«إسنا» المصرية تقتفي أثر الأجداد في حُلّة عصرية

فازت بجائزة «الآغا خان» للعمارة بفضل ترميم تراثها وأسواقها

TT

«إسنا» المصرية تقتفي أثر الأجداد في حُلّة عصرية

سوق القيسارية (الشرق الأوسط)
سوق القيسارية (الشرق الأوسط)

تعكس صفحة النيل البيضاء الواسعة صورة المباني العتيقة التي تطلّ عليها في مدينة إسنا، الممتدّة في الضفة الغربية من النيل جنوب محافظة الأقصر، حيث تنتشر عشرات المباني المحيطة بمعبد خنوم الأثري، ومئذنة المسجد العمري التي يعود تاريخ إنشائها إلى مئات السنوات.

في إسنا، يستطيع الزائر أن يعود بالزمن إلى عصور مختلفة - يونانية ورومانية وقبطية وإسلامية وحديثة - وبامتزاج الشواهد الأثرية لهذه العصور تتميّز المدينة بطابع معماري وحضاري استثنائي.

مدينة إسنا تتمتّع بإطلالة ساحرة على نهر النيل (الشرق الأوسط)

ورغم قِدَم كثير من مباني إسنا وتهالكها، فإنّ ذلك يمنحها قيمة مضافة، وجمالاً دفيناً استطاع مشروع شركة «تكوين» إعادة اكتشافه. وقد زارت «الشرق الأوسط» المدينة ورصدت جوانب عدّة من أسباب فوز مشروع إعادة إحياء إسنا التاريخية بجائزة «الآغا خان» المرموقة.

تحت أشعة الشمس الساطعة، يكون للسقيفة الخشبية التي تغطي شارع البازارات السياحية وقعٌ سحري مع نسمات الهواء الشاردة، والابتسامة التي تكسو وجوه أصحاب المتاجر والورشات، ومن بينهم عصام زنط، صاحب متجر «خنوم» الشهير بصناعة المنسوجات اليدوية، ومنها «الفرخة» و«الحبرة»، وهما ملابس تراثية تخصّ سيدات إسنا فقط.

متجر لبيع الملابس المصنوعة يدوياً (الشرق الأوسط)

ويعتمد زنط على بيع منتجاته اليدوية، ولاعتزازه بذلك استعان بأقدم صانع نسيج ومفروشات وملابس يدوية في إسنا، «العم يني»، الذي يحترف هذه المهنة منذ أكثر من نصف قرن، ويحتل جزءاً مميزاً من المتجر المزيّن بأشكال وألوان وتصاميم تسرّ الناظرين.

ويجري العمل في هذا الشارع للانتهاء من توصيل الصرف الصحي، إلى جانب تطوير كثير من البازارات على جانبيه؛ وهو الشارع الذي يفضي في نهايته إلى معبد خنوم الأثري، حيث تتركّز معظم آثار إسنا اليونانية - الرومانية والإسلامية والقبطية في المنطقة المحيطة به.

حجر الزاوية

استطاع مشروع تطوير معبد خنوم إعادة اكتشاف الألوان الأصلية لنقوش أعمدته وسقفه، بعدما كانت مغطاة بالاتساخات والتكلسات لسنوات طويلة. كما جرى تنفيذ مشروع خدمات متكامل لتحسين تجربة السائحين بتصميم من «تكوين». وتتيح الإطلالة البانورامية على المعبد، الواقع في منطقة منخفضة نسبياً عن مستوى الشوارع المحيطة، رؤية كاملة له.

معبد خنوم الأثري في إسنا (الشرق الأوسط)

وعلى يسار واجهة المعبد، تطلّ وكالة الجداوي الأثرية التي يزيد عمرها عن 200 عام، والتي كانت تُستخدم قديماً للتجارة والإقامة على غرار وكالات القاهرة التاريخية؛ فبينما كانت تُباع السلع والبضائع في الطابق الأرضي، كان التجّار يستريحون وينامون في الطابق العلوي.

وقد رُمِّمت هذه الوكالة وطُوِّرت لتصبح معرضاً دائماً لتراث إسنا وهي مفتوحة حالياً للزيارة، وتتميّز بواجهتها البنية. ووفق مفتش الآثار بإسنا، الدكتور محمد محيي الدين، فإنّ وكالة الجداوي التي تعود للعصر العثماني ظلت مغلقة لعقود بسبب تدهورها، قبل أن يُعاد إحياؤها من جديد.

وكالة الجداوي الأثرية (الشرق الأوسط)

ويقول محيي الدين إنّ «معبد خنوم الذي يتوسّط البيوت ويُعدّ حجر الزاوية للمدينة خير شاهد على العصر اليوناني - الروماني بإسنا، فيما تمثل الكنائس العتيقة القريبة منه، مثل دير الشهداء ودير الفاخوري، شواهد العصر القبطي في المدينة».

مئذنة فريدة

وعلى مقربة من معبد خنوم تطلُّ مئذنة الجامع العمري بتصميمها الفريد والمميّز. ورغم تهدُّم مبنى الجامع في العصور القديمة، فإنّ المئذنة ما زالت قائمة بقاعدتها المربعة وجسمها الدائري وقبتها الفريدة في القمّة، معبّرة عن عبق التاريخ الإسلامي في المدينة.

ويعود تاريخ إنشائها إلى العام الهجري 474 (1081 ميلادياً)، ولها شبيهة في قرية أصفون بُنيت عام 475 هجرياً. ومن العصر العثماني أيضاً تبرز وكالة الجداوي وبعض البيوت التراثية العائدة إلى عصر أسرة محمد علي، وفق محيي الدين.

مئذنة الجامع العمري (الشرق الأوسط)

ويوجد كثير من مباني إسنا خارج سجلات الآثار المصرية وقائمة المباني ذات الطابع المعماري المتميّز، رغم مرور أكثر من 100 عام على إنشائها. وقد وثَّقت شركة «تكوين» كثير منها، وبينما عرضت الشركة ترميم بعض المباني القريبة من المعبد، فإنّ أصحابها رفضوا ذلك.

وعلى يمين واجهة معبد خنوم، الذي يُعدّ نواة مركزية وواجهة مميّزة للمدينة وأثرها الأبرز، ثمة سوق القيسارية، وهي سوق مخصّصة لأهالي إسنا. وقد طوّرت «تكوين» عشرات المتاجر فيه وظلّلته بسقيفة خشبية.

مصطفى أبو دوح صانع الأختام اليدوية (الشرق الأوسط)

وفي بداية هذا الشارع، يجلس مصطفى أبو دوح، الحِرفي المتخصص في صناعة الأختام اليدوية. ورث هذه الحرفة عن والده، ويستطيع نقش أي اسم بمهارة فائقة على الأختام النحاسية الصغيرة التي يشتريها الزوار والسائحون هدايا تذكارية.

أعتاب نادرة

وفي مدينة إسنا، تنتشر كثير من أعتاب البيوت الأثرية، وهي ألواح خشبية محفورة عليها أبيات شعر أو آيات من القرآن أو من الإنجيل أو أسماء أصحاب البيوت، فتُعدّ بمثابة بطاقة تعريفية لسكانها وتتميّز بزخارفها الإسلامية والقبطية.

أعتاب تاريخية في إسنا (الشرق الأوسط)

وإسنا بمثابة متحف مفتوح لما تحتويه من منازل تراثية تفوح بعبق التاريخ، بجانب الحرف العتيقة على غرار معصرة بكور للزيوت التي يعود تاريخ إنشائها إلى نحو 200 عام، والتي ما زالت تنتج زيت السمسم وحبة البركة والخسّ. وهي معصرة بدائية تعمل بشكل محدود حالياً، وقد رمَّمتها شركة «تكوين» وطوّرتها لإتاحة الفرصة للزوار للتعرُّف إلى تاريخها وطريقة استخلاص الزيوت. ويقول صاحبها إنه ورثها عن والده وأجداده، ولم يفرّط فيها رغم تغيُّر الزمن، مشيراً إلى أنها رمز وعنوان لعائلته.

سوق القيسارية (الشرق الأوسط)

ورغم أنّ التفكير في تطوير إسنا بدأ قبل 15 عاماً، فإنّ التنفيذ تأخر طويلاً بسبب اضطرابات سياسية واقتصادية شهدتها مصر، حتى انطلق المشروع عام 2017 في مرحلته الأولى.

ووفق مدير شركة «تكوين» المسؤولة عن تصميم مشروع إعادة إحياء إسنا التاريخية وتطويره، كريم إبراهيم، فإنه جرى اختيار إسنا بشكل خاص لأنها مدينة سياحية تقع على الخط السياحي (الأقصر - أسوان) ضمن مدن أخرى، لكنّ السياحة الثقافية في صعيد مصر تُواجه تحدّيات كبيرة، منها التركيز على المواقع الأثرية فقط مع تهميش المناطق العمرانية المحيطة.

ورشة الخشب التي تبرز الهوية الإسناوية (الشرق الأوسط)

وتُجسّد مدينة إسنا - الواقعة على بُعد 60 كيلومتراً جنوب الأقصر - هذه التحدّيات، إذ اقتصر النشاط السياحي فيها على معبد خنوم (180 ق. م.)، مما أدّى إلى انخفاض أعداد الزوار وتهميش المناطق التاريخية المحيطة وسكانها، بالإضافة إلى وجود خطط سابقة لهدم مئات المباني التقليدية حول المعبد.

نموذج مبتكر

ولمواجهة هذه التحدّيات، وبالشراكة مع الجهات الحكومية، صمَّمت «تكوين» ونفَّذت مشروعاً يهدف إلى إعادة تصوّر واقع المدن المصرية المتوسطة والمهمّشة، وتطوير نموذج مبتكر قابل للتطبيق يُسهم في إحياء المدن وتنمية الاقتصاد المحلّي بشكل شامل.

ونُفّذ مشروع «إحياء مدينة إسنا التاريخية» بالشراكة مع وزارة السياحة والآثار، ومحافظة الأقصر، ووزارة التعاون الدولي، وبدعم من «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، وتنفيذ «تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة».

وكالة الجداوي من الداخل (الشرق الأوسط)

ومن أبرز إنجازات المشروع: ترميم وكالة الجداوي الأثرية وافتتاحها لاستقبال الزوار بعد إغلاقها لعقود، وتطوير منطقة الزيارة والخدمات بمعبد خنوم، وترميم وإعادة استخدام الاستراحة الملكية بقرية المطاعنة التابعة لإسنا، وتطوير شارع البازارات السياحية الذي يضمّ 90 محلاً تجارياً، إلى جانب تطوير السوق التقليدية المغطاة بالقيسارية التي تضمّ 144 محلاً تجارياً.

مطعم «أوكرا» الذي تديره سيدات في إسنا (الشرق الأوسط)

كما شمل المشروع ترميم وإعادة تأهيل 15 مبنى ذا قيمة معمارية متميزّة بقلب المدينة، وتطوير 17 بازاراً سياحياً وفندقاً محلّياً ومقهى في المسار السياحي، وإنتاج مطويات للمنشآت المطوَّرة، وتوثيق أكثر من 40 وصفة تقليدية من خلال مسابقة «مطبخ إسنا» بمشاركة سيدات المدينة. كذلك جرى تطوير وافتتاح مطعم «أوكرا» بإدارة نساء من المجتمع المحلّي، وافتتاح أول ورشة خشب «كاروت» بإدارة نساء أيضاً، لإنتاج منتجات خشبية مستوحاة من تراث المدينة، إلى جانب وضع لافتات إرشادية للمواقع التراثية.

وتُعد شركة «تكوين» أول شريك مصري مع مشروع أميركي لجهتَي التصميم والتنفيذ. ويقول إبراهيم: «حقّقنا تنمية متكاملة وابتكرنا علامة تسويقية للمدينة خلال المرحلة الأولى من مشروع التطوير».

ويشير إلى بعض التحدّيات التي واجهتهم في البداية، ومنها عدم اهتمام أصحاب المتاجر والحِرف بجدوى المشروع، لذلك أنشأت الشركة نموذجاً لمتجر خاص بها في سوق القيسارية. وبعدما لاحظ باقي أصحاب المتاجر زيادة الإقبال على المتجر، اقتدوا بالتجربة.

هوية إسنا

وخلال عمله في المدينة، لاحظ إبراهيم وفريقه غياب منتجات يدوية تُعبّر عن هوية إسنا، فعمل على صناعة منتجات تذكارية مستوحاة من التراث المحلّي. كما أنشأ ورشة خشب تستلهم أشكالاً وتصميمات من الهوية الإسناوية، ويجري توزيع منتجاتها في متاجر تابعة بالقاهرة أو الأقصر. ويعمل في هذه الورشة عدد من الفتيات والشباب من أبناء المدينة.

معصرة تاريخية في المدينة (الشرق الأوسط)

ويرى مدير شركة «تكوين» أنّ تعاون الوزارات في مشروع إعادة إحياء إسنا من أهم أسباب نجاحه وفوزه بجائزة «الآغا خان» للعمارة. ويؤكد أنّ الحكومة المصرية رصدت ملايين الجنيهات لتطوير البنية التحتية في المدينة لمواكبة مشروع التطوير، لا سيما بعد زيارة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قبل 10 أشهر.

ويضيف أنّ معايير الترشح إلى الجائزة تجعلها من أهم الجوائز المعمارية في العالم، نظراً إلى استقلاليتها وحرصها على استفادة الجمهور من مشروعات التطوير، بجانب إرسالها مراجعين فنّيين لمعاينة المشروعات على الأرض.


مقالات ذات صلة

تركيا: إمام أوغلو يحصل على جائزة دولية للديمقراطية

شؤون إقليمية أنصار رئيس بلدية إسطنبول إمام أوغلو في أحد التجمعات لدعمه عقب اعتقاله في مارس 2025 (حزب الشعب الجمهوري - «إكس»)

تركيا: إمام أوغلو يحصل على جائزة دولية للديمقراطية

حصل رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، على جائزة باويل أداموفيتش الدولية، التي تعدّ رمزاً للديمقراطية والكرامة الإنسانية والرغبة في العيش المشترك.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
يوميات الشرق خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو وماجدة داغر (الشرق الأوسط)

«مهرجان بيروت الدولي للغيتار» ينطلق ويُعلن جائزته

عدا الجائزة المالية، فإنّ الرابحين الثلاثة الأوائل ستكون لهم عقود تضمن جولات في المدن الكبرى، تُعزّز مكانتهم الموسيقية في العالم...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جمانا الراشد مع النجمتين الفائزتين وهيلين هوني وشيفاني باندايا - مالهوترا (غيتي - بإذن المهرجان)

هند صبري وعليا بات تُتوَّجان في «البحر الأحمر» بجوائز «غولدن غلوب» العالمية

الجائزتان تُضيئان على إنجازات ألمع المواهب الإبداعية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا وشمال أفريقيا

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق إعادة تعريف الإبداع من نقطة الصفر... الصفر تماماً (منظّمو جائزة اللفت)

«جائزة اللفت 2025»... تتويج جديد لأسوأ الإبداعات الفنّية

تُنظّم حانة في مقاطعة سومرست بجنوب غربي إنجلترا جائزة «اللفت» كل عام، وتُمنح للشخص الذي ابتكر عملاً فنياً سيئاً جداً باستخدام أقل جهد ممكن...

«الشرق الأوسط» (لندن)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended


معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
TT

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، وفق أكثر من واقعة ظهرت فيها تلك الآثار، وتمت استعادته بالطرق القانونية والجهود الدبلوماسية.

وتسلّمت السفارة المصرية في هولندا رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، من حجر الجرانوديوريت، كان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، وتم رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، وتتبعه حتى استرداده.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن استرداد هذا الرأس يُجسّد ثمرة التعاون البنّاء بين مصر ومملكة هولندا، ويعكس التزاماً مشتركاً بتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الأثرية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

مشدداً على حرص الدولة المصرية على استعادة آثارها التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، والعمل المستمر على صون التراث الحضاري المصري، والحفاظ على الهوية الثقافية للأمة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن هذه الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى سجل النجاحات المصرية في ملف استرداد الآثار، وتعكس التزام الدولة المصرية بحماية تراثها الحضاري، وصون هويتها الثقافية، بالتعاون مع المجتمع الدولي.

بينما أوضح مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، شعبان عبد الجواد، أن القطعة الأثرية، وفقاً للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديداً فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها في أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التمثال المسترد من هولندا من عصر تحتمس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

ووضعت منظمة اليونيسكو اتفاقية بشأن حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية عام 1970، واعتمدتها مصر في 5 أبريل (نيسان) 1973، بينما انضمت هولندا للاتفاقية في 2009، ويتعاون البلدان بصفتهما طرفين في الاتفاقية، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في إطار قانوني دولي منظم.

ويرى خبير الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، أن استرداد رأس تمثال أثري نادر بعد رصده في أحد المعارض الأوروبية، كما حدث في ماسترخيت بهولندا، يؤكد حقيقة باتت واضحة اليوم وهي أن «المعارض والمزادات الأجنبية أصبحت أحد أهم مفاتيح كشف الآثار المصرية المنهوبة، حتى إن لم يكن ذلك هدفها المعلن».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الحالات التي أثبتت أن خروج القطع الأثرية إلى العلن - عبر كتالوجات البيع والمعارض الدولية - يتيح للخبراء المصريين توثيقها علمياً، ومقارنتها بالسجلات والأرشيفات، ثم التحرك القانوني والدبلوماسي لاستعادتها. وهنا يتحول العرض التجاري إلى دليل إدانة، لا إلى سند ملكية».

ولفت إلى أن نجاح مصر في استعادة هذه القطعة وغيرها يعكس تطوراً ملحوظاً في كفاءة الرصد والمتابعة العلمية، والتعاون بين الآثاريين والجهات القانونية، استخدام القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فعّال. وقال: «هذه الجهود ترسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر لا تنسى آثارها، ولا تتنازل عن حقها في تاريخها، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأماكن».

وكانت أكثر من واقعة لمعارض ومزادات خارجية كشفت عن وجود آثار مصرية مهربة لها من بينها واقعة تصوير النجمة الأميركية كيم كارداشيان أمام تابوت أثري بمتحف المتروبوليتان بنيويورك عام 2018، وهي الصورة التي أدت إلى اكتشاف بيع التابوت الذهبي للكاهن نجم عنخ إلى المتحف الأميركي من قبل لصوص مقابل 4 ملايين دولار باستخدام وثائق مزورة.

جانب من آثار مستردة من فرنسا سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

ووفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، فإن استرداد رأس تمثال أثري نادر من هولندا واقعة تعكس تنامي الوعي المؤسسي بأهمية المتابعة الدقيقة لحركة القطع الأثرية خارج حدودها الجغرافية، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الأمر «يكشف الدور الذي يمكن أن تؤديه المعارض الأجنبية بوصفها فضاءات ثقافية مفتوحة في إتاحة الفرصة لمراجعة مصادر القطع المعروضة والتحقق من مسارات انتقالها التاريخية».

ومن منظور أكاديمي، تلفت إلى أن «تكرار عمليات الاسترداد خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تحوّل نوعي في إدارة ملف التراث الثقافي، قائم على التوثيق العلمي والتعاون الدولي وتفعيل الاتفاقيات المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية».

ومن الوقائع الأحدث لاكتشاف آثار مصرية مهربة في المعارض الفنية والمزادات، ما تم إعلانه العام الماضي عن دار مزادات «أبوللو» في لندن عن عرض 185 قطعة أثرية مصرية للبيع، وبعد هذا الإعلان كشفت مصادر بوزارة السياحة لوسائل إعلام محلية أن إدارة الآثار المستردة بالوزارة تتابع بشكل دوري المزادات التي تقام بجميع دول العالم، وتعلن عن عرض قطع أثرية مصرية للبيع، وتسعى الوزارة لاستردادها بالطرق القانونية ومخاطبة الجهات المسؤولة.

واستردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية في الفترة من 2014 حتى 2024، بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية والمعارض الفنية وكل ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية التي يتم تداولها في الخارج، من بينها استرداد 20 قطعة أثرية من أستراليا، كانت معروضة بإحدى صالات المزادات الشهيرة هناك.