الجيش الإسرائيلي يتوغل في مدينة غزة مع بدء الاجتياح البري

TT

الجيش الإسرائيلي يتوغل في مدينة غزة مع بدء الاجتياح البري

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع قطاع غزة (رويترز)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع قطاع غزة (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، بدء عمليته الموسعة في غزة، داعياً سكان المدينة إلى التوجه جنوباً.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي، الثلاثاء، إن الجيش بدأ العملية «الأساسية» ضمن هجومه للسيطرة على مدينة غزة، مشيراً إلى أن القوات البرية تتوغل في عمق مدينة غزة، وتتجه نحو وسطها.

وأضاف أن الجيش مستعد لمواصلة العمليات ما دام ذلك ضرورياً لهزيمة حركة «حماس»، مقدّراً عدد مقاتلي الحركة فيها «ما بين ألفين و3 آلاف».

وتابع: «الجيش يعتزم تنفيذ عمليات في مدينة غزة بسرعة لكن بشكل آمن مع إعطاء الأولوية لسلامة الرهائن والمدنيين... وإسرائيل ستزيد تدريجياً عدد قواتها في المدينة التي تقدر أن 40 في المائة من سكانها انتقلوا بالفعل إلى جنوب القطاع، حيث ستوسع (الجهود الإنسانية)».

وأكد أن القوات تتقدم نحو وسط المدينة التي تعرّضت لقصف إسرائيلي مكثّف على مدى الأسابيع الأخيرة.

وأوضح المسؤول العسكري: «الليلة الماضية، انتقلنا إلى المرحلة التالية، المرحلة الأساسية من خطة» الجيش للسيطرة على المدينة، مضيفاً: «وسّعت قيادة المنطقة الجنوبية العملية البرية في المعقل الأساسي لـ(حماس) في غزة، وهو مدينة غزة».

وأعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، عبر منصة «إكس»، صباح اليوم، توسيع العملية الإسرائيلية، بعد ليلة من الهجمات الجوية العنيفة التي استهدفت شمال غزة، والتي أسفرت عن مقتل 20 شخصاً على الأقل.

وكانت إسرائيل دعت سكان مدينة غزة إلى الإخلاء على مدار الشهر الماضي، استعداداً لعملية عسكرية في غزة، غير أن كثيرين أكدوا أنهم عاجزون عن الإخلاء بسبب الاكتظاظ في جنوب غزة وارتفاع تكلفة النقل.

وقال أدرعي: «سكان غزة، بدأ جيش الدفاع تدمير بنى (حماس) التحتية في مدينة غزة».

وأضاف أدرعي: «تعدّ مدينة غزة منطقة قتال خطيرة؛ فالبقاء في المنطقة يعرضكم للخطر. انتقلوا في أسرع وقت ممكن عبر شارع الرشيد إلى المناطق التي تم عرضها جنوب وادي غزة من خلال المركبات أو سيراً على الأقدام».

وتابع: «انضموا إلى أكثر من 40 في المائة من سكان المدينة الذين انتقلوا من المدينة حفاظاً على سلامتهم وسلامة أحبائهم».

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في وقت سابق اليوم، بدء «عملية مكثفة» في مدينة غزة، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه بدأ هجوماً برياً للسيطرة على المدينة، وأصدر إنذاراً إلى سكان المدينة وشمال القطاع للانتقال جنوباً «في أسرع وقت ممكن».

وبينما أفاد مسؤول عسكري إسرائيلي ببدء المرحلة الرئيسية من العملية البرية، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلاً عن الجيش، بأن الفرقتين 162 و98 تعملان في الجزء الغربي من مدينة غزة.

وأكد مسؤولان إسرائيليان، في وقت سابق، لشبكة «سي إن إن» أن الجيش بدأ بالفعل الاجتياح البري لمدينة غزة. وأشارت القناة، نقلاً عن أحد المسؤولين، إلى أن العملية البرية في مدينة غزة ستكون «تدريجية» في بدايتها.

«غزة تحترق»

وعلّق وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الثلاثاء، بعد الغارات الجوية المكثفة على القطاع الفلسطيني بالقول إن غزة «تحترق»، محذراً من أن بلاده «لن تتراجع».

وقال كاتس إن الجيش الإسرائيلي «يضرب البنى التحتية للإرهاب بقبضة من حديد، ويقاتل الجنود بشجاعة لتهيئة الظروف أمام إطلاق سراح الرهائن وهزيمة (حماس). لن نتوقف ولن نتراجع حتى ننجز مهمتنا».

وتعرّضت مدينة غزة، فجر الثلاثاء، لقصف إسرائيلي عنيف، حسبما أفاد به شهود عيان «وكالة الصحافة الفرنسية»، وذلك غداة زيارة قام بها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى الدولة العبرية، للتعبير عن دعم الولايات المتحدة «الراسخ» لها.

ووفق صحيفة «جيروزاليم بوست»، فإنه بعد أسابيع من ازدياد الغارات الجوية على مدينة غزة، بما في ذلك هدم عدد من المباني الشاهقة متعددة الطوابق، يبدو أن الجيش الإسرائيلي قد وصل أخيراً إلى نقطة التحول لغزو بري أوسع نطاقاً.

وحتى وقت سابق من يوم الاثنين، فرّ ما يُقدر بأكثر من 300 ألف غزاوي من مدينة غزة جنوباً، لكن بقي نحو 700 ألف.

وكان الجيش الإسرائيلي يأمل، كما برفح، في أن يفر معظم المدنيين الغزيين بمجرد أن تبدأ القوات البرية الإسرائيلية التوغل في المدينة.

تنديد دولي

يأتي الهجوم الإسرائيلي في يوم اتهمت لجنة تحقيق دولية مستقلة مكلفة من الأمم المتحدة إسرائيل بارتكاب «إبادة جماعية» في قطاع غزة خلال الحرب التي بدأت عقب هجوم «حماس» على الدولة العبرية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وهي المرة الأولى التي تخلص لجنة كهذه إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية. وقوبل التحرّك الإسرائيلي الأخير في مدينة غزة بتنديدات واسعة؛ إذ طالب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بوقف «المذبحة». في هذه الأثناء، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيقصف «في الساعات القريبة» ميناء الحديدة في غرب اليمن في ضوء «الأنشطة العسكرية التي يمارسها نظام الحوثي الإرهابي»، ودعا إلى إخلائه.

صورة ملتقطة في قطاع غزة تظهر قافلة من اللاجئين تصطف على طول طرق غزة هرباً من القصف الإسرائيلي (د.ب.أ)

تحذير أميركي

وزار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إسرائيل بعد أيام من استهداف الدولة العبرية قادة «حماس» في الدوحة. وحذّر قبيل توجهه إلى قطر بأن أمام «حماس» «مهلة قصيرة جداً» لقبول اتفاق لوقف إطلاق النار. أضاف: «لم يعد أمامنا أشهر، قد تكون أياماً، أو بضعة أسابيع». وتحوّل معظم مدينة غزة إلى أنقاض بعد نحو عامين من الضربات الإسرائيلية. وقال أحمد غزال، أحد سكان المدينة: «هناك قصف كثيف بشكل كبير على مدينة غزة لم يهدأ، والخطر يزداد». وأضاف الشاب البالغ 25 عاماً والذي يقيم قرب ساحة الشوا أنّه فجر الثلاثاء «سمعنا صوت انفجار هزّ الأرض بشكل مرعب»، مشيراً إلى أنّ الجيش الإسرائيلي «استهدف مربّعاً سكنياً يضمّ منازل العديد من العائلات... لقد دُمّرت 3 منازل بشكل كامل». وأكّد أنّ «أغلب المنازل التي دُمّرت حتى الآن مأهولة بالسكّان... ويوجد عدد كبير من المواطنين تحت الأنقاض يصرخون». وقال أحد السكان ويدعى أبو عبد زقوت: «انتشلنا الأطفال بعدما تحوّلوا إلى أشلاء». من جهته، قال محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ «القصف ما زال مستمراً بشكل كثيف على مدينة غزة وأعداد الشهداء والإصابات في ازدياد». وأفاد الدفاع المدني في غزة بأن 36 شخصاً قُتلوا الثلاثاء في القطاع. وتحول القيود المفروضة على وسائل الإعلام في غزة والصعوبات في الوصول إلى كثير من المناطق دون تمكُّن «وكالة الصحافة الفرنسية» من التحقق بشكل مستقل من الأرقام والتفاصيل التي يعلنها الدفاع المدني أو الجيش الإسرائيلي.

صورة ملتقطة من موقع على حدود إسرائيل مع قطاع غزة يظهر مركبات مدرعة عسكرية إسرائيلية متمركزة يطل على مبانٍ مدمرة في الأراضي الفلسطينية المحاصرة في 16 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

«العالم يصرخ من أجل السلام»

من جانبه، قال فولكر تورك مفوّض الأمم المتّحدة السامي الجديد لحقوق الإنسان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» ووكالة «رويترز» إن «العالم كله يصرخ من أجل السلام. الفلسطينيون والإسرائيليون يصرخون من أجل السلام. الجميع يريدون أن يتم وضع حد لذلك، وما نراه هو تصعيد إضافي غير مقبول على الإطلاق». وأضاف: «من الواضح تماماً أن على هذه المذبحة أن تتوقف»، مضيفاً: «نرى جريمة حرب تلو أخرى تلو أخرى، وجرائم ضد الإنسانية... سيعود القرار إلى المحكمة في تحديد إن كانت إبادة جماعية أم لا، ونرى الأدلة تزداد». ورأى الاتحاد الأوروبي أن توسيع العملية الإسرائيلية سيسبب «مزيداً من الدمار والموت والنزوح... ويعرِّض حياة الرهائن للخطر». كما أدانت «الخارجية البريطانية» الخطوة الإسرائيلية «المتهوّرة والمروّعة» التي رأتها برلين أيضاً «في الاتجاه الخطأ تماماً».

في هذه الأثناء، أكد تورك، الثلاثاء، أن الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف قادة من «حماس» في قطر يهدد السلام والاستقرار الإقليميين، وحضّ على «المحاسبة عن عمليات القتل خارج نطاق القانون».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلتقي أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الديوان الأميري بالدوحة بقطر في 16 سبتمبر 2025 (رويترز)

إشادة بجهود قطر

زار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قطر، الثلاثاء، عقب هجوم غير مسبوق شنّته إسرائيل في التاسع من سبتمبر (أيلول)، هدف لاغتيال قادة الصف الأول في حركة «حماس» خلال اجتماعهم في الدوحة لمناقشة مقترح أميركي للهدنة. وأثار الهجوم على قطر التي تضم أكبر قاعدة جوية أميركية في المنطقة، انتقادات نادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحق حليفته إسرائيل. وتعهد ترمب، الاثنين، بأن إسرائيل «لن تضرب قطر» مجدداً. وأشاد روبيو الذي التقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ورئيس وزرائه الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بجهود قطر في الوساطة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة. وأجرى روبيو محادثات مغلقة لم تتجاوز مدتها الساعة في الدوحة. وأوردت «الخارجية الأميركية» في بيان أن روبيو «شكر قطر على جهودها لإنهاء الحرب في غزة، وإعادة جميع الرهائن»، مؤكداً قوة العلاقات بين واشنطن والدوحة. وأضاف البيان أن روبيو «جدد الدعم الأميركي القوي لأمن قطر وسيادتها». وكان الوزير الأميركي شدّد في وقت سابق على أن قطر هي الوحيدة القادرة على التوسط بشأن غزة. وأسفر هجوم «حماس» عن مقتل 1219 شخصاً في الدولة العبرية، معظمهم من المدنيين، بحسب تعداد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً للأرقام الرسمية. وأودت الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة بحياة ما لا يقل عن 64964 شخصاً، معظمهم أيضاً من المدنيين، وفقاً لأرقام وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس»، التي تعدها الأمم المتحدة موثوقاً بها.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تُحيي سراً ذكرى «المحرقة النازية»

شؤون إقليمية نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)

إسرائيل تُحيي سراً ذكرى «المحرقة النازية»

في خطوة عدّتها تل أبيب «غاية في الدهاء والذكاء لجهاز المخابرات (الشاباك)» تم إحياء ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية وذكرى ضحايا المحرقة النازية بشكل سري.

نظير مجلي (تل أبيب)
شمال افريقيا فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

تحاول القاهرة أن تصل إلى تفاهمات بين حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية والممثل الأعلى لقطاع غزة بمجلس السلام، نيكولاي ميلادينوف، لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار.

محمد محمود (القاهرة )
خاص أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

بلورت «حماس» رداً على مطالبتها والفصائل الفلسطينية ببدء «نزع السلاح» وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرد يرتكز على «التشبث بجدول زمني» لالتزامات إسرائيل أولاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
آسيا رئيس كوريا الجنوبية لي جيه ميونغ (رويترز)

منشور للرئيس الكوري الجنوبي عن «المحرقة» يُغضب إسرائيل

أثار رئيس كوريا الجنوبية لي جيه ميونج خلافاً دبلوماسياً مع إسرائيل بعد أن شبه العمليات الحربية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بالمحرقة النازية (الهولوكوست).

«الشرق الأوسط» (سول )
المشرق العربي صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

جاءت آية سلامة إلى مصر من أجل ترميم وتجميل وجهها بعد تشوهه في قصف إسرائيلي مطلع الحرب على غزة.

يسرا سلامة (القاهرة)

إسرائيل تُحيي سراً ذكرى «المحرقة النازية»

نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)
نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)
TT

إسرائيل تُحيي سراً ذكرى «المحرقة النازية»

نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)
نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)

في خطوة عدّتها تل أبيب «غاية في الدهاء والذكاء لجهاز المخابرات (الشاباك)»، تم إحياء ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية، وذكرى ضحايا المحرقة النازية بشكل سري وقبل الموعد بعدة أيام، وذلك خشية إقدام إيران أو «حزب الله» أو الحوثيين على إطلاق صواريخ أو مسيّرات لاغتيال قادة إسرائيل الذين يشاركون عادة في هذه المناسبات، مثل الرئيس يتسحق هرتسوغ، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، إضافة إلى كثير من الوزراء وقادة الجيش والمخابرات وغيرهم.

ومن المفترض أن يُقام الحفل الأول مساء الثلاثاء في متحف ضحايا النازية «ياد فاشيم» (يد واسم)، والحفل الثاني في الأسبوع المقبل في القدس الغربية. وتُقام في كل واحد من اليومين عشرات الفعاليات ذات الطقوس الرسمية بحضور كبار المسؤولين. وتدير هذه البرامج هيئة حكومية برئاسة وزيرة المواصلات المقرّبة من نتنياهو، ميري ريغف.

وقررت أجهزة المخابرات إجراء الأحداث المركزية في الخفاء وفي موعد مسبق، خوفاً من قيام إيران أو وكلائها بالانتقام لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وغيره من قادة الدولة.

حفل مسجل

نتنياهو يلتقي جنود الاحتياط في الشمال ويجيب عن أسئلتهم (أرشيفية - د.ب.أ)

وقال مصدر سياسي في تل أبيب إن «الشاباك قرر عدم المخاطرة؛ ففي إيران ولدى وكلائها ما زالت كميات كبيرة من الصواريخ والمسيّرات القادرة على الوصول إلى إسرائيل، فقرروا التحايل بذكاء ودهاء، وفرضوا على قادة الدولة إحياء هذه الذكرى بشكل سري قبل أيام من الحدث، وتصويرها وبثها عبر القنوات التلفزيونية الإسرائيلية في البلاد والعالم».

وهكذا، فإن الحفل الذي يُبث الثلاثاء سيكون مسجلاً، ولن يراه الجمهور في بث حي، على غير العادة.

يُذكر أن حفل إحياء ذكرى ضحايا النازية يشهد عادة قراءة أسماء نحو 6 ملايين يهودي تقول إسرائيل إن النازية أبادتهم بوسائل وحشية، بينها الخنق والحرق في أفران الغاز، وإشعال 12 شعلة يحمل كلّ واحدة منها أحد المسنين الذين تم إنقاذهم من المحرقة عندما كانوا أطفالاً.

كما يتم اختيار شخصيات مميزة لهذه المهمة، كان لها دور بارز في خدمة إسرائيل، مثل العميد «ب» الذي سيظهر من الخلف وعدم إظهار وجهه لكون شخصيته سرية، لأنه واضع برنامج وخطط هجوم سلاح الجو الإسرائيلي على إيران.

وأيضاً الرائدة نوريت ريش التي أُصيبت في غزة، وعولجت وعادت إلى القتال، ثم جُرحت من جديد وبُترت ساقها. والمواطنة أورا حتان التي تقطن في قرية شتولا على الحدود اللبنانية، وتم إجلاؤها خلال الحرب لكنها أصرت على العودة والبقاء في البلدة أثناء القصف. وطاليك زغويلي، والدة الجندي ران الذي قُتل في أسر «حماس» وكان آخر من سُلّمت جثته بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بالإضافة لشخصيات أخرى.

3 شخصيات تثير الجدل

مشيعون يبكون خلال مراسم جنازة أحد الحاخامات (إ.ب.أ)

وفي حين حظيت هذه الاختيارات بشبه إجماع في المجتمع الإسرائيلي، فإن هناك ثلاثة آخرين يثيرون جدلاً وحرجاً، وهم: غال هيرش، رئيس دائرة المخطوفين والمفقودين، الذي يتعرض لانتقادات لأنه أسهم مع نتنياهو في إطالة الحرب، مما تسبب بمقتل 44 أسيراً إسرائيلياً لدى «حماس».

والثاني هو موشيه أدري، السينمائي الذي أيد خطة وزير المعارف للتدخل في مضمون السينما الإسرائيلية ومحاربة الاتجاهات اليسارية فيها. والثالث هو رجل الدين المستوطن، الحاخام أبراهام زرفيف، الذي تباهى بأنه هدم منازل في قطاع غزة أثناء الحرب، ونشر على الشبكات الاجتماعية توثيقاً ظهر فيه وهو يهدم مبنى في خان يونس بجرافة «دي - 9»، وسُمع وهو يقول: «ينبغي ببساطة تسوية قطاع غزة بالأرض».

ونشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، يوم الاثنين، مقالاً افتتاحياً ربطت فيه اختيار زرفيف لإيقاد الشعلة، بالدعوى التي أقامتها جنوب أفريقيا أمام المحكمة الدولية في لاهاي، ودعت فيها إلى فتح تحقيق ضد دولة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.

وقالت الصحيفة إن هذا «دليل آخر على الانهيار الداخلي لدولة إسرائيل، لأن الدولة تختار تكريم وتشريف من أصبح رمزاً لتسوية قطاع غزة بالأرض، وتقول للعالم إنها ترى فيه رجلاً وقِيَماً جديرة بالشرف وتمثل الدولة». وأضافت: «فالحاخام زرفيف جدير حقاً بأن يحمل شعلة؛ ليس لأنه جدير بالشرف، بل لأن دولة إسرائيل فقدت الطريق والبوصلة والضمير. ما فعلته إسرائيل في قطاع غزة هو وصمة عار لن تُمحى، وزرفيف يمثل صورتها اليوم».


تحرك فرنسي - بريطاني «سلمي» لإعادة الملاحة في «هرمز»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)
TT

تحرك فرنسي - بريطاني «سلمي» لإعادة الملاحة في «هرمز»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)

باستثناء تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي عبّر فيه، الاثنين، عن تأييده قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض حصار على كل السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، فإن كل القادة والمسؤولين عبر العالم التزموا مواقف حذرة؛ بمن فيهم حلفاء الولايات المتحدة، سواء أكان داخل «حلف شمال الأطلسي»، أو «الاتحاد الأوروبي»، أو في منظومة «الأعين الخمس (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا)؛ ذلك أن مبادرة ترمب أحرجت حلفاء بلاده وأربكتهم.

وبعد أن كان يدعو منذ أسابيع إلى تحرير الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، جراء التدابير القسرية الإيرانية، تبنى ترمب سياسة مغايرة برزت نتائجها العملية سريعاً جداً، حيث عادت أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع، ومعها المخاوف العالمية من استفحال أزمة الطاقة، خصوصاً أنه لا أحد يملك تصوراً واضحاً للتطورات الميدانية والجيوسياسية المترتبة على ذلك.

إرباك أوروبي

وبدا الإرباك، خصوصاً لدى «الاتحاد الأوروبي»، من خلال «اللاموقف» من قرار ترمب. وبرز ذلك في تصريح أورسولا فون دير لاين، رئيسة «المفوضية الأوروبية»، التي نبهت، الاثنين، إلى أن «الإغلاق المستمر لمضيق هرمز يسبب أضراراً كبيرة، واستعادة حرية الملاحة ذات أهمية قصوى بالنسبة إلينا».

أما كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في «الاتحاد»، فشددت على أمرين: «الأول: ضرورة أن يعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة مجدداً. والثاني: ضرورة أن يبقى باب الوساطة مفتوحاً؛ من أجل معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، بالتوازي مع الحاجة إلى تجنب مزيد من التصعيد، والذهاب نحو حلول دبلوماسية».

وأضافت كالاس أن «الاتحاد الأوروبي» يدعم جهود الوساطة من أجل حل النزاع. والأمر نفسه ينسحب على فريدريتش ميرتس، المستشار الألماني، الذي تجاهل تماماً مستجدات مضيق هرمز، مكتفياً بالقول إنه «لم يفاجأ» بفشل محادثات إسلام آباد؛ لأنه «منذ البداية، لم يكن (لديه) انطباع بأنها كانت مُحضَّرة بشكل جيد فعلاً». في المقابل، كشف ميرتس عن مجموعة من التدابير للتخفيف من تبعات ارتفاع أسعار الطاقة على مواطنيه وشركاتهم.

رئيس الوزراء البريطاني خلال لقائه فريق طائرة «إيه 400» التابعة للقوات المسلحة البريطانية في أبوظبي يوم 9 أبريل 2026 بمناسبة جولته الخليجية (إ.ب.أ)

ومن بين كل المسؤولين الأوروبيين، انفرد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بالتعبير عن مواقف واضحة وقاطعة، رغم قرب بلاده من واشنطن... ففي حديث لإذاعة «بي بي سي»، الاثنين، أكد ستارمر أن لندن «لا تدعم الحصار» الأميركي الذي تنوي واشنطن فرضه على الموانئ الإيرانية، كما أنها «لن تنجرّ إلى الحرب».

ووفق ستارمر، فإنه «من الحيوي أن نعيد فتح المضيق بشكل كامل، وهذا هو المجال الذي ركزنا عليه كل جهودنا في الفترة الأخيرة، وسنواصل ذلك». وجاء حرصه على النأي ببريطانيا عن خطة ترمب بعد أن أعلن الأخير أن لندن وعدت بإرسال كاسحات ألغام إلى المضيق. وأعلنت لندن مؤخراً أنها قد تساعد في إزالة الألغام من الممر المائي، و«لكن فقط بعد توقف القتال»؛ وهي النقطة التي تجاهلها ترمب. وفي أي حال، فقد أكد ستارمر أن كل القدرات العسكرية البريطانية «موجهة من جانبنا نحو إعادة فتح المضيق بالكامل».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)

ستارمر - ماكرون

وحقيقة الأمر أن خيار ترمب بالنسبة إلى مضيق هرمز أطاح الخطط الأوروبية؛ وتحديداً الفرنسية - البريطانية التي يجري العمل عليها منذ أسابيع، وعنوانها تشكيل مجموعة تدخل متعددة الجنسية وأوروبية الطابع؛ من أجل مواكبة السفن المارة عبر مضيق هرمز، ولكن بعد أن تتوقف الأعمال الحربية.

ولهذا الغرض، جرى اتصال هاتفي بين ستارمر والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مساء الأحد. وقد اكتفى مكتب الأول بالإشارة إلى أن المسؤولَين يتفقان على الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة. لكن ماكرون أوضح في تغريدة على منصة «إكس»، صباح الاثنين، أن فرنسا وبريطانيا «ستنظمان، خلال الأيام القليلة المقبلة، مؤتمراً مع الدول المستعدة للمساهمة إلى جانبنا من أجل إطلاق (مهمة متعددة الجنسية ذات طابع سلمي)؛ تهدف إلى استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز. وستكون هذه المهمة (ذات طابع دفاعي بحت ومستقلة عن أطراف النزاع، على أن تُنشَر عندما تسمح الظروف».

وشدد ماكرون على أنه «ينبغي عدم ادخار أي جهد من أجل التوصل بسرعة إلى تسوية قوية ودائمة للنزاع في الشرق الأوسط عبر المسار الدبلوماسي... تسوية تُمكّن من إرساء إطار متين يسمح للجميع بالعيش في سلام وأمن». وفي نظره، «تتعين معالجة كل القضايا الجوهرية، وإيجاد حلول مستدامة لها، سواء أتعلقَ الأمر بالأنشطة النووية والباليستية لإيران، أم بأعمالها المزعزعة للاستقرار في المنطقة؛ وكذلك من أجل السماح باستئناف الملاحة الحرة ودون عوائق في مضيق هرمز بأقرب وقت ممكن».

سفينة شحن قريبة من مضيق هرمز كما شوهدت من إمارة رأس الخيمة الإماراتية قرب حدود منطقة مسندم العامرية المطلة على المضيق (رويترز)

ضبابية «المهمة»

واللافت أن ماكرون لم يتناول مباشرة مبادرة ترمب. ورغم تغير الظروف، فإن باريس ولندن متمسكتان بـ«المهمة» التي يريدان لها أن تكون بعيدة عمّا تقوم به القوات الأميركية في المنطقة. وسبق لهما أن أكدتا، قبل أن يُطرح موضوع الحصار، أن «المهمة» الدفاعية المذكورة، أي مواكبة السفن، ستجري بالتفاهم مع طهران وبعد انتهاء الحرب أو العمليات العسكرية الكبرى. وعلى هذا الأساس، عُقدت اجتماعات عسكرية ودبلوماسية متنقلة عدة بين باريس ولندن بحضور ما لا يقل عن 35 دولة أوروبية وغير أوروبية للتعرف على الدول المستعدة للمساهمة فيها؛ إن كان عسكرياً أم لوجيستياً أم تمويلياً. ووفق باريس، فإنها ستكون على غرار «مهمة أسبيدس» الأوروبية التي أطلقت في عام 2023 لتأمين إبحار السفن في البحر الأحمر بين باب المندب وقناة السويس. ونجحت هذه المهمة في ضمان سلامة ما لا يقل عن 600 سفينة.

غير أن ترمب، بمبادرته، «قلب الأمور رأساً على عقب»، وفق توصيف مصدر أوروبي في باريس. من هنا، جاء استعجال ماكرون وستارمر في الدعوة إلى «اجتماع قمة عاجل» لإعادة تعريف «المهمة» متعددة الجنسية وظروف عملها، خصوصاً أن الأوضاع في المضيق والخليج بشكل عام مرشحة لأن تشهد تصعيداً كبيراً. وتقوم المقاربة الأوروبية على الامتناع عن دعم الحصار، وتفضيل العمل الدبلوماسي، والتخوف من تصعيد عسكري كبير تكون له تبعات اقتصادية تفاقم انعكاساته على اقتصاداتهم.


«والداه أخفيا عنه أنه يهودي»... ماذا نعرف عن رومان غوفمان رئيس الموساد الجديد؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رومان غوفمان الذي سيتولى رئاسة «الموساد» في يونيو المقبل (الإعلام الحكومي الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رومان غوفمان الذي سيتولى رئاسة «الموساد» في يونيو المقبل (الإعلام الحكومي الإسرائيلي)
TT

«والداه أخفيا عنه أنه يهودي»... ماذا نعرف عن رومان غوفمان رئيس الموساد الجديد؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رومان غوفمان الذي سيتولى رئاسة «الموساد» في يونيو المقبل (الإعلام الحكومي الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رومان غوفمان الذي سيتولى رئاسة «الموساد» في يونيو المقبل (الإعلام الحكومي الإسرائيلي)

منذ إعلان الموافقة على تولي الجنرال رومان غوفمان رئاسة جهاز «الموساد» الإسرائيلي، تسابقت الاعتراضات الرافضة ترشيحه مع السرديات الممجدة لبطولاته.

لكن الرافضين والممجدين لغوفمان لم ينكروا أن تعيينه في قيادة «الموساد» خطوة إضافية في تعضيد حكم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي أزاح وغيّر تقريباً كل الطبقة السياسية والأمنية ذات الولاء المتذبذب بآخرين مقربين، وجاء أحدثهم غوفمان الذي يشغل حالياً منصب السكرتير العسكري لنتنياهو.

وأعلن مكتب نتنياهو، مساء الأحد، أن غوفمان سيتولى رئاسة «الموساد» مطلع يونيو (حزيران) المقبل، بعد موافقة اللجنة المسؤولة عن التعيينات في المناصب العليا وتُعرَف باسم «لجنة غرونيس». وجاءت الموافقة بعد نحو 4 أشهر من إعلان رئيس الوزراء للمرة الأولى ترشيحه غوفمان لمنصب رئيس «الموساد» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأثار قرار «لجنة غرونيس»، زوبعة كبيرة في الحلبة السياسية، وفي «الموساد» نفسه؛ إذ أبدى رئيسه المنتهية ولايته ديفيد برانباع، معارضته للمصادقة على تعيين غوفمان.

ويتوقع أن يُطرح الموضوع للحسم في المحكمة العليا، التي ستكون مطالبة بإلغاء هذا التعيين؛ بناءً على أن رئيس اللجنة المسؤولة عن التعيينات القاضي المتقاعد آشر غرونيس، سجّل اعتراضاً على التعيين، لكنه كان مع الأقلية، وكذلك رفضت المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراف – ميارا التعيين.

ومع ذلك، فإن نتنياهو يصرّ على التعيين، وسارع إلى توقيع قرار اللجنة الموافقة بالأكثرية عليه، وأصدر، الاثنين، بشكل رسمي كتاب تعيين غوفمان لتسلم منصبه لمدة خمس سنوات.

من هو رومان غوفمان؟

وُلد رومان غوفمان بمدينة مازير في بيلاروسيا عام 1976 وكانت حينها جزءاً من الاتحاد السوفياتي، وهاجر إلى إسرائيل مع عائلته عندما كان في الرابعة عشرة من العمر، ولم يكن يعرف أنه يهودي؛ لأن والديه أخفيا ذلك عنه «حتى لا يتعرض للأذى من زملائه»، وفق زعمهما.

سكنت عائلة غوفمان في أسدود، ولكن ما هرب منه في مسقط رأسه اصطدم به في إسرائيل، فقد تعرض للتنمر والتمييز من زملائه اليهود بالذات كما بقية الأولاد والفتية الذين هاجروا مع عائلاتهم من الاتحاد السوفياتي بحثاً عن «الأمان اليهودي».

في مواجهة التمييز ضده، قرر غوفمان أن يتدرب على الملاكمة، لكي يحمي نفسه ورفاقه القادمين الجدد، ونجح في ذلك وأصبح بطلاً على صعيد قُطري؛ إذ فاز بالمرتبة الثانية في وزنه.

من بوابة التفوق الرياضي، انتسب غوفمان إلى الجيش عام 1995، باحثاً عن مزيد من القوة واستعراض العضلات، وبالفعل انضم لسلاح المدرعات واختار أن يكون جندياً مقاتلاً، ثم راح ينتقل من دورة ضباط إلى أخرى، حتى نال درجة لواء، وخلال ذلك، حارب في لبنان وفي قطاع غزة وفي الضفة الغربية. وقاد عمليات بنفسه وراء الحدود في سوريا.

جنود إسرائيليون خلال تدريب بالقرب من الحدود مع سوريا في مرتفعات الجولان المحتلة 1 فبراير 2024 (رويترز)

ويُعرَف عن غوفمان أنه قارئ جيد؛ إذ درس العلوم السياسية في المؤهل الأول، والعلوم السياسية والأمنية في المؤهل الثاني، وتم تعيينه ملحقاً عسكرياً في مكتب نتنياهو في أبريل (نيسان) 2024 بعد إصابته خلال المعارك مع «حماس» في جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وعندما أصبح غوفمان سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، قبل سنتين، سلمه ملفين مهمين ليتعمق فيهما بشكل خاص؛ إيران وروسيا.

وكان غوفمان الذي تُعدّ الروسية لغته الأم مبعوث نتنياهو إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وصاغ مع موسكو توازنات عدة تتعلق بسوريا وإيران، واهتم بأمور وكلاء إيران أيضاً في المنطقة.

«مواجهة مع إيران... وعمليات في سوريا»

وكُشف مؤخراً، في وسائل إعلام عبرية، أن غوفمان كان على خط المواجهة مع «العدو الإيراني»، ليس فقط من خلال منصبه في مكتب نتنياهو، حيث تدخل في وضع أهداف الحرب؛ بل منذ سنين طويلة عندما كان يقود «قوة كوماندوز» إسرائيلية تدخل إلى سوريا في عهد الرئيس بشار الأسد، في إطار العمليات الحربية ضد قوات «الحرس الثوري» التي كانت تعمل مع الجيش السوري.

وتنسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، لغوفمان «دوراً مميزاً» في قضية تفجير أجهزة البيجرز في آلاف النشطاء من «حزب الله» واغتيال زعيمه حسن نصر الله، ورئيس أركان الحزب علي هيثم طبطبائي، عدا عن عمليات سرية تحظر الرقابة العسكرية الإسرائيلية نشرها تتعلق بالعمليات التي نفذتها إسرائيل في الأراضي الإيرانية خلال جولتَي الحرب في يونيو (حزيران) الماضي، وفي الجولة التي بدأت في فبراير (شباط) الماضي.

وفي تقديمه لغوفمان، قال نتنياهو إنه قرر تعيين سكرتيره العسكري، رئيساً جديداً لجهاز الموساد؛ لأنه يرى «فيه قائداً عسكرياً مِقداماً ومبدعاً. شغل مناصب عملياتية وقيادية عدّة في الجيش الإسرائيلي، من بينها: مقاتل وقائد في سلاح المدرعات، قائد كتيبة 75 في اللواء السابع، ضابط عمليات في الفرقة 36، قائد لواء (عتسيون)، وقائد اللواء السابع، قائد الفرقة 210، قائد المركز القومي للتدريب البري، رئيس هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (الفلسطينية المحتلة)».

وأضاف نتنياهو أن «غوفمان، من خلال منصبه الحالي، سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، أظهر قدرات غير عادية في القيادة الأمنية وأبدى ضلوعاً عميقاً في فهم العدو على الجبهات السبع التي حاربنا فيها وكانت له أفكار خلاقة».

«مُخلص لنتنياهو»

لكن السيرة العسكرية التي سردها نتنياهو، تعدّ ثانوية ضمن اعتباراته؛ فالميزة الأهم للجنرال غوفمان، هي أنه مُخلص لنتنياهو بشكل شخصي، يدين له بالولاء ويحفظ أسراره، ومنطوٍ مثله لا يقارب أحداً ولا يمزح ولا يضحك إلا نادراً.

كما أن غوفمان يميني الهوى، وكان له ارتباط متين بالمدرسة الدينية الاستيطانية في مستعمرة عالي في الضفة الغربية، التي تُعرَف بتخريجها معظم قادة اليمين المتطرف.

يؤمن غوفمان بنظرية نتنياهو القائلة بأن «القيادات العسكرية ملزمة بتنفيذ سياسة الحكومة، وليس العكس، حتى في الشؤون الأمنية». وقد رافق نتنياهو في كل زياراته إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في عهد الرئيس دونالد ترمب، وحضر معظم لقاءاتهما وأيدهما في توجههما ضد الدولة العميقة.

الجنرال رومان غوفمان يستمع إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال زيارته للقدس في 22 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وتنقل «يديعوت أحرونوت» عن أحد كبار قادة الجيش ممن يعرفون غوفمان قوله إنه «رجل عسكري قوي، يُقدِم على العدو والسكين بين أسنانه؛ لكنه متسرع لا يكترث للوقوع في خطأ، يعيش مع نفسه كثيراً، فيزاول الرياضة الفردية وفي وقت فراغه يتخذ زاوية جانبية ويقرأ... لكنني لا أعتقد أنه مناسب لمنصب كبير كهذا».

ورأى مسؤولون سابقون في الأجهزة الأمنية أن هذه الخطوة تُظهر رغبة نتنياهو في «إحكام القبضة» على «الموساد» على غرار ما حدث في تعيين الجنرال دافيد زيني لرئاسة جهاز الأمن العام (الشاباك). وأشارت التقارير إلى أن التدخل في التعيينات الحسّاسة داخل الأجهزة الأمنية يثير قلقاً لدى مسؤولين سابقين يرون أن الخطوات الأخيرة تعكس محاولة لترسيخ نفوذ سياسي مباشر داخل جهازي الاستخبارات.

«فشل في تجنيد العملاء»

وفي مواجهة الإطراء والإغراق برواية التفوق، طفت قصص تمس بمكانة غوفمان وقد تقضي على تعيينه رئيساً للموساد، وتحديداً ما يتعلق بتجنيده عملاءَ فلسطينيين في الضفة الغربية لنقل معلومات ونشر مواد تحريض وتشويش، من دون أن تكون له صلاحية بذلك وبالمخالفة للتعليمات.

وحتى عندما لفتت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نظر غوفمان لم يكف، بل كلف فتى يهودياً يدعى أوري المقيس، وهو في السابعة عشرة من العمر، بعمليات «أمنية» في العالم العربي، اعتماداً على أن الفتى كان «ضليعاً بعالم الشبكات الاجتماعية وباللغة العربية».

وقرر غوفمان تجنيد المقيس لاستغلال مواهبه، وقد سرب له معلومات ووثائق سرية وطلب منه تعميمها في الشبكة العنكبوتية؛ للتحريض على شخصيات سياسية، وحكومات عربية بهدف الفتنة والتشويه.

وعندما اكتشفت المخابرات هذه المواد في مطلع عام 2024، تم اعتقال الفتى بتهمة «سرقة وثائق أمنية سرية»، وجرى التحقيق معه في المخابرات الإسرائيلية «تحت التعذيب»، حسب دعوى أقامها أمام القضاء الإسرائيلي.

إحدى جلسات المحكمة العليا الإسرائيلية في القدس (رويترز)

وعندما قال المقيس إنه حصل على هذه المواد من ضابط كبير في الجيش، لم يصدقوه، وحتى عندما ذكر اسم غوفمان أنكر أي علاقة به، وبقي الفتى طيلة 44 يوماً تحت الاعتقال، وتم توجيه لائحة اتهام ضده بتهمة التجسس، وأُطلِق سراحه إلى الحبس المنزلي طيلة سنة ونصف السنة، ولكن محاميي الدفاع عنه تمكّنا من إثبات براءته، فألغيت لائحة الاتهام.

وبعد وقف الدعوى ضده، أقام المقيس دعوى ضد غوفمان في المحكمة يطلب فيها معاقبته والحصول تعويضات من الدولة ومن غوفمان؛ على ما تسبب له من عناء، وعند صدور قرار التعيين من نتنياهو، توجه الفتى إلى الرأي العام مطالباً بحملة جماهيرية ضد غوفمان.

ولعل تلك التجربة في الفشل بتجنيد العملاء، هي ما دفعت مسؤولين في «الموساد» إلى التعبير عن «قلق كبير» من تعيين غوفمان، وذكرت «القناة 13» الإسرائيلية أن انتقادات حادّة للتعيين ترتكز إلى افتقاره الخبرة في مجالات العمل الاستخباراتي.