وهم الثقة... حين يكشف الذكاء الاصطناعي حدوده في الطب

وقائع توضِّح أنه ليس معصوماً من الخطأ

وهم الثقة... حين يكشف الذكاء الاصطناعي حدوده في الطب
TT

وهم الثقة... حين يكشف الذكاء الاصطناعي حدوده في الطب

وهم الثقة... حين يكشف الذكاء الاصطناعي حدوده في الطب

في زمن تُسارع فيه دول العالم لتسخير الذكاء الاصطناعي في كل شؤون الحياة، من خطوط الإنتاج في المصانع إلى منصات التداول في الأسواق، يبقى الطب الميدان الأكثر حساسية وامتحاناً حقيقياً لحدود هذه التقنية. وهنا لا تُقاس النتائج بالأرباح أو الخسائر؛ بل بحياة إنسان قد تُنقَذ أو تُفقَد بخطأ واحد في التنبؤ.

ومن بين التحديات الكبرى التي تواجه هذه الثورة الطبية الرقمية، تبرز إشكاليتان جوهريتان: «الإفراط في التعلُّم» حين تُبالغ الخوارزمية في الثقة بنفسها فتتيه في التفاصيل، و«التقصير في التعلُّم» حين تعجز عن إدراك الأنماط فتقدِّم أداءً ناقصاً. وما بين ثقة مفرطة قد تُضلِّل الطبيب، وضعف في الأداء قد يحجب الحقيقة، يكمن الخطر الذي لا بد من وعيه.

إن إدراك هذه المزالق ليس ترفاً نظرياً ولا جدلاً أكاديمياً مغلقاً؛ بل ضرورة سريرية يومية. فالمريض الذي يجلس على كرسي الطبيب لا يعنيه مصطلح «الإفراط» أو «التقصير»، ولكنه ينتظر تشخيصاً صحيحاً وعلاجاً يُعيد له عافيته. وهنا يُصبح فهم هذه التحديات شرطاً أساسياً لجعل الذكاء الاصطناعي أداة داعمة، لا عبئاً إضافياً.

مرجع عالمي في الذكاء الاصطناعي الطبي

تأتي هذه القضية في قلب النقاشات التي احتواها كتاب «التعلُّم الآلي والذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية» (Machine Learning and AI in Healthcare)، الصادر عن دار «Springer» عام 2023، بتحرير الباحثين: كونستانتين أليفريس (Constantin Aliferis) وغيورغي سيمون (Gyorgy Simon). ويُعدُّ هذا الكتاب واحداً من المراجع الأكاديمية والتطبيقية البارزة في مجاله؛ إذ جمع تحت غلافه خبرات نخبة من العلماء العالميين الذين كرَّسوا بحوثهم لفهم التحديات والفرص التي يطرحها الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي.

تكمن قيمة هذا المرجع في أنه لا يكتفي بعرض النجاحات أو النماذج الواعدة؛ بل يذهب أبعد من ذلك ليكشف المزالق والأخطاء المحتملة، من الإفراط في التعلُّم إلى الثقة المفرطة بالنماذج. وهنا يقدِّم الكتاب رؤية متوازنة تجمع بين الأمل الكبير الذي يحمله الذكاء الاصطناعي للطب، وبين الحذر الواجب عند التعامل مع خوارزميات قد تتحوّل –إن أسيء استخدامها– من أداة إنقاذ إلى مصدر خطر.

من الحفظ الأعمى إلى الفهم الحقيقي

يشبِّه العلماء ظاهرة «الإفراط في التعلُّم» (Overfitting) بالطالب الذي يحفظ الأسئلة المتوقعة للامتحان عن ظهر قلب، فينجح ببراعة إذا طُرحت كما هي، ولكنه يتعثر عند مواجهة سؤال جديد. والأمر نفسه يحدث مع بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فهي تتقن التعامل مع بيانات محدودة بدقة مذهلة، ولكنها تنهار عندما تُختبر في ظروف مختلفة عن تلك التي تدربت عليها.

ولعل المثال الأشهر قصة نظام طوَّرته جامعة أميركية لاكتشاف سرطان الرئة من صور الأشعة. ففي التجارب الأولى، سجَّل نتائج مبهرة بدقة قاربت 97 في المائة. ولكن المفاجأة جاءت عند تطبيقه على صور من مستشفى آخر؛ إذ تراجعت الدقة إلى أقل من 60 في المائة. والسبب لم يكن في ضعف الخوارزمية بقدر ما كان في «ذكائها المفرط»؛ فقد تعلَّمت على نحو غير مقصود التعرُّف إلى شعارات الأجهزة الطبية التي ظهرت في الصور، لا ملامح المرض ذاته. وهكذا، التبس على النظام الفرق بين العلامة التجارية والورم السرطاني!

هذا المثال يوضح أن النجاح في بيئة ضيقة لا يعني بالضرورة الكفاءة في الواقع الأوسع، وأن الفهم الحقيقي لا يتحقق إلا عندما تتجاوز الخوارزميات حدود «الحفظ الأعمى» إلى استيعاب الأنماط الجوهرية للمرض.

الوجه الآخر: السذاجة القاتلة

في الجهة المقابلة من الإفراط، تقف مشكلة «التقصير في التعلُّم» (Underfitting)؛ حيث تكون النماذج أبسط من أن تلتقط الأنماط الجوهرية في البيانات. النتيجة أشبه بتخمين أعمى: أداء ضعيف لا يختلف كثيراً عن الحظ.

تخيَّل طبيباً افتراضياً يُعرَض عليه تخطيط قلب لمريض يعاني ذبحة صدرية (Acute Myocardial Infarction)؛ أي انسداد مفاجئ في أحد شرايين القلب يؤدي إلى توقف تدفق الدم إلى جزء من عضلة القلب، وهو ما يُعرف بالنوبة القلبية. ومع ذلك، لا يرى هذا «الطبيب» الفارق بين التخطيط للمريض والتخطيط الطبيعي... ببساطة لأن نظامه لم يتعلَّم بما يكفي.

هذا ليس سيناريو افتراضياً فحسب؛ بل واقع تكرر في بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي التي طُوِّرت للكشف عن أمراض القلب عبر إشارات التخطيط الكهربائي. وحين جرى اختبارها في بيئة مختلفة عن بيانات التدريب، لم تتجاوز دقتها 50 في المائة؛ أي أنها عملياً لم تكن أفضل من رمي قطعة نقدية في الهواء.

والمشهد ذاته يتكرر في طب الأسنان؛ فقد أظهرت بعض الخوارزميات ضعفاً في التمييز بين التسوُّس المبكر وبين بقع التصبغات والتلونات الطبيعية على سطح السن. والنتيجة أن بعض المرضى تلقُّوا إنذارات خاطئة، أو أُهملوا في مراحل حرجة كان يمكن فيها التدخل المبكر.

هذه الإخفاقات تذكِّرنا بأن الذكاء الاصطناعي، مهما بدا لامعاً، يمكن أن يتحوَّل إلى أداة عديمة الجدوى إن لم يُبْنَ على بيانات كافية ومتنوعة، تُعلِّمه كيف يفرِّق بين الخطأ والحقيقة.

حين تتحول الثقة إلى وهم

لا تكمن المشكلة في الإفراط أو التقصير في التعلُّم فحسب؛ بل في ظاهرة أخطر تُعرف بـ«الثقة المفرطة»، (Overconfidence) وهي أن يقدِّم النموذج تنبؤاته بلهجة قاطعة، توحي باليقين، بينما تكون الحقيقة أبعد ما تكون عن الصحة. هنا يصبح الخطر مضاعفاً: ليس فقط نتيجة خاطئة؛ بل نتيجة مغلَّفة بطمأنينة زائفة قد تُضلِّل الأطباء، وتؤثر مباشرة في حياة المرضى.

في عام 2020، نشرت مجلة «Nature Medicine» دراسة بارزة كشفت إخفاق نموذج طوَّرته إحدى الشركات التقنية الكبرى، وكان يُسوَّق له كأداة رائدة لتشخيص سرطان الثدي. في التجارب الأولية، أظهر النموذج أداءً واعداً، ولكن عند اختباره في بيئات مختلفة عن بيانات تدريبه، تراجعت دقته بشكل صادم. الأخطر أنه واصل إصدار تنبؤات ممهورة بدرجة ثقة عالية، الأمر الذي جعل الأطباء يظنون أن النتيجة حاسمة، بينما كانت في الواقع مضللة.

ولم يكن هذا المثال وحيداً. ففي مجال علم الأمراض الباثولوجي، طُوِّرت أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل شرائح الأنسجة المجهرية، بهدف التعرُّف على الأورام. ورغم دقتها العالية في بيئة التدريب، فإنها أظهرت ثقة مفرطة عند مواجهة عينات جديدة ذات اختلافات طفيفة في الصبغات أو جودة الشرائح. في بعض الحالات، أعطت هذه الأنظمة تشخيصاً جازماً بوجود ورم خبيث، بينما كانت العينة سليمة تماماً. هذا التضليل كاد أن يقود إلى قرارات علاجية جراحية غير ضرورية، لولا تدخُّل الخبرة البشرية التي أعادت التقييم.

هذه النماذج تكشف عن حقيقة صادمة: الخوارزمية قد تخطئ، ولكن الكارثة تبدأ حين تُخفي خطأها تحت قناع الثقة المطلقة.

دروس من أرض الواقع

وإليكم بعض الدروس حول أخطاء الذكاء الاصطناعي:

1. سرطان الجلد: أظهرت أنظمة الذكاء الاصطناعي للكشف عن الميلانوما نتائج مبهرة في مختبرات البحث، ولكنها أخفقت عند اختبارها على مرضى من أعراق مختلفة؛ لأن معظم بيانات التدريب جاءت من ذوي البشرة البيضاء. النتيجة: أداء ضعيف عند مواجهة البشرة السمراء أو الداكنة، وهو ما كشف تحيزاً خطيراً في بناء البيانات.

2. «كورونا»: خلال جائحة «كوفيد-19»، تسابقت مراكز البحوث لتطوير نماذج للتشخيص السريع من صور الأشعة الصدرية. ولكن مراجعة شاملة نُشرت عام 2021 في مجلة «BMJ» أكدت أن غالبية هذه النماذج لم تكن صالحة للتطبيق السريري، إما بسبب ضعف التعميم وإما بسبب تحيزات في بيانات التدريب، ما جعلها غير موثوقة في إنقاذ الأرواح في لحظة الأزمة.

3. قسم الطوارئ: في الولايات المتحدة، اعتمد أحد المستشفيات على نظام آلي لفرز المرضى (Triage) وتحديد أولوياتهم في قسم الطوارئ. ولكن التجربة انتهت بكارثة أخلاقية: النظام كان يقلل من خطورة بعض حالات النساء والأقليات مقارنة بالرجال البيض! والسبب هو تحيُّز خفي في البيانات التاريخية التي بُني عليها، عكس تمييزاً متوارثاً في النظام الصحي نفسه.

هذه الأمثلة الثلاثة تكشف بوضوح أن الذكاء الاصطناعي ليس «معصوماً». خطورته لا تكمن فقط في وقوعه في الخطأ؛ بل في إقناعنا -بدرجة ثقة عالية- بأنه على صواب. وهنا تكمن الحاجة إلى عين بشرية ناقدة تضع حدوداً لثقة الخوارزميات، قبل أن تتحول هذه الثقة إلى وهم يهدد حياة الإنسان.

الطريق إلى أفضل الممارسات

يبقى السؤال: كيف يمكننا أن نتفادى هذه المزالق، ونحوِّل الذكاء الاصطناعي إلى شريك موثوق فعلاً في الطب؟ الحل ليس في هدم التقنية أو الخوف منها؛ بل في تبنِّي الممارسات الفضلى التي تجعل الخوارزميات أكثر عدلاً وموثوقية:

- تنويع مصادر البيانات: بحيث تشمل مرضى من أعراق وخلفيات بيئية مختلفة، فلا تبقى النماذج حبيسة فئة واحدة.

- التقييم الصارم: عبر أساليب مثل التحقق المتقاطع أو المتبادل (Cross- Validation)، للتأكد من أن النموذج لا ينجح فقط في بيئة ضيقة؛ بل يثبت نفسه أمام بيانات جديدة.

- الشفافية: وذلك بنشر النتائج كاملة، مع توضيح نقاط القوة والقصور، بدل الاكتفاء بالأرقام اللامعة.

- عادة الاختبار المستقل: على يد فرق بحثية مختلفة، وقبل أي تطبيق سريري واسع، لتجنُّب تكرار أخطاء الماضي.

بهذه الخطوات، يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من مصدر قلق إلى أداة أكثر أماناً، تفتح الطريق أمام ثقة مدروسة وليست عمياء.

لماذا تهمنا هذه الدروس في العالم العربي؟

الأمر بالسبة لنا لا يقتصر على متابعة سباق عالمي؛ بل يرتبط مباشرة بصحة مجتمعاتنا ومستقبل أنظمتنا الطبية. فنحن نسعى اليوم لبناء مستشفيات ذكية في الرياض ودبي والقاهرة ونيوم، تحمل وعوداً بتغيير جذري في الرعاية الصحية. ولكن هذه الوعود قد تتحول إلى سراب إذا استوردنا أنظمة لامعة في المؤتمرات، ثم اكتشفنا أنها عاجزة في أقسام الطوارئ عند مواجهة مرضانا ببيئتهم وخصائصهم المختلفة.

لقد أثبتت التجارب أن النظام الذي يحقق نتائج مذهلة في بوسطن أو لندن قد يفشل في جدة أو الرباط، إذا لم تُؤخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجينية والبيئية والغذائية لشعوبنا. فأنماط الأمراض، والبصمات الجينية، وحتى العادات الغذائية في منطقتنا تختلف جذرياً عن الغرب، ما يجعل نقل الخوارزميات كما هي مخاطرة لا يمكن تجاهلها.

وهنا يكمن دور الباحثين والأطباء العرب: ليس فقط في تطوير نماذج محلية تستند إلى بياناتنا؛ بل أيضاً في تدقيق النماذج المستوردة، والتأكد من صلاحيتها عبر تجارب مستقلة داخل بيئتنا السريرية. إن الاستثمار في قواعد بيانات عربية موسّعة -تشمل أطفالنا وشبابنا وكبار السن- لن يكون رفاهية؛ بل سيكون شرطاً أساسياً لضمان أن تكون «المستشفيات الذكية» ذكية فعلاً، معنا ولأجلنا.

بكلمة أخرى: نجاح الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية العربية لن يُقاس بعدد الأجهزة المستوردة؛ بل بقدرتنا على تحويله إلى أداة تُعالج مريضاً في مكة كما تعالج مريضاً في مانشستر، دون تحيُّز أو قصور. وهنا تتجسد الأهمية الحقيقية لهذه الدروس: أن نكون صانعين للتقنية؛ لا مجرد مستخدمين لها.

إن الذكاء الاصطناعي في الطب أداة عظيمة تحمل وعوداً واسعة، ولكنها ليست بديلاً عن العقل النقدي ولا عن الطبيب البشري. فالإفراط في الثقة قد يكون خطراً بقدر ضعف الأداء، وبين هذين الحدَّين يكمن الطريق الآمن: علم رصين، وبيانات كافية، وتصميم صارم يجعل الخوارزميات جديرة بثقة المريض العربي تماماً، كما هي جديرة بثقة المريض الغربي.

إنَّ السؤال الحقيقي ليس: هل الذكاء الاصطناعي قادر على إنقاذ الأرواح؟ بل: هل نحن قادرون على استخدامه بوعي وحذر، لنضمن أن يبقى في خدمة الإنسان لا على حسابه؟

ولعل ما قاله ويليام شكسبير يصلح أن يكون مرآة لمرحلتنا: «الثقة المفرطة تُقرِّبنا من الخطر، كما يقرِّبنا الخوف المفرط منه». وبين هذين النقيضين، علينا أن نصوغ معادلة متوازنة تجعل الذكاء الاصطناعي سنداً للطب؛ لا عبئاً عليه.


مقالات ذات صلة

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

علوم الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

في تقدُّم مهم لبحوث الصحة النفسية، كشف العلماء عن روابط جينية قد تفسر لماذا يحدث الاكتئاب والقلق وغيرهما من الاضطرابات النفسية معاً في كثير من الأحيان.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك في المنزل... يُنصح بتجنب تخزين الأدوية في الحمام بسبب الحرارة والرطوبة أو قرب النوافذ المشمسة أو فوق خزائن المطبخ القريبة من الفرن. والأفضل حفظها في مكان بارد وجاف مثل درج في غرفة النوم أو خزانة (بيكسلز)

هل تؤثر الحرارة المرتفعة في فعالية الأدوية؟

قد تؤدي الحرارة المرتفعة إلى تقليل فعالية كثير من الأدوية، بل وقد تجعل بعضها غير آمن للاستخدام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك قد يكون الارتباك أو التصرف غير المعتاد من أخطر العلامات المبكرة لضربة الشمس ويستدعي تدخلاً طبياً فورياً (بكسلز)

التغيّر المفاجئ في السلوك... علامة قد تكشف عن ضربة شمس مهدِّدة للحياة

قد تكون أبرز علامة على ضربة الشمس تغيّر السلوك أو الارتباك الذهني، ما يستدعي إسعافاً فورياً وتبريد الجسم سريعاً، لأن الحالة قد تصبح مهددة للحياة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك رغم شيوع استخدام مكملات المغنسيوم لتخفيف القلق فإن الأدلة العلمية الحالية لا تؤكد بشكل قاطع فاعليتها (بيكسلز)

هل المغنسيوم يخفّف القلق؟

تشير الأدلة إلى أن مكملات المغنسيوم لم تثبت فاعليتها في تخفيف القلق، رغم أنها آمنة غالباً وقد تساعد على النوم، مع ضرورة استشارة طبيب عند استمرار الأعراض.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم اختراق جديد يكشف أسراراً جينية استعصت على العلماء لسنوات

اختراق جديد يكشف أسراراً جينية استعصت على العلماء لسنوات

تطوير أداة جديدة تعزز دقة التنبؤ بالمخاطر الصحية في خطوة قد تعزز قدرة العلماء على اكتشاف الأسباب الوراثية للأمراض،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

ترويج مركبات تحاكي تأثيرات التمارين المفيدة... لرواد الصالات الرياضية

بنحاس كوهي في مختبره
بنحاس كوهي في مختبره
TT

ترويج مركبات تحاكي تأثيرات التمارين المفيدة... لرواد الصالات الرياضية

بنحاس كوهي في مختبره
بنحاس كوهي في مختبره

قبل بضعة أشهر، علم بنحاس كوهين بوجود تجارة رائجة عبر الإنترنت لنوع من البيبتيدات المسمى MOTS-c، وهو بيبتيد يُحاكي في تأثيره تأثيرات التمارين الرياضية عند حقنه في الفئران، كما كتب كورين بورتيكورين بورتيل(*).

كان كوهين، عميد كلية ليونارد ديفيس لعلم الشيخوخة بجامعة جنوب كاليفورنيا، على دراية تامة بهذا المركب، وهو سلسلة قصيرة من الأحماض الأمينية. وقد حدد مختبره هذه السلسلة منذ سنوات كواحدة من آلاف البيبتيدات التي تعمل كناقلات كيميائية في جسم الإنسان، والتي اعتقد كوهين أنها قد تُستخدم يوماً ما لأغراض علاجية للبشر.

ترويج بلا سند علمي

لكن كوهين شعر بالقلق عندما علم أن اكتشافه هذا يُروج له الآن من قِبل أعداد غفيرة من الباحثين عن طول العمر، وهواة اللياقة البدنية، والمؤثرين في مجال الصحة، باعتباره «تمريناً في زجاجة». ورغم عدم حصوله على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإنه متوفر على نطاق واسع عبر الإنترنت، وغالباً ما يُباع في قوارير تُسوّق على أنها «للاستخدام البحثي فقط».

وقال كوهين: «اتضح أن عشرات الآلاف من الناس يحقنون أنفسهم بمادة MOTS-c، وهي مادة غير قانونية تُباع في السوق السوداء، ومن مصادر مجهولة، وبدرجة نقاء وتعقيم غير معروفة، وأنا أعترض بشدة على ذلك».

وخلال العقد الماضي ازداد طلب المستهلكين على البيبتيدات التجريبية بشكل كبير بسبب الضجة الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد انعدام الثقة في توجيهات الصحة العامة. والآن، يُؤجج الجدل الدائر حول البيبتيدات غير الخاضعة للرقابة معركة سياسية حاسمة داخل الحكومة الفيدرالية. وقد وصف وزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت ف. كينيدي جونيور، نفسه بأنه «مؤيد كبير» ومستخدم للبيبتيدات، وتعهد بإنهاء «القمع الشديد» الذي تمارسه الحكومة ضدها.

بعض البيبتيدات لها تأثيرات علاجية

وبينما حققت بعض البيبتيدات، مثل الإنسولين وهرمون النمو البشري والببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1، تأثيرات علاجية مذهلة عند إعطائها للبشر. لكن كل قارورة من الإنسولين أو دواء GLP-1 على رفوف الصيدليات هي نتاج عقود من التجارب السريرية واختبارات السلامة. كما تتوفر كميات هائلة من البيانات حول تأثيرات هذه الأدوية، والفئات الأكثر فاعلية لها، والجرعة والشكل الأمثل لاستخدامها.

انعدام الأدلة العلمية

أما بالنسبة لـ«MOTS-c» ومجموعة من البيبتيدات الأخرى المتوفرة بكثرة على الإنترنت، فلا توجد أدلة مماثلة. على الرغم من أن المؤيدين يدّعون أن هذه المواد تساعد في إنقاص الوزن، وزيادة الطاقة، وبناء الكتلة العضلية، ويستشهدون غالباً بأبحاث أُجريت على الحيوانات فقط أو على عدد قليل جداً من البشر، إلا أنه لا أحد يعلم على وجه اليقين كيف أو متى يجب استخدامها على البشر. وبينما يتناول العديد من المستخدمين عدة بيبتيدات معاً في تركيبات مخصصة، أو ما يُعرف بـ«المجموعات»، لا توجد بيانات حول كيفية تفاعل البيبتيدات الاصطناعية المختلفة مع بعضها.

حتى الآن، كانت معظم هذه البيبتيدات الشائعة متوفرة فقط في الأسواق الإلكترونية غير الخاضعة للرقابة. ولكن أخيراً صوتت لجنة تابعة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية لصالح التوصية بالسماح للصيدليات المتخصصة في تركيب الأدوية بتصنيع 6 بيبتيدات مختلفة متوفرة بالفعل على نطاق واسع عبر الإنترنت، وهي: BPC-157، وTB-500، وKPV، وepitalon، وSemax، وMOTS-c. أما البيبتيد السابع emideltide، فقد رُفض طلبه.

وتُعدّ الصيدليات التي تُحضّر الأدوية حسب الطلب ثغرةً في النظام الرقابي الأميركي. فرغم أن الأدوية التي تُنتجها غير معتمدة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإنها مُلزمة باتباع لوائح السلامة والجودة في ولاياتها.

سافر كوهين إلى واشنطن العاصمة للتحدث أمام اللجنة، التي يعمل العديد من أعضائها في شركات الرعاية الصحية عن بُعد، وإطالة العمر، والعافية، والتي ستستفيد مالياً من تنظيم البيبتيدات. وبالنظر إلى أن «MOTS-c» يُستخدم بالفعل على نطاق واسع خارج نطاق الاستخدام المُصرّح به، وعدم وجود أدلة بحثية تُثبت وجود آثار جانبية ضارة، قال كوهين في كلمته إنه يعتقد أن تحضير الأدوية «تحت إشراف أطباء مُختصين ومراقبة الجودة» هو أسلم سبيل للمضي قدماً. وأضاف: «لا يُمكننا القضاء على السوق السوداء. لذا أعتقد أنه من الأفضل على الأقل ضمان الجودة والتعقيم، واشتراط مشاركة أطباء مُختصين في هذه العملية. أعتقد حقاً أن هذا خيار أفضل من ترك الأمور على حالها».

ولا يتفق الجميع معه. فقد نصح موظفو إدارة الغذاء والدواء الأميركية، الذين تحدثوا في الاجتماع الذي استمر يومين، بعدم استخدام تركيبات البيبتيدات، قائلين إنه لا توجد بيانات كافية حول سلامتها لتبرير هذه الخطوة.

ويقول بول كنوبفلر، أستاذ بيولوجيا الخلية وعلم التشريح البشري في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في ديفيس: «مع أنه من الصحيح أن معظم مُصنّعي التركيبات قادرون على إنتاج نسخ أنقى من هذه البيبتيدات مقارنةً بما هو موجود في السوق السوداء، فإن هذا لا يُعالج المخاطر الكامنة المحتملة للبيبتيدات نفسها. ليس هناك أي سبب وجيه يسمح لهم بتجاوز نظام التجارب السريرية القياسي لمجرد وجود رواج للبيبتيدات مدفوع بمؤثري الصحة وشركات التطبيب عن بُعد».

مخاطر الاستخدام طويل المدى

اكتشف كوهين ببتيد «MOTS-c» من خلال تحليل 97 في المائة من الحمض النووي البشري الذي لا يحمل جينات. هذا المخزون البيولوجي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه «حمض نووي غير وظيفي» أو «جينوم مظلم»، تبين أنه غني بالهرمونات والبروتينات الدقيقة التي تلعب أدواراً مهمة في تنظيم أجهزة الجسم وعملياته الحيوية.

وقد نُشر ما يقارب 250 بحثاً علمياً من عشرات المختبرات البحثية حول العالم حول بيبتيد «MOTS-c» منذ أن اكتشفه مختبر كوهين. ورغم قلة مخاطر هذا البيبتيد وآثاره الجانبية، وتأثيراته الواضحة على الاستقلاب (التمثيل الغذائي) في الفئران، فإنه لا يُعرف حتى الآن كيف يؤثر استخدامه طويل الأمد على البشر، أو ما هي التركيبة أو الجرعة الأكثر فاعلية. ويبدو أن ادعاءات المؤثرين حول تأثير البيبتيدات على فقدان الوزن، وكتلة العضلات، وطول العمر، والطاقة لدى البشر، مستنبطة من تأثيراتها على حيوانات المختبر.

وقال كوهين: «بعض الفئات من الناس - على سبيل المثال، عشاق اللياقة البدنية، وهو مصطلح لطيف يُطلق على رواد الصالات الرياضية - يأخذون نتيجة واحدة من دراسة أُجريت على الفئران ويعتبرونها حقيقة مطلقة». وأضاف أنه في عالم مثالي، يتمنى أن يُطوّر «MOTS-c» ليصبح دواءً مُعتمداً من إدارة الغذاء والدواء الأميركية. لكن في الواقع، يتطلب نقل دواء واحد من المختبر إلى السوق وقتاً طويلاً (عشر سنوات على الأقل، وغالباً أكثر) وأموالاً طائلة (مئات الملايين من الدولارات على الأقل، وغالباً أكثر)، ما يجعل عدداً قليلاً جداً من المرشحين لتطويره ينجح في تحقيق هذا الهدف. وقد تعثرت جهوده الشخصية لتطوير دواء منه.

من سيطرة الأطباء... إلى سيطرة المروجين والمستهلكين

وحذر كوهين، قائلاً: «الصورة العامة هي أننا كأمة ننتقل من نموذج القرن العشرين، حيث كانت الرعاية الصحية خاضعة لسيطرة الأطباء وشركات التأمين، إلى نموذج جديد في القرن الحادي والعشرين، حيث يطالب المستهلكون ويحصلون على خدمات ومنتجات الصحة والعافية التي يدفعون ثمنها نقداً. لا أقول إن هذا نموذج أفضل، ولكنه النموذج الذي ننتقل إليه».

* «لوس أنجليس تايمز»، خدمات «تريبيون ميديا».


«قيادة الفضاء الأميركية»: 5 متطلبات لكسب حروب المستقبل

شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
TT

«قيادة الفضاء الأميركية»: 5 متطلبات لكسب حروب المستقبل

شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض

صرح قائد قيادة الفضاء الأميركية بأن الأسلحة الفضائية والأقمار الاصطناعية القابلة لإعادة التزود بالوقود تأتي ضمن المتطلبات اللازمة للحفاظ على التفوق العسكري الأميركي في المدارات الفضائية مقارنة بالصين، كما كتب توماس نوفلي(*).

استعداد عسكري فضائي... بهدف التفوق على الصين

وفي كلمته أمام الحضور في «ندوة الدفاع الفضائي والصاروخي» أمس (الأربعاء)، قال الجنرال ستيفن وايتينغ إن خصوم أميركا يستهدفون الآلات الفضائية الأميركية ويعملون في الوقت نفسه على تطوير قدراتهم الفضائية بسرعة. وأشار إلى أن الصين، على سبيل المثال، تمتلك صواريخ مضادة للأقمار الاصطناعية (ASAT) تُطلق من الأرض مباشرة، وأنظمة ليزر أرضية، وأجهزة تشويش، وأقماراً اصطناعية قابلة للمناورة وذات استخدام مزدوج.

5 متطلبات رئيسية

وأضاف وايتينغ: «تهدف هذه التطورات إلى تقويض تفوقنا الحالي في الفضاء، ومن شأنها أن تمنح الصين ميزة في المناورة والخدمات اللوجستية في الفضاء؛ وهو أمر لن نقبل به سواء في البر أو البحر أو الجو». وفي كلمته الأخيرة بصفته قائداً لهذه القيادة القتالية (وهو منصب برتبة جنرال بـ4 نجوم) خلال الندوة المذكورة التي عقدت في هانتسفيل بألاباما، أوضح وايتينغ للحضور، ومن ضمنهم مسؤولون عسكريون وممثلون عن قطاع الصناعة، أن هناك 5 متطلبات رئيسية مدرجة ضمن «قائمة الأولويات المتكاملة» لقيادة الفضاء الأميركية للفترة ما بين عامي 2029 و2033.

وأضاف قائلاً: «هذه ليست مجرد قائمة أمنيات، بل هي مؤشر واضح على المتطلبات الموجهة لعدة جهات، وتحدد القدرات القتالية التي نحتاج إليها لإنجاز مهمتنا».

قدرات نارية متكاملة في الفضاء

1.القدرات النارية الفضائية المتكاملة: على غرار المصطلحات المستخدمة في الجيش البري، استخدم وايتينغ هذا المصطلح طوال فترة توليه قيادة الفضاء للإشارة إلى القدرات الهجومية والدفاعية اللازمة لردع التهديدات الموجودة في المدار. وقال: «نحن قيادة قتالية ومهمتنا القتال لكسب الحروب. ولكي ننتصر، نحتاج إلى قدرات نارية -سواء كانت حركية (تدميرية) أو غير حركية- تتسم بالمصداقية والفاعلية المعترف بها؛ إذ تُعد هذه القدرات عنصراً أساسياً في كيفية تحقيقنا التفوق الفضائي واستعادة قوة الردع الموثوقة».

مجابهة الأقمار منخفضة المدار

2. تقنيات مواجهة الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض. ذكر وايتينغ أن هناك حاجة لتقنيات جديدة لمواجهة كوكبات الأقمار الاصطناعية التي ينشرها الخصوم في المدار الأرضي المنخفض. وكانت الصين قد أطلقت حتى الشهر الماضي، 200 قمر اصطناعي للاتصالات من طراز «جي 60» G60 و168 قمراً من طراز «سات نت» SatNet في إطار سعيها لبناء «كوكبتين ضخمتين بهدف منافسة البنى التحتية الغربية المعتمدة على أسراب كثيفة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض، وذلك وفقاً لوثيقة حقائق صادرة عن «قوة الفضاء» الأميركية.

وصرح وايتينغ للصحافيين عقب كلمته الرئيسية قائلاً: «لا أريد تعريض أي قوة أميركية للخطر لمجرد أن طرفاً آخر قد يمتلك كوكبة كثيفة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض قادرة على رصد القوات الأميركية وتحديد مواقعها وتتبعها واستهدافها».

قيادة سيطرة مشتركة

3.القيادة والسيطرة الفضائية المشتركة والمتكاملة: غالباً ما يشدد القادة العسكريون على الأهمية المحورية للقدرة على الإشراف على العمليات الفضائية المعقدة وتنظيمها وإصدار الأوامر بشأنها. وقال وايتينغ في كلمته: «علينا تعزيز الاتصال المباشر بين الآلات (machine-to-machine) لدعم اتخاذ القرار وإدارة المعارك في هذا الصراع الفضائي العالمي، وذلك ضمن أطر زمنية تتناسب مع المتطلبات التكتيكية».

4.الوعي المخصص لفهم أعمال المجال الفضائي بهدف ممارسة الاشتباكات الفضائية: أشار وايتينغ إلى أن الأمر لا يقتصر على الدفاع الصاروخي فحسب؛ إذ يجب أن يتوسع الوعي بالمجال الفضائي ويتطور ليشمل نطاقاً واسعاً من العمليات الفضائية، وليس مجرد قطاع واحد منها. وأضاف قائلاً: «يجب علينا تبني عقلية تركز على (مسارات للتتبع ذات جودة عالية تتيح الاستهداف) في كل ما نقوم به في الفضاء، تماماً كما فعل مجتمع الدفاع الصاروخي لعقود».

الأقمار الاصطناعية القابلة للتزود بالوقود... أولوية

5.المناورة الفضائية المتواصلة والمستمرة: تظل عملية تطوير أقمار اصطناعية قابلة للتزود بالوقود -لإطالة فترة صلاحيتها التشغيلية- إحدى الأولويات الرئيسية للقيادة الفضائية الأميركية. ففي شهر مارس (آذار) الماضي، استخدم قمر اصطناعي تجاري صيني ذراعاً آلية مرنة «لإجراء تجربة عملية للخدمة والصيانة في المدار، والتزود بالوقود، وإزالة الحطام الفضائي»، وذلك حسب «قوة الفضاء» الأميركية.

وقال وايتينغ: «تقتصر قدرات أقمارنا الاصطناعية اليوم على كمية الوقود التي تنطلق بها، ما يولد عقلية قائمة على (شح الموارد)؛ إذ غالباً ما تكون الأولوية للحفاظ على الوقود على حساب مناورات القتال المطلوبة. يجب أن يتغير هذا الوضع؛ إذ يتعين علينا أن نكون قادرين على تجنب التهديدات بفاعلية والمناورة لاكتساب موقع تفوق على خصومنا».

* مجلة «ديفنس وان».


الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني
TT

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

يهدد الذكاء الاصطناعي بتقويض التعليم الإلكتروني، وهو قطاع مزدهر للكليات والجامعات، في ظلّ معاناة الأساتذة لمواجهة موجة الغشّ المتزايدة التي تُمكّنها التكنولوجيا، كما كتب دانا غولدستاين ووآلان بليندر(*)

التعليم عبر الإنترنت

في قاعات الدراسة التقليدية، تحوّل العديد من المدرسين إلى العروض الشفوية والاختبارات الكتابية في محاولة لمنع إساءة استخدام هذه التكنولوجيا غير الخاضعة للرقابة. لكنّ تطبيق هذه الاستراتيجيات قد يكون أكثر صعوبة عبر الإنترنت، حيث التحق أكثر من نصف طلاب الجامعات الأميركية بدورة واحدة على الأقل العام الماضي، مقارنةً بنحو الثلث في عام 2019.

في العديد من الدورات الدراسية عبر الإنترنت، سواء في الكليات المحلية أو الجامعات العالمية المرموقة، قد لا يلتقي الطلاب أساتذتهم أو زملاءهم، حتى عبر الفيديو. إذ إن هذه الدورات ذاتية التعلّم، وتعتمد على محاضرات مسجلة مسبقاً، وتُعرف أيضاً بالتعليم غير المتزامن. ويقدم الطلاب الواجبات والاختبارات إلكترونياً.

وبينما تُقدّم بعض الجامعات التعليم عبر الإنترنت بالكامل، يتزايد عدد الجامعات التقليدية التي تُوسّع نطاق برامجها الإلكترونية. أحياناً، يستطيع الطلاب الحصول على شهادات جامعية كاملة عبر الإنترنت. وفي حالات أخرى، يدرسون مقررات دراسية منفردة.

الغش بواسطة الذكاء الاصطناعي

وفي هذا السياق يتسارع الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، متجاوزاً مجرد نسخ ولصق المقالات ومجموعات التمارين التي تُنتجها برامج الدردشة الآلية. فقد مكّنت هذه البرامج الطلاب من توليد مقررات فصل دراسي كامل من العمل. فبمجرد توجيه أوامر بسيطة - مثل «سجّل الدخول وأكمل اختباري» - يستطيع الطالب استخدام المحتوى الذي يُحاكي محتواه المطلوب دراسياً. فهذه البرامج يمكنها مشاهدة فيديوهات المحاضرات، وإجراء الاختبارات، وكتابة الأبحاث، والتواصل لمناقشة واجبات القراءة.

مخاوف من الشهادات الإلكترونية

لطالما أُثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت الشهادات من البرامج الإلكترونية تُعادل في قيمتها الشهادات التي تُمنح في الجامعات التقليدية. لكنّ صانعي السياسات وقادة التعليم أمضوا عقدين من الزمن في الترويج للتعليم الإلكتروني كأداة لتحقيق العدالة، تُمكّن الطلاب غير التقليديين، مثل أولياء الأمور العاملين ذوي الدخل المحدود، من الدراسة أينما ووقتما يُناسبهم. ويقول العديد من الطلاب إنّ الدراسة عبر الإنترنت جعلت الحصول على الشهادات الجامعية في متناول أيديهم.

لكنّ سهولة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي تُعمّق الآن المخاوف بشأن أكثر أشكال التعليم العالي سهولةً، في الوقت الذي يُعاني فيه العديد من الطلاب من التداعيات الأكاديمية للجائحة، ويتساءلون عمّا إذا كانوا يمتلكون المهارات اللازمة للنجاح في الجامعة.

وفي مقابلات، وصف مُدرّسون من مختلف أنحاء البلاد شعورهم المُقلق بأنّ الذكاء الاصطناعي قد تسلّل إلى فصولهم الدراسية الرقمية.

تجربة مدرسة تعليم إلكتروني

كانت ردة فعل كارين كوستا -التي أمضت ما يقرب من 20 عاماً في تدريس دورات عبر الإنترنت- في البداية تتسم بالاستخفاف كلما تحدث الناس عن احتمالية تغلغل الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم العالي. لكنها تقول إنها لاحظت في العام الماضي «تدفقاً» لأعمال أنجزها طلابها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وتستذكر كوستا - التي حصلت بنفسها على شهادة دراسات عليا متقدمة من خلال برنامج يعتمد بشكل أساسي على التعلم غير المتزامن في جامعة نورث إيسترن - أنها تساءلت حينها: «هل أنا أتعامل مع روبوتات هنا؟». وتعمل كاثرين كايسار في التدريس بالكليات المحلية منذ ثمانينات القرن الماضي. وقد لاحظت أخيراً أن الطلاب يقدمون أداءً متدنياً للغاية في اختبار أولي لمهارات علامات الترقيم والتنقيط، لكنهم سرعان ما يقدمون بعد ذلك أعمالاً ممتازة تزخر بعلامات الترقيم الدقيقة مثل النقطتين الرأسيتين والفاصلة والفاصلة المنقوطة.

تمييز نصوص الذكاء الاصطناعي الرديئة

وتقول كايسار - التي تشرف على دورات عبر الإنترنت منذ نحو 15 عاماً وتُرجع مشاكل التعليم العالي المتعلقة بسوء استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إخفاقات تنظيمية وقيادية: «الأمر واضح للغاية؛ فالمعلمون ذوو الخبرة الطويلة، ممن يعملون أيضاً في مجالات التحرير والكتابة، يمكنهم عادةً تمييز النصوص الرديئة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي في غضون 30 ثانية».

وهي تفرض الآن إجراء اختبارات حضورية (وجهاً لوجه) في منتصف الفصل الدراسي وفي نهايته لبعض الفصول، مع توفير قاموس ورقي في مقدمة القاعة الدراسية.

غش واضح... وحلول غائبة

غالباً ما ينفي الطلاب في جميع أنحاء البلاد بشدة ارتكاب أي مخالفات، بينما يبدي المسؤولون وأعضاء هيئة التدريس -كما يُقال- تردداً مستمراً في فرض إجراءات تأديبية. ويعود ذلك جزئياً إلى احتمالية وقوع برمجيات كشف الذكاء الاصطناعي في الخطأ، ما يعني غياب الأدلة القاطعة على سوء السلوك. كما يخشى بعض الأساتذة أن يرفض بعض المسؤولين المخاطرة بخسارة «زبون يدفع الرسوم» في ظل تقلص الميزانيات وتغير التركيبة السكانية. علاوة على ذلك، يبدي قادة قطاع التعليم حماساً لتبني تقنية من شأنها إعادة تشكيل عالم العمل.

والنتيجة هي تباين في الاستجابة لحالات سوء استخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يكتفي بعض الأساتذة بعدم الاكتراث، بينما يمنح آخرون درجات متدنية، في حين يسمح فريق ثالث للطلاب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون قيود.

وقد دعا بعض أعضاء هيئة التدريس إلى فرض تنظيم حكومي لأدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها الطلاب. وحتى الآن، لم تتخذ شركات التكنولوجيا - التي تتحرك بمبادرات فردية - خطوات تذكر للحد من الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتطول هذه المشكلة كلاً من الفصول الدراسية التقليدية وتلك التي تُعقد عبر الإنترنت، إلا أن مراقبتها وضبطها يزدادان صعوبة عندما ينجز الطلاب مهامهم ويؤدون اختباراتهم من المنزل، بعيداً عن أنظار الأساتذة.

منصات الذكاء الاصطناعي التي لا ترفض الطلبات

في اختبارات أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، لم تقم أي من أدوات الذكاء الاصطناعي الثلاث الرائدة بين الطلاب — وهي «تشات جي بي تي» و«جيميناي» و«غرامرلي» Grammarly - برفض الطلبات (أو قول «لا») التي تطلب من برمجيات الدردشة الآلية كتابة ورقة بحثية نيابة عن الطالب. ورغم أن النسخ المرخصة للمدارس من هذه البرمجيات قد تفرض قيوداً أكثر صرامة، فإن لا شيء يمنع الطلاب من الالتفاف على تلك القيود باستخدام عناوين بريد إلكتروني شخصية أو أجهزة إضافية.

توظيف المنصات الذكية التعليمية

كما لم تمنع شركات الذكاء الاصطناعي هذه البرمجيات الذكية من تسجيل الدخول إلى منصات تعليمية مثل «كانفاس» Canvas و«براتسبايس» Brightspace و«بلاكبورد» Blackboard، التي تستخدمها الكليات لإدارة الفصول الدراسية عبر الإنترنت. ويمكن لتلك المنصات التعليمية رصد مؤشرات تدل على استخدام هذه البرمجيات، مثل الوقت المستغرق في إنجاز المهمة. ومع ذلك، أشار مسؤولو العديد منها إلى عدم وجود طريقة مضمونة تماماً لمنع الغش باستخدام هذه الأدوات الذكية.

وقال جيسون ويفر، رئيس مكتب العمليات في شركة «بلاكبورد»، إن «زبائننا يوضحون بجلاء أن النزاهة الأكاديمية لم تواجه ضغوطاً بهذا الحجم من قبل». وقد استحوذت الشركة أخيراً على تطبيق يتعلم أنماط الكتابة الخاصة بالطلاب للتحقق من صحة أعمالهم.

مطالبات تربوية وامتناع تكنولوجي

وطالب بعض التربويين بأن تقوم برمجيات الذكاء الاصطناعي العاملة داخل الدورات التدريبية عبر الإنترنت بالإفصاح عن هويتها، ليتسنى للأساتذة مراقبة كيفية استخدامها. غير أن شركات الذكاء الاصطناعي قاومت حتى الآن مثل هذه الشفافية.

وفي بيان لها، ذكرت شركة «بيربليكسيتي» Perplexity المطوّرة لمتصفح ويب مدعوم بالذكاء الاصطناعي يحظى بشعبية بين الطلاب — أن تقييد قدرة المستخدمين على الاستعانة بهذه الأدوات الذكية داخل أنظمة التعلم عبر الإنترنت، أو إلزام تلك الأدوات بالكشف عن هويتها، «من شأنه أن يعرض خصوصية الطالب وأمنه للخطر».

ولم ترد شركتا «غوغل» مطوّرة «جيميناي» و«أوبن إيه آي» مطوّرة «تشات جي بي تي» على استفسارات حول قيام برمجياتهما الذكية بانتحال شخصية الطلاب. وفي بيانات مكتوبة، أكدت كلتا الشركتين المنافستين أنهما تعملان جنباً إلى جنب مع التربويين لحماية التعلم الهادف.

أشكال غش أكثر حداثة... بالنظارات الذكية

وحذر خبراء من ظهور أشكال أكثر حداثة للغش باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكن للأجهزة القابلة للارتداء، مثل النظارات، أن تتيح للطلاب طلب المساعدة حتى أثناء العمل عبر متصفح ويب مؤمّن، كما يمكن للشخصيات الافتراضية (الأفاتار) التي تعمل بالذكاء الاصطناعي انتحال شخصية الطلاب في مكالمات الفيديو.

إضافة عناصر تعليم واقعية لمكافحة الغش

وفي ظل غياب الحلول التقنية، بدأ بعض التربويين بمن فيهم كايسار، بدمج المزيد من العناصر الواقعية في الدورات التدريبية عبر الإنترنت. وقالت مارينا أميني، المديرة التنفيذية لمبادرة «California Virtual Campus» التي توفر دورات تعليمية عبر الإنترنت للكليات المحلية: «لا نريد حرمان الطلاب من إمكانية الوصول إلى هذه الأدوات». لكنها أشارت إلى إمكانية إضافة الأساتذة لعناصر مرنة تتطلب الحضور الشخصي، مثل إجراء اختبار داخل الفصل يُتاح على مدار عدة أيام. كما تعمدت بعض المؤسسات التعليمية تغيير أسلوب تصميم الواجبات الدراسية عبر الإنترنت، معتمدةً على إجابات شخصية يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها أو تزييفها.

* خدمة «نيويورك تايمز».