اتفاقية «أوروبا - ميركوسور» على مائدة التصويت بعد ربع قرن من المباحثات

وسط مؤشرات على تليين الموقف الفرنسي وصمود بولندي

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في بروكسل (أ.ب)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في بروكسل (أ.ب)
TT

اتفاقية «أوروبا - ميركوسور» على مائدة التصويت بعد ربع قرن من المباحثات

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في بروكسل (أ.ب)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في بروكسل (أ.ب)

بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً من المفاوضات المتقطعة، دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل «ميركوسور» في أميركا الجنوبية مرحلة الحسم، بعدما قدمت المفوضية الأوروبية نص الاتفاق إلى البرلمان الأوروبي وحكومات الدول الأعضاء للمصادقة النهائية.

وتصف بروكسل الاتفاق بأنه الأكبر في تاريخ الاتحاد الأوروبي من حيث حجم التخفيضات الجمركية والفرص التجارية التي يفتحها، لكنه لا يزال يواجه معارضة زراعية وبيئية قوية، في حين بدأت فرنسا – التي كانت رأس حربة الرافضين – تُبدي ليونة حذرة بعد تقديم المفوضية حزمة ضمانات جديدة.

ويتعلق الاتفاق التاريخي بإنشاء منطقة تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي من جهة، ودول «ميركوسور» – الأرجنتين، والبرازيل، وباراغواي وأوروغواي – من جهة أخرى. وقد تم التوصل إلى مسودة الاتفاق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بعد ربع قرن من المفاوضات التي تعثرت مراراً بسبب خلافات حول الواردات الزراعية والمعايير البيئية.

وحسب المفوضية الأوروبية، سيُشكل الاتفاق عند دخوله حيز التنفيذ أكبر خفض جمركي في تاريخ الاتحاد الأوروبي، حيث سيغطي نحو 770 مليون مستهلك، ويوفر سوقاً واسعة للسيارات الأوروبية، والآلات والمواد الكيميائية، مقابل فتح السوق الأوروبية أمام منتجات أميركا الجنوبية الزراعية والمواد الخام.

وفي مواجهة الاعتراضات، طرحت المفوضية الأوروبية آلية جديدة لحماية المنتجات الزراعية الحساسة، وفي مقدمتها لحوم البقر. وتنص الآلية على إمكانية تعليق الامتيازات التفضيلية لـ«ميركوسور» إذا ارتفعت الواردات أو انخفضت الأسعار بأكثر من 10 في المائة في أي من الدول الأعضاء. وتتعهد المفوضية باتخاذ إجراءات أولية خلال ثلاثة أسابيع من تلقي شكاوى؛ ما يمنح المزارعين أداة حماية أسرع من الآليات السابقة.

كما أعلنت المفوضية عن صندوق أزمة بقيمة 6.3 مليار يورو (7.38 مليار دولار) لتعويض المزارعين الأوروبيين المتضررين من أي تقلبات ناتجة من تنفيذ الاتفاق.

وقال وزير التجارة الفرنسي لوران سان مارتن إن إدراج هذا البند الوقائي يمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح»، مؤكداً أن باريس ستدرس تفاصيل المقترح قبل تحديد موقفها النهائي.

فرنسا تلين وبولندا تصمد

ولطالما عدَّت فرنسا، أكبر منتج للحوم البقر في الاتحاد، أن الاتفاق «غير مقبول»، لكنها بدت هذا الأسبوع أكثر استعداداً للتفاوض، خصوصاً بعد الضمانات المتعلقة بالزراعة. وفي المقابل، لا تزال بولندا متشبثة بموقفها المعارض؛ إذ صرح رئيس الوزراء دونالد توسك بأن بلاده ستواصل رفض الاتفاق، لكنها لم تعد تملك حلفاء كُثراً لتعطيله؛ ما يجعل «الضمانات الدفاعية ضرورية للغاية»، على حد قوله.

أما ألمانيا وإسبانيا، فكانتا من أبرز المؤيدين للاتفاق، عادتين أنه يشكل أداةً لتعويض الخسائر التجارية الناتجة من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكذلك وسيلة لتقليل الاعتماد على الصين، خصوصاً في المعادن الحيوية مثل الليثيوم المستخدم في صناعة البطاريات.

ويرى مؤيدو الاتفاقية أن «ميركوسور» تمثل سوقاً واعدة للسيارات الأوروبية، والآلات الثقيلة والكيماويات، فضلاً عن كونها مصدراً مستقراً للمعادن الأساسية اللازمة للانتقال الطاقي في أوروبا. كما ستمنح الاتفاقية منتجي الاتحاد الأوروبي مزايا جمركية في صادرات الأجبان، ولحم الخنزير، والنبيذ إلى أميركا الجنوبية.

لكن على الجانب الآخر، يواصل المزارعون الأوروبيون احتجاجاتهم، محذّرين من أن الاتفاق سيفتح الباب أمام واردات رخيصة من لحوم البقر، وفول الصويا والمنتجات الزراعية الأخرى، لا تراعي المعايير البيئية الصارمة التي يطبقها الاتحاد. وتخشى جماعات الضغط الزراعية أن يؤدي ذلك إلى ضغط على الأسعار وهامش الربحية؛ ما قد يضر باستدامة القطاع الزراعي الأوروبي.

وتواجه الاتفاقية أيضاً انتقادات منظمات البيئة؛ إذ وصفتها منظمة «أصدقاء الأرض» بأنها «اتفاقية مدمرة للمناخ»، بحجة أنها ستشجع على إزالة الغابات في الأمازون لزيادة الإنتاج الزراعي المخصص للتصدير. كما يخشى نشطاء أن يؤدي تخفيف القيود إلى تراجع معايير السلامة الغذائية داخل الاتحاد.

ويراهن المعارضون على إمكانية إسقاط الاتفاق في البرلمان الأوروبي، حيث يعارضه كل من حزب الخضر واليمين المتطرف، أو من خلال عدم تمريره في تصويت الحكومات، رغم أن التقديرات الحالية تشير إلى أن كتلة الرافضين لم تعد كافية لتعطيله.

مسار تشريعي معقد

يتطلب تمرير الاتفاق موافقة البرلمان الأوروبي بأغلبية الأصوات، إلى جانب تصويت مؤيد من أغلبية مؤهلة من حكومات الاتحاد (15 دولة على الأقل تمثل 65 في المائة من سكان الاتحاد). ورغم أن المؤشرات تميل إلى احتمالية تمريره، فإن المعركة التشريعية لا تزال غير محسومة.

كما تعتزم المفوضية الأوروبية طرح اتفاقية محدثة مع المكسيك، أُبرمت في يناير (كانون الثاني) الماضي، في الحزمة نفسها، ضمن جهود الاتحاد لتوسيع شبكة تحالفاته التجارية بعد إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتسارع المنافسة العالمية على الأسواق.

ويرى خبراء أن إصرار المفوضية على المضي قدماً في الاتفاقية يعكس حاجة الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تشكيل سياسته التجارية في مواجهة تحديات دولية متزايدة، من بينها السياسات الحمائية الأميركية، والمنافسة الصينية، وضغوط التحول الأخضر.

ويصف محللون اتفاق «ميركوسور» بأنه «رهان استراتيجي»؛ إذ يمنح أوروبا منفذاً إلى واحدة من أكبر أسواق السلع الزراعية والمعادن في العالم، ويعزز حضورها في نصف الكرة الجنوبي في وقت يتزايد فيه التنافس الجيوسياسي.

وبين المكاسب الاقتصادية المتوقعة والمخاطر التي يحذّر منها المعارضون، يظل التصويت المرتقب في البرلمان الأوروبي وحكومات الاتحاد محطة فاصلة، ستحدد ما إذا كان هذا الاتفاق سيدخل التاريخ بصفته أكبر إنجاز تجاري للاتحاد، أم واحداً من أكثر مشاريعه إثارة للجدل.


مقالات ذات صلة

مصر: إطلاق مشروع سياحي وسكني بالعين السخنة بقيمة مليار دولار

الاقتصاد رئيس مجلس الوزراء يشهد توقيع اطلاق المشروع (الشرق الأوسط)

مصر: إطلاق مشروع سياحي وسكني بالعين السخنة بقيمة مليار دولار

شهد مجلس الوزراء المصري، الأحد، إطلاق مشروع «أبراج ومارينا المونت جلالة» بالعين السخنة، باستثمارات تبلغ قيمتها 50 مليار جنيه (نحو مليار دولار).

صبري ناجح (القاهرة)
أميركا اللاتينية رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم تتحدث خلال مؤتمرها الصحافي الصباحي اليومي في القصر الوطني في مكسيكو سيتي 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)

رئيسة المكسيك: الرسوم الأميركية «الجائرة» قد تخنق اقتصاد كوبا

انتقدت رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم، الاثنين، بشدة، تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على الدول المصدرة للنفط إلى كوبا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الاقتصاد فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)

ماذا ينتظر الفائدة الأوروبية بعد الكشف عن موعد استقالة دي غالهو؟

أعلن البنك المركزي الفرنسي، يوم الاثنين، أن محافظه فرانسوا فيليروي دي غالهو سيستقيل في يونيو (حزيران) المقبل، أي قبل أكثر من عام على انتهاء ولايته.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد سيدة تشاهد زينات العام الجديد في إحدى الأسواق الشعبية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

الصين تحث البنوك على الحد من انكشافها على السندات الأميركية

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن الجهات التنظيمية الصينية نصحت المؤسسات المالية بالحد من حيازاتها لسندات الخزانة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد حاويات مُكدّسة في ميناء كيلونغ بشمال تايوان (أرشيفية - رويترز)

صادرات تايوان في يناير تسجل أسرع نمو شهري منذ 16 عاماً

ارتفعت صادرات تايوان في يناير (كانون الثاني) بأكثر من المتوقع، مسجلة أسرع وتيرة نمو شهرية لها منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.


الذهب يتراجع دون مستوياته القياسية لكنه يتماسك فوق 5000 دولار

غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)
غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)
TT

الذهب يتراجع دون مستوياته القياسية لكنه يتماسك فوق 5000 دولار

غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)
غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)

انخفض سعر الذهب، يوم الثلاثاء، لكنه ظل فوق مستوى 5 آلاف دولار للأونصة، حيث أبدى المستثمرون حذرهم قبيل صدور بيانات هامة عن الوظائف والتضخم في الولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا الأسبوع، والتي ستحدد مسار أسعار الفائدة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

وتراجع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.7 في المائة إلى 5029.49 دولار للأونصة بحلول الساعة 03:32 بتوقيت غرينتش. وكان المعدن قد ارتفع بنسبة 2 في المائة، يوم الاثنين، مع تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له في أكثر من أسبوع. وكان قد سجل مستوى قياسياً بلغ 5594.82 دولار للأونصة في 29 يناير (كانون الثاني).

وتراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.5 في المائة لتصل إلى 5052 دولار للأونصة.

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 2.1 في المائة إلى 81.64 دولار للأونصة، بعد ارتفاعه بنسبة 7 في المائة تقريباً في الجلسة السابقة. وكان قد سجل أعلى مستوى له على الإطلاق عند 121.64 دولار في 29 يناير.

وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «تاتسي لايف»: «إن الحرب الباردة والمنافسة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين لن تنتهي على الأرجح لسنوات قادمة... لذا فنحن في وضع يتمتع فيه الذهب بميل تصاعدي عام، والسؤال الآن هو إلى أي مدى ستؤثر توقعات السياسة النقدية قصيرة الأجل للاحتياطي الفيدرالي».

وشهد الدولار خسائر حادة، يوم الثلاثاء، بينما حافظ الين على مكاسبه في أعقاب فوز رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي الساحق في الانتخابات.

وأضاف سبيفاك أن الذهب يتحرك حول مستوى 5 آلاف دولار بين نطاقات سعرية عليا ودنيا، بينما تُظهر الفضة تقلبات أكبر في التداولات المضاربية.

وصرح كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، يوم الاثنين، بأن مكاسب الوظائف في الولايات المتحدة قد تكون أقل في الأشهر المقبلة بسبب تباطؤ نمو القوى العاملة وارتفاع الإنتاجية، ما يعزز النقاش داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار الفائدة.

ويتوقع المستثمرون خفضين على الأقل لأسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في عام 2026، مع توقع أول خفض في يونيو (حزيران). ويميل المعدن النفيس، الذي لا يدرّ عائداً، إلى الأداء الجيد في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة.

وتشمل البيانات المتوقعة هذا الأسبوع مبيعات التجزئة الشهرية لشهر ديسمبر (كانون الأول)، ومؤشر أسعار المستهلك لشهر يناير، وتقرير الوظائف غير الزراعية لشهر يناير.

وانخفض سعر البلاتين الفوري بنسبة 2.1 في المائة إلى 2084.09 دولار للأونصة، بينما خسر البلاديوم 1.7 في المائة إلى 1710.75 دولار.