من الطاقة إلى الذكاء الاصطناعي… السعودية تفتح آفاقاً جديدة للنمو المستدام

التحولات الاقتصادية تعيد تشكيل المشهد العالمي

جلسة حوارية خلال المؤتمر السنوي الثاني والعشرين لجمعية الاقتصاد السعودية (الشرق الأوسط)
جلسة حوارية خلال المؤتمر السنوي الثاني والعشرين لجمعية الاقتصاد السعودية (الشرق الأوسط)
TT

من الطاقة إلى الذكاء الاصطناعي… السعودية تفتح آفاقاً جديدة للنمو المستدام

جلسة حوارية خلال المؤتمر السنوي الثاني والعشرين لجمعية الاقتصاد السعودية (الشرق الأوسط)
جلسة حوارية خلال المؤتمر السنوي الثاني والعشرين لجمعية الاقتصاد السعودية (الشرق الأوسط)

أكد رئيس جمعية الاقتصاد السعودية، الدكتور أحمد المحيميد، أن العالم يقف، اليوم، أمام لحظة فارقة مع تسارع التحولات الاقتصادية والتقنية والبيئية، مشدداً على أن المملكة تمتلك جميع المقوّمات التي تُؤهلها لاحتلال موقع الصدارة إقليمياً ودولياً، إذا ما أحسنت استثمار هذه المتغيرات وتحويلها إلى فرص تنموية تسهم في تحقيق التنمية المستدامة.

وقال المحيميد، في كلمته، خلال افتتاح المؤتمر السنوي الثاني والعشرين للجمعية، الذي تستضيفه جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة: «لسنا أمام تغيرات سطحية أو عابرة، بل أمام تحولات كبرى تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي. من تحولات الطاقة إلى ثورات الذكاء الاصطناعي، ومن التحديات البيئية إلى قضايا الأمن الغذائي... جميعها عناصر متداخلة تفرض علينا مسؤولية مضاعفة، لنقرأ الواقع بوعي، ونبني شراكات، ونصوغ سياسات عملية تضمن لنا موقع الريادة وتفتح أمامنا آفاقاً جديدة للنمو».

وأضاف مؤكداً أهمية الانفتاح والتعاون الدولي: «الشراكات الدولية ليست خياراً تكميلياً أو هامشياً، بل تشكل ركيزة أساسية لمستقبل الاقتصاد السعودي، فهي تتيح لنا نقل المعرفة وتبادل الخبرات، وتفتح مجالات لتطوير الابتكار المحلي، وتستقطب الاستثمارات النوعية، كما تسهم في فتح أسواق جديدة تجعل المملكة في قلب التجارة العالمية وتدعم مكانتها بصفتها قوة اقتصادية محورية».

جانب من الحضور خلال المؤتمر السنوي الثاني والعشرين لجمعية الاقتصاد السعودية (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال نائب رئيس جمعية الاقتصاد السعودية، الدكتور أحمد ناصر الراجحي: «لقد سعدنا في الجمعية بإقامة مؤتمرها العلمي الثاني والعشرين في مدينة جدة، وهذا جزء من دورها العلمي والتوعوي في التواصل مع الاقتصاديين والمهتمين بالشأن الاقتصادي في المملكة. وقد كان من دواعي سرورنا أن تستضيف جامعة الأعمال والتكنولوجيا هذا المؤتمر، الذي يناقش الآثار الاقتصادية للتحولات المعاصرة، بما في ذلك تحول الطاقة وتطورات التقنية والذكاء الاصطناعي وفرص الخدمات اللوجستية وغيرها».

وأضاف الراجحي: «إن إقامة هذه الفعالية هو امتداد لما تُقدمه جمعية الاقتصاد السعودية بصفتها جمعية علمية ومَركز فكر من نشاطات علمية وثقافية وتوعوية مختلفة منذ تأسيسها قبل 40 عاماً».

الجامعات شريك استراتيجي في التنمية

من جانبه، شدد الدكتور عبد الله دحلان، رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، على أن الجامعات السعودية أصبحت مطالَبة، اليوم، بلعب دور أكثر فاعلية في دعم الاقتصاد الوطني وخدمة مسيرته التنموية. وقال: «مستقبل الاقتصاد السعودي واعد في ظل القيادة الحكيمة والرؤية الطموحة، لكن الجامعات يجب أن تكون شريكاً أساسياً في إعداد الكفاءات الوطنية، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتقديم دراسات اقتصادية مبتكرة تُمكّن صُناع القرار من تبنّي مشاريع تنموية تُحسّن جودة الحياة وتحقق أهداف التنمية المستدامة».

تحولات الطاقة

يشكل التحول في مجال الطاقة حجر الزاوية في المحاور المطروحة خلال المؤتمر. فمن محطة «سكاكا» للطاقة الشمسية بصفتها نموذجاً رائداً في الاستثمار بالطاقة المتجددة، إلى سياسات دمج المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، تبدو السعودية في مسار طموح يوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة. غير أن هذا المسار لا يخلو من التحديات، وفي مقدمتها الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة، وتأمين استثمارات طويلة الأجل تدعم استدامة الاقتصاد وتقلل الاعتماد على النفط.

معركة الانبعاثات

جاء المحور الثاني تحت عنوان «التطور الابتكاري في مجال البيئة»، حيث قدَّم باحثون سعوديون ودوليون دراسات تحليلية عن العلاقة بين النمو الاقتصادي وانبعاثات الكربون، خاصة مع التوسع في السياحة الدينية والصناعة داخل المملكة. وخلصت الأوراق إلى أن التحولات الحالية تفرض ابتكار حلول جديدة تقلل الأثر البيئي، دون المساس بمُستهدفات النمو الاقتصادي، وهو تحدٍّ يتقاطع مع السياسات العامة ويستدعي استثمارات واسعة في التقنيات النظيفة.

الذكاء الاصطناعي وسوق العمل

أما المحور الثالث «الذكاء الاصطناعي والقوى العاملة»، فقد سلَّط الضوء على جدل عالمي يتجسد محلياً، ويتمثل في كيفية الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي في رفع الكفاءة والإنتاجية دون الإضرار بمستقبل الوظائف. تناولت إحدى الأوراق تحديات العمالة السعودية بين عاميْ 2020 و2023، بينما قدّمت أخرى رؤى حول تأثير الشيخوخة السكانية على النمو الاقتصادي. وخلصت الجلسة إلى أن التوازن بين التحديث التكنولوجي وضمان استدامة سوق العمل يمثل مُعضلة مركزية تتطلب سياسات استباقية في التدريب وإعادة التأهيل.

اللوجستيات والتجارة العالمية

في المحور الرابع «الخدمات اللوجستية والتجارة العالمية»، شدّد الباحثون على أن اللوجستيات لم تعد مجرد قطاع داعم، بل تحولت إلى محور استراتيجي يرتبط مباشرةً بالنمو الاقتصادي والانفتاح التجاري. وقدمت ورقة بحثية من جامعة الإسكندرية تحليلاً للعلاقة بين الخدمات اللوجستية والنمو الاقتصادي في السعودية، خلال العقدين الماضيين، مؤكدة الأهمية المتزايدة لمبادرات مثل الممرات الاقتصادية وربط المملكة بالأسواق العالمية، بما يعزز قدرتها التنافسية ويرسخ موقعها بصفتها مركزاً لوجستياً عالمياً.

تكريم الضيوف المشاركين في المؤتمر (الشرق الأوسط)

الأمن الغذائي والمصادر الطبيعية

أما المحور الخامس «المصادر الطبيعية والأمن الغذائي» فقد ناقش التحديات التي يفرضها تغير المناخ وتذبذب سلاسل الإمداد العالمية، مسلّطاً الضوء على دراسة تحليلية لقطاع الثروة السمكية في المملكة للفترة بين 1995 و2021. وكشفت الدراسة عن إمكانات غير مستغَلة يمكن أن تسهم في دعم الاستدامة الغذائية، مؤكدة أن الاستثمار في الموارد الطبيعية لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

ثقة بالإصلاحات السعودية

ولم تَغِب الرؤية الدولية عن أجندة المؤتمر، حيث قدَّم صندوق النقد الدولي، عبر بعثته في السعودية، ورقة بعنوان «نظرة صندوق النقد الدولي للاقتصاد السعودي». وأكدت الورقة أن الإصلاحات الاقتصادية التي تُنفذها المملكة ضمن «رؤية 2030» عزّزت مرونتها في مواجهة التحديات العالمية، ورسّخت مسارها نحو اقتصاد متنوع ومستدام، بما يمنح المؤتمر بعداً عالمياً يزيد من ثقل مُخرجاته على المستويين الإقليمي والدولي.

واستقبل المؤتمر 89 مشاركة علمية، خضعت جميعها لتحكيم دقيق وفق المعايير الدولية، ليجري اعتماد 16 بحثاً علمياً و4 أوراق عمل متميزة. وأكدت أن المؤتمر لا يكتفي بطرح البحوث والأفكار النظرية، بل يسعى إلى صياغة رؤى عملية تدعم مسيرة المملكة في تحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، من خلال تحويل التحديات الاقتصادية والتقنية والبيئية إلى فرص تنموية تعزز موقعها بصفتها قوة اقتصادية رائدة.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

الاقتصاد فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية ببروكسل.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد شعار «توتال إنرجيز» عشية افتتاح معرض باريس الدولي للزراعة (رويترز)

«توتال» ترفض دعوات ترمب للعودة إلى فنزويلا: استثمار مكلف

قال الرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجيز» الفرنسية العملاقة للطاقة، باتريك بويان، إن العودة إلى فنزويلا «مكلفة للغاية وملوثة للبيئة بشكل كبير».

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد جرافات تحميل تملأ الشاحنات بالخام في منجم العناصر الأرضية النادرة بماونتن باس - كاليفورنيا (رويترز)

تايوان تُرسل فريقاً لتقييم رواسب المعادن الأرضية النادرة في الولايات المتحدة

أعلن وزير الاقتصاد التايواني، كونغ مينغ شين، الأربعاء، أن تايوان تعتزم إرسال فريق من المسؤولين لتقييم رواسب المعادن الأرضية النادرة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
الاقتصاد طريق نيروبي السريع المنفَّذ بالشراكة بين القطاعين العام والخاص (رويترز)

كينيا تدرس إصدار مزيد من سندات «اليوروبوندز» لسداد الديون المستحقة

أعلن وزير المالية الكيني، جون مبادي، يوم الأربعاء، أن الحكومة تدرس إصدار مزيد من سندات اليوروبوندز بهدف سداد الديون المستحقة.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يفقد زخم الصعود خلال تداولات منتصف الأسبوع

عانى الدولار تراجعاً في جميع العملات، يوم الأربعاء، ولا سيما مقابل الين والدولار الأسترالي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«أوبك» تتوقع تراجع الطلب العالمي على نفط «أوبك بلس» في الربع الثاني

تتوقع «أوبك» أن يبلغ متوسط الطلب العالمي على نفط «أوبك بلس» 42.‌20 مليون برميل يومياً في الربع ⁠الثاني (رويترز)
تتوقع «أوبك» أن يبلغ متوسط الطلب العالمي على نفط «أوبك بلس» 42.‌20 مليون برميل يومياً في الربع ⁠الثاني (رويترز)
TT

«أوبك» تتوقع تراجع الطلب العالمي على نفط «أوبك بلس» في الربع الثاني

تتوقع «أوبك» أن يبلغ متوسط الطلب العالمي على نفط «أوبك بلس» 42.‌20 مليون برميل يومياً في الربع ⁠الثاني (رويترز)
تتوقع «أوبك» أن يبلغ متوسط الطلب العالمي على نفط «أوبك بلس» 42.‌20 مليون برميل يومياً في الربع ⁠الثاني (رويترز)

توقّعت منظمة الدول ​المصدرة للنفط (أوبك)، الأربعاء، تراجع الطلب العالمي على خام تحالف «أوبك بلس»، بمقدار ‌400 ‌ألف ​برميل ‌يومياً ⁠في ​الربع الثاني ⁠من العام الحالي مقارنة بالربع الأول.

وذكرت «‌أوبك»، ​في ‌تقريرها الشهري، أن ‌متوسط الطلب العالمي على خامات «أوبك بلس» سيبلغ 42.‌20 مليون برميل يومياً في الربع ⁠الثاني ⁠مقابل 42.60 مليون برميل يومياً في الربع الأول. ولم يطرأ أي تغيير على كلا التوقعين مقارنة بتقرير الشهر الماضي.

يضم تحالف «أوبك بلس»، الدول الأعضاء في منظمة أوبك، بالإضافة إلى منتجين مستقلين؛ أبرزهم روسيا، وقرر مؤخراً رفع إنتاج النفط العام الماضي بعد سنوات من التخفيضات، وأوقف زيادات الإنتاج في الربع الأول من عام 2026 وسط توقعات بفائض في المعروض.

ومن المقرر أن يجتمع 8 أعضاء من «أوبك بلس» في الأول من مارس (آذار) المقبل؛ حيث من المتوقع أن يتخذوا قراراً بشأن استئناف الزيادات في أبريل (نيسان).

وفي تقرير «أوبك»، أبقت على توقعاتها بأن الطلب العالمي على النفط سيرتفع بمقدار 1.34 مليون برميل يومياً في عام 2027 وبمقدار 1.38 مليون برميل يومياً هذا العام.

وذكر تحالف «أوبك بلس»، في التقرير، أنه ضخّ 42.45 مليون برميل يومياً في يناير (كانون الثاني) الماضي، بانخفاض قدره 439 ألف برميل يومياً عن ديسمبر (كانون الأول) 2025، مدفوعاً بتخفيضات في كازاخستان وروسيا وفنزويلا وإيران.


«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.