آثار هاربة... من الأرض إلى الذاكرة

عن معرض «غزة» بمعهد العالم العربي في باريس

آثار هاربة... من الأرض إلى الذاكرة
TT

آثار هاربة... من الأرض إلى الذاكرة

آثار هاربة... من الأرض إلى الذاكرة

لوحات فسيفساء بيزنطية تُطل منها هيئات وحش بري بملامح ناقصة، وجرار مدببة القعر بأحجام متفاوتة، حفظ فيها الفلاحون قبل آلاف السنين نبيذهم وزيتهم، وقناديل نحاسية بنقوش دقيقة، وصحون وأقداح خزفية، بعضها سليم وبعضها مرمم تنقصه شظايا ضائعة، وتماثيل رخامية، وصور فوتوغرافية لمواقع أثرية، وأحياء وساحات ومساجد... 132 قطعة معروضة بمعهد العالم العربي في باريس منذ 3 أبريل (نيسان) الماضي، ضمن معرض مؤقت سيستمر حتى 2 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل 2025، وكأنه صيغة أخرى للإحساس بالمأساة الفلسطينية، بعد معارض متعددة احتضنها المعهد بشكل منتظم في السنوات الماضية، لعل آخرها ذلك الذي حمل عنوان «ما تقدمه فلسطين إلى العالم»، صيف 2023، وقد اختتم بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) بأسابيع قليلة.

يحتوي المعرض الراهن على لقى أثرية أُنقذت من غزة عبر مشروع تنقيب وصيانة حمل وسم «انتقال»، جمع بين وزارة السياحة والآثار الفلسطينية والمدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار في القدس (EBAF)، الذي حظي بدعم منظمة اليونسكو ومتحف اللوفر وأطراف أخرى، أضيفت إلى تلك اللقى مجموعة رجل الأعمال الفلسطيني «جودت خضري» الخاصة، التي تم التبرع بها للسلطة الوطنية الفلسطينية. وشكّلت مجموع الأعمال اللبنة الأساس لما كان مفترضاً أن يكون عليه متحف غزة الأثري، بيد أن ظروف الحرب جعلتها تبقى في جنيف التي وصلتها سنة 2006، قبل أن تتحول باريس إلى مرفئ مؤقت بعد التدمير الإسرائيلي الممنهج للقطاع.

من المؤكد أن توقيت العرض كان حاسماً، بعد مشاهد الإبادة الجماعية ومحو العمران، والمجاعة الكبرى، ليس في لفت الانتباه للحضارات المتوالية على قطاع غزة على امتداد 5 آلاف سنة، منذ العصر البرونزي والحضارات الكنعانية والفرعونية والآشورية والبابلية والفارسية والهلنستية والبيزنطية والإسلامية، ولكن أيضاً لتقديم السردية المقابلة لما تقدمه الرواية الإسرائيلية – التوراتية، لذا قد لا تكون مفاجئة تلك الصفوف من الزوار التي تنتظر اقتناء التذاكر في عز شهر أغسطس (آب)، من الفرنسيين وبعض العرب، فالعنوان المقترح «كنوز أنقدت من غزة: خمسة آلاف سنة من التاريخ» يخترق الخراب والمحو المعممين، وكأنّ الأمر يتعلق بحصيلة عملية إنقاذ نوعية لتلك الآثار تم تنظيمها خلال الحرب الممتدة منذ سنتين على القطاع، والحال أن القدر وحده جعل تلك الآثار الزائرة لأوروبا تتأخر في الوصول إلى مرتعها، فيكتب لها البقاء.

ولعل هذا الإنقاذ، عبر الاستضافة، للوحات الفسيفساء والأواني والمنحوتات القديمة لم يكن مجرد تحصين للأغراض المادية التاريخية من التلف، وإنما بالأساس كان صوناً لدلالاتها الرمزية والتاريخية والسياسية، إذ لا يتعلق الأمر بحسب أطروحة المعرض بقطاع عمره يمتد إلى عام 1949، ومساحة تبلغ ما يناهز 365 كيلومتراً فحسب، وإنما بواحة عمّرت لآلاف السنين وأنتجت كياناً تميز «منذ البداية بانعزاله وكثافته القصوى سكانيّاً وعمرانيّاً... لقد جرفت الأحداث المأساوية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وصولاً إلى الحرب الحالية تاريخ هذه الواحة العريقة، مكان العبور والاتصال المفتوح على العالم. وبالفعل، من بتذكر أن غزة التي ولدت من التقاء الرمال والبحر تمتعت بماضٍ مرموق من دون انقطاع منذ العصر البرونزي؟» (كاتالوغ المعرض، ص 2).

يمكن القول إن السؤال الأخير لم يكن هو محرك المعرض، بيد أن التكوين البصري المقدم للمشاهد والزائر بات يتضمن إجابات عنه، أي أنه يقدم للعالم مساراً جغرافيّاً كباقي المسارات، لكنه انتهى إلى مصير مخالف للغالب الأعم من المآلات. في موضع من كتاب «ذكريات من القدس» ترد عبارة لسيرين الحسيني شهيد، في الصفحة الأولى، تختصر بعض دلالات المعرض، تقول فيها: «لا شيء كان يميزنا عن بقية سكان هذه المعمورة، لكن مصيرنا لم يكن مثل مصيرهم» (ص 9)، ذلك ما ينطبق أيضاً على غزة وعلى باقي المدن الفلسطينية تحت الاحتلال، التي تتحول فيها الآثار القديمة والصور الفوتوغرافية للعمائر الممحوة، والعائلات المهجرة أو المبادة، من علامات في مسار تاريخي طبعته الأحداث الراديكالية، إلى شهادة على انزياح استثنائي لواحة ورخاء نحو العدم. آثار ستدوم ظلالها أمداً طويلاً وتسهم في تعديل نظرة العالم.

تسمح الآثار المقدمة لزوار معهد العالم العربي في باريس، من الغرباء عن القضية، المصعوقين بأصداء المجاعة والخراب في المستطيل الضيق ضمن خريطة الشرق الأوسط الموسوم بـ«غزة»، بأن تصل الدوال بدلالاتها، خارج تضارب المرويات بين المستعمر والرازح تحت الاحتلال، ومن ثم التقاط ملامح هوية إنسانية تنتمي لذلك الفضاء، لها امتدادات في الزمن والتسميات والاستعمالات والتجمعات السكنية؛ من ميناء أنطون القديم، إلى الفسيفساء البيزنطية في مركز «مخيطيم» (جباليا)، مروراً بدير القديس هيلاريون (نصيرات)، وغيرها من أحياز الشريط الضيق على تخوم الصحراء في مواجهة البحر، الذي جعل «غزة» ما كانت عليه قبل قرون، رهاناً رئيسيّاً في التنافس بين قوى وادي النيل وقوى بلاد الرافدين، وميناء متوسطياً، يمثل نقطة التقاء طرق القوافل القادمة من أفريقيا والجزيرة العربية والهند، ما جعل منها «أكبر مدينة في سوريا القديمة» مثلما وصفها إسترابون، استثارت مطامع المصريين والآشوريين والبابليين والفرس واليونانيين والرومان والمماليك والعثمانيين... قبل أن تنتهي إلى الحصار والتدمير المنهج من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي.

في الصور الفوتوغرافية التي ترافق المعروضات الأثرية، وهي صور لم تنشر من قبل، تعود لمجموعة المقتنيات الخاصة بالمدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار في القدس (EBAF)، نكتشف عمائر لم يعد لها وجود في الغالب الأعم، أسواراً تاريخية وبوابات، مساجد ودوراً سكنية وساحات، ومناظر طبيعية، بعضها بقيت آثاره، وأخرى اندثرت. وتحكي النصوص المرافقة عن دمار مبكر في السنوات الأولى من القرن الماضي، حيث تسبب القصف البريطاني سنة 1917 في فقدان غزة كثيراً من تراثها المعماري، وأعقب وصول اللاجئين عام 1947 وقيام دولة إسرائيل تدفق أعداد كبيرة أخرى بعد النكبة، فانضم ما يقارب 200 ألف إلى سكان هذا الشريط الساحلي، الذي بدأ في فقدان ملامحه العمرانية من جراء الحروب منذ ذلك الوقت. والشيء الأكيد أن وجود تلك الصور يملأ ثغرات السردية التاريخية للآثار البرونزية والحديدية والخزفية، المقدمة لإعادة رسم ملامح الواحة التي امتلكت على امتداد آلاف السنين مقومات وجودها وازدهارها، وأسس هويتها المتوسطية والعربية ما بين سوريا الكبرى ومصر.

تتوقف النصوص المرافقة للنسق البصري المقدم للجمهور، عند اللحظات التاريخية العديدة التي تعرضت فيها غزة للتدمير منذ ما قبل الميلاد، حين احتلت مملكة «الحشمونيين» اليهودية غزة وخربتها، وما تلا غزوها من قبل الإسكندر المقدوني من أعمال النهب والمجازر، مروراً بالحروب الصليبية واحتلالها ما بين 1149 و1187، حتى الاحتلال البريطاني وقصفها سنوات الحرب العالمية الأولى. ويبدو منذ عنوان المعرض الذي لم يخلُ من إثارة «كنوز أنقذت من غزة»، أن القصة في مجملها مهددة بالزوال مثلما أزيلت المدن والمخيمات في الواقع، وأن الصدفة قد لا تتكفل دوماً ببقاء الآثار الهاربة من الأرض إلى المتحف، وبتعبير مرير ورد ضمن أحد النصوص المرافقة للصور والقطع الأثرية: «ثمة خطر كبير يهدد ثراء هذه الواحة... وتصورات مجنونة حول مستقبلها ستمحو لو تحققت خمسة آلاف سنة من وجودها، لذا فإن تاريخها بحاجة لأن يعرف اليوم أكثر من أي وقت مضى» (ص 2).


مقالات ذات صلة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون بدر شاكر السياب

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008،

محمود الزيباوي

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.