الحرب و«الكوليرا» يتفاقمان في دارفور وكردفان بالسودان

احتدام المعارك حول مدينتي الفاشر والأُبيّض

صورة جوية تظهر تصاعد الدخان من مخيم «زمزم» قرب مدينة الفاشر في دارفور أبريل الماضي (أ.ف.ب)
صورة جوية تظهر تصاعد الدخان من مخيم «زمزم» قرب مدينة الفاشر في دارفور أبريل الماضي (أ.ف.ب)
TT

الحرب و«الكوليرا» يتفاقمان في دارفور وكردفان بالسودان

صورة جوية تظهر تصاعد الدخان من مخيم «زمزم» قرب مدينة الفاشر في دارفور أبريل الماضي (أ.ف.ب)
صورة جوية تظهر تصاعد الدخان من مخيم «زمزم» قرب مدينة الفاشر في دارفور أبريل الماضي (أ.ف.ب)

قالت مصادر محلية في السودان إن المعارك المحتدمة في إقليمَي دارفور وكردفان، بالإضافة إلى تفشي مرض الكوليرا، أصبحا «يتفاقمان ويدمّران الإقليمَيْن وسكانهما». وأوضحت المصادر أن الفاشر، أكبر مدن إقليم دارفور، شهدت منذ فجر الاثنين اشتباكات عنيفة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي تحاصر المدينة منذ أكثر من عام.

وأضافت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش يواصل التصدي لهجمات متتالية تشنها «قوات الدعم السريع» على المناطق الجنوبية والشرقية من الفاشر، في محاولة للتقدم صوب مقر قيادة الفرقة العسكرية التابعة للجيش في وسط المدينة. وتُعد الفاشر المعقل الأخير للجيش وحلفائه في إقليم دارفور، في حين تسيطر «قوات الدعم السريع» على بقية الإقليم الشاسع.

وفي غضون ذلك، أعلنت المنسقية العامة لمخيمات النازحين واللاجئين في السودان وفاة 25 شخصاً خلال 48 ساعة في إقليم دارفور غرب البلاد. ونقلت صحيفة «سودان تريبيون»، يوم الاثنين، عن المتحدث باسم المنسقية العامة لمخيمات النازحين واللاجئين في دارفور، آدم رجال، قوله، في بيان صحافي، إن 12 شخصاً تُوفوا بالكوليرا يوم السبت، و13 شخصاً تُوفوا يوم الأحد.

وأكد ارتفاع العدد التراكمي للإصابات منذ تفشي الكوليرا إلى 11 ألفاً و733 حالة، منها 454 حالة وفاة، مشيراً إلى أن المناطق التي شهدت أعلى معدلات تفشٍّ للكوليرا مساحتها كبيرة (60 كيلومتراً غرب الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور)، بإجمالي 5417 حالة إصابة منذ تفشي المرض، بما في ذلك 78 حالة وفاة.

وأوضح المتحدث أن المنطقة سجلت 58 حالة إصابة جديدة يوم الأحد، مؤكداً استمرار الوباء في الانتشار بمناطق أخرى في إقليم دارفور بجبل مرة، وزالنجي بوسط الإقليم، ونيالا ومخيمات النازحين بجنوب دارفور. وتابع قائلاً: «تهدد هذه التحديات حياة الناس، وتمثّل كابوساً وكارثة إنسانية منسية يتجاهلها المجتمع الدولي في بلد مزقته الحرب والمجاعة والأمراض والأوبئة ونقص الغذاء».

ويعاني إقليم دارفور منذ يونيو (حزيران) الماضي من تفشٍّ غير مسبوق لوباء الكوليرا، وفقاً لتقارير منظمات إنسانية وكيانات مدنية.

معارك كردفان

نازحون من الخرطوم لجأوا إلى إقليم كردفان (أ.ف.ب)

وفي إقليم كردفان، بثت «قوات الدعم السريع» السودانية مقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي، قالت إنها تمكنت من استعادة السيطرة على منطقة كازقيل الاستراتيجية في شمال الإقليم، وأسرت أعداداً كبيرة من قوات الجيش والحركات المسلحة التي تقاتل إلى جانبه.

ويشهد إقليم كردفان منذ أيام تصعيداً في القتال بين الطرفَيْن، وتتواصل معارك الكر والفر في مناطق تبعد 40 كيلومتراً جنوب مدينة الأُبيّض، أكبر مدن الإقليم.

وقالت «قوات الدعم السريع»، في بيان على منصة «تلغرام»، إنها تمكنت صباح الاثنين من إحكام السيطرة الكاملة على منطقتي كازقيل والرياش، عقب معارك حاسمة ضد الجيش، وتواصل التقدم من عدة محاور باتجاه مدينة الأُبيّض. وأضاف البيان: «تكبدت قوات العدو خسائر فادحة في الأرواح، بلغت مئات القتلى، والاستيلاء على 43 عربة قتالية مجهزة بكامل العتاد، بالإضافة إلى تدمير عشرات المركبات الأخرى».

وأشارت «قوات الدعم السريع» إلى أن استعادة المنطقتين تُعد خطوة متقدمة ضمن العمليات العسكرية الواسعة التي تخطط لها، بهدف السيطرة على مدينة الأُبيّض، والتقدم نحو أهداف استراتيجية أخرى.

«قوات درع السودان»

أرشيفية للقائد المنشق مع «الدعم السريع» أبو عاقلة كيكل (الثالث من اليسار) قبل انضمامه إلى الجيش (مواقع التواصل)

وفي سياق متصل، نعت حركات مسلحة تقاتل بجانب الجيش، عدداً من كبار قادتها الميدانيين من الصف الأول في المعارك التي دارت أخيراً حول مدينة الأُبيّض. وأعلنت «قوات درع السودان»، بقيادة أبو عاقلة كيكل، مقتل قائد قطاع الدندر، قمر الدين الجزولي، في مدينة بارا التي استردها الجيش من قبضة «الدعم السريع» الأسبوع الماضي، في معركة عدها الجيش أكبر تقدم يحرزه في إقليم كردفان الواقع وسط غربي البلاد. وقُتل في المواجهات أيضاً الضابط محمد ملك الزين، أحد طاقم الحراسة الأمنية المكلفة بحماية قائد «قوات درع السودان».

وكان كيكل قد انشق عن «قوات الدعم السريع» في العام الماضي، وانضم إلى الجيش، ثم شاركت قواته -التي تتحدر غالبية عناصرها من قبائل وسط السودان- في معارك استرداد ولاية الجزيرة والعاصمة الخرطوم، وهي الآن تشارك في العمليات العسكرية بإقليم كردفان.

وبدوره قال قائد حركة «البراء بن مالك»، المصباح أبو زيد طلحة، على صفحته الرسمية في «فيسبوك»، إن 5 من قياداته قُتلوا خلال المعارك في كردفان، وهم: عبد الرحمن الخير من قطاع الخرطوم، وخالد عبد الله وعبد العزيز يحيى من قطاع بورتسودان، بالإضافة إلى محمد عبد الله وعبد الستار جابر من قطاع غرب كردفان.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت، الأسبوع الماضي، عقوبات على «البراء بن مالك»، أهم الحركات الإسلامية المسلحة والمرتبطة بنظام الرئيس المعزول عمر البشير؛ لدورها البارز في إشعال حرب أبريل (نيسان) 2023، وتلقيها تدريبات وسلاحاً من «الحرس الثوري» الإيراني.

«عمليات تعذيب وحشي»

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان يونيو 2024 (أ.ف.ب)

واتهمت وزارة الخزانة الأميركية مقاتلي «البراء بن مالك» بالتورط في عمليات تعذيب وحشي وإعدامات خارج نطاق القانون ضد مدنيين في المناطق التي استعادها الجيش في العاصمة الخرطوم والولايات الوسطى، بجانب أنها تمثّل عائقاً كبيراً أمام إنهاء الحرب الأهلية في السودان، وتقوّض جهود حل الصراع.

وفي أغسطس (آب) الماضي قُتل أحد أبرز القادة الميدانيين في «البراء بن مالك»، وهو مهند إبراهيم فضل الذي كان مسؤولاً عن العمليات العسكرية، ونعاه الأمين العام للحركة الإسلامية، علي أحمد كرتي.

وتداولت حسابات وصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، موالية لــ«قوات الدعم السريع»، التي يقودها محمد حمدان دقلو «حميدتي»، أنباء عن أن مقتل قادة «البراء بن مالك» تم بطائرة مسيّرة وإحداثيات دقيقة لتلك القيادات في مدينة بارا.

ولا توجد حتى الآن إحصائية دقيقة حول عدد قتلى حركة «البراء بن مالك» التي يُقدّر عدد مقاتليها بنحو 20 ألفاً، في حين تقول «قوات الدعم السريع» إنها قتلت المئات منهم في معارك كردفان.

وتعرّض الجيش لخسائر كبيرة في صفوفه وصفوف القوات الموالية له، إبان المعارك التي دارت في مناطق الخوي وأم صميمة وكازقيل في كردفان، منتصف مايو (أيار) الماضي، ما أجبره على الانسحاب وإعادة التموضع في القاعدة العسكرية الرئيسية داخل مدينة الأُبيّض. ويعدّ الجيش المعارك الجارية حالياً في كردفان خطوة مهمة لفتح الطريق أمام تحركاته لفك الحصار عن مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور.


مقالات ذات صلة

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

«الشرق الأوسط» (مروي (السودان))
شمال افريقيا سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.