ماكرون يبحث عن الشخصية القادرة على الجمع بين المتناقضات السياسية

الرئيس الفرنسي كلف بايرو تصريف الأعمال بانتظار تسمية بديل عنه

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر ضيفاً في قصر الإليزيه (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر ضيفاً في قصر الإليزيه (أرشيفية - رويترز)
TT

ماكرون يبحث عن الشخصية القادرة على الجمع بين المتناقضات السياسية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر ضيفاً في قصر الإليزيه (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر ضيفاً في قصر الإليزيه (أرشيفية - رويترز)

خطآن قاتلان اقترفهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس حكومته فرنسوا بايرو؛ الأول في شهر يونيو (حزيران) من العام الماضي عندما أصدر قراراً بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة لأسباب لم تقنع أحداً؛ والثاني، عندما قرر الشهر الماضي المثول أمام البرلمان لطلب الثقة بحكومته بناء على مسودة لمشروع ميزانية تقشف للعام 2026 لاقت رفضاً من اليمين المتطرف واليسار بمختلف مكوناته فضلاً عن حلفائه من «الخضر». ولا شيء كان يلزم بايرو بالمخاطرة بمصير حكومته ووضعه بين أيدي البرلمان المتشظي.

خطأ ماكرون أفضى إلى قيام برلمان من غير أكثرية، يتشكل من ثلاث قوى رئيسية («الكتلة المركزية» المشكلة من الأحزاب الداعمة لماكرون ومن حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، وجبهة اليسار بمكوناتها الثلاثة: الاشتراكي والشيوعي وحزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، واليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»). وعيب هذه التشكيلة استحالة التعاون بين مكوناتها بسبب اختلاف الخيارات الأساسية الاقتصادية والاجتماعية وطموحاتها السياسية. والنتيجة الأولى كان عنوانها غياب الاستقرار السياسي، حيث تعاقبت ثلاث حكومات على إدارة شؤون البلاد في أقل من عامين، اثنتان سقطتا في البرلمان؛ حكومة ميشال بارنيه سقطت في ديسمبر (كانون الأول) وكانت الأقصر عمراً في تاريخ الجمهورية الخامسة، وحكومة بايرو الهشة الضعيفة، إذ إن النواب الذين رفضوا منحها الثقة شكلوا نحو ثلثي أعضاء البرلمان، وهي سابقة في تاريخ الجمعية الوطنية. والسابقة الأخرى أن بايرو هو الوحيد، منذ 65 عاماً، الذي حرم من ثقة البرلمان.

الوزيران جيرالد دارمانان (العدل، يسار الصورة) والدفاع سيباستيان لو كورنو كلاهما مقرب من الرئيس ماكرون ومرشح لاحتلال مقعد رئيس الحكومة بعد استقالة حكومة روسا بايرو (أ.ف.ب)

حراك الشارع

لأن الدستور يفرض على رئيس الحكومة أن يقدم، في هذه الحالة، الاستقالة، فقد زار بايرو ظهر الثلاثاء قصر الإليزيه وقدم استقالته لرئيس الجمهورية الذي طلب منه تصريف الشؤون اليومية بانتظار تعيين حكومة جديدة. وصدر عن الإليزيه بيان يفيد بأن ماكرون ينوي تعيين رئيس حكومة جديد «خلال الأيام القليلة المقبلة». وحرص ماكرون على ملء الفراغ الحكومي سريعاً مرده إلى الاستحقاقات الداهمة التي تواجهها البلاد، وأولها الدعوة لشل الحركة الاقتصادية تماماً، الأربعاء. واستبق برونو روتايو، وزير الداخلية الحدث بالدعوة إلى عدم ترك السلطة شاغرة لفترة طويلة، محذراً من أن الأيام المقبلة «مناسبة لجميع أشكال التجاوزات». وقرر روتايو نشر 80 ألفاً من قوات الأمن (الشرطة والدرك) وسط مخاوف من أعمال عنف وتخريب وفوضى. وغداً، من المتوقع أن يتظاهر ما لا يقل عن مائة ألف شخص في جميع أنحاء فرنسا، بمناسبة يوم التعبئة المسمى «لنشل كل شيء». ويشمل الحراك الطلاب الجامعيين وتلامذة الثانويات.

والثلاثاء، قامت نحو 30 جامعة بعقد جمعياتها العمومية لتحديد الخطوات والتحركات التي سيتم اتخاذها الأربعاء. وعلى المستوى العام، فإن قطاع المواصلات سيكون الأكثر تأثراً بالحراك. وتبين التقارير الأمنية أن مجموعات اليسار المتشدد مثل «مجموعة بلاك بلوك» أو جماعة «السترات الصفراء» قد تقوم بأعمال عنف وشغب. ومما توافر أن الطرق السريعة سيتم استهدافها منذ الصباح الباكر لشل حركة السير بين المدن ومنها الواقعة غرب فرنسا مثل رين ونانت وفان وبريست وكان.

وزير الاقتصاد أريك لامبارد القادم من صفوف اليسار، أحد الشخصيات التي قد يسميها الرئيس ماكرون لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)

أما في باريس، فمن المتوقع أن يبدأ حصار الطريق الدائري الذي يلف العاصمة اعتباراً من منتصف الليل. وتتوقع السلطات حدوث شلل في مستودعات الوقود، والمطارات، ومحطات القطارات. كما ستخرج مظاهرات جماهيرية في العديد من المناطق الفرنسية. ويحظى حراك الأربعاء الذي انطلقت شراراته من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بدعم بعض اليسار والنقابات الموالية له.

بيد أن ما ينتظر المواطنين الأربعاء ليس سوى «عينة» مما يترقبهم يوم 18 من الشهر الحالي، حيث الأكثرية الساحقة من النقابات العمالية دعت إلى يوم تعبئة عامة في بيان أصدرته يوم 29 أغسطس (آب) نددت فيه بالإجراءات والتدابير التي تضمنها مشروع الميزانية للحكومة المستقيلة. وسيشمل الحراك إضرابات واسعة ومظاهرات ومسيرات في باريس وغالبية المدن الكبرى، وذلك دعماً للمطالب الاجتماعية وممارسة للضغوط على الحكومة المقبلة لدفعها للتخلي عن التدابير التي تعدّها مجحفة.

صعوبات الاختيار

ما بين الاستحقاقين، ثمة محطة رئيسية عنوانها ما سيصدر عن مؤسسات التصنيف الائتمانية، حيث من المقرر أن تصدر وكالة «فيتش» تقريرها الجمعة المقبل. وحسب آخر تقرير لها الصادر في شهر مارس (آذار) الماضي، فإن تقييم فرنسا تراجع إلى آخر مرتبة «الجودة العالية». وإذا هبطت فرنسا إلى المستوى الأدنى (الجودة المتوسطة) فسوف ينعكس ذلك حكماً على نسبة الفائدة التي يتعين دفعها على مديونيتها البالغة راهناً 3415 مليار يورو. وبذلك، ستحل باريس في المرتبة ما قبل الأخيرة بين دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يثير الكثير من القلق في بروكسل، مقر المفوضية الأوروبية وفي ألمانيا، الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا، ناهيك عن القلق على انعكاسات الصعوبات المالية الفرنسية على قيمة العملة الأوروبية الموحدة (اليورو). وبعد أن كانت إيطاليا «التلميذ الطائش» داخل «الاتحاد»، ها هي فرنسا تتأهب للحلول محلها فيما تبقى اليونان في آخر اللائحة.

كاترين فوتران وزيرة العمل والصحة والرعاية الاجتماعية في الحكومة المستقيلة كانت مرشحة جدية لرئاسة الحكومة في العامين الأخيرين (إ.ب.أ)

ما سبق يبين المهمة الشاقة لماكرون، الذي يتعين عليه العثور على الشخصية المولج بها تشكيل حكومته الخامسة في ولايته الثانية التي تنتهي في ربيع عام 2017. صحيح أن المرشحين كثر وآخر من انضم إليهم صباح الثلاثاء هي رئيسة البرلمان يائيل براون - بيفيه التي أبدت استعدادها للقيام بهذه المهمة الشاقة. ويضاف اسم بيفيه إلى عشرة أسماء على الأقل منهم وزير الدفاع (سباستيان لوكورنو)، والعدل (جيرالد دامانان)، والاقتصاد (أريك لومبار)، والعمل (كاترين فوترين)، وأمين عام الحزب الاشتراكي (أوليفيه فور)، ووزير الخارجية السابق (جان إيف لو دريان)، أو وزير الشؤون الاجتماعية السابق (كزافيه برتراند). وثمة أسماء أخرى مثل رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي (أريك بوديه) أو حاكم البنك المركزي (فرنسوا فيلوروا دو غالهو). وتبين هذه اللائحة غير الشاملة أن الصعوبة ليست في توافر المرشحين بل في العثور على رئيس للحكومة قادر على الصمود. وقد أصبح معروفاً أن ماكرون لن يلجأ إلى خيار حل البرلمان للمخاطر المحيطة بمثل هذا الإجراء. كذلك ثمة من يؤكد أنه «قطعاً» لن يُوكل المهمة إلى أوليفيه فور الذي يطالب برئاسة الحكومة. واليوم، قالت مارين توندوليه، رئيسة حزب «الخضر»، إنه يتعين على ماكرون تسليم المهمة لشخصية من اليسار، الذي يتمتع بأكبر مجموعة نيابية في البرلمان، بينما يرفض حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي رؤية يساري على رأس الحكومة ويهدد بالتصويت ضدها.

صورة مركبة لرؤساء الحكومات الأربع خلال ولاية ماكرون الثانية وهم: ألزيابت بورن، وبريال أتال، وميشال بارنيه، وفرنسوا بايرو (أ.ف.ب)

الشخصية النادرة

حقيقة الأمر أن ماكرون يفضل العثور على شخصية متحدرة من «الكتلة المركزية»، وتكون قادرة، في الوقت عينه، على إبقاء اليمين التقليدي داخل الكتلة المركزية وإقناع «الحزب الاشتراكي» بألا يعمد إلى التصويت ضد الحكومة في حال طرح الثقة بها. بيد أن أمراً كهذا سيكون له ثمن إذ لن يقبل الاشتراكيون بهذه الصفقة من غير مقابل. وما يريدونه جاء في برنامجهم للحكم الذي أقره مؤتمرهم العام، ومن بنوده التراجع عن قانون التقاعد أو تجميده على الأقل وفرض ضرائب على الثروات والرواتب العالية وتعزيز دعم الطبقات الدنيا والمتوسطة.... وكلها مطالب يستحيل على ماكرون ومن معه القبول بها. وفي أي حال، فإن هذه الصيغة أثبتت فشلها مع بايرو كما أثبتت تجربه سلفه ميشال بارنيه عبثية الركون إلى اليمين المتطرف للبقاء في السلطة.



بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
TT

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي، وقال خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب، الخميس، إن العالم ينزلق نحو مزيد من التصعيد. وأوضح أنه إلى جانب الأزمات القديمة المستفحلة، تظهر بؤر توتر جديدة؛ بسبب ميل أطراف، وصفها بأنها «الأقوى»، إلى التصرفات الأحادية وسياسات الإملاء والهيمنة.

وأكد الرئيس الروسي انفتاح بلاده على الحوار مع البلدان الغربية، التي قال إن العلاقات بها وصلت إلى أدنى مستوياتها، واقترح إحياء الحوار مع البلدان الأوروبية بشأن مبادئ الأمن المشترك التي اقترحتها روسيا في وقت سابق، عادّاً أن هذا المدخل يشكل عنصراً مهماً لدفع التسوية في أوكرانيا.

وتسلم بوتين خلال المراسم أوراق اعتماد 32 سفيراً جديداً؛ بينهم ممثلون لـ11 دولة مصنفة لدى روسيا ضمن الدول «غير الصديقة»، منها فرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، بالإضافة إلى سفراء بلدان قال بوتين إنها «حليفة وشريكة لروسيا منذ سنوات طويلة»، مثل أفغانستان وكوبا وسريلانكا وبيرو. ومن المنطقة العربية تسلم بوتين أوراق اعتماد سفراء المملكة العربية السعودية ومصر ولبنان والجزائر.

بوتين يخاطب السفراء الأجانب الجدد (رويترز)

واستهل بوتين المراسم بخطاب سياسي تضمن قراءة لعلاقات بلاده مع البلدان التي حضر ممثلوها، بالإضافة إلى رؤيتها مسار العلاقات الدولية بشكل عام. وقال الرئيس الروسي إن الأزمة الأوكرانية خلقت تهديداً مباشراً لبلاده، مؤكداً انفتاح موسكو على التوصل إلى تسوية في أسرع وقت ممكن. وقال إن موسكو تدعو إلى سلام طويل الأمد، لكنه أعرب عن أسفه؛ لأنه «ليس الجميع يرغب في إحلال السلام، بما في ذلك كييف والعواصم الداعمة لها... لا تبدو مستعدة لذلك، لكننا نأمل أن يأتي الاعتراف بهذه الحاجة عاجلاً أم آجلاً. وحتى ذلك الحين، فستواصل روسيا السعي بثبات لتحقيق أهدافها».

وتحدث عن العلاقة بالبلدان الغربية، وقال إنها «تمر بأسوأ مراحلها، رغم أن الأطراف كانت بَنَت في أوقات سابقة علاقات تعاون مثمرة». وأعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات بالبلدان الأوروبية إلى مسارها الصحيح»، واقترح العودة لمناقشة مقترحات بلاده التي قُدمت نهاية عام 2021 لبناء هيكل أمني عادل وشامل في أوروبا، ورأى أن هذا من شأنه أن يساعد بحل النزاع في أوكرانيا.

وقال بوتين: «ليس من قبيل الصدفة أن يُقال: السلام لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُبنى، ويستمر كل يوم. السلام يتطلب جهداً ومسؤولية واختياراً واعياً.» وزاد أنه «لا يمكن ضمان أمن الدول على حساب دول أخرى؛ فالأزمة الأوكرانية ناجمة عن تجاهل المصالح المشروعة لروسيا». ورأى بوتين أن العلاقات الدولية تنزلق نحو الأسوأ... و«يتدهور الوضع على الساحة الدولية بشكل متصاعد. تعاني عشرات الدول من الفوضى وانعدام القانون، وتفتقر إلى الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها». ومن دون أن يشير إلى الولايات المتحدة مباشرة، زاد: «تتضاءل الدبلوماسية والسعي إلى التوافق والحلول التوافقية، لمصلحة أعمال أحادية الجانب وخطيرة. وبدلاً من الحوار بين الدول، نسمع مونولوغ (حوار ذاتي) أولئك الذين، بحكم قوتهم، يرون أنه من حقهم فرض إرادتهم، وتلقين الآخرين أساليب العيش، وإصدار الأوامر». وقال إن موسكو ملتزمة «الحفاظ على علاقاتها بالراغبين في التعاون، وتدعو إلى تعزيز دور الأمم المتحدة في الشؤون العالمية». وأكد: «ستواصل روسيا اتباع نهج سياسي متوازن والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب».

عدد من السفراء الأجانب خلال تقديمهم أوراق اعتمادهم لموسكو (رويترز)

وفي سياق متصل، أمرت السلطات الروسية، الخميس، دبلوماسياً بريطانياً بمغادرة البلاد بناء على مزاعم بالتجسس، وهي الاتهامات التي وصفتها المملكة المتحدة بأنها «دون أساس». وقال «جهاز الأمن الاتحادي (إف إس بي)» الروسي إن عضو طاقم السفارة عمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية. وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن اعتماد الدبلوماسي قد أُلغي، وأنه يجب الآن أن يغادر البلاد خلال أسبوعين. واستُدعيت القائمة بالأعمال في السفارة البريطانية لدى روسيا، داناي دولاكيا، إلى مقر الوزارة بموسكو لتسلم الإخطار.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها «تدرس بعناية» الرد على طرد روسيا دبلوماسياً بريطانياً، مضيفة أن هذه ليست أول مرة يوجه فيها الكرملين اتهامات «كيدية ودون أساس» ضد الموظفين.


الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
TT

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا. وتمسك الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف بمواقف بلاده تجاه أسس التسوية السياسية، لكنه شدد على حرص موسكو على إبلاغ واشنطن بوجهات نظرها تجاه المحادثات الجارية حول أوكرانيا، محذراً أوكرانيا الخميس من أن نافذة التفاوض مع روسيا بشأن إنهاء الحرب المتواصلة منذ نحو أربعة أعوام تضيق، داعياً الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى حسم موقفه بشأن الجهود التي تقودها الولايات المتحدة.

وقال الناطق، الخميس، في أول إفادة صحافية شاملة حول ملف المفاوضات في العام الجديد، إن بلاده منفتحة على حوار مع واشنطن، وتترقب وصول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر إلى العاصمة الروسية قريباً. ولم يحدد بيسكوف موعد الزيارة المرتقبة، لكنه لمّح إلى ترتيبات جارية لإنجاحها، وقال إن الكرملين سوف يعلن عن تفاصيلها لاحقاً.

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

وقال بيسكوف: «أجرى الأميركيون كثيراً من المحادثات مع الأوكرانيين والأوروبيين على حد سواء. ومن المهم أن يُبلغ الجانب الروسي أيضاً بوجهة نظره بشأن المحادثات الجارية». في إشارة مباشرة إلى أن بوتين يستعد لإبلاغ الجانب الأميركي بمواقفه تجاه التعديلات التي طرأت على خطة السلام الأميركية والأفكار التي نوقشت في اجتماعات باريس أخيراً، بما في ذلك الأفكار المتعلقة بإحلال قوات أجنبية تابعة لبلدان أوروبية في أوكرانيا في مرحلة ما بعد إبرام اتفاق سلام.

في الوقت ذاته، جدد بيسكوف موقف بلاده تجاه الرئيس زيلينسكي الذي تتهمه موسكو بعرقلة جهود السلام. وأعلن الناطق أن الكرملين يتفق في هذا الشأن مع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي كان قد قال، الخميس، إن موسكو ترغب في إبرام اتفاق سلام، بينما يواصل زيلينسكي عرقلة التقدم في المفاوضات. وقال بيسكوف للصحافيين، رداً على تصريح ترمب: «يمكننا الاتفاق على هذا. هذا هو الواقع».

وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية إنّ «الوضع يتدهور يوماً بعد يوم بالنسبة إلى نظام كييف، والنافذة المتاحة لاتخاذ قراراته تضيق»، مضيفاً: «حان الوقت لأن يتحمل زيلينسكي مسؤولياته، ويتخذ القرار المناسب». وأوضح: «يتدهور الوضع يوماً بعد يوم بالنسبة لنظام كييف. لقد تحدثنا عن هذا الأمر. ونطاق صنع القرار في نظام كييف يضيق. وقد قلنا العام الماضي إنه قد حان الوقت لكي يتحمل زيلينسكي المسؤولية ويتخذ القرار المناسب. وحتى الآن لم تفعل كييف ذلك».

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب)

ولم يؤكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، صحة تقارير أفادت بأن روسيا قد توافق على نشر قوات أجنبية في أوكرانيا، شريطة مشاركة الصين ودول الجنوب العالمي.

وعندما سئل عما إذا كان بوتين مستعداً فعلاً لإبلاغ الجانب الأميركي بموافقته على نشر قوات أجنبية يتم الاتفاق على هويتها بين الطرفين، قال بيسكوف: «لا أستطيع تأكيد ذلك».

وكان بيسكوف قد صرح سابقاً بأن موقف روسيا من وجود وحدات عسكرية أجنبية في أوكرانيا معروف جيداً، ومتسق تماماً، وواضح. وشدّدت وزارة الخارجية الروسية على أن أي سيناريو يتضمن نشر قوات تابعة لحلف «الناتو» في أوكرانيا غير مقبول بتاتاً بالنسبة لروسيا، وينطوي على خطر تصعيد حاد. ووصفت الوزارة سابقاً التصريحات الصادرة في المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى بشأن إمكانية نشر قوات من دول «الناتو» في أوكرانيا بأنها تحرّض على استمرار الأعمال العدائية. لكن رغم ذلك كله، برزت تقارير تشير إلى أن الكرملين قد يوافق في النهاية على نشر قوات من بلدان لم تشارك في العمليات العسكرية ودعم أوكرانيا، مثل الصين وبيلاروسيا وبعض البلدان الأخرى.

ويقول خبراء مقربون من الكرملين إن هذا قد يشكل استجابة مشروطة من جانب موسكو لمتطلبات الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف وعواصم أوروبية.

رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف (ا.ب)

وفي وقت سابق، ذكرت وكالة «بلومبرغ» نقلاً عن مصادر، أن ويتكوف وكوشنر يرغبان في مناقشة الضمانات الأمنية لأوكرانيا، وعرض مسودات خطط التسوية في اجتماع محتمل قبل نهاية الشهر الحالي مع بوتين. ووفقاً لمعطيات، فإن أجندة الوفد الأميركي تشتمل إلى جانب ملف الضمانات الأمنية التي ستقدمها الولايات المتحدة وأوروبا لأوكرانيا لضمان التزامها بأي اتفاق سلام، مسائل إعادة إعمار البلاد بعد الحرب.

انقطاع التيار الكهربائي عن مبانٍ سكنية في كييف بعد الهجمات الروسية (رويترز)

​وميدانياً قال رئيس هيئة أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيموف، ‌الخميس، ⁠إن ​القوات ‌الروسية سيطرت على أكثر من 300 كيلومتر مربع ⁠من الأراضي ‌الأوكرانية خلال ‍النصف الأول من يناير (كانون الثاني). وقالت روسيا إنها ​سيطرت على 6640 كيلومتراً ⁠مربعاً من الأراضي في أوكرانيا العام الماضي.

بدوره، أعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، الخميس، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 61 من أصل 82 طائرة مسيّرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على أوكرانيا خلال الليل.

وأقر زيلينسكي بأن الوضع في أوكرانيا يزداد تفاقماً بعد ما يقرب من أربع سنوات من الحرب، سواء على الجبهات أو بالنسبة للمدنيين في أنحاء البلاد، مع استمرار موجة البرد الشديد.

على صعيد آخر، أعلن بيسكوف أن بلاده ما زالت تنتظر رداً من الولايات المتحدة على مبادرة تمديد معاهدة «ستارت الجديدة» التي اقترحها الرئيس الروسي قبل أشهر. وزاد أن هذا الموضوع بات حيوياً للغاية، علماً بأن المعاهدة ينتهي العمل بها بعد نحو أسبوعين.

وكان بوتين اقترح في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تمديداً مؤقتاً لمدة عام للاتفاقية، على أن يعمل الطرفان الروسي والأميركي على إطلاق مفاوضات لإبرام اتفاقية جديدة أكثر شمولية.

سيارات بساحة الاستقلال خلال انقطاع التيار الكهربائي في كييف 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأكد بوتين أن بلاده سوف تلتزم بشكل أحادي ببنود الاتفاقية لمدة عام، وتتطلع لأن يقوم الجانب الأميركي بالتزام مماثل، لكن موسكو لم تتلق منذ ذلك الحين رداً على اقتراحها، رغم أن الرئيس الأميركي وصف مبادرة بوتين بأنها «جيدة».

وقال بيسكوف الخميس: «نحن بانتظار ردٍّ على مبادرة بوتين. نعد هذا الموضوع بالغ الأهمية. ونعتقد، بالطبع، أن وثيقةً ومعاهدةً أكثر ملاءمةً ستكون ضروريةً للجميع. لكن التوصل إلى مثل هذه المعاهدة عمليةٌ معقدةٌ للغاية، وتستغرق وقتاً طويلاً».

وتضع «ستارت 2» قيوداً متبادلة على نشر الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، وتحدد سقفاً لإنتاج الرؤوس النووية ووسائل حملها، لكنّ الجانبين الروسي والأميركي تحدثا عن ضرورة تحديث تلك المعاهدة. وتشترط واشنطن ضم الصين إلى أي معاهدة جديدة، بينما ترفض بكين ذلك، بينما تشترط موسكو توسيع المعاهدة الجديدة لتشمل الرقابة على ترسانتي فرنسا وبريطانيا النوويتين. وقال بيسكوف، رداً على سؤال في هذا الشأن: «موقف الصين من معاهدة ستارت الجديدة معروف جيداً، وروسيا تحترمه».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال خطابه السنوي مع نهاية العام في موسكو (أ.ف.ب)

مضيفاً في المقابل أن «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرّح في وقت سابق بأنه من المستحيل مناقشة قضايا الاستقرار الاستراتيجي دون الأخذ في الاعتبار قدرات فرنسا وبريطانيا»، مؤكداً أن العمل على إبرام معاهدة جديدة أكثر اتساعاً وملاءمةً للواقع الجديد سوف يمر بتعقيدات كبيرة، ويحتاج إلى فترة طويلة، ما يعزز التوجه الروسي لإعلان تمديد مؤقت للمعاهدة الحالية بالتوافق بين موسكو وواشنطن.


بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصُّل إلى تسوية.

ونقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء عن بوتين قوله، في أثناء لقائه السفراء المعتمدين لدى بلاده في بداية العام الجديد، إن تقدّم حلف شمال الأطلسي (ناتو) نحو حدود روسيا يخالف الوعود التي قطعها الحلف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وأكد بوتين أن تجاهل المصالح «المشروعة» لروسيا هو ما أدى إلى نشوب الأزمة الأوكرانية، لافتاً إلى أن الأجيال القديمة التي تلت الحرب العالمية الثانية كانت قادرةً على الاتفاق على مبادئ التواصل الدولي.

كان تلفزيون «آر تي» الروسي قد نقل عن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف قوله، في وقت سابق من يوم الخميس، إن بوتين لا يزال منفتحاً بشأن التسوية مع أوكرانيا.

وقال بيسكوف إن موسكو توافق على ما ذكره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تصريحه بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «يبطئ» عملية التسوية مع روسيا.

في الوقت نفسه، نقلت وكالة «سبوتنيك» عن الكرملين، قوله، إن روسيا تعدّ استمرار الحوار مع الولايات المتحدة أمراً ضرورياً ومهماً.

وقال المتحدث باسم الكرملين، إن الوضع في كييف «يتدهور يوماً بعد يوم، وقد حان الوقت لكي يتخذ زيلينسكي قراراً»، دون أن يفصح عمّا يعنيه بهذا القرار.