الآسيوية، هو ما إذا كانت الروبوتات تمتلك استخداماً تجارياً حقيقياً وتعمل فعلياً في المصانع، أم أن نشاطها لا يزال يتركز على العروض التجريبية.

وهكذا تدخل صناعة الروبوتات البشرية الصينية مرحلة اختبار أكثر صعوبة، فالدعم الحكومي والتقدم التقني ما زالا قائمين، لكن رأس المال لم يعد مستعداً لقبول التقييمات المرتفعة دون إثبات الطلب والاستدامة. وبعد موجة من الحماس، بات معيار النجاح ينتقل من قدرة الروبوت على تقديم عرض باهر إلى قدرته على العمل والإنتاج وتحقيق إيرادات متكررة.


الهند تدرس تفاصيل رسوم جمركية أميركية على مشتري النفط الروسي

شاحنة نقل بنزين متوقفة بالقرب من خزانات النفط في منشأة إنتاج فولودارسكايا بموسكو (رويترز)
شاحنة نقل بنزين متوقفة بالقرب من خزانات النفط في منشأة إنتاج فولودارسكايا بموسكو (رويترز)
TT

الهند تدرس تفاصيل رسوم جمركية أميركية على مشتري النفط الروسي

شاحنة نقل بنزين متوقفة بالقرب من خزانات النفط في منشأة إنتاج فولودارسكايا بموسكو (رويترز)
شاحنة نقل بنزين متوقفة بالقرب من خزانات النفط في منشأة إنتاج فولودارسكايا بموسكو (رويترز)

قال وزير التجارة الهندي بيوش غويال، يوم الاثنين، إن الهند تدرس تفاصيل الرسوم الجمركية الأميركية على مشتري النفط الروسي.

جاء ذلك بعد أيام من إقرار مجلس النواب الأميركي مشروع قانون شامل للعقوبات والرسوم الجمركية يهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على روسيا بسبب الحرب الأوكرانية.

ويخول مشروع القانون الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية صارمة تصل إلى 100 في المائة على الصين والهند ودول أخرى للحد من اعتمادها على الطاقة الروسية.