روسيا جعلت إنتاج الطائرات المسيّرة أولوية قصوى... والآن تملأ السماء بأسرابها

أنشأت وحدة نخبوية تسمى «روبيكون» وتخطط لبناء فرع عسكري كامل تحت مسمى «قوات المسيّرات»

مسيّرة روسية أُسقطت خلال عرضها بـ«مقبرة» لمخلفات الحرب في خاركيف بأوكرانيا يوم 16 يوليو الماضي (نيويورك تايمز)
مسيّرة روسية أُسقطت خلال عرضها بـ«مقبرة» لمخلفات الحرب في خاركيف بأوكرانيا يوم 16 يوليو الماضي (نيويورك تايمز)
TT

روسيا جعلت إنتاج الطائرات المسيّرة أولوية قصوى... والآن تملأ السماء بأسرابها

مسيّرة روسية أُسقطت خلال عرضها بـ«مقبرة» لمخلفات الحرب في خاركيف بأوكرانيا يوم 16 يوليو الماضي (نيويورك تايمز)
مسيّرة روسية أُسقطت خلال عرضها بـ«مقبرة» لمخلفات الحرب في خاركيف بأوكرانيا يوم 16 يوليو الماضي (نيويورك تايمز)

عندما أدخلت روسيا الطائرات المسيّرة الانتحارية الإيرانية في حربها ضد أوكرانيا قبل ثلاث سنوات، تصدرت العناوين في جميع أنحاء العالم بعد أن أطلقت 43 منها على أوكرانيا في ضربة واحدة.

هذا الشهر، وفي ليلة واحدة فقط، أرسلت روسيا أكثر من 800 طائرة مسيّرة متفجرة ووسائل خداع عبر الحدود.

هذه الزيادة الهائلة هي نتيجة قفزات ضخمة في إنتاج روسيا للطائرات المسيّرة الهجومية ذات الاتجاه الواحد، والتي أصبحت أولوية للرئيس فلاديمير بوتين، وتُجمع الآن محلياً في منشأتين رئيسيتين. كما دفع الكرملين إلى زيادة كبيرة في إنتاج الطائرات المسيّرة التكتيكية الأصغر المستخدمة على الخطوط الأمامية، مستعيناً بحكومات إقليمية ومصانع وحتى طلاب مدارس ثانوية في روسيا ضمن هذا الجهد.

التوسع الروسي في الإمدادات، إلى جانب التكنولوجيا والتكتيكات الجديدة، خلق تحدياً هائلاً لأوكرانيا، التي تمتعت في بداية الحرب بتفوق في حرب المسيّرات سرعان ما تآكل.

تستخدم روسيا هذه الطائرات الهجومية، إلى جانب الصواريخ ووسائل التضليل، لإغراق الدفاعات الجوية وشن هجمات واسعة النطاق على منشآت إنتاج الأسلحة والبنية التحتية للطاقة والمدن الأوكرانية. وقد حققت أوكرانيا بدورها تقدماً كبيراً في تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة داخل عمق الأراضي الروسية، حيث استهدفت يوم الأحد، مصفاة نفط رئيسية قرب سان بطرسبرغ. لكن الهجمات الروسية أكبر وأكثر تطوراً، مما يدفع الجيش الأوكراني إلى الإسراع بتعديل تكتيكاته للتصدي لها.

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق بأجواء بولندا يوم 13 سبتمبر الجاري في إطار تعزيز حلف الناتو دفاعاته على الجبهة الشرقية ضد روسيا بعدما اخترقت مسيّرات روسية المجال الجوي البولندي (الجيش الفرنسي - أ.ف.ب)

وقد امتد التهديد إلى أراضي حلف الناتو الأسبوع الماضي. إذ قالت الحكومة البولندية إن ما لا يقل عن 19 طائرة روسية مسيّرة دخلت أجواءها بين مساء الثلاثاء وصباح الأربعاء، وأُسقط عدد قليل منها فقط. ثم أعلنت وزارة الدفاع الرومانية يوم السبت، أن مقاتلتين اعترضتا طائرة مسيّرة في الأجواء الرومانية خلال الهجمات الروسية على أوكرانيا المجاورة. وأظهرت الحادثتان مدى صعوبة الدفاع ضد مثل هذه الهجمات التي باتت موسكو قادرة على حشدها. وفي المستقبل قد تشمل الهجمات الروسية آلاف الطائرات المسيّرة في عملية واحدة.

وقال مايكل كوفمان، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: «لقد وصلت الحرب إلى نقطة تحول جديدة في كيفية استخدام الطائرات المسيّرة، سواء على الجبهة الأمامية أو في حملات القصف التي تشنها روسيا وأوكرانيا».

وتزعم روسيا أن طائراتها المسيّرة الانتحارية تستهدف منشآت مرتبطة بالحرب. لكنها أيضاً أصابت مستشفيات ومدارس ومباني سكنية وحدائق يلعب فيها الأطفال، مما أودى بحياة العديد من الأوكرانيين.

أكثر من أي شيء آخر، تنشر هذه الطائرات الرعب، جالبةً الحرب إلى مدن بعيدة عن الجبهة، وغالباً في منتصف الليل، مما يجعل النوم شبه مستحيل في أثناء الهجمات الواسعة. الهدف هو إحباط الأوكرانيين واستنزاف إرادتهم على الصمود.

وقال كوفمان إن هناك فرقاً كبيراً بين الطائرات الصغيرة التي تستخدمها روسيا على الخطوط الأمامية لدفع قواتها إلى الأمام، وبين الطائرات الانتحارية التي تُستخدم في القصف. وأضاف: «رغم كل الأضرار، ما نعرفه عن محاولات كسب الحروب عبر القصف وحده يشير إلى أنها ليست كافية لتحقيق النصر. هذه ليست حرب خاطفة، والخاطفة لم تنجح مع ألمانيا أيضاً».

دمار عقب هجوم بمسيّرات روسية على سومي شمال شرقي أوكرانيا يوم 12 سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

أعداد هائلة

بدأت روسيا في تصعيد هجماتها بالطائرات المسيّرة في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، وهو أول شهر خلال الحرب تطلق فيه أكثر من 1000 طائرة مسيّرة على أوكرانيا، وفقاً لقاعدة بيانات أنشأتها «نيويورك تايمز» باستخدام أرقام من سلاح الجو الأوكراني.

هذا العام، قفزت الأعداد بشكل هائل. فقد أرسلت روسيا حتى الآن أكثر من 34 ألف طائرة مسيّرة هجومية ووسائل خداع إلى أوكرانيا في 2025، أي ما يقرب من تسعة أضعاف العدد في الفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لبيانات «التايمز». وقالت أوكرانيا إنها أسقطت أو عطّلت إلكترونياً 88 في المائة من هذه الطائرات هذا العام، وهو انخفاض عن نسبة 93 في المائة التي أُعلن عنها عام 2024.

وخلال ليلة واحدة في أول عطلة نهاية أسبوع من هذا الشهر، أرسلت روسيا عدداً قياسياً بلغ 810 طائرات مسيّرة هجومية وخداعية. وزعمت أوكرانيا أنها أسقطت نحو 92 في المائة منها، لكن ذلك يعني أن 63 طائرة وصلت إلى أهدافها. وقالت أوكرانيا إن 54 منها أصابت أهدافاً في 33 موقعاً مختلفاً. ولم يكن بالإمكان التحقق من هذه البيانات بشكل مستقل.

ثورة في الإنتاج

تقف خلف هذه الأعداد الهائلة ثورة في إنتاج الطائرات المسيّرة داخل روسيا.

فقد أوضحت حكومة بوتين السلطوية من أعلى المستويات أن الطائرات المسيّرة أولوية حيوية للأمة، وحشدت الموارد العامة والخاصة لبناء إمبراطورية لإنتاجها.

انفجار طائرة من دون طيار يضيء السماء خلال غارة روسية بطائرة «درون» وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا يوم 25 مايو الماضي (رويترز)

وفي منتدى اقتصادي عُقد مؤخراً في مدينة فلاديفوستوك الروسية، قدّمت كل منطقة روسية تقريباً عرضاً عن الطائرات المسيّرة التي تنتجها. جرى الاستعانة بطلاب وعمال أجانب في عملية التصنيع. كما استفادت روسيا من علاقاتها الوثيقة مع إيران والصين للحصول على الخبرات والقطع.

ويُقدّر محللون أن روسيا قادرة الآن على إنتاج نحو 30 ألف طائرة هجومية على الطراز الإيراني سنوياً، ويرى بعضهم أن الرقم قد يتضاعف في 2026.

هذه الزيادات تفسر سبب استمرار معاناة أوكرانيا من الهجمات رغم تطويرها دفاعات جوية متقدمة وتقنيات مسيّرات خاصة بها.

وقال ميكولا بيلييسكوف، المحلل العسكري في «المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية» التابع للحكومة الأوكرانية:

«الأمر بسيط وواضح. بدأوا بمئات في الشهر، ثم 2000 إلى 3000 شهرياً في الربع الأول من هذا العام، والآن 5000 إلى 6000 شهرياً. ومن المؤكد أن المزيد منها سيخترق دفاعاتنا الجوية».

تكتيكات وتقنيات جديدة

تطورت الطائرات تقنياً أيضاً، فأصبحت مجهزة بأنظمة توجيه أفضل، ومقاومة أقوى للتشويش، ورؤوس حربية جديدة.

كما غيّرت روسيا تكتيكاتها.

فهي ترسل الطائرات الهجومية في أسراب أو موجات، وتوجهها في مسارات معقدة لتشتيت الانتباه عن الأهداف الحقيقية. وترسل المزيد من الطائرات الخداعية المصنوعة من الفوم المطلي والخشب الرقائقي، التي تحتوي أحياناً على رؤوس متفجرة صغيرة ويصعب تمييزها عن الطائرات الفعلية في السماء. كما تتجنب الحقول المفتوحة، حيث تعمل فرق الدفاع الجوي الأوكرانية، مفضلةً التحليق فوق الأنهار والغابات. وبمجرد دخولها المدن، يصبح إسقاطها أصعب بسبب المباني العالية والمخاطر على المدنيين.

ومع ازدياد الإنتاج الروسي للطائرات الهجومية والخداعية، هرعت أوكرانيا إلى ابتكار وسائل جديدة لإسقاطها.

فقد أسقطت وحدات الدفاع الجوي هذه الطائرات من السماء. وتقوم فرق متنقلة من الجنود على شاحنات صغيرة بإسقاطها باستخدام رشاشات ثقيلة. كما طوّرت أوكرانيا وسائل للتشويش الإلكتروني عليها.

لكنَّ الأنظمة الغربية المتقدمة والباهظة الثمن تحمي أساساً المدن الكبرى والبنية التحتية الرئيسية، وهي مصمَّمة بالأساس للتصدي للصواريخ.

وقال كونراد موزيكا، المحلل العسكري في شركة «روشان» للاستشارات ببولندا، إنه من الصعب الاعتماد على الأرقام الرسمية الأوكرانية، مرجحاً أن الوضع أسوأ مما يصوره سلاح الجو. وأضاف: «أعتقد أنهم يُسقطون عدداً من الطائرات أقل مما يعلنون عنه».

إنها لعبة مستمرة من الكر والفر.

فمع ارتفاع تحليق الطائرات الروسية، ردَّت أوكرانيا باستخدام طائرات اعتراضية رخيصة مزوَّدة برادار. لكن استخدامها ما زال محدوداً، حسب كوفمان، محلل مؤسسة «كارنيغي».

وقال: «إذا تمكنوا من توسيع إنتاجها ونشرها على نطاق واسع، فقد يتمكنون من معالجة مشكلة الإغراق بمرور الوقت. الأمر يتعلق بالإنتاج والتوسع في النشر».

وعلى الجبهة، قال كوفمان إن روسيا تقلص الفجوة مع أوكرانيا في مجال المسيّرات، وهو تطور مقلق لأوكرانيا التي اعتمدت طويلاً على تفوقها في حرب المسيّرات لتعويض قلة عديدها وتسليحها. فقد ابتكرت روسيا الاستخدام الواسع لمسيّرات تتجنب التشويش بالاتصال بالمشغّلين عبر كابلات ألياف بصرية طويلة. كما أنشأت وحدة نخبوية تسمى «روبيكون»، وتخطط لبناء فرع عسكري كامل تحت مسمى «قوات المسيّرات».

وقال كوفمان إن تفوق أوكرانيا «تضاءل في الأشهر الأخيرة مع نشر روسيا تشكيلات مسيّرات نخبوية خاصة بها وتحسين تنظيم عملياتها».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تقرير: إيران أسقطت طائرتين مسيرتين أميركيتين على الأقل في الأيام الماضية

شؤون إقليمية مُسيرة أميركية من طراز «إم كيو 9 ريبر» (أ.ف.ب)

تقرير: إيران أسقطت طائرتين مسيرتين أميركيتين على الأقل في الأيام الماضية

قال مسؤولون أميركيون لشبكة «سي بي إس»، يوم الخميس، إن إيران أسقطت طائرتين مسيرتين أميركيتين على الأقل في الأيام الماضية. 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك (الدفاع التركية)

تركيا تندد بمحاولة الحوثيين الهجوم على مكة وتطالب بوضع حد لهجماتهم

نددت تركيا بشدة بمحاولة الحوثيين الهجوم على مكة المكرمة وبالأعمال الأخرى التي نفذوها، عادةً أنها لا تشكّل فقط تهديداً للأمن الإقليمي بل للاستقرار العالمي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا صورة من فيديو نُشر في 14 سبتمبر 2026 تُظهر طائرة مسيّرة روسية انتُشلت من بحر البلطيق قبالة ساحل بولندا بالقرب من قرية روسينوفو شمال غربي البلاد (أ.ف.ب)

العثور على مسيّرة روسية مفخخة في بولندا

قال مسؤولون، الأربعاء، إنه عُثر، الاثنين، في البحر قبالة شمال بولندا على مسيّرة روسية مفخخة من طراز «جيربيرا-2».

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا صورة نشرها وزير الدفاع البولندي على صفحته على «إكس» تظهر الطائرة المسيّرة القتالية التي انتشلها الجيش البولندي من بحر البلطيق (إكس)

الجيش البولندي ينتشل طائرة مسيّرة قتالية من بحر البلطيق

أعلن الجيش البولندي، الاثنين، عن انتشال طائرة مسيّرة قتالية من بحر البلطيق على مقربة من الساحل.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا مروحية هجومية من طراز «أباتشي AH - 64» تابعة للجيش البولندي تحلّق فوق مركبات عسكرية وجنود خلال عرض تدريبي عسكري بميدان نوفا ديبا في كيلسي - بولندا 7 سبتمبر الحالي (رويترز) p-circle

حرب أوكرانيا تقترب أكثر من حدود «ناتو»... أين يمكن أن يصل التصعيد الروسي؟

يثير اقتراب الضربات الروسية من حدود «ناتو» وتصاعد العمليات الهجينة مخاوف من سوء تقدير قد يدفع موسكو والحلف نحو مواجهة مباشرة.

شادي عبد الساتر (بيروت)

المستشار الألماني متمسك بمنصبه رغم هزيمة «أسوأ من كارثية»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس بعد أنباء عن خسارة حزبه في انتخابات محلية (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس بعد أنباء عن خسارة حزبه في انتخابات محلية (إ.ب.أ)
TT

المستشار الألماني متمسك بمنصبه رغم هزيمة «أسوأ من كارثية»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس بعد أنباء عن خسارة حزبه في انتخابات محلية (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس بعد أنباء عن خسارة حزبه في انتخابات محلية (إ.ب.أ)

​استفاق المستشار الألماني فريدريش ميرتس على هزيمة «أسوأ من كارثية» وهو الوصف الذي استخدمه بعيد بدء صدور نتائج الانتخابات المحلية في ولايتي برلين وماكلنبورغ فوربومرن، ولم يكن واضحاً بعد حجم الخسارة.

ومع اكتمال عد الأصوات، تبين أن حزبه فشل في عبور عتبة الـ٥ في المائة من الأصوات بولاية ماكلنبورغ فوربومرن الشرقية، وهي العتبة التي تخول الأحزاب دخول البرلمان. وأصبح الحزب المسيحي الديمقراطي بقيادة ميرتس خارج برلمان محلي للمرة الأولى في تاريخه، فيما ظهر حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الأقوى في الولاية بتحقيقه 38 في المائة من نسبة الأصوات.

ورغم تعهد المستشار بالبقاء في منصبه وإصراره على أنه «الرجل المناسب للمهمة»، فإن الضغوط تتزايد عليه ليس فقط من داخل حزبه، بل أيضاً من الحزب الاشتراكي، شريكه في الائتلاف الحاكم. واعترف ميرتس بأن الوضع الاقتصادي صعب، ولكنه أكد تصميمه على المضي قدماً بالإصلاحات التي اتفقت عليها حكومته والمتعلقة بإصلاح نظامي الصحة والتقاعد، رغم النقمة الشعبية الكبيرة عليها.

زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» أليس فايدل مع مرشحة الحزب في برلين كريستين برينكر (إ.ب.أ)

وتوجه ميرتس للصحافة مرة جديدة غداة نتائج الانتخابات، شاكراً الحزب الاشتراكي على الاستمرار في دعمه داخل الحكومة الفيدرالية. ورغم اعتراف المستشار بأن حزبه يعاني من مشكلة ثقة مع الناخبين، فهو اكتفى بالحديث عن ضرورة نقاش ذلك داخل الحزب من دون إعلان تفاصيل إضافية.

وداخل حزب ميرتس، ما زالت التصريحات العلنية داعمة للمستشار، ولكن خلف الأبواب تنقل الصحافة الألمانية أنباء عن ازدياد التوتر والتساؤلات حول ما إذا كان التمسك بميرتس هو القرار الصائب.

وتحدثت صحف ألمانية عن اجتماع سري عقده كبار القيادات داخل الحزب المسيحي الحاكم من دون ميرتس، لبحث تبعات الخسائر في ولاية ماكلنبورغ فوربومرن وولاية برلين التي كانت تحت قيادة الحزب وخسرها لصالح حزب «دي لينكا» المنتمي لأقصى اليسار. ولكن في العلن كرر قياديون في الحزب تأييدهم لميرتس ودعمهم له في الإصلاحات التي يدفع بها، آملين في أن يبدأ الوضع الاقتصادي بالتحسن في الأشهر القليلة المقبلة.

ومن بين الأصوات القليلة داخل حزب ميرتس التي وجهت إليه انتقادات علنية، زعيم الحزب في ولاية هامبورغ، دنيس ثيرينغ، الذي قال إنه نظراً للهزيمة التاريخية للحزب في ولاية ماكلنبورغ فوربومرن قد تكون هناك حاجة للدعوة لتصويت على الثقة بالحكومة. وقال ثيرينغ في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، إن تصريح ميرتس المقتضب عشية صدور النتائج «ليس كافياً». وترأس ميرتس غداة الانتخابات اجتماعاً مطولاً لقيادات حزبه لمناقشة المضي قدماً والتغييرات التي قد يتعين إدخالها لمواجهة الصعود المستمر لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي بدأ يتمدد خارج معاقله في الولايات الشرقية.

مرشحة حزب «دي لينكا» الرئيسية في برلين إليف إرلاب (رويترز)

ولكن التردد في دعم المستشار وإصلاحاته بدأ يخيم كذلك على الحزب الاشتراكي، الشريك في الائتلاف الحكومي، ما يهدد بانفجار أزمة حكومية كبيرة. وخرجت انتقادات علنية للمستشار من رئيسة حكومة ولاية ماكلنبورغ فوربومرن المنتمية للحزب الاشتراكي، والتي جاءت في المرتبة الثانية في انتخابات الولاية. وتتطلع مانويلا شفيزيغ إلى تشكيل حكومة ائتلافية في الولاية بسبب رفض كل الأحزاب الأخرى التحالف مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، وقالت في مؤتمر صحافي لقيادات الحزب الاشتراكي، إن «على المستشار أن يبحث بعمق عن الذي سار على نحو خاطئ». وأضافت أنه بعد عدة انتخابات في ولايات محلية أظهرت أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف أصبح أقوى، «ينبغي للمستشار أن يسأل نفسه: ما الذي هو بحاجة للتغيير؟ الإكمال بالطريقة نفسها ليس خياراً». ونصحت شفيزيغ المستشار بأن يتواصل أكثر مع الشعب «إذا أراد أن يكسب الثقة مجدداً».

وأعاد كثيرون النتيجة الجيدة التي حققها الحزب الاشتراكي في ولاية ماكلنبورغ فوربومرن وحصوله على نحو 36 في المائة من الأصوات، إلى شفيزيغ نفسها التي نجحت بالتواصل مع المواطنين وهي تحظى بشعبية كبيرة وثقة سكان الولاية، وهذا على تناقض مع ميرتس الذي وصلت شعبيته إلى الحضيض منذ تسلمه الحكم قبل 16 عاماً، ولا تزيد نسبة التأييد له على 10 في المائة. ودائماً ما يوصف ميرتس بأنه «متعالٍ» وبعيد عن فهم المواطن الألماني العادي.

وفي إشارة إلى أن الحزب الاشتراكي قد يبدأ بإحداث شرخ داخل الحكومة الفيدرالية، دعا زعيم الحزب الاشتراكي وزير المالية لارس كلينغبايل، إلى تعديل في الإصلاحات على نظام التقاعد، قائلاً إن الناخبين أرسلوا «إشارة واضحة» بضرورة التغيير. وأضاف أن المواطنين «يشعرون بأن إصلاحات الحكومة الفيدرالية تهدد حياتهم، ولا نحتاج فقط إلى طريقة تواصل أفضل، بل أيضاً إلى تغيير لب الإصلاحات». وقال إن الحزب سيبدأ نقاشات داخل الحكومة مع حزب المستشار للاتفاق على التوصل إلى حل لإزالة النقاط التي تثير استياء شعبياً كبيراً مثل التخلي عن الدفع باتجاه إلغاء التقاعد المبكر في سن الـ63.

زعيم الحزب الاشتراكي ووزير المالية لارس كلينغبايل وإلى يساره رئيس حكومة ولاية ماكلنبورغ فوربومرن مانويلا شفيزيغ (أ.ف.ب)

وأمام كل هذه الفوضى، استغل حزب «البديل من أجل ألمانيا» خسائر الحزب الحاكم ليدعو إلى انتخابات مبكرة، وقالت زعيمة الحزب، أليس فايدل، إن الحزب المسيحي الديمقراطي «لن يفوز في أي انتخابات محلية بالولايات بعد اليوم».

وكان الحزب المسيحي الديمقراطي قد فاز الأسبوع الماضي في انتخابات محلية بولاية ساكسونيا الغربية التي تعد معقله. ويتمدد حزب «البديل من أجل ألمانيا» منذ سنوات في الولايات الشرقية التي كانت تحت الحكم السوفياتي حتى الوحدة الألمانية، وما زالت حتى اليوم تعاني من التهميش الاقتصادي ومن آثار اقتصادية أسوأ من الولايات الغربية الأغنى والأكثر تنوعاً اقتصادياً واجتماعياً.

ورغم فوز الحزب في ولاية ماكلنبورغ فوربومرن، فهو لن يتمكن من تشكيل حكومة بسبب عدم حصوله على الأغلبية ورفض الأحزاب الأخرى التحالف معه. ولكنه يحاول تشكيل حكومة في ولاية ساكسونيا-أنهالت التي فاز فيها قبل أسبوعين بنسبة 44 في المائة. ويحاول البحث عن منشقين داخل حزب ميرتس أو الحصول على دعم حزب «تكتل زارا فاغنكشنت» وهو حزب انشق عن «دي لينكا» ويتلاقى مع «البديل من أجل ألمانيا» في دعوته للتقارب مع روسيا وتشديد قوانين الهجرة.


فرنسا: نسيبة للجنرال ديغول تترشح لـ«الشيوخ» على لائحة اليمين المتطرف

شارل ديغول (أرشيفية)
شارل ديغول (أرشيفية)
TT

فرنسا: نسيبة للجنرال ديغول تترشح لـ«الشيوخ» على لائحة اليمين المتطرف

شارل ديغول (أرشيفية)
شارل ديغول (أرشيفية)

تخوض ابنة أحد أحفاد أقارب مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة وقائد قوات «فرنسا الحرة» خلال الحرب العالمية الثانية الجنرال شارل ديغول الانتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ على إحدى لوائح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف.

ويخرج هذا التموضع الانتخابي لفيرجيني ديغول عن المألوف، إذ إن مؤسسي هذا الحزب كانوا من أشدّ المناهضين للتيار الديغولي.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، أعربت المرشحة البالغة 50 عاماً عن تفهمها المفاجأة التي أحدثها انضمامها إلى هذه اللائحة، لكنها اعتبرت أن ثمة اختلافاً كبيراً بين «التجمع الوطني» و«الجبهة الوطنية» (الاسم السابق للحزب الحالي).

وأضافت ديغول التي تشير إلى أنها تعمل من أجل العالم الريفي: «لم أكن لأنضم يوماً إلى لائحة (الجبهة الوطنية)، لكن (مؤسِسَته) مارين لوبن ابتعدت عن خط والدها» رئيس «الجبهة الوطنية» الراحل جان ماري لوبن.

وكان من أبرز مؤسسي حزب «الجبهة الوطنية» بعض من تعاونوا مع قوات ألمانيا النازية التي احتلت فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، وأنصار «الجزائر الفرنسية».

وكان جان ماري لوبن يدلي بتصريحات صادمة، منها وصفُه غرف الغاز بأنها «أحد تفاصيل التاريخ» وحديثه عن «عدم مساواة الأجناس»، صدرت في حقه إدانات قضائية بسببها.

وتتولى ماري كارولين لوبن، الشقيقة الكبرى للمرشحة للانتخابات الرئاسية مارين لوبن، ترؤس اللائحة التي ترشحت عليها فيرجيني ديغول.

أما ديغول، فتتولى رئاسة المجلس البلدي لكورسيل-لا-فوريه في غرب فرنسا، ما يتيح لها الترشح لمجلس الشيوخ، أحد مجلسَي البرلمان الفرنسي، بمناسبة انتخابات لتجديد نصف أعضائه تُجرى في 27 سبتمبر (أيلول) بواسطة الاقتراع غير المباشر، إذ يقترع فقط المنتخبون المحليون.

وكانت فيرجيني ديغول استخدمت في الانتخابات البلدية اسمها كزوجة (فيرجيني دو لا فريناي)، لكنها ارتأت أن تترشح لانتخابات مجلس الشيوخ، وهي «اقتراع وطني»، تحت اسم عائلة الرئيس الفرنسي الراحل.

وليست المرة الأولى التي يختار أحد أحفاد الجنرال ديغول الانضمام إلى معسكر اليمين المتطرف.

ففي يونيو (حزيران) 1999، كان شارل ديغول، حفيد الرئيس السابق للجمهورية، في المرتبة الثانية على لائحة «الجبهة الوطنية»، خلف جان ماري لوبن، في انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 1999، وقد فاز حينها وأصبح نائباً أوروبياً.

وعبّر النائب اليميني عن باريس جان ديغول، وهو حفيد الجنرال ديغول، عن «الاستياء الشديد» آنذاك.

وأدانَ يومها «هذا الخيار المحزن جداً» معتبراً أنه «مناقض لكل القيم التي أورثها لفرنسا وللفرنسيين رجل (نداء) 18 يونيو/حزيران 1940 (الذي دعا فيه ديغول الفرنسيين إلى مقاومة الاحتلال النازي) ومؤسس الجمهورية الخامسة».


الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
TT

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)

حصل الزعيم الشيشاني، رمضان قديروف، على 99.85 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية بجمهورية الشيشان الروسية الواقعة في منطقة شمال القوقاز.

وذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، الاثنين، أن النسبة التي أعلنتها لجنة الانتخابات جاءت أعلى حتى من النسبة المسجلة في الانتخابات السابقة عام 2021، التي بلغت 99.73 في المائة.

ويحكم قديروف منطقة الشيشان المضطربة بقبضة حديدية منذ أكثر من 20 عاماً، بدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ووثق نشطاء في مجال الحقوق المدنية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعمليات قتل استهدفت منتقدي النظام.

في الوقت نفسه، تتردد تقارير تزعم أن قديروف يعاني أمراضاً خطيرة، بينما يسعى علناً إلى تهيئة ابنه آدم، البالغ من العمر 18 عاماً، ليكون خليفة «محتملاً» له.

وجاء صعود قديروف إلى السلطة عقب مقتل والده أحمد قديروف في تفجير عام 2004 نفذه متمردون عدّوه منقلباً عليهم.