الإيجارات في غزة... رحلة شقاء جديدة يخوضها النازحون تحت القصف

التكدس لا يتيح متسعاً والأسعار باهظة

أسرة فلسطينية نازحة تضع أمتعتها عند خيمة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
أسرة فلسطينية نازحة تضع أمتعتها عند خيمة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

الإيجارات في غزة... رحلة شقاء جديدة يخوضها النازحون تحت القصف

أسرة فلسطينية نازحة تضع أمتعتها عند خيمة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
أسرة فلسطينية نازحة تضع أمتعتها عند خيمة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

في مركبة نصف نقل مهترئة، ظل أحمد حميد يتنقل من مخيم الشاطئ بغرب مدينة غزة إلى وسط وجنوب القطاع بحثاً عن قطعة أرض أو منزل قديم أو أي شقة صالحة للسُّكنى، في ظل التهديدات الإسرائيلية المستمرة باحتلال المدينة التي لم يغادرها في موجة النزوح الأولى، لكن يبدو أنه مضطر لها هذه المرة.

ومثل حميد، يكابد يومياً مئات إن لم يكن الآلاف من سكان المدينة صعوبات هذه الرحلة الشاقة، مع قلة المواصلات والاعتماد على مركبات «نصف نقل» قديمة أو غيرها من المركبات التي تعمل بسولار يجري إعداده بطرق بدائية ويتسبب بمشاكل ميكانيكية للعربات الحديثة المتبقية في القطاع.

وفي حين قد يحالف الحظ قلة قليلة في العثور على مكان يؤويهم حالة النزوح من مدينة غزة، فإنه يدير ظهره لكثيرين غيرهم نظراً لتكدس المنطقة الوسطى والجنوبية من القطاع بمئات الآلاف من المواطنين، بحيث لم يعد هناك متسع للمزيد.

نازحون يضعون أمتعتهم في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

يقول حميد لـ«الشرق الأوسط»: «على مدار أكثر من أسبوع، وأنا يومياً أخرج في الصباح وأعود في ساعات المساء المتأخر للبحث عن أي مكان يؤويني أنا وعائلتي المكونة من 13 فرداً. وحين تلوح لي فرصة الحصول على قطعة أرض خالية تماماً من أي مقومات، أو على شقة سكنية جيدة أو حتى بحالة تكون أحياناً سيئة جداً ولا تتعدى مساحتها 70 متراً، اصطدم بواقع الأموال التي يطلبها أصحابها مقابل تأجيرها».

ويضرب مثلاً بشقة لا تكاد تكفي أربعة أشخاص فيقول إن إيجارها الشهري يتراوح بين 2700 و4000 شيقل (ما بين 800 و1200 دولار)، في حين أن إيجار شقة بمساحة أكبر وبحالة أفضل يكون بين 6000 و6700 شيقل (أي ما بين 1800 و2000 دولار). أما استئجار قطعة أرض خاوية مساحتها في حدود 500 متر، فيتكلف أكثر من ألف شيقل (ما يعادل نحو 300 دولار).

كل هذه الأسعار تعد باهظة لا تكاد تتوفر لدى المواطنين، كما أن قطع الأراضي بحاجة لتجهيز خيام ودورات مياه إلى جانب كثير من المستلزمات التي تحتاج هي الأخرى إلى أموال طائلة في ظل ارتفاع أسعار البضائع من ناحية، وعدم توفر السيولة النقدية من ناحية أخرى، وهو ما يعني أن الغزي سيضطر لسحب الأموال إلكترونياً من محفظته مقابل أن يحصل عليها نقداً بعمولة وصلت إلى 40 في المائة.

«بنستنى الموت»

بعد معاناة ومشقة لأكثر من أسبوع، تمكن حميد من استئجار أرض صغيرة لا تتوفر فيها أي مقومات للعيش، في منطقة غرب دير البلح بوسط قطاع غزة، وبدأ في تجهيزها لنقل عائلته إليها، وسط مخاوف تتملكه من فصل الشتاء وإمكانية غرقها بالكامل بفعل تربتها التي لا تحول دون ذلك؛ لكنه «الاضطرار» في ظل الظروف الصعبة.

فلسطينية تحمل جثمان رضيع قُتل في ضربات إسرائيلية بمدينة غزة فجر الخميس (أ.ف.ب)

وتؤكد البلديات المحلية في وسط وجنوب قطاع غزة، أنه لم يعد هناك متسع لاستقبال أي نازحين من أي منطقة كانت، خصوصاً وأن رفح محتلة بالكامل، والمناطق الوسطى والشرقية إلى جانب شمال وجنوب وأجزاء من غرب خان يونس محتلة جميعاً أيضاً؛ كما أن سكان مناطق شرق وشمال المنطقة الوسطى ينزحون لمناطق غرب وسط القطاع ومواصي خان يونس، في ظروف بالغة الصعوبة.

ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، يوجد في تلك المناطق نحو مليون فلسطيني، فيما يوجد بمدينة غزة من سكانها وسكان شمال القطاع أكثر من مليون آخرين، وما من مكان يمكن أن يحتضنهم في ظل الظروف القائمة.

ويقول نضال كلاب، وهو من سكان جباليا وينزح حالياً لمنطقة حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، إنه يبحث منذ عدة أيام عن مكان يؤويه وعائلته المكونة من 6 أفراد، إلا أنه لم يجد شيئاً حتى الآن.

ويضيف أنه لا يملك المال الذي يطلبه أصحاب الأراضي والشقق، ولا يمكنه حتى الدفع لأصحاب المركبات التي يمكن أن تنقله وعائلته وأمتعتهم إلى وسط أو جنوب القطاع، بعدما بلغ سعر انتقال العائلة الواحدة نحو 3 آلاف شيقل (ما يعادل 900 دولار).

فلسطينيون يتفحصون الأضرار التي لحقت بخيمة تؤوي نازحين قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)

ويشكو همَّه قائلاً: «مش عارفين وين بدنا نروح بحالنا. لو صار قصف عنا واضطرينا ننزح بسبب تفجير الروبوتات وغيره، وين بدنا نروح؟ الحياة ما عاد إلها معنى هان، وما فيه كلام ينحكي واحنا بس بنستنى الموت لا أكثر ولا أقل».

أراض قليلة... دون مقابل

غير أن بعض أصحاب قطع الأراضي الخالية أعلنوا عن فتحها دون مقابل أمام النازحين ووضع مخيمات فيها لاستقبالهم، خصوصاً في دير البلح، إلا أن بعضها كان يقع في أماكن خطيرة، في حين امتلأ الواقع منها في مناطق آمنة نسبياً عن بكرة أبيه في وقت قياسي.

وبينما حالف الحظ رائد أبو عرب، من سكان حي الصبرة جنوب مدينة غزة، وتمكن من اقتناص 70 متراً من إحدى تلك الأراضي، وبدأ فوراً بنصب خيمته عليها، فإنه لم يحالف كثيرين ممن كانوا في طريقهم معه بالمركبة نفسها.

يقول أبو عرب لـ«الشرق الأوسط»: «عندما عدت من دير البلح ونجحت في انتزاع مساحة صغيرة لوضع خيمتي فيها، كنت في سعادةً لا توصف؛ لكن سرعان ما تبددت حين شعرت بألم بعض المواطنين الذين كانوا يتحدثون في مركبة جمعتنا سوياً ونحن في طريق العودة لمدينة غزة، وهم في حالة انهيار نتيجة الضغوط النفسية التي يعيشونها والظروف القاسية؛ لأنه لم يحالفهم الحظ بالعثور على أي مكان بالمجان مثلي أو حتى للاستئجار».

فلسطينيون يتفحصون موقع ضربة إسرائيلية أصابت خيمة خارج مستشفى الشفاء بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)

ويضيف: «المركبات تحوّلت لصالة حوار سياسي واقتصادي واجتماعي وإنساني في ظل الظروف الصعبة التي نمر بها، وكل شخص يكون عليها يتحدث للآخرين عن تجاربه الحياتية في هذه الحرب؛ لكن مشاهد النزوح مجدداً قد تكون الأقسى عليهم جميعاً في ظل عدم وجود أماكن تتسع للجميع».

وأشار إلى أن الأمتار التي نجح في الفوز بها لنصب خيمته لم تكن سوى فرصة منحه القدر إياها، وسرعان ما امتلأت الأرض بالنازحين؛ وأعرب عن أمله في أن يجد الآخرون فرصاً مماثلة.


مقالات ذات صلة

بالوثائق... «الشرق الأوسط» ترصد أبرز نقاط وتعديلات ملادينوف على رد «حماس» والفصائل

خاص رجل يجلس على تلة قرب مبانٍ مدمرة في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بالوثائق... «الشرق الأوسط» ترصد أبرز نقاط وتعديلات ملادينوف على رد «حماس» والفصائل

تظهر وثائق حصلت عليها «الشرق الأوسط»، أبرز النقاط والتعديلات التي أحدثها الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، على تعديلات حركة «حماس» والفصائل

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون مركبة مدمرة عقب غارة جوية إسرائيلية على مدينة غزة الخميس الماضي (إ.ب.أ)

إسرائيل تواصل اغتيال نشطاء «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في غزة

تواصل إسرائيل هجماتها داخل قطاع غزة، مخلفةً مزيداً من الضحايا على الرغم من الجهود الدبلوماسية المستمرة في القاهرة للتوصل إلى اتفاق ينهي الخروقات المستمرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيتان تبكيان أقارب لهما قتلوا بهجوم إسرائيلي خلال تشييعهم في مدينة غزة الخميس (رويترز)

خاص فصائل غزة تتشاور فيما بينها للرد قريباً على «تعديلات ملادينوف»

تجري قيادة «حماس» مشاورات مع الجناح العسكري «كتائب القسام» داخل القطاع، مشاورات بشأن التعديلات المقدمة من نيكولاي ملادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيتان تصرخان خلال تشييع جنازة رجل قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

رغم تعثر اتفاق وقف النار في غزة، تتمسك «حماس» بانتخاب رئيس جديد لها بينما كانت الجولة التنافسية الأولى بين خليل الحية وخالد مشعل غير حاسمة... فما السر وراء ذلك؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص الفلسطيني محمود نوفل يمشط شعر حفيدته رنين (3 سنوات) والتي يتولى رعايتها بعد مقتل والديها في غارة إسرائيلية على خان يونس (أ.ب)

خاص مؤشرات «إيجابية» حول اتفاق غزة بعد لقاء ملادينوف مع «حماس» والوسطاء

أفاد مصدر من فريق مبعوث «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وآخر من حركة «حماس» بوجود مؤشرات «إيجابية» حول المضي في استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الهش في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تحفُّظ سوري عن التدخُّل في لبنان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
TT

تحفُّظ سوري عن التدخُّل في لبنان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

لم تلقَ دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تدخل سوريا ضد «حزب الله» في لبنان، استجابة في دمشق، في حين لم تأخذها تل أبيب على محمل الجد، في مقابل تمسك بيروت بأن مهمة نزع سلاح الحزب تعود إلى الدولة اللبنانية.

وقال أحمد زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، لـ«الشرق الأوسط»: «تدخلنا نراه من بوابة دعم بسط الدولة (اللبنانية) سلطتها»، مشدداً على ضرورة توقف «حزب الله» عن «احتضان فلول» نظام بشار الأسد.

أما إسرائيل فيبدو أنَّها تتعامل مع دعوة ترمب على أنَّها غير جدية. وهي لا تبدو قلقة من تدخل سوري وشيك في لبنان، لكنَّها ترى أنَّ مثل هذا التدخل، إذا ما حدث، سيعني تمدد نفوذ تركيا أيضاً.

في المقابل، رفضت بيروت أي تدخل سوري أو أجنبي في ملف «حزب الله»، مؤكدة أنَّ معالجته تبقى حصراً من مسؤولية الدولة.

وتسلّط «الشرق الأوسط» الضوء على تداعيات دعوة ترمب في ثلاثة تقاريرَ من دمشق وبيروت وتل أبيب.


أنباء عن مقتل أبرز منظّري «القاعدة » في سوريا


سامي العريدي مطلوب أميركياً (الشرق الأوسط)
سامي العريدي مطلوب أميركياً (الشرق الأوسط)
TT

أنباء عن مقتل أبرز منظّري «القاعدة » في سوريا


سامي العريدي مطلوب أميركياً (الشرق الأوسط)
سامي العريدي مطلوب أميركياً (الشرق الأوسط)

عاد ملفُّ التنظيمات الإرهابية في سوريا إلى الواجهة، بعد أنباء عن مقتل سامي العريدي، أحد أبرز «المنظّرين الشرعيين» في التيار المرتبط بتنظيم «القاعدة»، وأحد مؤسسي تنظيم «حراس الدين» المنحلّ، في غارة لـ«قوات التحالف الدولي»، ليل الجمعة - السبت قرب مشهد روحين بريف إدلب الشمالي.

وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ العريدي الملقَّب بـ«أبي محمود الشامي» هو من الشخصيات المهمة والمؤثرة في التيارات السلفية، وكان في الفترة الأخيرة متوارياً عن الأنظار نتيجة الملاحقة الأمنية؛ إذ كان على عداء سابق مع «هيئة تحرير الشام» قبل حلّها، بعد إطاحة نظام بشّار الأسد.

وأوضحت المصادر أنَّ العريدي وقيادات التنظيمات المتشددة المرتبطين بـ«القاعدة» كانوا ملاحَقين من قوات التحالف، ووضعت الولايات المتحدة عام 2019 اسمَه على قائمة الإرهاب مع رصد مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى تحديد مكانه أو هويته.

وفي عام 2023، أدرجت وزارة الخارجية الأميركية اسمَه على قائمة الإرهابيين الدوليين المصنفين بشكل خاص.


سبعة قتلى في غارات إسرائيلية على شرق وجنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في النبطية جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان بعد غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في النبطية جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

سبعة قتلى في غارات إسرائيلية على شرق وجنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في النبطية جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان بعد غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في النبطية جنوب لبنان (د.ب.أ)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية السبت مقتل خمسة أشخاص بينهم طفل وامرأة في غارات إسرائيلية على بلدة سحمر في شرق البلاد، ومقتل فلسطينيين اثنين في غارة على منطقة صور في الجنوب.

ووقعت الضربات قبل فترة توقف في نهاية اليوم، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، عندما أعلن مسؤول في الجيش الإسرائيلي تلقي أوامر من المستوى السياسي بوقف الاشتباكات مع «حزب الله في جنوب لبنان»، مع استمراره في العمل «بشكل دفاعي».