«الخميس الأسود» في فرنسا ينذر بخريف حافل بالاحتجاجات

وزير الداخلية يحذر من التجاوزات... واندساس المتطرفين

الرئيس إيمانويل ماكرون في ساحة قصر الإليزيه مستقبلاً الثلاثاء نظيره البولندي كارول ناوروكي، يوم 16 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون في ساحة قصر الإليزيه مستقبلاً الثلاثاء نظيره البولندي كارول ناوروكي، يوم 16 سبتمبر (أ.ب)
TT

«الخميس الأسود» في فرنسا ينذر بخريف حافل بالاحتجاجات

الرئيس إيمانويل ماكرون في ساحة قصر الإليزيه مستقبلاً الثلاثاء نظيره البولندي كارول ناوروكي، يوم 16 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون في ساحة قصر الإليزيه مستقبلاً الثلاثاء نظيره البولندي كارول ناوروكي، يوم 16 سبتمبر (أ.ب)

تتأهب فرنسا لمواجهة «الخميس الأسود» الذي سيشهد أوسع تعبئة نقابية وشعبية منذ سنوات، فيما البلاد ما زالت مرتبكة بسبب أزماتها متعددة الأسماء: سياسية، اقتصادية، مالية، واجتماعية. فحتى اليوم، ما زالت البلاد تعيش في ظل حكومة مستقيلة بعد فشل رئيسها فرنسوا بايرو في الحصول على الثقة من البرلمان لطرح ميزانيته التقشفية لعام 2026. أما سيباستيان لوكورنو، وزير الدفاع السابق الذي كلفه الرئيس ماكرون بتشكيل حكومة جديدة، فما زال يراوح مكانه، مواظباً على التشاور مع الأحزاب السياسية والنقابات للتوفيق بين المطالب المتناقضة.

ويتمسك اليسار لقبول الامتناع عن التصويت ضد الحكومة في البرلمان، بمطالب مثل فرض ضريبة على كبريات الثروات التي تزيد قيمتها على 100 مليون يورو، أو التراجع عن قانون التقاعد الذي أقر قبل عامين، وهو ما يواجه رفضاً قطعياً من اليمين التقليدي.

أما طرفا الخريطة السياسية، فإن لهما مطالب جذرية: فاليمين المتطرف، ممثلاً بحزب «التجمع الوطني» وزعيمته مارين لوبن، فإنه يدعو ماكرون إلى حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة يعتقد أنها ستدفعه للهيمنة على المشهد السياسي. وعلى الطرف الآخر، فإن اليسار المتشدد ولواءه حزب «فرنسا الأبية»، بزعامة المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، يسعيان لرحيل ماكرون عن الرئاسة. ويتأهب الحزب لطرح اقتراح قرار في البرلمان، الأسبوع المقبل، بهذا المعنى، علماً بأن هناك صعوبات دستورية وقانونية تحول دون ذلك. وكان ماكرون قد أكد أكثر من مرة، أنه باقٍ في قصر الإليزيه حتى آخر دقيقة من ولايته التي تنتهي في عام 2027.

أزمات متشابكة

لا تكتمل صورة الوضع من دون «الإشارة إلى أن الديون الفرنسية العامة بلغت مستويات غير مسبوقة؛ إذ إنها تجاوزت الـ3400 مليار يورو، ما يمثل 114 في المائة من الدخل الوطني الخام، وهي نسبة مرتفعة للغاية لا تتخطاها إلا بقليل اليونان وإيطاليا. ولأن الوضع على هذه الحال، وبسبب انعدام الاستقرار السياسي وضعف نسبة النمو، فإن وكالة التصنيف الائتماني «فيتش رايتنغ» الأميركية خفضت مرتبة فرنسا للمرة الثانية، بحيث ألحقت سابع أكبر اقتصاد في العالم قياساً للإنتاج القومي الخام باقتصادات دول أقل أهمية.

وتتوقع السلطات الرسمية أن تقدم معاهد تصنيف أخرى، مثل «ستاندرد أند بورز» أو «موديز»، على خطوة مشابهة. وهذا التطور من شأنه مفاقمة كلفة المديونية التي تصل راهناً إلى 65 مليار يورو.

وسط هذا المشهد بالغ التعقيد، يحل اليوم الذي اختارته النقابات للنزول إلى الساحات والشوارع في باريس وغالبية المدن الكبرى والمتوسطة.

غضب واسع

وبحسب الأرقام المتداولة، فإن ما يراوح المليون شخص سيعبّرون، الخميس، عن غضبهم ونقمتهم إزاء الأوضاع المعيشية وإزاء الخطط الحكومية لمواجهة الأزمة المزدوجة «اقتصادياً واجتماعياً». وهذا الرقم يمثل خمس أضعاف ما عرفته فرنسا في العاشر من الشهر الحالي بمناسبة يوم «لنشل كل شيء» الذي انطلقت الدعوة إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يتبناها اليسار.

سيباستيان لوكورنو رئيس الحكومة المكلف يسعى للتوفيق بين الكتل السياسية متناقضة المطالب من أجل تشكيل حكومة جديدة (رويترز)

وأهمية «حراك الخميس» أنه جاء استجابة لدعوة من سبع نقابات مجتمعة، وهي الأكبر في فرنسا، وقد شكلت فيما بينها مكتباً تنسيقياً يحدد تحركاتها ويعرب عن مطالبها.

الإطار الجامع للحراك عنوانه رفض الميزانية التقشفية التي كان رئيس الحكومة المستقيل يحاول تمريرها والاحتجاج بشكل عام على سياسات الرئيس ماكرون الذي هبطت شعبيته بنسبة كبيرة. فقد بين استطلاع للرأي أجراه معهد «إيبسوس» قبل أربعة أيام، أن شعبية ماكرون في الحضيض؛ إذ إن 17 في المائة فقط من الفرنسيين يعربون عن رضاهم عن أدائه، وهي أضعف نسبة دعم له منذ وصوله إلى الرئاسة قبل ثمانية أعوام.

وبيّن الاستطلاع أيضاً أن 51 في المائة من الفرنسيين يشعرون بالقلق بالنسبة لمستوى حياتهم وقدراتهم الشرائية «بزيادة 9 نقاط عن الاستطلاع الأسبق»، وأن 41 في المائة منهم قلقون على مستقبل نظام الرعاية الاجتماعية. كذلك، فإن 33 في المائة يعبرون عن القلق بخصوص المديونية. أما بالنسبة لسيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة المعين والمقرب جداً من الرئيس ماكرون، فإن نسبة 20 في المائة فقط تعتقد أنه سينجح في التوصل إلى تفاهم مع المعارضة يمكّنه من تشكيل حكومة قادرة على الصمود في البرلمان، بعكس الحكومتين السابقتين، حيث إن حكومة ميشال بارنيه بقيت ثلاثة أشهر، وحكومة فرنسوا بايرو تسعة أشهر. وللتذكير، فإن ماكرون جرب، في ولايته الثانية التي بدأت ربيع عام 2022، وحتى اليوم، خمسة رؤساء حكومات.

يوم «تاريخي»

استبق فيليب تابارو، وزير النقل في الحكومة المستقيلة، انطلاق المسيرات والمظاهرات بالتحذير من أن يوم الخميس «سيكون حكماً يوماً أسود».

واعتبر جان كريستوف ديلبرا، المسؤول في نقابة «القوة العمالية»، في حديث لصحيفة «لو باريزيان»، الأربعاء، أن الخميس سيكون «يوماً تاريخياً وحراكاً تاريخياً»، مشيراً إلى أن التعبئة النقابية والشعبية ستتجاوز ما عرفته البلاد زمن الاحتجاجات على قانون التقاعد.

ونبه المسؤول النقابي إلى الشلل الذي سيعيشه قطاع المواصلات بشكل عام.

ورأى سليم كمال الله، المسؤول في نقابة الكونفدرالية العامة للشغل، أن يوم الخميس «سيتحول إلى نقطة تقاطع بين كافة أشكال النقمة والغضب».

وقال المفكر المعروف روجيه بول دروا، في حديث الأربعاء، إلى إذاعة «آر تي إل»، إن ما سيجري الخميس سيكون بمثابة «عودة القوى النقابية إلى الواجهة؛ أي عودة من يمكن تسميتهم بـ(الوسطاء) بين عالم العمل والسلطات الرسمية وأرباب العمل»، مضيفاً أن أمراً كهذا «لم نشهد مثيلاً له منذ فترة طويلة».

وفي السياق عينه، نقل عن أجهزة الأمن الداخلي أنها حذرت الحكومة مما تراه «غضباً شعبياً»، بينما ما تزال ماثلة في الأذهان المشاهد التي عرفتها فرنسا زمن «السترات الصفراء».

وبعد الخميس، ثمة استحقاقات مقبلة: فالمزارعون سيكونون على الطرقات بجراراتهم، وفي العشرية الألو من أكتوبر (تشرين الأول) سيأتي دور المراقبين الجويين في المطارات «أيام 7و8 و9 أكتوبر». أما يوم غد، فإن القطاعات المـتأثرة ستشمل: قطاعات النقل «المترو والقطارات المحلية والسريعة»، والتعليم «المدارس والجامعات»، والصحة «المستشفيات والمستوصفات الحكومية»، والطاقة والصيادلة ومطاري باريس «أورلي ورواسي شارل ديغول»، والعديد من الموظفين في القطاعين العام والخاص.

وحتى ظهر الأربعاء، كان معلوماً أن ما لا يقل عن 250 تجمعاً ومظاهرة ستحصل في باريس، وفي العديد من المدن الفرنسية التي ذكر منها ليون ومرسيليا وتولوز ونيس ورين ومونبوليه ونيم وبيربينيان... ومدن أخرى أقل أهمية. والمظاهرة الرئيسية ستكون بلا شك في باريس، حيث ستنطلق من ساحة «لا باستيل» في الثانية بعد الظهر، وسيشارك فيها كبار القادة النقابيين وعدد من السياسيين، خصوصاً من اليسار.

وزير الداخلية يحذر

إزاء هذه التعبئة الكثيفة التي غرضها الضغط على الحكومة ودفعها إلى التجاوب مع مطالب الحراك كرفض الإصلاحات الحكومية، وتحديداً قانوني التقاعد والبطالة وزيادة المرتبات وتحسين ظروف العمل، وسحب عدد من النصوص القانونية من التداول، فضلاً عن مطالب قطاعية خاصة بالمعلمين والصيادلة، «سارع برونو روتايو، وزير الداخلية المستقيل، إلى التحذير من التجاوزات والمخلين بالأمن ومثيري الشغب». وبداية أكد روتايو تعبئة 80 ألف رجل شرطي ودرك وأمن.

برونو روتايو وزير الداخلية المستقيل يدعو القوى الأمنية للحزم والتشدد في التعامل مع «المشاغبين» في مظاهرات الخميس (أ.ف.ب)

وطلب روتايو، في برقية وجهها إلى المحافظين، منع «أي محاولة لعرقلة عمل البنى التحتية الحيوية». وكتب قائلاً: «مخاطر الإخلال بالنظام العام كبيرة، بسبب وجود جماعات من اليسار المتطرف ستحاول التسلل إلى المسيرات الرسمية». وإضافةً إلى المظاهرات المقررة والمصرح بها لدى المحافظات، تتوقع السلطات حدوث تحركات مباغتة في أماكن متعددة منذ ساعات الصباح الباكر، وكذلك حضور عناصر متطرفة تحاول تشكيل كتل أمام المسيرات في المدن الكبرى والاشتباك مع القوى الأمنية.

ولتلافي أي مخاطر، عمد روتايو، في مقابلة صباح الأربعاء، مع قناة «بي إف إم تي في» الإخبارية، إلى حث هذه القوى على «انتهاج الحزم»، مشيراً إلى «تعبئة وسائل ضخمة» لقمع التجاوزات، منها استخدام الطائرات المسيرة، وتجميع أربع وعشرين مركبة مدرعة من نوع «سنتور»، وعشر آليات لرش المياه.

وأشار روتايو إلى «إجراءات وقائية بالتعاون مع السلطة القضائية»، مثل «عمليات التفتيش» على مخارج المحطات للتأكد مما إذا كانت حقائب حامليها تحتوي على «أشياء يمكن استخدامها كأسلحة».

وتتخوف السلطات تحديداً من أعمال شغب يمكن أن تقوم بها مجموعات تسمى «بلاك بلوك» اليسارية التي درجت على استغلال المظاهرات الشعبية للاندساس بين صفوفها والاشتباك مع رجال الشرطة. وبحسب وزير الداخلية، فإن «ما بين 5 إلى 10 آلاف فرد سيأتون من أجل الشجار والشغب»، و«تحركهم كراهية شديدة للشرطة، وهذا ما سيجعل التعامل معهم معقداً».


مقالات ذات صلة

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

أوروبا شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز) play-circle

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

عَدّ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن حملة القمع ضد المتظاهرين بإيران قد تكون «الأعنف» في تاريخ البلاد الحديث، داعياً السلطات إلى إنهائها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
مباشر
عشرات الجثث ملقاة على الأرض بمركز للطب الشرعي في طهران (أ.ف.ب)

مباشر
احتجاجات إيران: سقوط 2571 قتيلاً... والقضاء يتعهد بمحاكمات «سريعة» (تغطية حية)

تتصاعد الضغوط الدولية على إيران، مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، وسط تقارير عن سقوط مئات القتلى واعتقال الآلاف، مع استمرار انقطاع الإنترنت بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) play-circle

ترمب يعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الشركاء التجاريين لإيران

أعلن الرئيس الأميركي، الاثنين، فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كل الشركاء التجاريين لإيران، في خضم حملة قمع تقودها طهران ضد تحركات احتجاجية تشهدها البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (رويترز) play-circle

إيران تتوعد بالرد على أي هجوم أميركي... واعتقالات في صفوف المحتجين

حذَّر رئيس البرلمان الإيراني، الأحد، ‌الرئيس الأميركي من أن أي هجوم على إيران سترد عليه ⁠البلاد باستهداف إسرائيل ‌والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا متظاهرون مؤيدون للاحتجاجات في إيران يرفعون علم إيران وقت حكم الشاه أمام السفارة الإيرانية في لندن (أ.ف.ب)

متظاهر يستبدل بعلم إيران علمَ «ما قبل الثورة» على مبنى السفارة في لندن

أفاد شهود لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن متظاهراً استبدل بعلم إيران الحالي على واجهة سفارة طهران في لندن، علمَ إيران ما قبل الثورة، وذلك خلال مظاهرة ضمت المئات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
TT

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)

عَدّ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الأربعاء، أن حملة القمع ضد المتظاهرين في إيران قد تكون «الأعنف» في تاريخ البلاد الحديث، داعياً السلطات إلى إنهائها «فوراً».

وأسفرت الحملة عن مقتل 734 شخصاً، على الأقل، وفق منظمة «إيران لحقوق الإنسان» (IHR) غير الحكومية، ومقرها النرويج، والتي تُقدِّر أن عدد القتلى الفعلي قد يكون بالآلاف.

عشرات الجثث ملقاة على الأرض بمركز للطب الشرعي في طهران (أ.ف.ب)

وقال بارو، لإذاعة «إر تي إل» الفرنسية: «نشتبه في أن هذه الحملة قد تكون الأعنف في تاريخ إيران الحديث، ويجب أن تتوقف فوراً»، دون أن يؤكد حصيلة القتلى، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح الوزير أن باريس تقدّمت بهذا الطلب إلى السفير الإيراني لدى فرنسا عند استدعائه، الثلاثاء.

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ووصف بارو الوضع قائلاً: «من الصور القليلة التي وصلتنا، نرى متظاهرين يتعرضون لإطلاق النار من مسافة قريبة بأسلحة هجومية، وجثثاً مكدسة في أكياس داخل مستشفيات مكتظة، ونرى عائلات إيرانية مفجوعة، ونسمع صرخات استغاثة لا يمكن أن نبقى غير مُبالين بها».

صورة من مقاطع فيديو جرى تصويرها بين 9 و11 يناير 2026 من مشرحة تضم عشرات الجثث في كهريزك بمحافظة طهران (أ.ب)

عند سؤاله عن ضرورة تغيير السلطة في إيران، أكد جان نويل بارو أنه يعود للشعب الإيراني أن يقرر مصيره، و«هذا ما يجب أن تفهمه سلطات البلاد».

وأوضح بارو أن مسؤولية فرنسا الأولى تتمثل في «ضمان سلامة مواطنينا الذين يبلغ عددهم نحو 900 في إيران، وسلامة موظفينا وسفارتنا، وبالطبع، سلامة مواطنَينا سيسيل كولر وجاك باريس»، الخاضعين للإقامة الجبرية في السفارة.


عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
TT

عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)

أظهرت أرقام رسمية أمس (الثلاثاء) أن فرنسا سجَّلت وفيات أكثر من المواليد في عام 2025، للمرة الأولى منذ ​نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو تطور يقوض الميزة الديموغرافية التي لطالما كانت تتمتع بها فرنسا، مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وأفاد «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية» بتسجيل 651 ألف حالة وفاة العام الماضي، بينما تراجعت حالات المواليد إلى 645 ألفاً. وانخفض عدد المواليد في فرنسا ‌بشدة منذ ‌جائحة «كوفيد-19».

وتتمتع فرنسا ‌تقليدياً ⁠بتركيبة ​سكانية ‌أقوى من معظم أوروبا، ولكن النسبة الكبيرة لكبار السن وانخفاض معدلات المواليد يظهران أنها ليست محصنة من الأزمة الديموغرافية التي ترهق المالية العامة في جميع أنحاء القارة.

وقال المعهد إن معدل الخصوبة انخفض إلى 1.56 طفل لكل امرأة ⁠العام الماضي، وهو أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية، وأقل ‌بكثير من 1.8 المفترض في توقعات تمويل المعاشات التقاعدية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي عام 2023 -وهو أحدث عام ‍مع مقارنات الاتحاد الأوروبي- احتلت فرنسا المرتبة الثانية بمعدل خصوبة 1.65، خلف بلغاريا التي بلغ معدل خصوبتها 1.81.

وحذَّر المكتب الوطني للتدقيق العام ​الشهر الماضي من أن التحول الديموغرافي سيدفع الإنفاق العام إلى أعلى مستوياته في ⁠السنوات المقبلة، وذلك مع تآكل القاعدة الضريبية.

وقال الخبير الاقتصادي فيليب كريفيل، من «مركز بحوث سيركل ديبارن»: «نظراً لتقاعد الأجيال الكبيرة التي ولدت في الستينات، من المرجح أن تزداد التوترات في سوق العمل ومشكلات القوى العاملة بسرعة في السنوات المقبلة».

وعلى الرغم من أن عدد الوفيات يفوق عدد المواليد، فقد ارتفع عدد سكان فرنسا بشكل طفيف العام الماضي إلى 69.1 مليون ‌نسمة جرَّاء صافي الهجرة التي قدرها المعهد بما يصل إلى 176 ألف نسمة.


خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
TT

خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)

تنص «المادة 42 - الفقرة السابعة»، من «معاهدة الاتحاد الأوروبي»، على ما يلي: «في حال تعرّضت دولةٌ عضو لعدوانٍ مسلّح على أراضيها، تلتزم الدول الأعضاء الأخرى تقديم العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها، وذلك وفق (المادة 51) من ميثاق الأمم المتحدة».

ومملكة الدنمارك عضو في «الاتحاد الأوروبي»، وبالتالي فإنها تحظى بـ«غطاء (المادة 42 - الفقرة السابعة)»، التي لم تفعّل سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت حينذاك لموجة من الهجمات الإرهابية. بيد أن لجزيرة غرينلاند القطبية، التي يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للاستحواذ عليها؛ إنْ سلماً أو باللجوء إلى القوة العسكرية، وفق ما أكده أكثر من مرة، وضعاً خاصاً؛ ذلك أنها لم تعد جزءاً من «الاتحاد الأوروبي»؛ بسبب نتيجة الاستفتاء الذي جرى في عام 1985 بحيث خسرت الانتماء إلى «الاتحاد الأوروبي» وتحولت إلى منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك مع استمرار الروابط الدستورية والدفاعية بين الطرفين.

ورغم ذلك، فإن دول «الاتحاد الأوروبي» تعدّ نفسها معنية مباشرة بمصير غرينلاند؛ لسببين رئيسيين: الأول أن السيادة عليها تعود إلى الدنمارك؛ العضو في «الاتحاد الأوروبي». والثاني بسبب انتماء الدنمارك إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» الذي تنتمي إليه غالبية النادي الأوروبي، وبالتالي؛ فإنها تتمتع، كما الجزيرة القطبية، بضمانة «المادة الخامسة» بعكس «المادة 42 - الفقرة السابعة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافة الثلاثاء قبل توجهه إلى مدينة ديترويت بولاية ميتشغان (رويترز)

حتى اليوم، اكتفى «الاتحاد الأوروبي» بالتصريحات؛ أبرزها جاء في بيان مشترك من 7 دول؛ هي: فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، وبولندا، والدنمارك، وأيضاً بريطانيا (من خارج الاتحاد)، يشدد على المبادئ الأساسية للقانون الدولي (احترم سيادة الدول وسلامة أراضيها، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز تغيير الحدود بالقوة...). والأهم أن البيان شدد على أن غرينلاند «تنتمي إلى شعبها»، وأنه «يعود إلى الدنمارك وغرينلاند وحدهما البتّ في المسائل التي تخصهما» مع التركيز على أهمية المحافظة على أمن القطب الشمالي وعلى دور «الحلف الأطلسي» في ذلك. وصدر عن «المفوضية الأوروبية» بيان شبيه ببيان «مجموعة السبع» هذه، التي تضم الدول الأوروبية الرئيسية السبع.

ترمب: الاستحواذ على غرينلاند «حاجة نفسية»

بكلام آخر، لم يتضح مطلقاً أن للأوروبيين خطة ما في مواجهة أطماع ترمب، الذي يبرر رغبته هذه بمنع الصين وروسيا من السيطرة على غرينلاند مما سيشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، مع إشارته إلى حاجة بلاده إلى ما يختزنه باطن الجزيرة من «معادن نادرة». ولم يتردد ترمب في تأكيد أنه يأمل إنهاء هذا الملف «خلال شهرين»، وأنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار «بين الاستحواذ على الجزيرة، ومصير (حلف الأطلسي)»، في إشارة إلى التحذيرات الأوروبية التي نبهته إلى «انهيار الحلف» في حال أقدم على تنفيذ خطة الاستيلاء.

كل ما سبق استوعبه الأوروبيون. لكن ما فاجأهم ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 7 يناير (كانون الثاني) الحالي من تصريحات لترمب، في مقابلة طويلة استمرت ساعتين... فقد سُئل عن سبب عدم اكتفائه بإرسال مزيد من القوات الأميركية إلى غرينلاند، الأمر المتاح قانوناً بموجب اتفاق سابق مع الدنمارك، إذا كان هدفه التصدّي للتهديدات الأجنبية، فكان رده أنه لن يشعر بالارتياح ما لم يكن مالكاً للجزيرة. وقال ما حرفيته: «هذا ما أشعر أنه مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح. أعتقد أن الملكية تمنحك أشياء لا يمكنك الحصول عليها؛ سواء عبر عقد إيجار ومعاهدة. الملكية تمنحك أموراً وعناصر لا يمكنك الحصول عليها بمجرد توقيع وثيقة، حتى لو كانت لديك قاعدة عسكرية». كذلك، فإن محللين أوروبيين يرون أن ترمب يريد أن يحفر اسمه إلى جانب الرؤساء الأميركيين الذين نجحوا في توسيع رقعة الأراضي الأميركية.

الخيارات الأوروبية: الدبلوماسية أولاً

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن الأوروبيين «يجدون أنفسهم في وضع صعب، وعاجزين عن إيجاد وسيلة للوقوف في وجه رغبات ترمب؛ بسبب حاجتهم إليه في ملفَي أوكرانيا و(حلف الأطلسي). من هنا، فإنهم يسعون إلى اتباع استراتيجية مزدوجة تقوم، من جهة، على محاولة إقناعه بأنه يستطيع تحقيق كل رغباته من غير الحاجة إلى ضم أو احتلال غرينلاند. ومن جهة ثانية، يركزون على الأضرار المترتبة على (مغامرته)؛ إن على صعيد احترام المبادئ الدولية، أو مصير (حلف الأطلسي)، أو العلاقة بالدول الأوروبية، فضلاً عن توفير الحجج لدول أخرى مثل روسيا والصين للاحتذاء بما قد يقدم عليه ترمب».

الواضح أن الطرف الأوروبي لا يرغب مطلقاً في مواجهة واشنطن، وأنه يراهن على السبل الدبلوماسية لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية، من خلال التذكير بأن «معاهدة الدفاع الأميركية - الدنماركية»، القائمة منذ عام 1951، التي جرى تحديثها في 2004، تسمح أصلاً بتوسيع كبير للوجود العسكري الأميركي على الجزيرة، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة.

من جانب آخر، يدفع الأوروبيون باتجاه عدّ أن مسؤولية الدفاع عن غرينلاند وعن أمن القطب الشمالي تقع على عاتق «حلف الأطلسي» الذي تتزعمه واشنطن. وبمعنى ما، يريد الأوروبيون، ومعهم مارك روته، الأمين العام لـ«حلف الأطلسي»، سحب البساط الأمني من تحت رجلَي ترمب، فيما سلطات كوبنهاغن وغرينلاند تؤكد انفتاحها على أي استثمارات أميركية في الجزيرة القطبية. كذلك يسعى الأوروبيون إلى إقناع سكان غرينلاند بأنهم قادرون على ضخ استثمارات توازي أو تتقدم على وعود الاستثمارات التي يغدقها ترمب وفريقه عليهم. وتخوف الأوروبيين عنوانه احتمال أن يختار السكان الانفصال عن الدنمارك في استفتاء مقبل؛ مما يسهل «مهمة الإغراء التِّرَمْبِيَّة». ووفق مشروع أولي لـ«المفوضية الأوروبية»، فإن «بروكسل» تقترح مضاعفة المنحة السنوية المعطاة لغرينلاند.

ركاب طائرة حطت في مطار نوك عاصمة غرينلاند الاثنين (أ.ب)

عقوبات وانتشار عسكري

إذا تبين للأوروبيين أن الإقناع والتحذير لا يكفيان، فإن كثيرين يدعون إلى رفع سلاح العقوبات الاقتصادية في وجه واشنطن، مذكرين بأن «الاتحاد» يمثل الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للولايات المتحدة، ويشكل سوقاً من 450 مليون مستهلك. وبفضل ما سبق، يستطيع الأوروبيون التأثير على الاقتصاد الأميركي؛ لا بل الذهاب إلى فرض عقوبات عليه، وصولاً إلى التهديد بإجراءات «انتقامية» تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، ومنع الأوروبيين من شراء السندات الحكومية الأميركية، وحتى استخدام ما تسمى «أداة مكافحة الإكراه» في «الاتحاد الأوروبي» التي تمنح «المفوضية الأوروبية» صلاحية حظر السلع والخدمات الأميركية في سوق «الاتحاد»، وفرض رسوم جمركية، وسحب حقوق الملكية الفكرية، ومنع الاستثمارات... بيد أن هذه الإجراءات ثنائية النصل؛ إذ إنها تصيب الاقتصاد الأوروبي في الصميم؛ بسبب التداخل بين الطرفين، وبالنظر إلى أن أي إجراءات سيكون الرد الأميركي عليها سريعاً. وللتذكير؛ فإن ترمب نجح في فرض اتفاقية تجارية على «الاتحاد الأوروبي» تتضمن فرض رسوم بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية. وليس مؤكداً أن كل الدول الأوروبية ستوافق على عقوبات من هذا النوع.

إذا كان «آخر الدواء الكَيّ»، فإن المتاح لأوروبا استباق أي محاولة أميركية، بنشر قوة عسكرية أوروبية في غرينلاند، بحيث تعدّ ورقة ضمانات للجزيرة القطبية، ولتضع واشنطن في وضع حرج؛ حيث على قواتها أن تقاتل قوة «أوروبية - أطلسية». وهذا الخيار طرحه وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، العام الماضي، وتبنته الحكومة الألمانية، وذكره مفوض الدفاع في «الاتحاد الأوروبي»، آندريوس كوبيليوس، الاثنين، حيث أشار إلى أن «الاتحاد» قادر على توفير مزيد من الأمن لغرينلاند إذا طلبت الدنمارك ذلك، بما في ذلك إرسال قوات وبنية تحتية عسكرية، مثل السفن الحربية، وقدرات لمكافحة الطائرات المسيّرة.

تجد أوروبا نفسها أمام «حائط» أميركي صعب الاجتياز، وأن «امتحان غرينلاند» ستكون له، دون شك، تبعات كبيرة على جانبي «الأطلسي»، وعلى مستقبل «الاتحاد الأوروبي»، وعلى كيفية تعزيز قدراته ليدافع على الأقل عن مصالحه وأعضائه.