نزوح الغزيين يتواصل... مأساة لا تعرف نهاية

خيام على الطرقات وأراضٍ للإيجار وانتشار للحشرات ونقص في المياه...

TT

نزوح الغزيين يتواصل... مأساة لا تعرف نهاية

أم وطفلها في خيمة للنازحين قرب مدينة غزة (الشرق الأوسط)
أم وطفلها في خيمة للنازحين قرب مدينة غزة (الشرق الأوسط)

يكابد سكان مدينة غزة ظروفاً هي الأقسى في مراحل النزوح التي عاشوها من قبل، بعدما بدأت القوات الإسرائيلية عملية جديدة في المدينة يتخللها تدمير لبعض أحيائها المدمَّرة جزئياً وتفجير لما تبقى من أبراجها، بعدما دمّرت هذه القوات في أوقات سابقة أحياء أخرى بالكامل، مثل الشجاعية والزيتون والتفاح.

ومنذ أكثر من أسبوعين، تشهد الأحياء الجنوبية للمدينة، وتحديداً الزيتون والصبرة، عملية نزوح كبيرة، رافقتها في الأيام الأخيرة عملية نزوح مماثلة من الأجزاء الشمالية للمدينة، وتحديداً في بلدتي جباليا البلد، والنزلة، وأضيفت إليهما أجزاء من حي الشيخ رضوان بعد سلسلة من الغارات الإسرائيلية.

المسنّة وطفة أبو عرمانة، من سكان حي الزيتون، عانت مرات عدة من النزوح المتكرر داخل قطاع غزة، سواء في بدايات الحرب عام 2023 أو في الأيام الأخيرة التي وصفتها بأنها «الأصعب»، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط».

تشير أبو عرمانة إلى بيتها الذي قُصف بداية الحرب، الأمر الذي اضطرها للنزوح إلى مخيم النصيرات وسط القطاع، قبل أن تصاب في قصف أصاب صفّاً مدرسياً كانت تنزح به داخل إحدى المدارس التي تحوّلت خلال الحرب إلى مراكز إيواء للنازحين، الأمر الذي اضطرها وعائلتها للنزوح نحو رفح التي احتلتها إسرائيل في جنوب القطاع، مما دفعها إلى النزوح مجدداً إلى بلدة الزوايدة الواقعة ضمن محافظة دير البلح، وسط القطاع، في ظروف وصفتها بأنها كانت قاسية خصوصاً بسبب الأمراض التي ألمّت بها وتضاعفت خلال الحرب.

المسنّة وطفة أبو عرمانة (الشرق الأوسط)

وأشارت إلى أنه بعد وقف إطلاق النار الذي تم في يناير (كانون الثاني) الماضي، عادت إلى حي الزيتون جنوب مدينة غزة، حيث كانت تقطن، وتم توفير خيام لها وللمواطنين الذين عادوا ووجدوا الحي مدمراً بشكل شبه كامل، قبل أن يُجبروا على النزوح منه مجدداً قبل أسابيع مع تجدد العمليات الإسرائيلية فيه.

كانت إسرائيل، وضمن اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة «حماس»، قد سمحت بعودة أكثر من مليون فلسطيني من سكان مدينة غزة وشمالها، إلى مناطقهم بعدما أجبرتهم على النزوح لأكثر من عام حينها، وكانت الحركة تشترط عودتهم شرطاً أساسياً للمضي بتلك الصفقة التي تضمنت إطلاق أسرى إسرائيليين.

وعن ليلة نزوحها الجديدة من حي الزيتون، تقول أبو عرمانة إنها وأبناءها نزحوا تحت القصف المدفعي والجوي، وتوجهوا إلى منزل شقيقها. كانت تبيت لياليها هناك وفي النهار تقضي يومها بالخيمة قرب منزلها المدمر، قبل أن يشتد القصف مجدداً ويطلب الجيش الإسرائيلي منهم النزوح، الأمر الذي اضطرها للنزوح مع أبنائها إلى منطقة عسقولة ما بين حيي الزيتون والصبرة، على أمل أن تعود لخيمتها بعد فترة قصيرة. إلا أن الاحتلال وسّع من هجماته التي طالت المنطقة التي نزحت إليها ومناطق أخرى من حي الصبرة، حيث تم قصف عدة منازل بالمنطقة، مما اضطرهم إلى النزوح مجدداً.

معاناة النازحين لا تعرف نهاية (الشرق الأوسط)

وتابعت وطفة أبو عرمانة أنها نزحت مع أفراد عائلتها إلى دير البلح وسط قطاع غزة، وبعد بحث طويل عن مكان للبقاء فيه، فوجئت وابنها الأكبر بتأجير الأراضي للنازحين من قبل أصحابها، الأمر الذي فرض عليهم العودة إلى مدينة غزة مجدداً رغم التهديدات الإسرائيلية باحتلالها. وقالت: «عزّت على ابني نفسه، ومن شدة ذلك بكى، وقرر العودة لغزة، وبقينا في الشارع، وحاولنا أن نبحث عن أي مكان حتى لو حاصل (محل تجاري صغير فارغ) ولم يجد... حتى وجدنا هذا المكان (منطقة مفتوحة تطل على شارع عام مقابل مركز رشاد الشوا الثقافي بحي الرمال غرب مدينة غزة)، ونصب فيه ابني الخيمة وقعدنا فيها».

وأشارت أبو عرمانة التي فقدت أحد أبنائها في قصف إسرائيلي بداية الحرب، إلى الظروف النفسية الصعبة التي تمر بها وعائلتها نتيجة النزوح القاسي الذي تكرر على مدار نحو عامين، إلى جانب أنها تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة، وأن أبناءها أيتام بعدما توفي والدهم وهم صغار، وهي من قامت بتربيتهم وعملت في بيع الملابس من أجل رعايتهم لسنوات.

وفي ظل تهديدات الاحتلال الإسرائيلي بتدمير ما تبقى من مدينة غزة، قالت أبو عرمانة إنها ستنزح مجدداً مثل باقي المواطنين في حال نزحوا، مشيرةً إلى انعدام الخيارات أمام الغزيين في هذه الفترة القاسية.

وبدأت القوات الإسرائيلية تضغط ميدانياً على سكان بعض الأحياء في مدينة غزة، بهدف إجبارهم على النزوح إلى جنوب القطاع، وتحديداً المواصي التي تصفها بأنها منطقة «إنسانية» رغم أنها باستمرار تُستهدف فيها خيام للنازحين. وتتركز العمليات الحالية على الحدود الجنوبية لمدينة (الزيتون والصبرة)، والشمالية (جباليا النزلة وحي الشيخ رضوان)، بهدف دفع السكان إلى غرب المدينة على الساحل لتسهيل عملية نزوحهم قريباً إلى الجنوب.

نوال الطويل التي تعيش في خيمة مجاورة لأبو عرمانة وتجلسان معاً دوماً (الشرق الأوسط)

نوال الطويل، التي تعيش في خيمة مجاورة لأبو عرمانة وتجلسان معاً دوماً، لم تجد مكاناً يحتضنها وعائلتها سوى هذه المنطقة المفتوحة المطلة على شارع رئيسي عام في مدينة غزة، بالقرب من مجمع الشفاء الطبي، أمام مركز رشاد الشوا الثقافي الذي دمرته القوات الإسرائيلية جزئياً وتحوّل إلى مركز إيواء منذ بداية الحرب.

قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط»: «كانت ليلة نزوحنا من حي الزيتون صعبة جداً، وشظايا القصف الجوي والمدفعي تساقطت على خيمتنا، واضطررنا للنزوح إلى أحد منازل أقاربنا، ثم نزحنا مع السكان بشكل جماعي إلى خارج الحي تحت القصف والتهديدات من قوات الاحتلال التي ألقت مناشير وسيّرت طائرات مسيَّرة كانت تطالبنا بالخروج من أماكننا».

وأشارت الطويل إلى أنها وزوجها وأبناءها توجهوا إلى منطقة عسقولة، قبل أن تتعرض هي الأخرى للقصف بعد تدمير عدة منازل فيها، الأمر الذي اضطرها للنزوح إلى بلدة الزوايدة وسط القطاع، وبسبب عدم توافر المال لديهم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها، وطلب أصحاب الأراضي دفع إيجار منهم لإبقائهم فيها، اضطروا للعودة إلى مدينة غزة، ونصب خيمة في الشارع.

كومة فراش في خيمة نازحين (الشرق الأوسط)

ووصفت النزوح الحالي بأنه الأسوأ في حياتها، خصوصاً أنها تشعر بأنها تعيش في وسط الشارع، وفي أجواء لاهبة تزيد من صعوبة الحياة في الخيام، إلى جانب انتشار الحشرات المختلفة، إلى جانب أزمات أخرى مثل عدم توافر المياه بشكل منتظم سواء للشرب أو الاستخدام الآدمي.

وأكدت الطويل أنها ترفض الهجرة من قطاع غزة، لأنها لن تستطيع التأقلم في أي دولة أخرى مثلما تفعل في غزة، مؤكدةً أن الهجرة قد تؤدي إلى أوضاع أفضل على صعد مختلفة، ولكنّ «بلادنا تظل بلادنا وما بنرتاح إلا فيها»، كما قالت.

وتهدف إسرائيل لإجبار سكان مدينة غزة على النزوح إلى الجنوب مجدداً، في إطار خطة تهدف بشكل أساسي لتهجير سكان قطاع غزة عبر الحدود الجنوبية إلى دول أخرى من العالم، مشيرةً إلى أنها تجري اتصالات مع عدة دول بهدف استقبال فلسطينيين من غزة.

طهي الطعام في موقد بجوار خيمة تؤوي نازحين في غزة (الشرق الأوسط)

ويجد السكان صعوبات بالغة في عملية النزوح من مكان إلى آخر، بفعل عوامل عديدة منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو مرتبط بعدم توفر أماكن في ظل اكتظاظ مناطق وسط وجنوب القطاع بالنازحين، بينما ما يتوفر حالياً من أراضٍ فارغة يطلب أصحابها دفع إيجار مقابل البقاء فيها، مما يُصعّب من مهمة النزوح على الكثير من السكان.

المواطن حسين كرسوع، هو الآخر عانى كثيراً حين اضطر أن ينزح تحت دوي الأحزمة النارية التي هزت منطقة سكنه ما بين حيي الزيتون والصبرة جنوب مدينة غزة، بالقرب من مدارس الفلاح التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، التي كانت تضم أكثر من 30 ألف نازح بداخلها.

وأشار إلى أن ما دفعه إلى النزوح هم أطفاله ووالدته، موضحاً أنه كان يفضّل الموت في بيته على أن يجرب النزوح مرةً أخرى بسبب قساوته، مضيفاً أنه خرج وعائلته من منزلهم من دون أي ملابس أو أمتعة بسبب القصف الشديد حينها.

وأوضح كرسوع أنه كان قد نزح سابقاً إلى جنوب القطاع، وعاد إلى مدينة غزة في أعقاب وقف إطلاق النار، معتبراً أن النزوح الحالي هو الأصعب خصوصاً أنه يأتي في ظل المجاعة والظروف الاقتصادية الصعبة وعدم توافر المواصلات وغيرها.

ظروف الحياة القاسية في خيام النازحين قرب مدينة غزة (الشرق الأوسط)

وقال: «سيكون العذاب هذه المرة مختلفاً، وسيصل إلى عشرات الأضعاف عن النزوح السابق».

ويعاني سكان قطاع غزة من أزمة مواصلات أدت لارتفاع ثمنها بشكل كبير جداً، حيث يضطر النازح من مدينة غزة إلى وسط القطاع لدفع مبلغ يقارب 1000 شيقل (294 دولاراً)، وذلك في حال كان بحوزته بعض الأمتعة التي يحتاج إليها بشكل أساسي للنزوح لكي يستطيع العيش هناك.

وقال مدير بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، جوليان ليريسون، إن السكان المدنيين في غزة يعيشون ظروفاً مفزعة والمزيد من النزوح والتصعيد في الأعمال العدائية يهدد بتفاقم الوضع الكارثي القائم، مشيراً إلى تأثر أكثر من 80 في المائة من مناطق غزة بأوامر الإخلاء بالفعل.

وأضاف في تصريح صحافي: «من غير المعقول إرغام المدنيين على الانتقال مجدداً إلى منطقة أصغر، وأي إخلاء واسع النطاق سيشكل مخاطر إضافية على المدنيين نظراً إلى الظروف السائدة على الأرض»، مؤكداً أن القانون الدولي الإنساني يكفل حماية جميع المدنيين سواء غادروا مناطقهم أو بقوا فيها، ويجب توخي الحرص الدائم لتفادي إصابة السكان المدنيين عند خوض العمليات العسكرية.

وتابع: «بعد أشهر من الأعمال العدائية الضارية والنزوح المتكرر، بات سكان غزة منهكين تماماً وما يحتاجون إليه ليس مزيداً من الضغط بل الإغاثة، وليس مزيداً من الخوف بل فرصة لالتقاط الأنفاس».


مقالات ذات صلة

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

العالم العربي أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)

العراق: إخفاق جديد في تحديد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
TT

العراق: إخفاق جديد في تحديد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)

فشل البرلمان العراقي في إدراج بند انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن جدول أعماله المقرر اليوم (الاثنين)، ليكون بذلك ثالث إخفاق من نوعه منذ إجراء الانتخابات البرلمانية قبل أكثر من شهرين.

ويأتي هذا الإخفاق وسط استمرار الخلافات السياسية بين القوى الشيعية والكردية؛ مما أعاق التوصل إلى توافق على مرشح للرئاسة، ويؤكد استمرار حالة الانسداد السياسي في البلاد.

ويقود رئيسُ الحكومة الحالية، محمد شياع السوداني، حكومةَ تصريف أعمال، بعد تجاوز المدد الدستورية لتشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس للجمهورية؛ مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي العراقي ويضعف فاعلية المؤسسات الدستورية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من الشلل في عمل الدولة وتأخير إنجاز الاستحقاقات الدستورية الأخرى، وسط أجواء من التوتر والانقسام بين القوى السياسية.


ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «ذا أتلانتيك» الأميركية تفاصيل نادرة عن كواليس حكم الرئيس السوري بشار الأسد في الفترة التي سبقت سقوط نظامه.

وقالت في مقدمة التقرير، الذي تحدث فيه كاتبه إلى مصادر من داخل النظام السوري السابق ومسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، إن «بعض الطغاة يموتون وهم يقاتلون، بعضهم يُشنقون، وبعضهم يموتون في فراشهم. لكن تصرف الأسد كان اللجوء إلى الخداع بطريقة صدمت حتى المقربين منه، فقد طمأن مساعديه وكبار الضباط بأن «النصر قريب»، وبأن اتصالات إقليمية ستؤدي إلى وقف الهجوم.

كان ذلك مع اقتراب فصائل المعارضة من دمشق في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2024، اليوم السابق لسقوط النظام، كانت الفصائل قد وصلت إلى حمص بعد أن دخلت حلب وحماة.

فرّ بشار ليلاً على متن طائرة روسية، دون أن يُخبر أحداً تقريباً. في حين أعلن البيان المراوغ الذي صدر في تلك الليلة أن «الأسد كان في القصر يؤدي واجباته الدستورية».

فرار الأسد فجّر غضباً بين من كانوا يعلنون الولاء له، وشهادات المقربين منه، تظهر أن الغضب انطلق من شعورهم بأنهم تعرضوا للخيانة، فبعضهم كان مستعداً للقتال أو على الأقل للانسحاب المنظم، لو واجههم بالحقيقة، لكن الأسد استخدمهم واجهة سياسية وأمنية لتغطية عملية فراره التي تركت خلفها فوضى واجهها المؤيدون له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

لم تكن أي جهة تتوقع سقوط الأسد السريع، لا الموساد ولا الاستخبارات الأميركية، لكن التفسيرات التي تلت انهيار نظامه أن داعمي الأسد، روسيا وإيران و«حزب الله»، تورطوا في صراعات أخرى مثل حرب أوكرانيا والمواجهة مع إسرائيل على التوالي، ولم يعودوا قادرين على حمايته. وكشف انشغالهم بملفات أخرى ما كان خفياً لسنوات؛ جيش منهك يحكمه الفساد، كما حدث مع النظام المدعوم من أميركا في أفغانستان، الذي سقط عام 2021، «كانت سلالة الأسد في مواجهة إعادة تشكيلات جيوسياسية أوسع في المنطقة والعالم، وبدا سقوطها حتمياً»، يقول التقرير.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان»

كان بشار الأسد، في ذروة المعارك وتدهور الوضع الميداني، منفصلاً إلى حد كبير عن الأحداث، ونقل مصدر سابق في «حزب الله»، أنه أمضى أوقات طويلة في ممارسة الألعاب على هاتفه المحمول، أبرزها لعبة «كاندي كراش».

في السابع من ديسمبر 2024، قبل يوم من انهيار النظام، عُقد اجتماع في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من المنطقة وخارجها، في محاولة أخيرة لمنع السقوط الكامل والدفع نحو انتقال سياسي تدريجي، إلا أن الجهود فشلت، بعدما تعذر التواصل مع الأسد، الذي أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش.

ونقلت «ذا أتلانتيك» شهادات عشرات من رجال البلاط والضباط في قصر تشرين دمشق، الذين قدّموا رواية مغايرة تعتبر أن سقوط النظام لم يكن حتمياً بفعل الجغرافيا السياسية وحدها، بل كان مرتبطاً بشخصية الأسد نفسه، إذ وصفوه بالمنفصل عن الواقع، والمهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وكان قادراً على إنقاذ نظامه قبل سنوات لو لم يكن عنيداً ومغروراً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في سوتشي 20 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأضاف تقرير الصحيفة أن عدة دول في المنطقة لم تكن تريد سقوط الأسد وقدمت له سابقاً شرايين إنقاذ، وأن وزراء خارجية اتصلوا به حتى في أيامه الأخيرة عارضين عليه الصفقات، لكنه لم يجب، وبدا أنه يتعامل مع أي طرح بوصفه إهانةً شخصية.

أما الإسرائيليون قد نظروا طويلاً إلى الأسد بوصفه «عدواً يمكن التعايش معه»، فهو شخص يردد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني، لكنه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين، ونقل عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله: «الجميع في المنطقة كان مرتاحاً لبقائه هناك، ضعيفاً، ولا يشكل تهديداً لأحد».

حتى الحلفاء الذين أنقذوه سابقاً من نهاية محتومة لم يسلموا من عنجهيته، بمن فيهم إيران، في حين اقتنعت روسيا بأنه عبء ولا يستحق الدفاع عنه.

ديبرا تايس أمام صورة لابنها أوستن في واشنطن 2023 الذي اختُطف أثناء تغطيته الأحداث بسوريا عام 2012 (رويترز)

وفي مثال على عناد الأسد، أوردت «ذا أتلانتيك» مثالاً لرفض الأسد حبل نجاة مُدَّ إليه من الأميركيين، مرتبط بالصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ 2012، إذ أوفدت واشنطن في 2020 روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان، واصطحبهما اللواء عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني آنذاك، إلى دمشق للقاء علي مملوك، أحد أعلى مسؤولي الأمن في النظام، وطرح الأميركيون ملف تايس غير أن ردّ مملوك بأن أي بحث يتطلب أولاً رفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من سوريا، وأبدت الحكومة الأميركية استعدادها لصفقة مقابل إثبات أن تايس حي. لكن الأسد رفض الاتفاق وقطع الحوار، ونقل عباس إبراهيم للصحيفة أن تبرير مملوك للرفض «لأن ترمب وصف الأسد» بالحيوان قبل سنوات.

ونقلت «ذا أتلانتيك» عن عباس إبراهيم أن الأميركيين كانوا سيغلقون الملف حتى لو كان تايس قد مات ما داموا عرفوا مصيره، وأن عباس إبراهيم قال إنه تلقى اتصالاً من مايك بومبيو أبدى فيه استعداده للسفر إلى سوريا بطائرة خاصة، وأن رفض الأسد يعد جنوناً.

وحاولت إدارة الرئيس جو بايدن عام 2023 تجديد العرض عبر وفد رفيع إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين، لكن الأسد تصرف، وفق رواية عباس إبراهيم، بأسلوب شبه مهين حين رفض إرسال مسؤول رفيع وأوفد بدلاً منه سفيراً سابقاً لم يُسمح له حتى بالحديث عن تايس.


مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
TT

مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)

قُتل خمسة أشخاص على الأقل، اليوم الأحد، بمدينة طرابلس في شمال لبنان إثر انهيار مبنى، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين، في ثاني حادثة من نوعها خلال أسبوعين.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بـ«سقوط مبنى قديم» في حي باب التبانة، أحد أفقر أحياء طرابلس، مؤكدة «إنقاذ 8 أشخاص» فيما «تم سحب 5 ضحايا، بينهم طفل وامرأة مسنّة».

وعملت السلطات على إخلاء المباني السكنية المجاورة «خوفاً من انهيارها».

وعرضت وسائل الإعلام المحلية صوراً لسكان وعمال إنقاذ يحاولون إزالة الأنقاض بعد الانهيار بمعدات متواضعة، وباستخدام أيديهم لإزاحة الركام.

وجاءت هذه الحادثة بعد انهيار مبنى آخر في طرابلس أواخر الشهر الماضي.

وأمر رئيس الجمهورية جوزيف عون أجهزة الإسعاف بـ«الاستنفار للمساعدة في عمليات الإنقاذ»، وتأمين مأوى لـ«سكان المبنى (المنهار) والمباني المجاورة التي أخليت تحسباً لأي طارئ»، وفق بيان للرئاسة.

وينتشر في لبنان العديد من المباني المأهولة بالسكان رغم أنها متداعية أو آيلة للسقوط.

وقد بُني العديد منها بشكل غير قانوني، لا سيما خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بينما أضاف بعض المالكين طوابق جديدة إلى مبانٍ سكنية قائمة دون الحصول على التراخيص اللازمة.

وسجلت انهيارات مبانٍ في طرابلس ومناطق أخرى في بلد لا يتم الالتزام فيه، في أحيان كثيرة، بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية المأهولة التي شُيِّد قسم منها عشوائياً منذ عقود على أراضٍ مشاع.

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي منذ أكثر من ست سنوات بات معه الكثير من سكانه تحت خط الفقر.

وانعكست تبعات الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة على قطاعات مختلفة بما في ذلك البناء، فيما تردى وضع الكثير من البنى التحتية.

وحثّت منظمة العفو الدولية عام 2024 السلطات اللبنانية على إجراء مسح ميداني شامل «على وجه السرعة لتقييم سلامة المباني في جميع أنحاء البلاد»، ونشر نتائجه.

وحذّرت المنظمة حينها خصوصاً من الوضع في طرابلس، كبرى مدن الشمال اللبناني، حيث يقطن «آلاف الأشخاص... في أبنية غير آمنة» عقب وقوع زلزال مدمر في تركيا وسوريا في فبراير (شباط) 2023، ألحق أضراراً بأبنية في لبنان.

وأضافت أنه «حتى قبل وقوع الزلازل، كان السكان في طرابلس قد دقوا ناقوس الخطر بشأن حالة مساكنهم المروّعة والناجمة عن عقود من الإهمال».