«إسنا» المصرية تقتفي أثر الأجداد في حُلّة عصرية

فازت بجائزة «الآغا خان» للعمارة بفضل ترميم تراثها وأسواقها

TT

«إسنا» المصرية تقتفي أثر الأجداد في حُلّة عصرية

سوق القيسارية (الشرق الأوسط)
سوق القيسارية (الشرق الأوسط)

تعكس صفحة النيل البيضاء الواسعة صورة المباني العتيقة التي تطلّ عليها في مدينة إسنا، الممتدّة في الضفة الغربية من النيل جنوب محافظة الأقصر، حيث تنتشر عشرات المباني المحيطة بمعبد خنوم الأثري، ومئذنة المسجد العمري التي يعود تاريخ إنشائها إلى مئات السنوات.

في إسنا، يستطيع الزائر أن يعود بالزمن إلى عصور مختلفة - يونانية ورومانية وقبطية وإسلامية وحديثة - وبامتزاج الشواهد الأثرية لهذه العصور تتميّز المدينة بطابع معماري وحضاري استثنائي.

مدينة إسنا تتمتّع بإطلالة ساحرة على نهر النيل (الشرق الأوسط)

ورغم قِدَم كثير من مباني إسنا وتهالكها، فإنّ ذلك يمنحها قيمة مضافة، وجمالاً دفيناً استطاع مشروع شركة «تكوين» إعادة اكتشافه. وقد زارت «الشرق الأوسط» المدينة ورصدت جوانب عدّة من أسباب فوز مشروع إعادة إحياء إسنا التاريخية بجائزة «الآغا خان» المرموقة.

تحت أشعة الشمس الساطعة، يكون للسقيفة الخشبية التي تغطي شارع البازارات السياحية وقعٌ سحري مع نسمات الهواء الشاردة، والابتسامة التي تكسو وجوه أصحاب المتاجر والورشات، ومن بينهم عصام زنط، صاحب متجر «خنوم» الشهير بصناعة المنسوجات اليدوية، ومنها «الفرخة» و«الحبرة»، وهما ملابس تراثية تخصّ سيدات إسنا فقط.

متجر لبيع الملابس المصنوعة يدوياً (الشرق الأوسط)

ويعتمد زنط على بيع منتجاته اليدوية، ولاعتزازه بذلك استعان بأقدم صانع نسيج ومفروشات وملابس يدوية في إسنا، «العم يني»، الذي يحترف هذه المهنة منذ أكثر من نصف قرن، ويحتل جزءاً مميزاً من المتجر المزيّن بأشكال وألوان وتصاميم تسرّ الناظرين.

ويجري العمل في هذا الشارع للانتهاء من توصيل الصرف الصحي، إلى جانب تطوير كثير من البازارات على جانبيه؛ وهو الشارع الذي يفضي في نهايته إلى معبد خنوم الأثري، حيث تتركّز معظم آثار إسنا اليونانية - الرومانية والإسلامية والقبطية في المنطقة المحيطة به.

حجر الزاوية

استطاع مشروع تطوير معبد خنوم إعادة اكتشاف الألوان الأصلية لنقوش أعمدته وسقفه، بعدما كانت مغطاة بالاتساخات والتكلسات لسنوات طويلة. كما جرى تنفيذ مشروع خدمات متكامل لتحسين تجربة السائحين بتصميم من «تكوين». وتتيح الإطلالة البانورامية على المعبد، الواقع في منطقة منخفضة نسبياً عن مستوى الشوارع المحيطة، رؤية كاملة له.

معبد خنوم الأثري في إسنا (الشرق الأوسط)

وعلى يسار واجهة المعبد، تطلّ وكالة الجداوي الأثرية التي يزيد عمرها عن 200 عام، والتي كانت تُستخدم قديماً للتجارة والإقامة على غرار وكالات القاهرة التاريخية؛ فبينما كانت تُباع السلع والبضائع في الطابق الأرضي، كان التجّار يستريحون وينامون في الطابق العلوي.

وقد رُمِّمت هذه الوكالة وطُوِّرت لتصبح معرضاً دائماً لتراث إسنا وهي مفتوحة حالياً للزيارة، وتتميّز بواجهتها البنية. ووفق مفتش الآثار بإسنا، الدكتور محمد محيي الدين، فإنّ وكالة الجداوي التي تعود للعصر العثماني ظلت مغلقة لعقود بسبب تدهورها، قبل أن يُعاد إحياؤها من جديد.

وكالة الجداوي الأثرية (الشرق الأوسط)

ويقول محيي الدين إنّ «معبد خنوم الذي يتوسّط البيوت ويُعدّ حجر الزاوية للمدينة خير شاهد على العصر اليوناني - الروماني بإسنا، فيما تمثل الكنائس العتيقة القريبة منه، مثل دير الشهداء ودير الفاخوري، شواهد العصر القبطي في المدينة».

مئذنة فريدة

وعلى مقربة من معبد خنوم تطلُّ مئذنة الجامع العمري بتصميمها الفريد والمميّز. ورغم تهدُّم مبنى الجامع في العصور القديمة، فإنّ المئذنة ما زالت قائمة بقاعدتها المربعة وجسمها الدائري وقبتها الفريدة في القمّة، معبّرة عن عبق التاريخ الإسلامي في المدينة.

ويعود تاريخ إنشائها إلى العام الهجري 474 (1081 ميلادياً)، ولها شبيهة في قرية أصفون بُنيت عام 475 هجرياً. ومن العصر العثماني أيضاً تبرز وكالة الجداوي وبعض البيوت التراثية العائدة إلى عصر أسرة محمد علي، وفق محيي الدين.

مئذنة الجامع العمري (الشرق الأوسط)

ويوجد كثير من مباني إسنا خارج سجلات الآثار المصرية وقائمة المباني ذات الطابع المعماري المتميّز، رغم مرور أكثر من 100 عام على إنشائها. وقد وثَّقت شركة «تكوين» كثير منها، وبينما عرضت الشركة ترميم بعض المباني القريبة من المعبد، فإنّ أصحابها رفضوا ذلك.

وعلى يمين واجهة معبد خنوم، الذي يُعدّ نواة مركزية وواجهة مميّزة للمدينة وأثرها الأبرز، ثمة سوق القيسارية، وهي سوق مخصّصة لأهالي إسنا. وقد طوّرت «تكوين» عشرات المتاجر فيه وظلّلته بسقيفة خشبية.

مصطفى أبو دوح صانع الأختام اليدوية (الشرق الأوسط)

وفي بداية هذا الشارع، يجلس مصطفى أبو دوح، الحِرفي المتخصص في صناعة الأختام اليدوية. ورث هذه الحرفة عن والده، ويستطيع نقش أي اسم بمهارة فائقة على الأختام النحاسية الصغيرة التي يشتريها الزوار والسائحون هدايا تذكارية.

أعتاب نادرة

وفي مدينة إسنا، تنتشر كثير من أعتاب البيوت الأثرية، وهي ألواح خشبية محفورة عليها أبيات شعر أو آيات من القرآن أو من الإنجيل أو أسماء أصحاب البيوت، فتُعدّ بمثابة بطاقة تعريفية لسكانها وتتميّز بزخارفها الإسلامية والقبطية.

أعتاب تاريخية في إسنا (الشرق الأوسط)

وإسنا بمثابة متحف مفتوح لما تحتويه من منازل تراثية تفوح بعبق التاريخ، بجانب الحرف العتيقة على غرار معصرة بكور للزيوت التي يعود تاريخ إنشائها إلى نحو 200 عام، والتي ما زالت تنتج زيت السمسم وحبة البركة والخسّ. وهي معصرة بدائية تعمل بشكل محدود حالياً، وقد رمَّمتها شركة «تكوين» وطوّرتها لإتاحة الفرصة للزوار للتعرُّف إلى تاريخها وطريقة استخلاص الزيوت. ويقول صاحبها إنه ورثها عن والده وأجداده، ولم يفرّط فيها رغم تغيُّر الزمن، مشيراً إلى أنها رمز وعنوان لعائلته.

سوق القيسارية (الشرق الأوسط)

ورغم أنّ التفكير في تطوير إسنا بدأ قبل 15 عاماً، فإنّ التنفيذ تأخر طويلاً بسبب اضطرابات سياسية واقتصادية شهدتها مصر، حتى انطلق المشروع عام 2017 في مرحلته الأولى.

ووفق مدير شركة «تكوين» المسؤولة عن تصميم مشروع إعادة إحياء إسنا التاريخية وتطويره، كريم إبراهيم، فإنه جرى اختيار إسنا بشكل خاص لأنها مدينة سياحية تقع على الخط السياحي (الأقصر - أسوان) ضمن مدن أخرى، لكنّ السياحة الثقافية في صعيد مصر تُواجه تحدّيات كبيرة، منها التركيز على المواقع الأثرية فقط مع تهميش المناطق العمرانية المحيطة.

ورشة الخشب التي تبرز الهوية الإسناوية (الشرق الأوسط)

وتُجسّد مدينة إسنا - الواقعة على بُعد 60 كيلومتراً جنوب الأقصر - هذه التحدّيات، إذ اقتصر النشاط السياحي فيها على معبد خنوم (180 ق. م.)، مما أدّى إلى انخفاض أعداد الزوار وتهميش المناطق التاريخية المحيطة وسكانها، بالإضافة إلى وجود خطط سابقة لهدم مئات المباني التقليدية حول المعبد.

نموذج مبتكر

ولمواجهة هذه التحدّيات، وبالشراكة مع الجهات الحكومية، صمَّمت «تكوين» ونفَّذت مشروعاً يهدف إلى إعادة تصوّر واقع المدن المصرية المتوسطة والمهمّشة، وتطوير نموذج مبتكر قابل للتطبيق يُسهم في إحياء المدن وتنمية الاقتصاد المحلّي بشكل شامل.

ونُفّذ مشروع «إحياء مدينة إسنا التاريخية» بالشراكة مع وزارة السياحة والآثار، ومحافظة الأقصر، ووزارة التعاون الدولي، وبدعم من «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، وتنفيذ «تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة».

وكالة الجداوي من الداخل (الشرق الأوسط)

ومن أبرز إنجازات المشروع: ترميم وكالة الجداوي الأثرية وافتتاحها لاستقبال الزوار بعد إغلاقها لعقود، وتطوير منطقة الزيارة والخدمات بمعبد خنوم، وترميم وإعادة استخدام الاستراحة الملكية بقرية المطاعنة التابعة لإسنا، وتطوير شارع البازارات السياحية الذي يضمّ 90 محلاً تجارياً، إلى جانب تطوير السوق التقليدية المغطاة بالقيسارية التي تضمّ 144 محلاً تجارياً.

مطعم «أوكرا» الذي تديره سيدات في إسنا (الشرق الأوسط)

كما شمل المشروع ترميم وإعادة تأهيل 15 مبنى ذا قيمة معمارية متميزّة بقلب المدينة، وتطوير 17 بازاراً سياحياً وفندقاً محلّياً ومقهى في المسار السياحي، وإنتاج مطويات للمنشآت المطوَّرة، وتوثيق أكثر من 40 وصفة تقليدية من خلال مسابقة «مطبخ إسنا» بمشاركة سيدات المدينة. كذلك جرى تطوير وافتتاح مطعم «أوكرا» بإدارة نساء من المجتمع المحلّي، وافتتاح أول ورشة خشب «كاروت» بإدارة نساء أيضاً، لإنتاج منتجات خشبية مستوحاة من تراث المدينة، إلى جانب وضع لافتات إرشادية للمواقع التراثية.

وتُعد شركة «تكوين» أول شريك مصري مع مشروع أميركي لجهتَي التصميم والتنفيذ. ويقول إبراهيم: «حقّقنا تنمية متكاملة وابتكرنا علامة تسويقية للمدينة خلال المرحلة الأولى من مشروع التطوير».

ويشير إلى بعض التحدّيات التي واجهتهم في البداية، ومنها عدم اهتمام أصحاب المتاجر والحِرف بجدوى المشروع، لذلك أنشأت الشركة نموذجاً لمتجر خاص بها في سوق القيسارية. وبعدما لاحظ باقي أصحاب المتاجر زيادة الإقبال على المتجر، اقتدوا بالتجربة.

هوية إسنا

وخلال عمله في المدينة، لاحظ إبراهيم وفريقه غياب منتجات يدوية تُعبّر عن هوية إسنا، فعمل على صناعة منتجات تذكارية مستوحاة من التراث المحلّي. كما أنشأ ورشة خشب تستلهم أشكالاً وتصميمات من الهوية الإسناوية، ويجري توزيع منتجاتها في متاجر تابعة بالقاهرة أو الأقصر. ويعمل في هذه الورشة عدد من الفتيات والشباب من أبناء المدينة.

معصرة تاريخية في المدينة (الشرق الأوسط)

ويرى مدير شركة «تكوين» أنّ تعاون الوزارات في مشروع إعادة إحياء إسنا من أهم أسباب نجاحه وفوزه بجائزة «الآغا خان» للعمارة. ويؤكد أنّ الحكومة المصرية رصدت ملايين الجنيهات لتطوير البنية التحتية في المدينة لمواكبة مشروع التطوير، لا سيما بعد زيارة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قبل 10 أشهر.

ويضيف أنّ معايير الترشح إلى الجائزة تجعلها من أهم الجوائز المعمارية في العالم، نظراً إلى استقلاليتها وحرصها على استفادة الجمهور من مشروعات التطوير، بجانب إرسالها مراجعين فنّيين لمعاينة المشروعات على الأرض.


مقالات ذات صلة

جائزة «الإنجاز مدى الحياة» للدكتور محمد صايغ

يوميات الشرق د. محمد صايغ ينال جائزة الانجاز مدى الحياة لعام 2026 (الوطنية)

جائزة «الإنجاز مدى الحياة» للدكتور محمد صايغ

اختارت «الجمعية الأميركية لزراعة الأعضاء (AST)» الدكتور محمد صايغ للفوز بجائزة الإنجاز مدى الحياة لعام 2026.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حضور يعكس قوة المعرفة وتأثيرها (الشرق الأوسط)

الأميرة مشاعل بنت محمد آل سعود تحصد جائزة «التميز الإبداعي» في فرنسا

شهدت مدينة ليون الفرنسية حدثاً علمياً بارزاً، تمثّل في منح الأميرة البروفسورة مشاعل بنت محمد آل سعود جائزة «التميز الإبداعي في مجال البحث العلمي»، ضمن فعاليات…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق خالد كمال قدَّم أكثر من عمل سينمائي (صفحته في فيسبوك)

خالد كمال: الشغف يقود اختياراتي الفنية... لا الحسابات

أكد الممثل المصري خالد كمال أنّ «التجربة لم تكن سهلة؛ إذ احتاجت إلى وقت طويل من التحضير والتنفيذ، وهو ما انعكس في النهاية على جودة العمل»...

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع مراسم الوداع الرسمية لملك وملكة بريطانيا في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle

توقعات بوجود ترمب ضمن مرشحي جائزة نوبل للسلام 2026

قال أمين لجنة نوبل النرويجية، الخميس، إن هناك نحو 287 ترشيحاً لجائزة نوبل للسلام لعام 2026 سيتم تقييمهم، مع احتمال وجود الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضمنهم.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
العالم الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز) p-circle

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026. فيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق «وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

متحف باريسي يحوِّل عملية ترميم لوحة شهيرة إلى عرض ممتع للزوار

نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
TT

متحف باريسي يحوِّل عملية ترميم لوحة شهيرة إلى عرض ممتع للزوار

نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

عادةً ما تتم عمليات ترميم الأعمال الفنية العظيمة بهدوء خلف الأبواب المغلقة، لكن هذه المرة، سمح متحف «أورسيه» في باريس للزوار بالاطلاع من كثب على عملية الترميم. على مدار العام الماضي، رحّب المتحف بالزوار للتفاعل مع فريق من المرممين في أثناء قيامهم بتحويل إحدى كبرى وأهم لوحاته: «دفن في أورنان» لغوستاف كوربيه. أنشأ المتحف ورشة عمل مؤقتة خلف حاجز زجاجي ضخم في الطابق الأرضي ليتمكن الزوار من الدخول ومشاهدة عملية الترميم الدقيقة. شرح المرممون كيف قاموا بتحديد مستطيلات صغيرة لاختبارها على اللوحة التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وكيف نظفوا الأوساخ والغبار عن سطحها، وأزالوا طبقات الورنيش الأصفر السميكة الموجودة تحتها، وملأوا الشقوق، ورمّموا الفراغات بلمسات من الطلاء. كما أوضحوا كيف قاموا بتقوية القماش المتموج ذي النسيج غير المحكم، والذي فككه كوربيه ونقله وأعاد تأطيره مرات عديدة. قاموا بخياطة وإصلاح الثقوب والتمزقات، وتسوية حواف اللوحة. ثم قاموا بفرد القماش المقوَّى وشدّوه بإحكام باستخدام أربطة مطاطية داخل إطار مؤقت جديد.

مرمم يعمل على لوحة «دفن في أورنان» لغوستاف كوربيه في متحف «أورسيه» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

سبق لمتحف «أورسيه» أن جعل المرممين بمنزلة مؤدين: فقد عملوا خلف الزجاج أمام جمهور عندما جرى ترميم لوحة كوربيه «مرسم الرسام» قبل أكثر من عقد من الزمان. هذه المرة، رتب المرممون صفوفاً من الكراسي القابلة للطي وقدموا محاضرات مجانية كل خميس مصحوبة بعروض شرائح وفيديوهات بتقنية التصوير الزمني، تلتها جولات تعريفية عن قربٍ حول اللوحة نفسها. وفي كل يوم اثنين، عندما يكون المتحف مغلقاً، استقبلوا مجموعات طلابية من جميع أنحاء فرنسا للمشاهدة.

أطلق سيلفان أميك، مدير المتحف الذي وافته المنية فجأة العام الماضي، مبادرةً لإشراك الزوار مباشرةً في عملية ترميم هذه اللوحة. وقالت آنيك ليموين، المديرة الحالية: «كان يريد أن يجعل الزوار مشاركين فاعلين في عملنا، وأن يزيل الغموض عن المتحف. أن نكون مع المرممين في أثناء عملهم، وأن نشاركهم فرحتهم وشغفهم واكتشافاتهم، لهو أمرٌ ساحر».

متمرد واقعي

يأتي عديد من زوار متحف «أورسيه» لمشاهدة مجموعته الضخمة من لوحات الانطباعيين مثل مونيه ورينوار وديغا، وليس بالضرورة لوحات كوربيه، رائد الواقعية في الرسم الفرنسي الذي سبقهم. ربما يُعرف كوربيه اليوم بلوحته الشهيرة «أصل العالم». لكن لوحاته ذات الأحجام الكبيرة التي تُصوّر الحياة اليومية بكل تفاصيلها هي التي أوصلته إلى الشهرة، وأثارت غضب نقاد الفن في عصره. انهالت عليه سيول من الإهانات في صالون باريس عامي 1850-1851 عندما عرض لأول مرة لوحته «جنازة في أورنان»، التي تدور أحداثها في القرية التي وُلد فيها شرق فرنسا. تُصوّر اللوحة أكثر من أربعين قروياً مجتمعين لدفن شخصية مجهولة الهوية. يُلقي كاهن، محاطاً بفتيان المذبح وحراس القبر، البركة. في المقدمة، يظهر كلب وحفار قبور ورجلان مسنان يرتديان سراويل قصيرة. على اليسار، يحمل حاملو النعش التابوت. يتركز محور اللوحة على قبر مفتوح في أسفل منتصفها. رسم كوربيه شخصياته بالحجم الطبيعي، وهو امتياز كان حكراً سابقاً على الشخصيات التوراتية أو الأسطورية. لم يُجمّلها. هاجمه النقاد لجرأته على الاحتفاء بواقع الحياة اليومية على نطاق واسع، وهو أمر كان مقتصراً سابقاً على لوحات الأحداث التاريخية المهمة. سخروا من «القبح المبتذل» لشخصياته و«تمجيد التفاهات البغيضة».

زوار يشاهدون عملية ترميم لوحة «دفن في أورنان» للفنان غوستاف كوربيه من خلال لوحة تشرح المشروع في متحف «أورسيه» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

وُلد كوربيه في عائلة ثرية من ملاك الأراضي في أورنان، ونشأ في رغد العيش، متغطرساً، ومحبطاً من بيروقراطية الفن. لم يكترث للإهانات. بصفته رائداً في بناء العلامات التجارية في عصره، تفاخر بأنه «أكثر الرجال فخراً وغروراً في فرنسا». رجل أعمال طموح، انطلق بلوحته «جنازة في أورنان» في جولة فنية بعد صالون باريس، عارضاً إياها -وفرض رسوم دخول- في أنحاء فرنسا. عندما رفضها المعرض العالمي عام 1855، بنى وموّل جناحاً منفرداً لعرضها مع أعمال أخرى، وروّج للمعرض بملصقات في أنحاء باريس. ومرة ​​أخرى، فرض رسوم دخول. كتب ذات مرة: «إذا كنت أصنع الفن، فهدفي الأول هو كسب عيشي منه».

الإيطالية ذات الأصابع الذهبية

بدأ مشروع ترميم لوحة «دفن في أورنان» عام 2018 عندما قدم خبراء من هيئة ترميم الأعمال الفنية الفرنسية، ومقرها متحف اللوفر، إلى متحف «أورسيه» لإجراء تحليلات بالأشعة تحت الحمراء والفلورية فوق البنفسجية، كشفت عن عناصر في اللوحة لم تكن مرئية بالعين المجردة. وبعد عامين، أُجريت دراسة إشعاعية شاملة. أطلق المتحف حملة لجمع التبرعات، وموّل «بنك أوف أميركا» عملية الترميم بمبلغ لم يُفصح عنه.

سينزيا باسكوالي التي قادت مشروع ترميم لوحة «دفن في أورنان» لغوستاف كوربيه إلى جانب اللوحة في متحف «أورسيه» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

قادت العمل سينزيا باسكوالي، المولودة في إيطاليا، والتي تدير شركتها الخاصة لترميم الأعمال الفنية في حي مونمارتر بباريس، وتُلقب أحياناً بـ«الإيطالية ذات الأصابع الذهبية». تلقّت باسكوالي، التي تجاوزت الستين من عمرها، تدريبها في روما في أقدم معهد ترميم في أوروبا، وترتدي ملابس سوداء، وحذاءً ذا نعل مطاطي سميك، ومئزراً طويلاً. زينتها الوحيدة هي أقراطها الذهبية المميزة المصنوعة في إيطاليا، والمزينة بتماثيل ملائكة منحوتة ولآلئ متدلية. لا تستطيع باسكوالي تخمين عدد اللوحات والجداريات والمنحوتات التي قامت بترميمها خلال أكثر من أربعين عاماً في هذا المجال. تقول: «لا مجال للإبداع في مهنة الترميم. فالضوء مُسلط على الرسام، وعلى الرسام وحده. إذا طُلب مني القيام بشيء أصيل، فلا أعرف كيف». تشتهر باسكوالي بترميمها المذهل الذي أنجزته بمفردها للوحة «العذراء والطفل مع القديسة حنة» لليوناردو دافنشي، المعروضة في متحف اللوفر. أثار ذلك المشروع جدلاً بين مؤرخي الفن ولجنة الترميم الاستشارية التابعة لمتحف اللوفر حول مدى شمولية عملية التنظيف. وقالت باسكوالي حينها: «في النهاية، وكما يحدث دائماً، توصلنا إلى حل وسط».

«ميل فوي» من الأسرار

اتسم نهجها في رسم لوحة «دفن في أورنان» بالثقة والهدوء، وهو ما شكّل تحدياتٍ مختلفة. عثرت والدة كوربيه على قطع قماش طويلة في أورنان، وقام أفراد العائلة بخياطتها معاً في أربعة شرائط أفقية، ليتمكن كوربيه من البدء في العمل على لوحة تجاوز عرضها 22 قدماً وارتفاعها 10 أقدام. حدد تصميمه على تحقيق «تأثير واقعي» لأسلوبه الفني. استخدم الفرشاة والجانب المسطح من السكين لطلاء القماش بطبقات متفاوتة السماكة لإضفاء حيوية على ألوان البشرة والمواد، لكن هذه التقنية تسببت في تشقق الطلاء وانفصاله. عانت اللوحة لاحقاً من طبقات متراكمة من الورنيش الأصفر، الطبيعي والاصطناعي، بعضه وُضع بشكل رديء في تعديلات سابقة. يقول روبرت ميرلو، منسق الخدمات اللوجستية للمشروع: «كانت هناك طبقات متراكمة من الورنيش، أشبه بحلوى الميل فوي».

صورة تفصيلية للوحة «دفن في أورنان» للفنان غوستاف كوربيه خلال ترميمها في متحف «أورسيه» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

إدخال النور

كشفت عملية الترميم أيضاً عن أن اللوحة، على عكس ما يُشاع عنها من كآبة وحزن، كانت زاخرة بالألوان والنور. استناداً إلى التصوير العلمي، عرف الفريق تقريباً كمية الورنيش التي تجب إزالتها. وبدأوا باختبارات لمعرفة ما يمكن إذابته بسهولة باستخدام قطرات صغيرة من مخاليط مذيبات مختلفة. كانت طبقات الطلاء الأصفر الداكن سميكة جداً لدرجة أن جوارب الحداد المسن، الذي يرتدي زي الثورة الفرنسية، تحولت تدريجياً من اللون الأخضر الباهت إلى الأزرق الفيروزي. وفي تحولات أخرى، أصبح إناء الماء المقدس البني الباهت، ذهبياً لامعاً. وتحول الكلب المصفر إلى اللون الأبيض؛ وأصبحت السماء أكثر إشراقاً. وأصبح الحجاب أكثر شفافية؛ والقبعات والأردية أكثر حُمرة، والوجوه أكثر وردية. قال ميرلو: «كانت اللوحة دائماً قاتمة جداً، وكئيبة جداً -كنت تشعر حقاً كأنك في جنازة. ولكن بعد ذلك، تدفق النور الساطع».

بينما كان يتحدث، كان اثنان من المرممين، على سقالة عالية، يملآن الثقوب بطلاء راتنجي قابل للذوبان. تسببت بقايا الرصاص والملح من أصباغ كوربيه في ظهور نتوءات صغيرة على اللوحة. جلست باسكوالي على كرسي بلاستيكي أبيض، وربطت نظارة مكبرة زرقاء حول رأسها، وسلَّطت ضوءاً فلورياً محمولاً بالقرب من اللوحة. قالت: «هناك كثير منها في كل مكان، أترى؟ مثل البثور أو الإكزيما». عندما يعرض متحف «أورسيه» العمل المرمم للجمهور في أواخر الصيف أو أوائل الخريف، يأمل أن يبدو كما كان عليه عندما عرضه كوربيه لأول مرة. لكن ليس بالضرورة إلى الأبد. قالت باسكوالي: «في كل مرة نقوم فيها بالترميم، نسعى جاهدين لجعله مستقراً قدر الإمكان، ولكنه قابل للعكس دائماً. نستخدم ألواناً يمكن إزالتها بسهولة. يجب استبدالها كل 50 إلى 100 عام. العمل الفني يعيش بعدنا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

Your Premium trial has ended


مصر: مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» المهرجانات السينمائية

رفضت وزارة الثقافة التصريح بإقامة الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
رفضت وزارة الثقافة التصريح بإقامة الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
TT

مصر: مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» المهرجانات السينمائية

رفضت وزارة الثقافة التصريح بإقامة الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
رفضت وزارة الثقافة التصريح بإقامة الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)

تعمل «اللجنة العليا للمهرجانات» التابعة لوزارة الثقافة المصرية على مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» إقامة المهرجانات السينمائية في مصر، وقررت في اجتماعها مساء (الاثنين) عدم منح الترخيص لـ«الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما» لتنظيم الدورة 42 من مهرجان «الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط»، كما أرجأت فيه الموافقة على إقامة النسخة الثانية من مهرجان «بورسعيد السينمائي».

وجاء قرار «اللجنة» التي عقدت اجتماعها بدار الأوبرا المصرية برئاسة وزيرة الثقافة جيهان زكي بعد اجتماع لم يصدر عنه بيان رسمي حتى عصر اليوم التالي، وتضمن بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، نقاشات مطولة وشكاوى بشأن آليات عمل بعض المهرجانات والحضور الجماهيري فيها، بالإضافة إلى مدى التزام المهرجانات بالأهداف التي تقام من أجلها.

وطلبت إدارة اللجنة، بحسب المصادر من إدارة مهرجان «بورسعيد السينمائي»، استيضاح العديد من النقاط قبل منح المهرجان الموافقة على الانعقاد في الربع الأخير من العام الجاري، فيما حاولت «الشرق الأوسط» الحصول على رد سريع من رئيس المهرجان أحمد عسر، لكن لم يتسن ذلك.

طلبت اللجنة توضيحات قبل الموافقة على إقامة الدورة الثانية من مهرجان بورسعيد (إدارة المهرجان)

ويشترط قرار رئيس الوزراء الصادر عام 2018 موافقة «اللجنة العليا للمهرجانات» على إقامة أي مهرجانات فنية في مصر، فيما يعد اجتماع «الاثنين» هو الثاني لها منذ تولي الوزيرة الحالية منصبها في التعديل الوزاري الذي اعتمد مطلع العام الجاري بعد الاجتماع الأول الذي عقد في مارس (آذار) الماضي.

وشهد مهرجان «الإسكندرية السينمائي لدول حوض البحر المتوسط» سجالات بين أعضاء مجلس إدارة الجمعية المنظمة في الأسابيع الماضية، وصلت لتبادل الاتهامات بشأن مخالفات قانونية في الدورات السابقة وعدم استيفاء بعض الجوانب الإدارية، فضلاً عن استمرار اختيار الناقد الأمير أباظة رئيس مجلس إدارة الجمعية رئيساً للمهرجان للعام الـ15 على التوالي.

وكان من بين المنتقدين لرئيس المهرجان المدير الفني الأسبق للمهرجان ميرفت عمر، التي تحدثت عن سوء إدارة، وعدم الالتزام بالوعود بشأن تطوير المهرجان، مما أدى إلى تراجع دور المهرجان، مع ذكر العديد من السلبيات التي طالت الدورة الأخيرة، بحسب تدوينات عدة كتبتها عبر حسابها على «فيسبوك».

لقطة من إحدى الدورات السابقة لمهرجان الإسكندرية السينمائي (إدارة المهرجان)

لكن الأمير أباظة قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يخطر بشكل رسمي حتى عصر أمس بحيثيات القرار للرد عليه، مؤكداً أن اختياره لرئاسة المهرجان جاء بأصوات غالبية أعضاء مجلس الإدارة بشكل ديمقراطي.

وأضاف أنه في انتظار الحيثيات التي استندت إليها اللجنة في قرار الرفض للرد عليها بشكل كامل، معتبراً أن أي أحاديث قبل وصول المخاطبات الرسمية أمور سابقة لأوانها.

ومن المقرر أن تجرى انتخابات مجلس إدارة الجمعية في مارس المقبل لاختيار مجلس إدارة جديد خلفاً للمجلس الحالي، علماً بأن الجمعية مشهرة قانوناً وتتبع وزارة التضامن الاجتماعي.

وبحسب حديث عضو اللجنة ورئيس «اتحاد النقابات الفنية» بمصر المخرج عمر عبد العزيز لـ«الشرق الأوسط» فإن اللجنة تقوم بمخاطبة كل مهرجان لطلب إيضاحات حول أعداد الحضور من الجمهور والندوات والفعاليات التي يتم تنظيمها، لكن بعض المهرجانات لا تقوم بالرد على اللجنة ومخاطبتها، مشيراً إلى أن القرار الذي اتخذ بحق مهرجان «الإسكندرية» اتخذ بشكل جماعي من اللجنة.

اللجنة تراجع ضوابط وأهداف المهرجانات (مهرجان القاهرة السينمائي)

وأضاف أن «الهدف من أي مهرجان فني يجب أن يكون استقطاب الجمهور للحضور للاستفادة مما يقدم، بما فيها نوعية الأفلام المختارة للعرض الجماهيري خلال المهرجان والشخصيات المكرمة وأسباب اختيارها وغيرها من الأمور التفصيلية».

وأكد عضو مجلس إدارة «الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما» المنظمة لمهرجان الإسكندرية، أحمد سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن القرارات التي تتخذ من اللجنة تستغرق بعض الوقت للوصول إلى إدارات المهرجانات؛ نظراً لأن الصياغة الخاصة بها ترسل بعد الصياغة من الإدارة القانونية للوزارة، الأمر الذي يستغرق يومين أو ثلاثة في بعض الحالات. وأضاف أن القرار فور وصوله سيكون هناك اجتماع لمجلس الإدارة من أجل البحث في الحيثيات التي ذكرتها اللجنة وبحث آلية التعامل معها.


تقنية مبتكرة تنتج مياه شرب من البحر دون نفايات

التقنية تعتمد على معدن أسود فائق الامتصاص ينتج مياهاً عذبة بكفاءة عالية دون توليد نفايات (جامعة روتشستر)
التقنية تعتمد على معدن أسود فائق الامتصاص ينتج مياهاً عذبة بكفاءة عالية دون توليد نفايات (جامعة روتشستر)
TT

تقنية مبتكرة تنتج مياه شرب من البحر دون نفايات

التقنية تعتمد على معدن أسود فائق الامتصاص ينتج مياهاً عذبة بكفاءة عالية دون توليد نفايات (جامعة روتشستر)
التقنية تعتمد على معدن أسود فائق الامتصاص ينتج مياهاً عذبة بكفاءة عالية دون توليد نفايات (جامعة روتشستر)

طوّر باحثون في جامعة روتشستر الأميركية تقنية جديدة لتحلية مياه البحر تعتمد على الطاقة الشمسية، وتنتج مياهاً عذبة بكفاءة عالية دون توليد النفايات الملحية السائلة، التي تُعد من أبرز المشكلات البيئية المرتبطة بمحطات التحلية التقليدية.

وأوضح الباحثون أن هذه الدراسة تقدم حلاً واعداً لأحد أهم تحديات تحلية المياه، وهو تراكم الأملاح الذي يقلل كفاءة الأنظمة ويزيد من تكاليف الصيانة، ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية (Light: Science & Applications).

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 2.2 مليار شخص حول العالم لا يحصلون على مياه شرب آمنة، في حين تعتمد مناطق كثيرة، من كاليفورنيا إلى الشرق الأوسط، على محطات التحلية لتوفير احتياجاتها المائية.

في المقابل، تستهلك تقنيات التحلية الشائعة، مثل التناضح العكسي والتقطير الحراري، كميات كبيرة من الطاقة، وتتطلب عمليات معالجة مسبقة ولاحقة للمياه، كما تنتج كميات كبيرة من المحلول الملحي المركز، الذي يشكل خطراً بيئياً عند تصريفه في البحار بسبب رفع الملوحة وخفض مستويات الأكسجين في المياه البحرية.

وتعتمد التقنية الجديدة على نظام تحلية يعمل بالطاقة الشمسية، ويهدف لإنتاج مياه عذبة دون الحاجة إلى طاقة مرتفعة أو مواد كيميائية، ودون ترك مخلفات ملحية سائلة ملوِّثة للبيئة.

وحسب الفريق، تقوم آلية العمل على ألواح معدنية سوداء جرى نقشها باستخدام أشعة ليزر فائقة السرعة، ما يمنحها قدرة عالية على امتصاص أشعة الشمس وتحويلها مباشرة إلى حرارة. وتُستخدم هذه الحرارة لتسخين طبقة رقيقة من مياه البحر المارة على سطح اللوح، ما يؤدي إلى تبخرها وتحولها إلى بخار ماء نقي يتم تكثيفه لاحقاً للحصول على مياه صالحة للشرب.

وفي الوقت نفسه، لا تُترك الأملاح والمعادن الذائبة لتتراكم على سطح التبخير كما يحدث في الأنظمة التقليدية، بل يتم توجيهها عبر تصميم دقيق إلى مناطق جانبية غير نشطة، مما يمنع انسداد السطح ويحافظ على استمرارية الكفاءة التشغيلية لفترات طويلة.

كما استفاد الباحثون من ظاهرة فيزيائية تُعرف باسم «تأثير حلقة القهوة» (Coffee Ring Effect)، حيث صُمّم السطح بطريقة تجعل حركة السائل أثناء التبخر تدفع الأملاح نحو الأطراف بدلاً من تركها في المركز. وبهذا الأسلوب، يعمل النظام بشكل ذاتي التنظيم إلى حد كبير، مع الحفاظ على منطقة إنتاج المياه العذبة نظيفة وفعّالة.

وأظهرت الاختبارات التي أُجريت باستخدام عينات من مياه المحيطات الهادئ والأطلسي والهندي أن النظام قادر على العمل بكفاءة في بيئات واقعية معقدة، مع الحفاظ على خاصية التنظيف الذاتي عبر إبعاد الأملاح عن السطح النشط واستمرار عملية التحلية دون تراجع في الأداء.

وحسب الباحثين، فإن من أبرز مزايا هذه التقنية أنها لا تنتج محلولاً ملحياً سائلاً يحتاج إلى التخلص منه، بل تستخلص ما يقارب 100 في المائة من الأملاح في صورة صلبة قابلة للجمع والاستفادة. ويمكن توظيف هذه الأملاح في إنتاج ملح الطعام أو استخراج معادن قيّمة مثل الليثيوم المستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية.