«فرقة أبو سراج»... من حي شعبي إلى أيقونة فنية سعودية

عصفت بها أزمة الخليج... واستأنفت تألقها لأربعة عقود

عمر العطاس في صباه يعزف على آلة المرواس (من أنواع الطبول) في سن الـ14 من عمره (فرقة أبو سراج)
عمر العطاس في صباه يعزف على آلة المرواس (من أنواع الطبول) في سن الـ14 من عمره (فرقة أبو سراج)
TT

«فرقة أبو سراج»... من حي شعبي إلى أيقونة فنية سعودية

عمر العطاس في صباه يعزف على آلة المرواس (من أنواع الطبول) في سن الـ14 من عمره (فرقة أبو سراج)
عمر العطاس في صباه يعزف على آلة المرواس (من أنواع الطبول) في سن الـ14 من عمره (فرقة أبو سراج)

من حي شعبي في جدة، انطلقت رحلة فنية لم يكن مخططاً لها، لكنها تألقت وامتدت لأكثر من 4 عقود، وأصبحت خلالها «فرقة أبو سراج للفنون الشعبية» علامة سعودية فارقة في التراث الموسيقي المحلي، وسافرت بألوان الفنون التقليدية السعودية إلى كثير من دول العالم، وقدمت فنون «الخبيتي» و«العجل» والطرب «الينبعاوي» الذي تفردت به، وطورته، معتمدة في ذلك على كوكبة من أبرع الشعراء والملحنين.

قائد «فرقة أبو سراج» الفنان عمر العطاس (فرقة أبو سراج)

الحلم بدأ في حي شعبيّ

بدأت القصة في مدرسة اليرموك بحي البغدادية الغربية، أحد أعرق أحياء مدينة جدة الساحلية، حين كان قائد الفرقة ومؤسسها عمر العطاس، في الرابعة عشرة من عمره. ومن خلال حفلات المدرسة نصف السنوية وحفل نهاية العام، كان العطاس يعزف ويغني مع بعض زملائه، في بيئة المدرسة التعليمية، دون أن يتصور للحظة حجم النجاح الذي سيتحقق لاحقاً. يستذكر عمر العطاس، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، موقفاً أثناء دراسته، وذلك عندما تعثر في مادة «الهندسة»، وأنشد حينها أغنية بلون «الينبعاوي»، وكان ذلك أول انتباهة منه إلى حجم ارتباطه بهذا الفن. وردد:

«بالله عليك

يا مدرس خفف الواجب قليل اليوم

حساب وعلوم وإنشاء وقواعد ونصوص

الهندسة طفشتني زي درس العلوم

أما الرياضة حبيبية ما أغيب عنها ولا يوم».

عمر العطاس في صباه يعزف على آلة المرواس (من أنواع الطبول) في سن الـ14 من عمره (فرقة أبو سراج)

ومضت الأيام، حتى عام 1403هـ، حيث اتضحت الرؤية، وأقر الجميع بضرورة تأسيس الفرقة التي كانت لا تزيد على 12 فرداً، على أن يترأسها عمر العطاس، لتنطلق بعدها رحلة البحث عن المكان، وتقديم الأجود من هذا التراث بشكل متطور ومغاير على ما كان عليه الحال في أداء وتقديم الفنون التقليدية. يقول العطاس: «تلقينا في بدايتنا دعماً جيداً من محمد مكوار، مالك إحدى قاعات الأفراح بجدة، من خلال إحياء حفلات الزواج في قاعته دون مقابل، من باب التسويق للفرقة، واستمر هذا الحال في ظل منافسة قوية مع عدد من الفرق الشعبية ومنها مجموعة (أبو هلال)، حتى وضعت فرقتنا نفسها في المشهد الثقافي»، مستذكراً أن أول مبلغ تقاضته الفرقة في إحدى المناسبات، بلغ نحو 4 آلاف ريال (ألف دولار)، والذي اعتُبر حينها مبلغاً كبيراً.

العطاس مع الفنان محمد عبده في إحدى المناسبات (فرقة أبو سراج)

الانتشار المحلي والدولي

أخذت الفرقة في الانتشار، والمشاركة في برامج التنشيط السياحي بالطائف منذ عام 1408هـ، كأول فرقة شعبية تقوم بهذا الدور، وامتدت دعواتها لاحقاً، كما يقول العطاس، إلى دول الخليج، مثل قطر والإمارات وعمان، بعد أزمة الخليج. وأوضح العطاس أن أول مشاركة رسمية خارج المملكة كانت عام 1411هـ في ليبيا، تحت إشراف الرئاسة العامة لرعاية الشباب، وبترشيح من الفنان سراج عمر. ولاحقاً، شاركت الفرقة في دول أوروبية، وقدمت ألواناً فلكلورية تمثل مناطق المملكة المختلفة، سواء بمشاركة الفرقة كاملة أو بعناصر مختارة، مع الحفاظ على الطابع التراثي المميز.

عمر العطاس يؤدي الطرب «الينبعاوي» أحد أشهر الفنون الشعبية (الشرق الأوسط)

الأزمات والتحديات

واجهت الفرقة تحديات كبيرة، أبرزها أزمة الخليج الثانية التي عصفت بالمنطقة عام 1990م، حين توقفت الحفلات والإنتاج، واكتفت الفرقة بتقديم الأغاني الوطنية فقط، مسجلة أعمالها للإذاعة بلا مقابل. ويروي العطاس أن الفرقة خلال هذه الفترة أصدرت 8 أغانٍ وطنية، أبرزها «الراية الخضراء» و«رايتي رايتي»، من كلمات الشاعر فهد السعيد، وألحان أحمد عمر، كما كادت أزمة مالية تؤدي إلى فقدان مقر الفرقة، لكن تدخلَ الأمير ماجد بن عبد العزيز، أمير منطقة مكة المكرمة (آنذاك)، بعد أن أخبره الشيخ عبد المحسن السميري بوجود مشكلة في دفع الإيجار، فقام الأمير ماجد على الفور بدعم الفرقة، واحتفظت بمقرها.

المزج بين التراث والتجديد

بدأت الفرقة في إنتاج «كاسيتات» موسيقية تميزت بالجمع بين الإبداع في التجديد وإحياء التراث، وفي الشريط الأول، من أصل 6 أغانٍ، كانت 4 منها جديدة كلياً، في حين كانت الأغنيتان المتبقيتان من التراث العربي، مع إضفاء تطوير موسيقي يلائم العصر؛ ما منح الفرقة هوية فنية متميزة منذ البداية.

كما أدخلت الفرقة آلات موسيقية جديدة مثل الناي والبزق، بجانب آلة الكمان والعود، إضافة إلى تطوير الإيقاعات، بما في ذلك الأنماط المستوحاة من الإيقاع المصري؛ ما أعطى العروض طابعاً فنياً متفرداً.

العطاس مع كابتن الاتحاد والمنتخب السعودي لكرة القدم أحمد جميل (فرقة أبو سراج)

الانطلاقة بعد الأزمة

يروي العطاس أنه بعد انتهاء أزمة الخليج الثانية في عام 1991، عادت الفرقة للحفلات تدريجياً، وطرحت إصدارها السابع الذي حمل اسم «ودعتك الله يا عز إنسان» الذي شهد إدخال آلة البزق لأول مرة، وتوسعاً في تنويعات الإيقاعات؛ ما أضفى بعداً جديداً على الأداء، كما أنتجت الفرقة أوبريت «جوال» عام 1411هـ، من كلمات فؤاد مبعاوي، وألحان عبد الله عقيل، وأداء شعري للشريف فيصل البركاتي، وأنتجته شركة «الجزيرة»، وكان علامة فارقة في تاريخها.

جائزة «أفضل فرقة عربية»

حصلت الفرقة على عدد من الجوائز الإقليمية والدولية التي حفزت مسيرتها، ومن أبرزها جائزة «أفضل فرقة عربية»، وجائزة «قوس أوروبا»، إضافة إلى أكثر من 250 شهادة تقدير وخطاب شكر من جهات رسمية وثقافية داخل المملكة وخارجها، تقديراً لمساهمتها في تطوير اللون «الينبعاوي» وإحياء التراث الفلكلوري.

ويحكي قائد الفرقة عن تحقيق حلم تأسيس الفرقة وتألقها التاريخي، فيقول: «لم نفكر يوماً أن نصبح فرقة لها انتشار وحضور بهذا الحجم، كنا نتمنى فقط أن يكون لدينا مرواس بحري، وأن نتمكن من إحياء حفلات بسيطة. وما جعلنا نصل إلى ما نحن عليه اليوم هو الأشخاص المساندون من المؤسسين والمبدعين».

وقال أبو سراج إن الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز أحد أبرز الشخصيات التي دعمت الفرقة، وتجلى دعمه في الكثير من المواقف، ومنها عندما اعتمد «فرقة أبو سراج» عام 1412هـ، لتأدية الأناشيد العسكرية الخاصة بالقوات المسلحة، والتي تزيد على 13 أغنية. وعرفاناً بالجميل، قامت الفرقة بتقديم أغنية خاصة للأمير سلطان بن عبد العزيز، بعد عودته من رحلة للعلاج عام 1415هـ، وجاء في مطلعها: «ترانا بخير بوجودك... يا كاسي الليل من جودك».

«فرقة أبو سراج» تؤدي فن «الخبيتي» الذي ينتشر في غرب السعودية (الشرق الأوسط)

قصة صمود وإبداع

ورغم الظروف والتحديات التي واجهتها، ظلت «فرقة أبو سراج» علامة فنية، تجمع بين الأصالة والإبداع، وحافظت بصمودها على الاستمرار، وتحولت الفرقة من حي شعبي، وحلم في عهد الصبا، إلى إرث ثقافي يُحتذى به، وأيقونة موسيقية تُمثل السعودية في المحافل الداخلية والخارجية.

وأشاد العطاس بما تعيشه السعودية من تقدم وازدهار في مختلف المسارات، ومنها الجانب الثقافي الذي يحظى بدعم من وزير الثقافة الأمير بدر بن فرحان، ورئيس الهيئة العامة للترفيه المستشار تركي آل الشيخ، وقال: «سيبقى الموروث الفني الشعبي لأجيال وأجيال قادمة، وسيساهم هذا الدعم في وجوده بشكل لافت في المحافل الدولية».


مقالات ذات صلة

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

يوميات الشرق انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها.

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

قُبيل حفله الغنائي في القاهرة، تغزّل الفنان العراقي كاظم الساهر في مصر، واصفاً إياها بأنها تمثل بالنسبة إليه «البساطة وعدم التكلف»

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

حصد المخرج سمير سرياني جائزة «موركس دور» لأفضل كليب لبناني عن أغنية «يا قلبو» لنانسي عجرم، ليكون بذلك قد نال حتى اليوم ثلاثة جوائز

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.


«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.