الذكاء الاصطناعي في مستشفى «مورفيلد»: حين ترى الخوارزمية ما يغيب عن أعين البشر

نظم تعيد رسم خريطة تشخيص أمراض العيون

الذكاء الاصطناعي في مستشفى «مورفيلد»: حين ترى الخوارزمية ما يغيب عن أعين البشر
TT

الذكاء الاصطناعي في مستشفى «مورفيلد»: حين ترى الخوارزمية ما يغيب عن أعين البشر

الذكاء الاصطناعي في مستشفى «مورفيلد»: حين ترى الخوارزمية ما يغيب عن أعين البشر

أعلنت وزارة الصحة البريطانية الأسبوع الماضي، تقريرها السنوي حول أداء المستشفيات. وبين عشرات الأسماء التي تزاحمت في القائمة، برز اسم مألوف لعالم العيون: «مستشفى مورفيلد للعيون»، متربعاً على القمة بوصفه أفضل مستشفى عيون في المملكة المتحدة، ويُعدّ – عن جدارة – أفضل مستشفى عيون في العالم.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى شأناً بريطانياً محضاً، لكن من يعرف مكانة «مورفيلد» يدرك أن صداه يتجاوز لندن ليصل إلى العواصم العربية؛ فهو ليس مجرد مستشفى، بل مدرسة عريقة ومختبر نابض يزاوج بين حكمة الأطباء ودقة الخوارزميات.

هناك، حيث تتلاقى الخبرة السريرية مع أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتبدّل قواعد التشخيص. ولم تعد شبكية العين مجرد لوحة يحدق فيها الطبيب عبر عدسة مكبرة؛ صارت سطراً من البيانات تتسابق الخوارزميات لتحلّ رموزه، كاشفة عن أدق العلامات قبل أن تراها العين البشرية.

مشهد من داخل «مورفيلد»

تخيّل أنك تـتجوّل في أروقة مستشفى مورفيلد للعيون (Moorfield’s Eye Hospital)؛ الجدران البيضاء ينعكس عليها ضوء هادئ، والأجهزة الحديثة تصطفّ بدقة، من كاميرات التصوير المقطعي البصري التوافقي (Optical Coherence Tomography – OCT) إلى أجهزة تصوير الشبكية التقليدية.

في إحدى القاعات، يجلس أطباء العيون جنباً إلى جنب مع خبراء البيانات، يحدّقون في شاشات عالية الدقة تعرض صوراً لطبقات الشبكية بتفاصيل مذهلة.

وإلى جوارهم تعمل خوارزميات التعلّم العميق (Deep Learning)، تبحث في أعماق الصور عن أنماط دقيقة قد تغيب عن عين الإنسان. خلال ثوانٍ قليلة، تُصدر هذه الخوارزميات تقارير واضحة تحدد ما إذا كان المريض يعاني من:

- اعتلال الشبكية السكري (Diabetic Retinopathy)

- الماء الأبيض / إعتام عدسة العين (Cataract)

- التنكس البقعي المرتبط بالعمر (Age-Related Macular Degeneration – AMD)

تظهر النتائج على الشاشة في صورة خريطة حرارية ملوّنة، تبرز النقاط التي لفتت انتباه الخوارزمية. يبتسم الطبيب، ليس لأن مهمته انتهت، بل لأن هذه «العيون الرقمية» صارت شريكاً يمنحه رؤية أوسع ووقتاً أثمن لاتخاذ القرار العلاجي الصحيح.

بداية القصة: شراكة غيّرت ملامح التشخيص

تعود القصة إلى بضع سنوات، حين اتفق مستشفى مورفيلد للعيون على إقامة تعاون غير مسبوق مع شركة «ديب مايند» (DeepMind) التابعة لـ«غوغل»، وكانت الغاية بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها: تدريب الآلة على اكتشاف الأمراض التي قد تسلب البصر قبل أن يتمكن الطبيب من رصدها بعينه المجردة.

بدأ الفريق المشترك بتطوير خوارزميات قادرة على تحليل صور التصوير المقطعي البصري، وهي صور معقدة تكشف عن طبقات الشبكية بتفاصيل دقيقة.

لاحقاً، وُلد مشروع «ريت فاونْد» (RETFound)، وهو ما يُعرف بـالنموذج الأساسي (Foundation Model) في طب العيون، الذي صُمم ليكون بمثابة «المكتبة المركزية» التي تنطلق منها تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتشخيص أمراض العين، من اعتلال الشبكية إلى التنكس البقعي، بدقة غير مسبوقة.

كيف تغيّر الخوارزميات قواعد اللعبة؟

الميزة الأبرز لهذه النماذج أنها متسقة (Consistent)؛ لا تعرف الملل، ولا تتأثر بضغط العمل أو قلة النوم، بل تقدّم حكماً متوازناً كل مرة. ثم إنها مدفوعة بالبيانات (Data-Driven)؛ إذ تعلّمت من ملايين الصور الملتقطة من مرضى حقيقيين، بما في ذلك حالات نادرة لا يلتقي بها الطبيب إلا مرة كل أعوام عدة.

في دراسة حديثة نُشرت في سبتمبر (أيلول) 2025 بقيادة الباحث د. ديفيد كراب (Dr. David Crabb) من مستشفى مورفيلد للعيون بالتعاون مع جامعة يونيفرسيتي كوليدج لندن UCL))، أظهر نظام ذكاء اصطناعي قدرة مذهلة على كشف اعتلال الشبكية السكري بدقة تجاوزت 97 في المائة، وهو مستوى يضاهي – وأحياناً يتفوّق على – متوسط أداء استشاري العيون عند قراءة الصور وحدها.

أما في حالة التنكس البقعي المرتبط بالعمر، فقد أثبتت الخوارزميات قدرتها على التنبؤ بخطر فقدان البصر قبل أن تظهر الأعراض السريرية، مانحة الأطباء فرصة ذهبية للتدخل المبكر.

وبالنسبة إلى الماء الأبيض، فلا تزال الأبحاث في مراحلها الأولى، إلا أن المؤشرات الأولية تبشّر بإمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لفرز الحالات وتحديد أولويات الجراحة؛ ما يخفف الضغط عن العيادات ويمنح المرضى مساراً أسرع نحو العلاج.

فرصة للعالم العربي

هنا يطل السؤال: ماذا يعني هذا لنا في الشرق الأوسط؟ الجواب: فرصة تاريخية.

في منطقتنا، تتزايد أمراض العيون بوتيرة مقلقة مع ارتفاع معدلات السكري؛ إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن نسبة السكري في بعض دول الخليج تصل إلى أكثر من 30 في المائة، بينما تبلغ نسبة اعتلال الشبكية السكري بين المصابين بالسكري نحو خُمس المرضى في المتوسط، وقد ترتفع في بعض المناطق لتتجاوز نصف الحالات.

هذه الأرقام تفتح أعيننا على حجم التحدي؛ فعدد كبير من المرضى قد لا يحصل على التشخيص المبكر؛ ما يعرضهم لخطر فقدان البصر.

لذلك؛ فإن إدخال تقنيات مثل تلك التي يطورها مستشفى مورفيلد للعيون، أو بناء شراكات بحثية مع مراكزه، يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في رعاية البصر في العالم العربي. الجامعات والمستشفيات هنا تستطيع اعتماد نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر، وإعادة تدريبها على بيانات محلية تراعي لون البشرة، أنماط الغذاء، والعوامل الوراثية في مجتمعاتنا، لتصل إلى دقة أعلى في التشخيص.

غير أن النجاح لن يتحقق بلا استثمار حقيقي: أجهزة تصوير متقدمة، مختبرات بيانات، وبرامج تدريبية تصنع خبراء يجمعون بين مهارة الطب وفهم لغة الخوارزميات، ليُحوّلوا الإمكانات النظرية واقعاً ينقذ البصر ويصون جودة الحياة.

لماذا يظل الطبيب في الصورة؟

على الرغم من كل هذه القفزات التقنية، ما زال الطريق طويلاً قبل أن نُسلِّم أعيننا للخوارزميات وحدها. فالذكاء الاصطناعي بارع في تحليل الصور والتقاط الأنماط الخفية، لكنه – حتى هذه اللحظة – عاجز عن القيام بدور الطبيب في الإصغاء إلى شكوى المريض، وطرح الأسئلة المناسبة عن تاريخه الصحي، وطمأنته عندما يتوجّس من التشخيص.

ثم إن جودة هذه النماذج مرهونة بما تُغذّى به من بيانات؛ فإذا كانت الصور التي دُرّب عليها النظام محصورة في بيئة أو فئة سكانية محددة، فقد يتعثر عند التعامل مع مرضى من خلفيات مختلفة أو أنماط مرضية غير مألوفة.

وفوق ذلك، تقف أمامنا تساؤلات أخلاقية وقانونية: من يتحمل المسؤولية إذا أخطأت الخوارزمية؟ كيف نضمن سرية بيانات المرضى وحمايتها من إساءة الاستخدام؟ هذه القضايا لا تنفصل عن كل ابتكار، بل ترافقه كظله، لتذكّرنا بأن التقنية مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تُغني عن دور الإنسان وحكمته في حماية المريض وصون كرامته.

بين الدقّة الرقمية وحسّ الطبيب

في نهاية المطاف، يبقى الذكاء الاصطناعي أداةً مساعدة، لا غاية بحدّ ذاته. إنه أشبه بمصباح يضيء الزوايا الخفية، لكن من يحمل المصباح هو الطبيب، بخبرته، وحدسه، وتعاطفه، وقدرته على قراءة ما وراء الأرقام.

ولم يقتصر دور مستشفى مورفيلد للعيون على تطوير الخوارزميات في مختبراته، بل امتدّ ليصل إلى المنطقة العربية، حيث أقيمت مراكز وشراكات طبية تسعى لنقل خبرته العالمية إلى مستوى إقليمي؛ ما أتاح فرصاً لتبنّي تقنيات التشخيص الحديثة وتدريب الكوادر المحلية، حيث إن هناك مفاوضات لتكون لهذا المستشفى العريق مراكز إقليمية في المملكة العربية السعودية.

ومهما بلغت دقّة الخوارزميات، فإنها تظل في حاجة إلى الطبيب.

يمكننا استلهام تجربة «مورفيلد»، وتطويعها لاحتياجاتنا المحلية، لنصنع منظومات ذكية تحمي بصر الملايين، وتمنح كل مريض فرصة لعيش حياة أوضح وأكثر كرامة.

وكما قال ابن الهيثم – رائد البصريات في حضارتنا –: «إذا كان العمل في طلب الحق شاقّاً، فكل ما يُثمره من نور أعظم قيمة».

إن بناء شراكة بين العلم والرحمة، بين الدقة الرقمية وحسّ الطبيب، هو السبيل لنورٍ جديد في رعاية العيون، حيث تتلاقى خوارزميات المستقبل مع حكمة الإنسان لتصنع معاً رؤية أوسع وأكثر إشراقاً.


مقالات ذات صلة

ساعة ذكية «صحية» جديدة

تكنولوجيا ساعة ذكية «صحية» جديدة

ساعة ذكية «صحية» جديدة

تقدم تقارير صحية بالذكاء الاصطناعي

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

ينصح الخبراء بعدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأن على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

خاص الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يرى باحثون أن صعود الذكاء الاصطناعي السيادي يعيد تشكيل خريطة الحوسبة العالمية في ظل تحوّلٍ من نموذج السحابة المشتركة إلى سيطرة معمارية على البيانات والموارد.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

تكشف الدراسة أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أكثر خطورة من الرجال ويتراجع دعمهن له أسرع عندما تكون مكاسبه الوظيفية غير مؤكدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)

120 ألفاً مستعدون لمساعدته… ذكاء اصطناعي يوظّف بشراً لتنفيذ مهام يعجز عنها

تتيح منصة «RentAHuman.ai» لوكلاء الذكاء الاصطناعي استئجار أشخاص حقيقيين لتنفيذ مهام في العالم المادي لا تستطيع الأنظمة الرقمية القيام بها بمفردها حتى الآن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.