هل تعب التكرلي من الكتابة وتعبت معه شخصيات روايته؟

قراءة متأخرة في «المسرّات والأوجاع»

فؤاد التكرلي
فؤاد التكرلي
TT

هل تعب التكرلي من الكتابة وتعبت معه شخصيات روايته؟

فؤاد التكرلي
فؤاد التكرلي

لم أكن قرأت شيئا للقصاص العراقي فؤاد التكرلي (1927 - 2008)، ما ظل يؤرقني إلى أن قررت تصحيح الوضع بقراءة واحدة من رواياته المتأخرة والتي كَثُر الاحتفاء بها بين النقاد، باعتبار أن ذلك سيكون خير وسيلة لولوج عالم الكاتب. أعني روايته ذائعة الصيت «المسرات والأوجاع» (1998) التي أقامت في أرفف مكتبتي سنوات من دون أن تحين الفرصة لمطالعتها. كنت أنظر إليها ويشوقني عنوانها الجميل الواعد بمسرة القراءة ووجع المعرفة. الحقيقة أن الرواية أمتعتني في البداية، غير أن علاقتي بها ما لبثت أن تدهورت تدهوراً سريعاً. للكاتب مقدرة حكائية غير منكورة، وأسلوب حديث سلس، ومهارة في الوصف، كما أنه بارع في التجسيد الحي للشخصيات، لكنه يفسد ذلك بعجزه عن تزويد شخصياته بدوافع مقنعة للسلوك. ينقصه كذلك من المهارات التقليدية للفن الروائي القدرة على تركيز الحدث ولمّ خطوط الحبكة وتجنب الحشو وتكرار المواقف بما لا يساهم في كشف الشخصية أو الدفع بالحدث، وإنما يبقى حشوا، واسترسالاً مُخلّاً بجماليات العمل.

نحن أمام رواية تقع فيما يقارب الخمسمائة صفحة (467 بالضبط) والتي بشيء من المراجعة والتنقيح كان يمكن أن تتجنب الترهل وتتخلى عن شحومها غير الصحية بما لا يقل عن مائة صفحة دون أن يلاحظ أحد. غير أن هذا على خطورته ليس أكبر مشاكلي مع الرواية. فالحقيقة أني قاربتها بشيء كبير من الرجاء فهي رواية كبيرة لكاتب ذي مكانة كنت ألوم نفسي أني لم أتعرف إلى كتابته بعد. شرعت في قراءتها بشغف وتسليت بها منتظراً أن تأتي اللحظة التي تكشف لي فيها عن سبيلها. إلى أين هي متجهة؟ ما فلسفتها؟ ما الفكر الاجتماعي أو السياسي أو الوجودي المتخفي وراء أحداثها وشخصياتها؟ غير أني وصلت إلى منتصفها دون أن أتلقى أي إشارة بأن أياً من هذه الأسئلة ستلقى جواباً، أو أن الكاتب يعلم إلى أين هو قائدنا، بل بدا الأمر وكأنه قد أسلم قياده إلى الحدث والشخصيات تقوده كيفما اتفق إلى حيثما اتفق في غير خطة، وقد أصبح السرد غرضاً في حد ذاته، المهم ألا ينقطع الخيط ولا يتوقف السرد وتبقى المواقف تؤدي إلى مواقف شبيهة بها حتى تنتهي الرواية من فرط التعب. يتعب الروائي من الكتابة، وتتعب الشخصيات من التخبط على غير هدى بين يدي كاتب لا يعرف ماذا يصنع بها.

المدهش في الأمر أن هذه رواية مسرحها بغداد العراق في فترة تمتد من أربعينات القرن العشرين وحتى ثمانيناته. أي أنها تتزامن بلا مبالغة مع تشكل العراق الحديث وتناميه من الملكية والاحتلال إلى الجمهورية والانقلابات المتتالية وصولاً إلى البعث والفترة الصدّامية وحتى بداية الانهيار والتفكك مع بدء الحرب مع إيران في سبتمبر (أيلول) 1980، ناهيك عما كان يحدث في المنطقة العربية المحيطة بالعراق في الفترة نفسها من تحولات وزلازل وحروب وهزائم. لا أستقي هذه المعلومات من الرواية فهي تمر بهذا كله مرور الكرام أو لا تمر به إطلاقاً، وكأن العراق بلد آخر في كوكب آخر.

بينما كل هذا يحدث أو نفترض أنه يحدث فإن الرواية لا شاغل لها إلا الشبق الجنسي للشخصية الرئيسية، المحامي والموظف الحكومي توفيق لام، وللنساء اللاتي من حوله في محيط الأسرة وزوجات الأقارب والأصدقاء والمعارف. يمكننا أن نعتبر الرواية «أوديسة» البحث عن الارتواء الجنسي بأي شكل وبأي وسيلة ومع أي امرأة متاحة أو غير متاحة، وتوفيق هو «البطل الملحمي» لهذه الرحلة الأوديسيوسية بين المخادع والبارات والمقاهي والفنادق يتنقل من غلمة إلى غلمة ومن ارتواء إلى البحث عن الارتواء التالي. بطل مفلس مُسْتجدٍ محتقَر هيّن على نفسه وعلى الناس من حوله، مستغِل لكل امرأة يجد إليها منفذاً.

لا اعتراض لي على شيء من ذلك ولا حكم أخلاقي. المشكلة ألا أجد إطاراً فلسفياً أو اجتماعياً أو سياسياً أفهم فيه سلوك هذه الشخصية التي يكرس لها الكاتب مئات الصفحات. لا ينجح الكاتب في تصويره كشخصية وجودية عابثة رافضة لكل شيء. يفقد وظيفته بسبب اعتدائه على موظف الأمن في المصلحة الحكومية التي يعمل فيها. ومن تلك اللحظة يبدأ انحداره السريع، لكنه لم يكن ذا موقف أو رأي أو فكر من أي نوع قبل ذلك.

ولهذا يصعب أن نقول «يبدأ انحداره» فهو لم يكن في مرتفع أو أي موقع من أي لون قبل ذلك. فقدانه وظيفته لم يكن إلا مناسبة لمفاقمة عدميته غير المبررة والموجودة من السابق. هو حدث عابر يُنسى بعد ذلك، ولا محاولة إطلاقاً للبناء عليه بفرضية أن هذا ما يحدث للفرد في الدولة الشمولية. الحدث الوحيد في الرواية الذي يذكرنا بأنها تدور في بلد تحدث فيه أشياء خلاف المطاردات الجنسية لتوفيق هو إشعارنا في الصفحات الأخيرة بأن الحرب اندلعت بين العراق وإيران ووصف بعض القصف والغارات الجوية على بغداد. نفيق فجأة بعد أكثر من أربعمائة صفحة على الإدراك أننا نتابع رواية في بلد تقع فيه أحداث عامة من قبيل الحروب والغارات. المدهش أنه لا تصوير من أي نوع لاستجابة الشخصيات لهذه الحرب، فيما عدا الخوف من الغارات والانفجارات. ومما يتسق مع عدمية الرواية و«بطلها» أنه يستغل هلع (فتحية) خطيبة صديقه الشاب ولجوئها إليه في إحدى الغارات لكي يغتصبها إشباعاً لغلمته.

كما قلت في السابق تتداعى الأحداث في الرواية من تلقاء ذاتها بلا هدف ولا غاية وتتخبط الشخصيات على أسلوب «محلك سِرْ» فهي لا تلقى توجيهاً من مؤلفها لا يعرف ماذا يفعل بها، حتى تُقحم الحربُ في آخر لحظة في رواية أنفقت أربعمائة صفحة وكأن أشخاصها يعيشون في فراغ سياسي واجتماعي شامل. أربعمائة صفحة في تغييب كامل للعامّ. فجأة يستبد التعب بالروائي السارد، الدائر معصوب العينين في ساقية التكرار إلى ما غير نهاية. تعاني الشخصيات أيضاً من الإرهاق الشديد، خاصة توفيق الذي تركه المؤلف يجوب الشوارع جائعاً مفلساً متشرداً باحثاً عن الدفء واللقمة والفرْج إلى ما لا نهاية.

فجأة يأتي الخلاص للمؤلف وشخصياته معاً من الدوران الأبدي كالأفلاك المسيَّرة. يحدث ذلك حين يكتشف المؤلف فائدة العامّ وأنه ممكن أن يحلّ المواقف في القصّ ويغير مجرى الأحداث ميسِّراً النهايات والبدايات، تماماً مثلما يفعل في الواقع المعاش منذ بدء التاريخ. في تلك اللحظة وحيث أننا وصلنا إلى سنة 1980 يستدعي المؤلف بداية الحرب العراقية الإيرانية - هو الذي تجاهل في السرد كل ما سبق وقوعه من أحداث كبرى في العراق في الأربعين سنة السابقة. لكن الحرب الآن يمكن أن تكون مفيدة (في الرواية إن لم يكن في الواقع)، فليُقتل على الجبهة الشاب الثري، جاسم، خطيب فتحية التي حملت منه قبل أن تتوفر له عطلة لعقد القران! وليَتركْ هذا الجاسم أيضاً ثروة كبيرة للمفلس الضائع الأبدي، توفيق لام، الذي كان الشاب يُعجب به من قديم! بهذه الثروة الهابطة من السماء (أو من العامّ في حياة الخاصّ) يستطيع توفيق أن يرتفع من حياة الفقر والإملاق والتشرد. يستطيع أيضاً أن يتزوج من الشابة الجميلة فتحية فيوفر أباً لجنينها ويقيها من الفضيحة، ولكنه أيضاً يضمن إشباعاً جنسياً حتى الممات مع امرأة في نصف عمره.

هكذا تنتهي هذه الأوديسة غير البطولية بعودة البطل الدنيء منتصراً من رحلة التشرد والجوع. وهي النتيجة الإيجابية الوحيدة التي نراها للحرب التي زُجَّ بها في الرواية زجّاً لكي تيسر هذه النهاية. يا لأيادي العام على الخاص! ترى كيف كانت تكون هذه الرواية لو أن الكاتب اكتشف الصلة بين العام والخاص في وقت مبكر عن ذلك. نعلم طبعاً خطورة الكتابة عن العام وأثره في الخاص في ظل النظم الشمولية، لكن المبدعين كانوا دائماً ما يجدون الوسائل الفنية للالتفاف حول ذلك، وهو ما لم أجده في «المسرات والأوجاع». ليس حتماً أن يكون الكاتب ملتزماً سياسياً واجتماعياً. أعني أن هذا ليس شرطاً لكتابة رواية جيدة من الناحية الفنية، تماماً كما أن الالتزام كمبدأ عقيدي لا ينتج عنه بالضرورة أدب جيد. غير أني أرى أن هذه الرواية على شهرتها ومكانة كاتبها تخسر معركتها على الجبهتين. كان لدى التكرلي موهبة قص راوغته واستعصت على التطويع والتوجيه، فنتجت عنها رواية تسلية تطمح لأن تكون رواية أدبية.


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.