«موديز»: فوائد الذكاء الاصطناعي للشركات مؤكَّدة… وقلة القدرات الداخلية تعرقلها

«موديز»: 53 % من المؤسسات تستخدم أو تختبر الذكاء الاصطناعي في الامتثال حالياً مقابل 30 % خلال 2023 (غيتي)
«موديز»: 53 % من المؤسسات تستخدم أو تختبر الذكاء الاصطناعي في الامتثال حالياً مقابل 30 % خلال 2023 (غيتي)
TT

«موديز»: فوائد الذكاء الاصطناعي للشركات مؤكَّدة… وقلة القدرات الداخلية تعرقلها

«موديز»: 53 % من المؤسسات تستخدم أو تختبر الذكاء الاصطناعي في الامتثال حالياً مقابل 30 % خلال 2023 (غيتي)
«موديز»: 53 % من المؤسسات تستخدم أو تختبر الذكاء الاصطناعي في الامتثال حالياً مقابل 30 % خلال 2023 (غيتي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تجريبية في إدارة المخاطر والامتثال، بل بات ركيزة أساسية في التحول الرقمي للقطاعات المالية والتنظيمية حول العالم. تقرير جديد صادر عن «موديز أناليتكس» يكشف كيف سيُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العمليات التنظيمية، ولا سيما في مجالات مثل كشف الاحتيال، والتعرف على العميل، ومراقبة المعاملات.

كذلك لم تعد فكرة الانتقال من الامتثال التفاعلي إلى الامتثال الاستباقي المدعوم بالذكاء الاصطناعي مجرد نظرية، بل تتحقق بالفعل. وبالنسبة للجهات التنظيمية في دول الخليج ومصر، فإن نتائج هذا المسح العالمي توفر رؤى مهمة في وقتٍ تتسارع فيه خطط التحول الرقمي وتحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، ولا سيما في قطاع الخدمات المالية والحوكمة الرقمية.

نبض عالمي عبر قطاعات متعددة

شمل مسح «موديز» نحو 600 متخصص رفيع في مجالات الامتثال وإدارة المخاطر والتنظيم، موزعين عبر عدة قطاعات؛ منها البنوك، والتقنية المالية وإدارة الأصول والتأمين والقطاعات الحكومية والشركات الكبرى. النتائج كانت لافتة. أكد 53 في المائة من المشاركين أنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي أو يجرّبونه حالياً في وظائف الامتثال والمخاطر، مقارنة بـ30 في المائة فقط خلال عام 2023. وتوقّع 49 في المائة منهم اعتماداً واسعاً للذكاء الاصطناعي، خلال ثلاث سنوات، بينما يرى 13 في المائة أن ذلك سيحدث خلال عام واحد فقط. وفي حين يرى 84 في المائة أن للذكاء الاصطناعي فوائد كبيرة، فإن 46 في المائة أشاروا إلى أنهم يلمسون هذه الفوائد بوضوح، ما يشير إلى فجوة بين التوقعات والتطبيق العملي.

أقرّ 41 % من المشاركين بأن قدراتهم البشرية غير كافية لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي (غيتي)

أبرز مجالات التأثير

أبرز المجالات التي يشهد فيها الذكاء الاصطناعي أثراً مباشراً، اليوم، هو «كشف الاحتيال»، و«اعرف عميلك»، و«التصفية الآلية» للعملاء، وهي أيضاً المجالات التي يتوقع لها أكبر أثر في المستقبل.

وأوضح المشاركون أن الذكاء الاصطناعي يساعد في كشف المعاملات المشبوهة وتحليل الأنماط الغريبة وتعزيز عمليات العناية الواجبة بشكل فوري. وهذه القدرات حيوية في دول الخليج، حيث تعمل الجهات التنظيمية على تعزيز أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تماشياً مع توجيهات مجموعة العمل المالي (FATF).

وفي السعودية، على سبيل المثال، يُولي البنك المركزي السعودي (ساما) وهيئة السوق المالية (CMA) أهمية متزايدة لحلول «اعرف عميلك KYC» الرقمية والرصد الفوري للأنشطة الاحتيالية، وفقاً لـ«موديز». كما أن منصة «goAML» في الإمارات تُظهر توجهاً مماثلاً نحو الرقابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك تُشير نتائج التقرير إلى أن نقص الكفاءات البشرية لا يزال عائقاً رئيسياً أمام التوسع.

فجوة المهارات

رغم وجود نية قوية لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن التحدي الأكبر هو نقص الخبرات والمهارات. فقد أشار 41 في المائة من المشاركين إلى أن قلة القدرات الداخلية تُشكل العائق الأكبر لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. فالمؤسسات الكبيرة التي تضم أكثر من 10 آلاف موظف أظهرت ميلاً أكبر لتجربة الذكاء الاصطناعي، مقارنة بالشركات الصغيرة التي يقلّ عدد موظفيها عن 100، ما يعكس فجوة في الموارد.

على المستوى الجغرافي، تبدو أوروبا وأميركا الشمالية أسرع تقدماً من منطقة الشرق الأوسط، حيث يُحتمل أن تكون القيود التنظيمية والأنظمة القديمة والقيود المالية من أسباب التباطؤ.

بالنسبة لفِرق الامتثال في الرياض ودبي والقاهرة، يشكل ذلك تحدياً مزدوجاً، تطوير الكفاءات البشرية، وفي الوقت نفسه الاستثمار في أنظمة ذكاء اصطناعي تتوافق مع قوانين سيادة البيانات والخصوصية الوطنية والتمويل الإسلامي.

يؤكد 96 % من المتخصصين ضرورة الإشراف البشري في حين يدعو 79 % إلى تشريعات جديدة تعزز الشفافية والخصوصية والمساءلة (شاترستوك)

النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)

من أبرز الاتجاهات في التقرير الصعود السريع لـ«النماذج اللغوية الكبيرة» (LLMs) مثل «تشات جي بي تي»، و«مايكروسوفت كوبايلوت»، والأدوات الداخلية التي تُستخدم في مراجعة الوثائق وتصفية العملاء وإدارة الحالات. في عام 2023، كان 28 في المائة فقط من المشاركين يشجعون أو يقبلون استخدام «LLMs». أما اليوم، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 62 في المائة. لكن الشركات الكبرى لا تزال حذِرة، إذ إن 41 في المائة منها تمنع أو تُثبط استخدام «LLMs» بسبب مخاوف من تسرب البيانات وانحياز النماذج ونقص الشفافية.

لذا، يتجه كثير من المؤسسات إلى تطوير أنظمة «حدائق مغلقة»؛ أي أنظمة داخلية آمنة تُقدم ميزات الذكاء الاصطناعي دون تعريض البيانات الحساسة للخطر. وهذا يتماشى مع توجه الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» (SDAIA) ومكتب إدارة البيانات الوطنية (NDMO)، كما يظهر في دعم مشاريع مثل النموذج اللغوي العربي «علّام»، الذي يُعد مثالاً على بناء منظومة ذكاء اصطناعي سيادية وآمنة.

نمو الوعي في بيئة مجزّأة

يبقى تنظيم الذكاء الاصطناعي أحد أكبر التحديات وأكثر المجالات التي يمكن للجهات التنظيمية في الشرق الأوسط أن تتقدم فيها بسياسات جريئة ومدروسة. أظهر التقرير أن 59 في المائة من المشاركين لديهم وعي متوسط بالتنظيمات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ36 في المائة فقط خلال 2023. لكن المفارقة أن 8 في المائة فقط يشعرون بأنهم مطّلعون بالكامل على الأُطر التنظيمية، في حين أن 17 في المائة لا يعلمون شيئاً عنها.

لكن هناك توافقاً واسعاً على أهمية التشريع، حيث يرى 79 في المائة أن هناك حاجة ماسة لقوانين جديدة لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصاً فيما يتعلق بالشفافية والخصوصية والمساءلة.

وبينما تمضي أوروبا قُدماً في اعتماد «قانون الذكاء الاصطناعي»، تُفضل الولايات المتحدة نهجاً لا مركزياً. في المقابل، يرى تقرير «موديز» أن السعودية والإمارات تمتلكان فرصة لوضع نموذج تشريعي محلي متوازن، يضمن الابتكار ويحمي، في الوقت نفسه، القيم المجتمعية والسيادة الرقمية.

الإشراف البشري ضرورة

رغم تقدم الذكاء الاصطناعي، فإن الدور البشري لا يمكن الاستغناء عنه. فقد عبّر 96 في المائة من المشاركين عن اعتقادهم أن الذكاء الاصطناعي سيؤثّر في أدوارهم، لكن دون أن يستبدلها، بل على العكس، يتوقعون أن تتحول مسؤولياتهم نحو الإشراف الاستراتيجي، وتحليل نتائج الذكاء الاصطناعي، وضمان نزاهة المُخرجات. ومع ازدياد الاعتماد على الأنظمة المُؤَتْمتة، سيبقى على فِرق الامتثال التعامل مع الاستثناءات، وتدقيق الأسباب، وتعديل النماذج. هذا التوازن بين الأتمتة والتمييز البشري مهم جداً في بيئة الشرق الأوسط، حيث تحمل الأخطاء التنظيمية تبعات قانونية وشرعية كبيرة.

في المحصلة، يكشف تقرير «موديز» عن قطاعٍ في مرحلة انتقالية متحمس لإمكانات الذكاء الاصطناعي، لكنه يواجه تحديات حقيقية على أرض الواقع حيث يبقى تبنّي الذكاء الاصطناعي بشكل واعٍ وأخلاقي وآمن أحد مفاتيح النجاح في السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

سباق التسلّح الجديد... أين آليات التحقق والضوابط الإنقاذية؟

تحليل إخباري رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي

سباق التسلّح الجديد... أين آليات التحقق والضوابط الإنقاذية؟

يجد العالم نفسه أمام سباق تسلّح جديد يختلف في أدواته عن سباقات القرن العشرين، لكنه لا يقل خطورة عنها...

أنطوان الحاج
تكنولوجيا يجمع النظام بين هيكل خارجي قابل للارتداء وذراع روبوتية تعاونية لتخفيف الأعباء الجسدية على عمال المصانع (الجامعة)

نظام روبوتي قابل للارتداء يقلل الجهد العضلي لعمّال المصانع بـ65 %

يجمع النظام هيكلاً خارجياً بذراع روبوتية لتحديد وزن القطع وضبط الدعم وتقليل الجهد العضلي في المصانع بنسبة 65 في المائة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رفعت «أبل» أسعار عدد من أجهزة «ماك» و«آيباد» ومنتجاتها المنزلية في السوق الأميركية (أبل)

«أبل» ترفع أسعار «ماك» و«آيباد»... و«آيفون» خارج الزيادة حتى الآن

رفعت «أبل» أسعار أجهزة «ماك» و«آيباد» ومنتجات أخرى مع ارتفاع تكاليف الذاكرة، بفعل الطلب المتزايد من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تختبر النرويج روبوتات ذاتية يمكنها البقاء في قاع البحر وتنفيذ مهام تفتيش متكررة (الجامعة)

روبوتات «مقيمة» في الأعماق لمراقبة الأنابيب والكابلات البحرية

تختبر النرويج روبوتات بحرية ذاتية تعود إلى محطات شحن في الأعماق لمراقبة الأنابيب والكابلات، وتقليل الاعتماد على سفن الدعم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تسمح البنية الجديدة بدمج نحو 100 مليار ترانزستور في شريحة بحجم ظفر الإصبع «آي بي إم»

دعماً لحوسبة الذكاء الاصطناعي...«آي بي إم» تدخل عصر الشرائح دون النانومتر

تكشف «آي بي إم» لأول مرة عن تقنية شرائح دون النانومتر تعد بأداء أعلى وكفاءة طاقة أكبر لدعم الجيل المقبل من حوسبة الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)

استطلاع: 9 من كل 10 أشخاص لا يستطيعون تحديد المحتوى الحقيقي من المزيف

صورة مصنَّعة بتقنية الذكاء الاصطناعي (بيكساباي)
صورة مصنَّعة بتقنية الذكاء الاصطناعي (بيكساباي)
TT

استطلاع: 9 من كل 10 أشخاص لا يستطيعون تحديد المحتوى الحقيقي من المزيف

صورة مصنَّعة بتقنية الذكاء الاصطناعي (بيكساباي)
صورة مصنَّعة بتقنية الذكاء الاصطناعي (بيكساباي)

بعد أن فرض الذكاء الاصطناعي نفسه على كل شيء في العالم تقريباً، حتى ظهر تعبير «نهاية العالم» بسبب الذكاء الاصطناعي، أظهر استطلاع للرأي شمل 1500 شخص في النمسا وبريطانيا وألمانيا وسويسرا والولايات المتحدة، أن الذكاء الاصطناعي يُحدِث فوضى عارمة، نتيجة تقليص قدرة الناس على تحديد المحتوى الحقيقي من المزيف على الأقل على الإنترنت، بسبب التقنيات الجديدة.

وحسب الاستطلاع الذي نشرت شركة «ميل وير بايتس» للأمن السيبراني نتائجه خلال الشهر الحالي، قال 9 من بين كل 10 أشخاص إنهم أحياناً يصبحون غير قادرين على تحديد ما هو حقيقي وما هو مزيف.

وقالت الشركة إن احتمال تشكيك الناس في قدرتهم على اكتشاف تعرضهم لعمليات احتيال عبر هواتفهم الذكية، مقارنة برأيهم في هذه القدرة ازداد خلال العام الماضي.

وذكرت الشركة أن «88 في المائة ممن شملهم الاستطلاع يقولون إنه أصبح من الصعب عليهم القول إن هذا المحتوى حقيقي أو مصطنع».

وقالت النسبة نفسها تقريباً إنهم يجدون صعوبة في تحديد الاتصالات الاحتيالية من الاتصالات الحقيقية التي تصل إليهم، وهو ما وصفته الشركة بأنه زيادة كبيرة مقارنة بالعام الماضي، عندما كان 66 في المائة يقولون إنهم يجدون صعوبة في تمييز الاتصالات الاحتيالية من الاتصالات الحقيقية.

وقال واحد من بين كل 4 أشخاص شملهم المسح، إنهم تلقوا رسالة احتيال «شخصية» على الأقل خلال الـ12 شهراً الماضية.

وذكرت الشركة أن «المحتالين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لاستغلال البيانات الشخصية والعلاقات الوثيقة للضحايا في عمليات الاحتيال، مما يؤدي إلى انتشار الخوف من الإضرار بالهوية الشخصية»، موضحة أن استخدام برامج محادثة الذكاء الاصطناعي الآلية يطمس «الخط الفاصل بين الحقيقي والمزيف».


أستراليا تشدد حظر استخدام الأطفال لوسائل التواصل وتزيد الغرامات

أطفال يستخدمون هواتفهم خلال جلوسهم خارج مدرسة في سيدني (أرشيف - أ.ب)
أطفال يستخدمون هواتفهم خلال جلوسهم خارج مدرسة في سيدني (أرشيف - أ.ب)
TT

أستراليا تشدد حظر استخدام الأطفال لوسائل التواصل وتزيد الغرامات

أطفال يستخدمون هواتفهم خلال جلوسهم خارج مدرسة في سيدني (أرشيف - أ.ب)
أطفال يستخدمون هواتفهم خلال جلوسهم خارج مدرسة في سيدني (أرشيف - أ.ب)

قالت أستراليا، يوم السبت، إنَّها ستضاعف الحدَّ الأقصى للغرامة التي يمكن فرضها على شركات التكنولوجيا التي يثبت عدم التزامها بحظر غير مسبوق لاستخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك في ظل ازدياد الأدلة على أن الحظر لم يكن له تأثير يذكر على استخدام الأطفال هذه الوسائل.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، ستزيد الحكومة صلاحيات جمع المعلومات الممنوحة لمفوضية السلامة الإلكترونية، وهي الهيئة المعنية بتنظيم الإنترنت، مما سيسمح لها بإجبار شركات وسائل التواصل الاجتماعي على تقديم أدلة على الإجراءات التي اتخذتها لمنع مَن هم دون الـ16 عاماً من إنشاء حسابات.

وبموجب هذه التعديلات، ترتفع الغرامة القصوى في حالة تكرر عدم الالتزام بالحظر من 49.5 مليون دولار أسترالي إلى 99 مليوناً (68 مليون دولار أميركي).

وأكدت الحكومة مجدداً أن مفوضية السلامة الإلكترونية تحقق حالياً بنحو مكثف في احتمال عدم امتثال 5 منصات، وهي «إنستغرام» و«فيسبوك» التابعتان لشركة «ميتا»، و«يوتيوب» التابعة لـ«غوغل»، و«سناب شات» المملوك لشركة «سناب»، بالإضافة إلى «تيك توك».


نظام روبوتي قابل للارتداء يقلل الجهد العضلي لعمّال المصانع بـ65 %

يجمع النظام بين هيكل خارجي قابل للارتداء وذراع روبوتية تعاونية لتخفيف الأعباء الجسدية على عمال المصانع (الجامعة)
يجمع النظام بين هيكل خارجي قابل للارتداء وذراع روبوتية تعاونية لتخفيف الأعباء الجسدية على عمال المصانع (الجامعة)
TT

نظام روبوتي قابل للارتداء يقلل الجهد العضلي لعمّال المصانع بـ65 %

يجمع النظام بين هيكل خارجي قابل للارتداء وذراع روبوتية تعاونية لتخفيف الأعباء الجسدية على عمال المصانع (الجامعة)
يجمع النظام بين هيكل خارجي قابل للارتداء وذراع روبوتية تعاونية لتخفيف الأعباء الجسدية على عمال المصانع (الجامعة)

طوّر باحثون في الجامعة التقنية في ميونيخ نظاماً يجمع بين هيكل خارجي يرتديه العامل وذراع روبوتية تعاونية، بهدف تخفيف الجهد العضلي خلال رفع الأجسام ومناولتها داخل المصانع.

وأظهرت الاختبارات أن النظام يستطيع خفض الجهد الواقع على عضلات الذراعين بنسبة تصل إلى 65 في المائة، من خلال تنسيق المساعدة التي يقدمها الهيكل الخارجي مع المعلومات التي تجمعها الذراع الروبوتية عن وزن الجسم وطريقة توزيعه.

تعاون أقرب بين الإنسان والروبوت

تعمل الروبوتات في كثير من المصانع داخل مناطق منفصلة أو خلف حواجز أمان؛ حيث تنفذ مرحلة من العمل قبل أن ينتقل المنتج إلى العامل لإكمال المرحلة التالية. لكن هذه الآلية لا تلغي الحاجة إلى تنفيذ مهام جسدية متكررة، مثل رفع المكونات ووضعها خلال فحوص الجودة. وقد تؤدي هذه الحركات المتكررة إلى زيادة الإجهاد البدني؛ خصوصاً عندما تكون القطع ثقيلة أو غير متوازنة.

ويحاول النظام الجديد، الذي يحمل اسم «ويراكوب» «WearaCob»، جعل التعاون بين الإنسان والروبوت أكثر اتصالاً. ويجمع الاسم بين مفهوم الأجهزة القابلة للارتداء والروبوتات التعاونية؛ إذ يعمل الهيكل الخارجي الذي يرتديه العامل بالتنسيق مع ذراع روبوتية ذات مفصل واحد.

تقيس الذراع الروبوتية وزن القطعة ومركز كتلتها ثم ترسل البيانات إلى الهيكل الخارجي لضبط مستوى الدعم (الجامعة)

هيكل يُرتدى مثل حقيبة الظهر

صُمم الهيكل الخارجي للجزء العلوي من الجسم، ويُرتدى بطريقة تشبه حقيبة الظهر. ويضم محركاً كهربائياً مثبتاً خلف المستخدم، تتصل به أسلاك رفيعة عالية المتانة تمر فوق الكتفين وترتبط بدعامات تشبه وسادات المرفق. وعندما يسحب المحرك هذه الأسلاك، فإنها تتحمل جزءاً من الجهد الذي تؤديه عادة عضلات العضد أثناء رفع الذراعين أو حمل الأجسام. وفي الوضع الأساسي، يعوض الهيكل وزن ذراعي المستخدم. لكنه يستطيع تقديم مساعدة إضافية عند حمل جسم، بناءً على البيانات التي ترسلها الذراع الروبوتية. وتلتقط الذراع الروبوتية الجسم المطلوب نقله وتحدد وزنه قبل تسليمه إلى العامل، ثم ترسل هذه المعلومة لاسلكياً إلى الهيكل الخارجي.

وبناءً على الوزن، يضبط النظام مقدار الدعم الذي يحصل عليه المستخدم، بحيث ترتفع المساعدة عندما تكون القطعة أثقل. ولا يقتصر الأمر على قياس الوزن، إذ يستطيع الروبوت أيضاً تحديد مركز كتلة الأجسام غير المتناظرة. وتتيح هذه الخاصية توزيع الدعم بصورة مختلفة بين ذراعي العامل. فإذا كان أحد جانبي القطعة أثقل من الآخر، يمكن للهيكل تقديم مساعدة أكبر للذراع التي تتحمل الحمل الأعلى، بما يساعد على موازنة الجسم خلال المناولة.

يستطيع النظام توزيع المساعدة بصورة مختلفة بين ذراعي العامل عندما يكون وزن القطعة غير متوازن (الجامعة)

بديل عملي لقياس نشاط العضلات

يمكن للهيكل الخارجي أن يعمل بصورة مستقلة عن الذراع الروبوتية، لكن ذلك يتطلب عادة استخدام مستشعرات تقيس النشاط العضلي في الذراعين لتحديد مقدار الدعم المطلوب.

وتتميز هذه الطريقة بدقة مرتفعة، إذ يتراوح هامش الخطأ في تقدير الحمل بين 0.5 وكيلوغرام واحد. إلا أن تثبيت المستشعرات على ذراع العامل قبل كل استخدام قد يكون غير عملي في بيئة المصنع.

أما النظام المشترك فيعتمد على المعلومات التي تجمعها الذراع الروبوتية مباشرة عن الجسم؛ ما يسمح بتعديل المساعدة من دون الحاجة إلى إعداد مستشعرات العضلات في كل مرة.

سهولة تعليم الذراع الروبوتية

استخدم الباحثون ذراعاً روبوتية تعاونية مزودة بسبعة مفاصل، ما يمنحها مرونة في الحركة داخل مساحة العمل. كما يمكنها إبطاء حركتها تلقائياً عند الاقتراب من الأشخاص، وهي خاصية تساعد على جعل التعاون المباشر أكثر أماناً في البيئة البحثية.

ومن المزايا الأساسية للنظام سهولة تعليم الذراع الروبوتية مهام جديدة. فبدلاً من كتابة تعليمات برمجية، يستطيع المستخدم توجيه الذراع بيده عبر المسار المطلوب، لتتعلم الحركة من خلال العرض العملي.

ويرى الباحثون أن هذه الطريقة قد تقلل من التعقيد المرتبط بإعادة برمجة الروبوتات الصناعية، خصوصاً في خطوط الإنتاج التي تتغير فيها المهام أو المكونات باستمرار.

أظهرت الاختبارات أن التقنية تخفض الجهد الواقع على عضلات الذراعين بنسبة تصل إلى 65 % (الجامعة)

نحو تقليل الأعباء الجسدية

لا يهدف النظام إلى استبدال العامل، بل إلى توزيع العمل بين قدرات الإنسان والروبوت. فالذراع الروبوتية تتولى حمل الجسم وقياس خصائصه، بينما يقدم الهيكل الخارجي دعماً يتناسب مع احتياجات العامل خلال تسلُّمه وفحصه أو نقله. وتشير النتائج إلى إمكانية استخدام هذا النوع من التعاون لتخفيف الأعباء الجسدية في المهام الصناعية المتكررة، مع الحفاظ على دور العامل في العمليات التي تحتاج إلى التقدير البشري والمرونة. لكن النظام لا يزال مشروعاً بحثياً، ولم يذكر الباحثون موعداً لطرحه تجارياً. وتتمثل الخطوة الحالية في إثبات إمكانية ربط الروبوتات التعاونية بالأجهزة القابلة للارتداء ضمن إطار واحد، بحيث تتبادل المعلومات وتوفر دعماً يتكيف مع كل جسم ومهمة.