قنبلة «افتراضية»... لا أكثر

«ليلة الميلاد» للألماني دانييل كيلمان

قنبلة «افتراضية»... لا أكثر
TT

قنبلة «افتراضية»... لا أكثر

قنبلة «افتراضية»... لا أكثر

بعد نصف قرن يقدم لنا الكاتب الألماني دانييل كيلمان (1975- ) معالجة ذكية لموضوع العنف اليساري بالضد من عنف الدولة في مسرحية حملت عنوان «ليلة الميلاد»، وصورت في فيلم ناجح بعنوان «تحقيق منتصف الليل».

جرت المعالجة الأولى لهذا الموضوع سينمائياً عام 1975، وهو العام الذي شهد ولادة كيلمان، في فيلم «شرف كاتارينا بلوم الضائع»، الذي استند لرواية تحمل الاسم نفسه للألماني الحائز «نوبل» هاينريش بول. انتقد فيها عنف الدولة المنفلت، في قوانين الطوارئ الألمانية، التي سنتها بالضد من نشاط التنظيم اليساري المتشدد «بادر ماينهوف» ووريثه الشرعي «جناح الجيش الأحمر».

يضيع شرف الشابة «كاتارينا» في دهاليز وأقبية جهاز مكافحة الإرهاب الألماني بسبب ليلة قضتها مع شاب وسيم تعرفت عليه للمرة الأولى في مرقص، ويتضح، من دون علمها، أنه من ناشطي «الجيش الأحمر». لكن «يوديت»، أستاذة الفلسفة في الجامعة، ذات الميول اليسارية المتطرفة، تُختطف من قبل رجال الأمن في الوقت الحاضر، وتخضع في ليلة الكريسماس لتحقيق ماراثوني بحثاً عن قنبلة لم ولن ينطلق عنها، طيلة المسرحية (أو الفيلم)، دخان.

تناول بول موضوع العنف اليساري والعنف المضاد قبل خمسة عقود حينما كان المد اليساري المتطرف يشغل العالم من اليابان، عبر لبنان، إلى ألمانيا ونيكاراغوا. لكن كيلمان اختار موضوع العنف اليساري في زمن ينتشر فيه العنف الإسلاموي المتشدد وعنف اليمين المتطرف، خصوصاً في ألمانيا. وبرر هذا الخيار في مقابلة صحافية بالقول إنه أراد متهماً ذكياً يقابل رجل الأمن، والدواعش والنازيون لا يتميزون كثيراً بالذكاء.

يجري انتزاع «يوديت» من التاكسي (في المسرحية/ عرضت سنة 2017)، في حين تحاصر بغرفتها في الفندق في الفيلم. قام الممثل المعروف شارلي هوبنر بدور محقق الأمن المتمرس «توماس»، وأدت صوفي فان كيسل دور «يوديت». والفيلم من إخراج ماتي غيشونيك، وكتب دانييل كيلمان السيناريو بنفسه.

تهيأ «توماس» للتحقيق بشكل كامل، وكشف أنه يعرف كل شيء عن حياة «يوديت» العائلية وطليقها «يوليان» ونشاطها السياسي طوال سنوات. قرأ أطروحة الدكتوراه التي كتبتها بعنوان «العنف في فلسفة فرانتز فانون» ويعرف مواعيد وعناوين محاضراتها في الجامعة، وأنها وزوجها زارا كولومبيا وتشيلي والتقيا قبل عشرين سنة بتنظيمات محلية هناك.

بعد الأسئلة التقليدية حول الفلسفة والحياة اليومية وكلب العائلة يفاجئ «توماس» الأستاذة الجامعية بسؤال «أين القنبلة»، ومتى ستنفجر. تنفي «يوديت» علمها بالموضوع وتنفي وجود قنبلة، لكن «توماس» يواجهها بنص مأخوذ من حاسوبها يعتقد أنها تتبنى عملية التفجير المزعومة فيه. وترد بأنه نص من إحدى محاضراتها لا غير ولا وجود لعملية تفجير. تقول إنها تتحدث في النص عن الفعل الثوري في فكر فانون، ويرد عليها بأنها تحن لأيام شبابها الثوري وأن الانفجار عبارة عن «تمرين عملي لنظريتها في العنف الثوري».

يتضح أيضاً أن رجال الأمن اعتقلوا زوجها السابق ويحققون معه قبل يوم من اعتقالها. يحاول المحقق إضعاف موقفها بالكشف عن نشاط زوجها (أستاذ في الجامعة أيضاً) وعلاقاته بالطالبات وعدم ارتياح والديها له، ويذكرها كيف تركها على سفح صخري عال مرة، وكانا في رحلة تسلق جبال في محاولة واضحة لانتزاع اعتراف منها عن «يوليان».

في الحوار يقدم لنا كيلمان صراعاً نظرياً غير متكافئ بين أستاذة متعلمة وعارفة بحقوقها، وبين محقق محدود الثقافة، مؤمن بالنظام الذي يدافع عنه، وبين يسارية تبرر عنف اليسار بعنف الدولة. لنقل إنه تعارض الأمن والديمقراطية أو موضوع المراقِبين ضد المراقَبين، أو الأثرياء ضد الفقراء أو الحرية الشخصية بالضد من الإجراءات الأمنية والكاميرات المنتشرة في كل مكان.

تقول «يوديت» للمحقق:

حينما ينظر المرء إلى ذلك من وجهة نظر أفريقية. إن الصادر الأهم لبلد صغير مثل النيجر هو اليورانيوم. تستخرجه الشركات الأوروبية، ولهذا فإن الإشعاعات حالياً عالية إلى حد يعجز فيه الناس عن شرب الماء في بعض أنحاء البلد. مساحات شاسعة يتعذر زراعتها، الصحراء تتسع، والبشر يفرون، يدفعون كل مدخراتهم من أجل الحصول على مكان في زورق. هذا، إذا عاشوا مخاطر الرحلة، ووصلوا إلينا. ونحن نسميهم «لاجئين اقتصاديين»، لأن النيجر ليست في حالة حرب.

لم يعد رجال الأمن بحاجة إلى زرع الميكرفونات في بيوت الناس، حسب حوار «توماس»، لأن الناس يحملون أجهزة التنصت إلى البيوت بأنفسهم مشيراً إلى جوال «يوديت». لا يحتاجون إلى أكثر من ثلاث دقائق لاستنساخ القرص الصلب في أي كومبيوتر، ولا ينافسهم أي لص في فتح الأبواب، ويستطيعون تتبع مصير جوال «يوديت» الذي رمته قبل عشر سنوات.

يثير كيلمان في نصه الكثير من الدخان بدلاً من نيران الانفجارات، والكثير من الأسئلة المعلقة بدلاً من الأجوبة. ولا يعرف المشاهد، أو القارئ، من يصدق: المحقق و«المؤشرات» التي يوردها أم الأستاذة بردودها المفحمة. تقول له: «انظر جيداً هل أبدو كقاتلة تصنع المتفجرات بحسب وصفات الإنترنت»، وهي باعترافه لا تعرف كيف تبدل مصباحاً كهربائياً عاطلاً. ويتساءل المشاهد:

هل التهمة باطلة، أم أن المحقق على حق؟

والسؤال الرئيس الذي يبقى مفتوحاً هو: أين القنبلة؟ تنتهي المسرحية وليس للقنبلة أي وجود عدا وجودها الافتراضي.

يعترف «يوليان» في النهاية بأنها صاحبة فكرة التفجير «لتحريك الوضع السياسي» ويضطر المحققون لإطلاق سراحه بعد 24 ساعة من اعتقاله. يتفاجأ «توماس» بالاعتراف ويتفاجأ أكثر حينما تتحمل «يوديت» المسؤولية عن التحضير للقنبلة. ولكن السؤال يطرح نفسه بإلحاح: أين القنبلة؟

تقول «يوديت» ما لا يصدقه المحقق

ولا الجمهور.

توماس: من أين حصلت على أجزاء القنبلة؟

يوديت (غير مبالية): طلبتها على الإنترنت.

توماس: أين بالضبط؟

يوديت: نسيت.

توماس: حاولي على الأقل أن تكوني مقنعة.

من أي مواد؟

يوديت: نسيت.

توماس: طريقة التحضير؟

يوديت: إنترنت.

توماس: على أي صفحة؟

يوديت: نسيت.

توماس: أين المواد؟

يوديت: تخلصت منها.

توماس: أين؟

يوديت: في مكب النفايات.

توماس: أيها؟

يوديت: نسيت.

هل هي خطة للضحك على «هيئة حماية الدستور» (الأمن الألماني) باعتراف غامض؟

إليكم ما تقوله «يوديت» قبل إطلاق سراح «يوليان».

يوديت: عليكم الآن إطلاق سراحه. سرعان ما ستنقضي 25 ساعة على اتفاقه معكم. عليه أن يتهمني ثم يخلى سبيله. هكذا يعمل نظامنا القانوني، أليس كذلك؟ لكن إذا لم تطلقوا سراحه في الحال سينهار نصف تحقيقكم. سيعمل محاموه على ذلك. ولديه محام جيد، وإذا لم تعتمد إفادته، لأنكم احتجزتموه طويلاً دون محام، وتكونون قد خرقتم الاتفاق، سأسحب اعترافي، ولا يبقى أي شيء بين أيديكم.

والمحقق توماس لا يزال يزعق: أين القنبلة؟


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.