الإيجارات في غزة... رحلة شقاء جديدة يخوضها النازحون تحت القصف

التكدس لا يتيح متسعاً والأسعار باهظة

أسرة فلسطينية نازحة تضع أمتعتها عند خيمة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
أسرة فلسطينية نازحة تضع أمتعتها عند خيمة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

الإيجارات في غزة... رحلة شقاء جديدة يخوضها النازحون تحت القصف

أسرة فلسطينية نازحة تضع أمتعتها عند خيمة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
أسرة فلسطينية نازحة تضع أمتعتها عند خيمة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

في مركبة نصف نقل مهترئة، ظل أحمد حميد يتنقل من مخيم الشاطئ بغرب مدينة غزة إلى وسط وجنوب القطاع بحثاً عن قطعة أرض أو منزل قديم أو أي شقة صالحة للسُّكنى، في ظل التهديدات الإسرائيلية المستمرة باحتلال المدينة التي لم يغادرها في موجة النزوح الأولى، لكن يبدو أنه مضطر لها هذه المرة.

ومثل حميد، يكابد يومياً مئات إن لم يكن الآلاف من سكان المدينة صعوبات هذه الرحلة الشاقة، مع قلة المواصلات والاعتماد على مركبات «نصف نقل» قديمة أو غيرها من المركبات التي تعمل بسولار يجري إعداده بطرق بدائية ويتسبب بمشاكل ميكانيكية للعربات الحديثة المتبقية في القطاع.

وفي حين قد يحالف الحظ قلة قليلة في العثور على مكان يؤويهم حالة النزوح من مدينة غزة، فإنه يدير ظهره لكثيرين غيرهم نظراً لتكدس المنطقة الوسطى والجنوبية من القطاع بمئات الآلاف من المواطنين، بحيث لم يعد هناك متسع للمزيد.

نازحون يضعون أمتعتهم في مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

يقول حميد لـ«الشرق الأوسط»: «على مدار أكثر من أسبوع، وأنا يومياً أخرج في الصباح وأعود في ساعات المساء المتأخر للبحث عن أي مكان يؤويني أنا وعائلتي المكونة من 13 فرداً. وحين تلوح لي فرصة الحصول على قطعة أرض خالية تماماً من أي مقومات، أو على شقة سكنية جيدة أو حتى بحالة تكون أحياناً سيئة جداً ولا تتعدى مساحتها 70 متراً، اصطدم بواقع الأموال التي يطلبها أصحابها مقابل تأجيرها».

ويضرب مثلاً بشقة لا تكاد تكفي أربعة أشخاص فيقول إن إيجارها الشهري يتراوح بين 2700 و4000 شيقل (ما بين 800 و1200 دولار)، في حين أن إيجار شقة بمساحة أكبر وبحالة أفضل يكون بين 6000 و6700 شيقل (أي ما بين 1800 و2000 دولار). أما استئجار قطعة أرض خاوية مساحتها في حدود 500 متر، فيتكلف أكثر من ألف شيقل (ما يعادل نحو 300 دولار).

كل هذه الأسعار تعد باهظة لا تكاد تتوفر لدى المواطنين، كما أن قطع الأراضي بحاجة لتجهيز خيام ودورات مياه إلى جانب كثير من المستلزمات التي تحتاج هي الأخرى إلى أموال طائلة في ظل ارتفاع أسعار البضائع من ناحية، وعدم توفر السيولة النقدية من ناحية أخرى، وهو ما يعني أن الغزي سيضطر لسحب الأموال إلكترونياً من محفظته مقابل أن يحصل عليها نقداً بعمولة وصلت إلى 40 في المائة.

«بنستنى الموت»

بعد معاناة ومشقة لأكثر من أسبوع، تمكن حميد من استئجار أرض صغيرة لا تتوفر فيها أي مقومات للعيش، في منطقة غرب دير البلح بوسط قطاع غزة، وبدأ في تجهيزها لنقل عائلته إليها، وسط مخاوف تتملكه من فصل الشتاء وإمكانية غرقها بالكامل بفعل تربتها التي لا تحول دون ذلك؛ لكنه «الاضطرار» في ظل الظروف الصعبة.

فلسطينية تحمل جثمان رضيع قُتل في ضربات إسرائيلية بمدينة غزة فجر الخميس (أ.ف.ب)

وتؤكد البلديات المحلية في وسط وجنوب قطاع غزة، أنه لم يعد هناك متسع لاستقبال أي نازحين من أي منطقة كانت، خصوصاً وأن رفح محتلة بالكامل، والمناطق الوسطى والشرقية إلى جانب شمال وجنوب وأجزاء من غرب خان يونس محتلة جميعاً أيضاً؛ كما أن سكان مناطق شرق وشمال المنطقة الوسطى ينزحون لمناطق غرب وسط القطاع ومواصي خان يونس، في ظروف بالغة الصعوبة.

ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، يوجد في تلك المناطق نحو مليون فلسطيني، فيما يوجد بمدينة غزة من سكانها وسكان شمال القطاع أكثر من مليون آخرين، وما من مكان يمكن أن يحتضنهم في ظل الظروف القائمة.

ويقول نضال كلاب، وهو من سكان جباليا وينزح حالياً لمنطقة حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، إنه يبحث منذ عدة أيام عن مكان يؤويه وعائلته المكونة من 6 أفراد، إلا أنه لم يجد شيئاً حتى الآن.

ويضيف أنه لا يملك المال الذي يطلبه أصحاب الأراضي والشقق، ولا يمكنه حتى الدفع لأصحاب المركبات التي يمكن أن تنقله وعائلته وأمتعتهم إلى وسط أو جنوب القطاع، بعدما بلغ سعر انتقال العائلة الواحدة نحو 3 آلاف شيقل (ما يعادل 900 دولار).

فلسطينيون يتفحصون الأضرار التي لحقت بخيمة تؤوي نازحين قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)

ويشكو همَّه قائلاً: «مش عارفين وين بدنا نروح بحالنا. لو صار قصف عنا واضطرينا ننزح بسبب تفجير الروبوتات وغيره، وين بدنا نروح؟ الحياة ما عاد إلها معنى هان، وما فيه كلام ينحكي واحنا بس بنستنى الموت لا أكثر ولا أقل».

أراض قليلة... دون مقابل

غير أن بعض أصحاب قطع الأراضي الخالية أعلنوا عن فتحها دون مقابل أمام النازحين ووضع مخيمات فيها لاستقبالهم، خصوصاً في دير البلح، إلا أن بعضها كان يقع في أماكن خطيرة، في حين امتلأ الواقع منها في مناطق آمنة نسبياً عن بكرة أبيه في وقت قياسي.

وبينما حالف الحظ رائد أبو عرب، من سكان حي الصبرة جنوب مدينة غزة، وتمكن من اقتناص 70 متراً من إحدى تلك الأراضي، وبدأ فوراً بنصب خيمته عليها، فإنه لم يحالف كثيرين ممن كانوا في طريقهم معه بالمركبة نفسها.

يقول أبو عرب لـ«الشرق الأوسط»: «عندما عدت من دير البلح ونجحت في انتزاع مساحة صغيرة لوضع خيمتي فيها، كنت في سعادةً لا توصف؛ لكن سرعان ما تبددت حين شعرت بألم بعض المواطنين الذين كانوا يتحدثون في مركبة جمعتنا سوياً ونحن في طريق العودة لمدينة غزة، وهم في حالة انهيار نتيجة الضغوط النفسية التي يعيشونها والظروف القاسية؛ لأنه لم يحالفهم الحظ بالعثور على أي مكان بالمجان مثلي أو حتى للاستئجار».

فلسطينيون يتفحصون موقع ضربة إسرائيلية أصابت خيمة خارج مستشفى الشفاء بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)

ويضيف: «المركبات تحوّلت لصالة حوار سياسي واقتصادي واجتماعي وإنساني في ظل الظروف الصعبة التي نمر بها، وكل شخص يكون عليها يتحدث للآخرين عن تجاربه الحياتية في هذه الحرب؛ لكن مشاهد النزوح مجدداً قد تكون الأقسى عليهم جميعاً في ظل عدم وجود أماكن تتسع للجميع».

وأشار إلى أن الأمتار التي نجح في الفوز بها لنصب خيمته لم تكن سوى فرصة منحه القدر إياها، وسرعان ما امتلأت الأرض بالنازحين؛ وأعرب عن أمله في أن يجد الآخرون فرصاً مماثلة.


مقالات ذات صلة

بعد تحذير إسرائيل... أهالي غزة يمنعون أطفالهم من إطلاق «الطائرات الورقية»

المشرق العربي أطفال يطلقون طائرة ورقية بينما يتصاعد الدخان إثر غارة جوية إسرائيلية على مأوى للنازحين غرب خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

بعد تحذير إسرائيل... أهالي غزة يمنعون أطفالهم من إطلاق «الطائرات الورقية»

تلقى أولياء الأمور في غزة تحذيراً من السماح لأطفالهم بإطلاق «الطائرات الورقية»، بعد تهديد إسرائيل برد قوي إذا استُخدمت مجدداً لـ«إسقاط مواد حارقة عبر الحدود»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ (الخارجية المصرية)

عبد العاطي يستقبل الشيخ... تحركات مصرية مكثفة لـ«مصالحة فلسطينية»

تتواصل التَّحرُّكات المصرية، عبر لقاءات متتالية مع السلطة الفلسطينية بمدينة العلمين المصرية، غداة كشف مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط» عن تجهيزات تتم لعقد حوار وطني.

محمد محمود (القاهرة)
خاص رئيس المخابرات المصرية يستقبل وفداً فلسطينياً بقيادة نائب الرئيس الفلسطيني (أ.ش.أ)

خاص مصر تُجهز لـ«حوار وطني» فلسطيني قد يحضره عباس

كشف مصدر مصري مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، أن مصر تجهز لحوار فلسطيني - فلسطيني، قد يحضره الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «فتح» تلغي اجتماعاً مع «حماس» في مصر حول الانتخابات

أكدت 3 مصادر من «حماس» تلقي الحركة إفادة بإلغاء حركة «فتح» اجتماعاً كان سيعقد في مصر، لبحث ملفات عدة أهمها ملف الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية فلسطينيون يمشون وسط المباني المدمرة جراء الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب)

إسرائيل تبلغ واشنطن بـ«مخاوف شديدة» إزاء اتفاق نزع السلاح مع «حماس»

قال مسؤول إسرائيلي إن إسرائيل أبلغت البيت الأبيض بـ«مخاوف أمنية خطيرة» بشأن اتفاق نزع السلاح المقترح مع حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الكرملين: الرئيسان الروسي والسوري يناقشان «مذكرة التفاهم» بشأن «حميميم»

جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
TT

الكرملين: الرئيسان الروسي والسوري يناقشان «مذكرة التفاهم» بشأن «حميميم»

جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)

أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال محادثة هاتفية مع نظيره السوري، أحمد الشرع، الموقف المبدئي الداعم وحدة الجمهورية وسيادتها وسلامة أراضيها.

وجاء في بيان من المكتب الصحافي للكرملين بهذا الصدد، نقلته وكالة «تاس» الروسية: «خلال تبادل وجهات النظر بشأن الوضع في سوريا، أكد فلاديمير بوتين الموقف المبدئي الداعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها وسيادتها، وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق استقرار طويل الأمد وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع».

وأشار الرئيسان؛ الروسي فلاديمير بوتين، والسوري أحمد الشرع، إلى أهمية مذكرة التفاهم التي وُقّعت بين البلدين بشأن إعادة تنظيم «قاعدة حميميم الجوية» و«مركز الدعم اللوجستي» في محافظة طرطوس، وفق ما أفاد به المكتب الصحافي للكرملين عقب محادثة هاتفية بين الرئيسين الأربعاء.

وجاء في بيان الكرملين: «أشار الجانبان إلى أهمية مذكرة التفاهم الموقعة في 9 أغسطس (آب) الحالي بشأن إعادة تنظيم (قاعدة حميميم الجوية) و(مركز طرطوس اللوجستي)».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو يوم 15 أكتوبر 2025 (أرشيفية - وكالة الأنباء الألمانية)

وفي السياق، أعرب كل من الرئيسين؛ الروسي فلاديمير بوتين، والسوري أحمد الشرع، عن استعدادهما لتعميق الحوار السياسي، والتعاون بين البلدين، خصوصاً في المجالات التجارية والاقتصادية والإنسانية، وفق ما أفاد به المكتب الصحافي للكرملين.

وجاء في بيان الكرملين: «جرى التعبير عن الاستعداد لتعميق الحوار السياسي والتعاون في المجالات التجارية والاقتصادية والإنسانية وغيرها.

جانب من منشأة البحرية الروسية في طرطوس الساحلية بسوريا يوم 14 ديسمبر 2024 (رويترز)

وقد دشن الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين دمشق وموسكو، في 9 أغسطس الحالي، تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، ومرحلة جديدة في علاقات البلدين تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وتكتسب «قاعدة حميميم» و«ميناء طرطوس» أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري، إذ يمثل «مطار حميميم» منشأة جوية رئيسية، بينما يرتبط «ميناء طرطوس» بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا خلال السنوات الماضية.

وبموجب التفاهم سوف تبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها «مطار حميميم» و«الرصيف التجاري الرابع» في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية. ‏

وبالنسبة إلى القواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فقد أفادت وزارة الخارجية السورية بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة». وحددت مذكرة التفاهم سقفاً زمنياً لا يتجاوز 3 أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ.

يعدّ التطور الأخير الخطوةَ الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف العام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏


خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
TT

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

من أكثر ما تحمله مذكرات نائب الرئيس السوري الراحل عبدالحليم خدام حساسية في باب المال والسلطة، روايته أن احتياطي الدولة السورية، البالغ آنذاك اثني عشر مليار دولار بحسب النص، كان مسجلًا باسم الرئيس الراحل حافظ الأسد لا باسم مؤسسات الدولة.

يكتب خدام في المذكرات التي حررها وقدّمها الزميل إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة»، وتصدر مطلع سبتمبر (أيلول) عن دار «رف» التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام SRMG: «لم يخطر في بال أحد أن يوضع مبلغ بهذا الحجم بالاسم الشخصي لرئيس الدولة، وهو مبلغ للدولة السورية وليس له».

غلاف الكتاب

وفي رواية خدام، لم تبقَ المسألة شكلية، بل تحولت إلى أزمة داخلية حين وصلت إلى الرئيس وثيقة تفيد بسحب مبلغ من الحساب المودع باسمه في الخارج. استغرب الأسد الأمر وطلب من البنك كتاب التحويل، وبعد أيام وصلت صورة الطلب، ولدى تدقيق التوقيع تبين أنه مزوّر. سُئل البنك عن الجهة التي حُوّل إليها المبلغ (65 مليون دولار) فتبين أنها عائدة لرئيس الحكومة محمود الزعبي. يروي خدام أن «ثائرة» حافظ الأسد ثارت، وأنه طلب إلى أحد رؤساء أجهزة الأمن استدعاء الزعبي وإنذاره بإعادة المبلغ وإلا أُعدم، وبالفعل أُعيد المال إلى المصرف.

وتضع المذكرات الواقعة في سياق مسار الزعبي نفسه الذي بقي في رئاسة الحكومة من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 حتى مارس (آذار) 2000، في أطول رئاسة حكومة منذ ولادة الدولة السورية عام 1918.

يرسم خدام صورة قاسية للرجل الذي «انزلق ليس فقط في تسهيل الفساد وإنما ممارسته أيضاً»، ويروي كيف بنى شبكة ثقته صعوداً نحو مكتب باسل الأسد ومحمد مخلوف، فيما كان هو نفسه يفتح ملف الفساد مع حافظ الأسد منذ 1989 ليأتيه الجواب: «من أين تأتي بهذه المعلومات؟ الواقع مختلف عما تقول».

حافظ الأسد وإلى جانبه رئيس الوزراء الراحل محمود الزعبي (أ.ف.ب)

ثم يروي خدام النهاية من الداخل: في منتصف مايو (أيار) 2000 دعا الرئيس الراحل، وقد بدت عليه «علائم الموت»، عدداً من أعضاء قيادة حزب «البعث» الحاكم إلى منزله، وقال لهم: «لقد خانني محمود الزعبي. حققوا معه وحاسبوه»، من دون أن يكشف الموضوع.

أُقيل الزعبي من الحزب وتقررت إحالته إلى التحقيق، وحين أُبلغ القرار أخذ يردد: «أنا ماذا فعلت؟»، ثم قال لخدام: «إذا دعوني إلى التحقيق سأنتحر». وفي 24 مايو 2000، وعندما جاء قائد شرطة دمشق ومعه ضابطان لاصطحابه إلى التحقيق، صعد الزعبي إلى الطابق الثاني في منزله وأطلق النار على رأسه. ويكتب خدام أنه علم بواقعة التزوير والاحتياطي «بعد مدة وجيزة» من الانتحار.

وتحيط المذكرات الواقعة بملفات أخرى من عهدة الزعبي، أبرزها عقد شراء طائرات «إيرباص» مطلع التسعينيات: لجنة برئاسة رئيس الحكومة، ووزير نقل استُبعد منها بعدما اتصل بالشركة الفرنسية «للحصول على عمولة»، وعقد أقرّته الحكومة رغم اعتراضات موثقة «بعد أن أوحى لها الزعبي بأن الرئيس قد وافق عليه».

حافظ الأسد وإلى يساره عبد الحليم خدام عام 1999 (غيتي)

ويسجل خدام مفارقة: بعد انتحار الزعبي ببضعة أيام أُوقف نائب رئيس الحكومة سليم ياسين ووزير النقل مفيد عبدالكريم، وهما من اعترضا على العقد، «ظلماً»، وحُكم عليهما بالسجن خمسة عشر عاماً وبغرامة تفوق قيمة الطائرات.

ويروي في السياق نفسه أن دراسة إصلاح اقتصادي أعدها خبراء كلفهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري بموافقة الرئيس، وكلفت ثلاثة ملايين دولار، «لم يقرأها أحد سواي من أعضاء الحكومة والقيادة».

لم يتسنَّ التحقق المستقل من الوثائق المصرفية المشار إليها، وتبقى الرواية على مسؤولية صاحبها. تفاصيل الواقعة، وسياق حكومة الزعبي وملفات الفساد التي رافقتها، ترد في فصل «انتحار محمود الزعبي» من الكتاب.


الزنداني: لن نسمح للحوثيين وإيران بابتزاز اليمن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
TT

الزنداني: لن نسمح للحوثيين وإيران بابتزاز اليمن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)

شدد رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني على أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، وأنها لن تسمح للحوثيين وإيران بابتزاز الدولة اليمنية.

وقال الزنداني في حوار مع «الشرق الأوسط» إن التصعيد الحوثي الأخير يكشف استهداف الجماعة مقوّمات الحياة والاقتصاد الوطني، وسعيها إلى تحويل الأراضي اليمنية والموانئ والممرات البحرية إلى أدوات تخدم مشروعاً إقليمياً يتجاوز حدود البلاد. وأكد أن اليمن لا يريد من العالم أن يخوض الحرب نيابة عن اليمنيين، وإنما أن يدعمهم في استعادة دولتهم، وبناء قدراتهم.

وأوضح رئيس الوزراء أن التنسيق اليمني - السعودي يتطور باستمرار ويتجاوز التعامل مع تصعيد عسكري طارئ، ويستند إلى شراكة استراتيجية راسخة بين بلدين يجمعهما الجوار والأمن والمصير والمصالح المشتركة، مشيراً إلى أن الرياض تعدّ استقرار اليمن جزءاً من أمن المملكة والمنطقة.

وقال الزنداني إن الحكومة لا تتعامل مع ميناء المخا بوصفه مجرد منشأة محلية، بل على أنه جزء من منظومة اقتصادية وملاحية أوسع، مشيراً إلى أن استهدافه تترتب عليه تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية. وأضاف أن حماية الموانئ والمنشآت الاقتصادية مسؤولية وطنية، وهي في الوقت نفسه جزء من مسؤولية المجتمع الدولي تجاه أمن الملاحة والتجارة الدولية.