آثار هاربة... من الأرض إلى الذاكرة

عن معرض «غزة» بمعهد العالم العربي في باريس

آثار هاربة... من الأرض إلى الذاكرة
TT

آثار هاربة... من الأرض إلى الذاكرة

آثار هاربة... من الأرض إلى الذاكرة

لوحات فسيفساء بيزنطية تُطل منها هيئات وحش بري بملامح ناقصة، وجرار مدببة القعر بأحجام متفاوتة، حفظ فيها الفلاحون قبل آلاف السنين نبيذهم وزيتهم، وقناديل نحاسية بنقوش دقيقة، وصحون وأقداح خزفية، بعضها سليم وبعضها مرمم تنقصه شظايا ضائعة، وتماثيل رخامية، وصور فوتوغرافية لمواقع أثرية، وأحياء وساحات ومساجد... 132 قطعة معروضة بمعهد العالم العربي في باريس منذ 3 أبريل (نيسان) الماضي، ضمن معرض مؤقت سيستمر حتى 2 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل 2025، وكأنه صيغة أخرى للإحساس بالمأساة الفلسطينية، بعد معارض متعددة احتضنها المعهد بشكل منتظم في السنوات الماضية، لعل آخرها ذلك الذي حمل عنوان «ما تقدمه فلسطين إلى العالم»، صيف 2023، وقد اختتم بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) بأسابيع قليلة.

يحتوي المعرض الراهن على لقى أثرية أُنقذت من غزة عبر مشروع تنقيب وصيانة حمل وسم «انتقال»، جمع بين وزارة السياحة والآثار الفلسطينية والمدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار في القدس (EBAF)، الذي حظي بدعم منظمة اليونسكو ومتحف اللوفر وأطراف أخرى، أضيفت إلى تلك اللقى مجموعة رجل الأعمال الفلسطيني «جودت خضري» الخاصة، التي تم التبرع بها للسلطة الوطنية الفلسطينية. وشكّلت مجموع الأعمال اللبنة الأساس لما كان مفترضاً أن يكون عليه متحف غزة الأثري، بيد أن ظروف الحرب جعلتها تبقى في جنيف التي وصلتها سنة 2006، قبل أن تتحول باريس إلى مرفئ مؤقت بعد التدمير الإسرائيلي الممنهج للقطاع.

من المؤكد أن توقيت العرض كان حاسماً، بعد مشاهد الإبادة الجماعية ومحو العمران، والمجاعة الكبرى، ليس في لفت الانتباه للحضارات المتوالية على قطاع غزة على امتداد 5 آلاف سنة، منذ العصر البرونزي والحضارات الكنعانية والفرعونية والآشورية والبابلية والفارسية والهلنستية والبيزنطية والإسلامية، ولكن أيضاً لتقديم السردية المقابلة لما تقدمه الرواية الإسرائيلية – التوراتية، لذا قد لا تكون مفاجئة تلك الصفوف من الزوار التي تنتظر اقتناء التذاكر في عز شهر أغسطس (آب)، من الفرنسيين وبعض العرب، فالعنوان المقترح «كنوز أنقدت من غزة: خمسة آلاف سنة من التاريخ» يخترق الخراب والمحو المعممين، وكأنّ الأمر يتعلق بحصيلة عملية إنقاذ نوعية لتلك الآثار تم تنظيمها خلال الحرب الممتدة منذ سنتين على القطاع، والحال أن القدر وحده جعل تلك الآثار الزائرة لأوروبا تتأخر في الوصول إلى مرتعها، فيكتب لها البقاء.

ولعل هذا الإنقاذ، عبر الاستضافة، للوحات الفسيفساء والأواني والمنحوتات القديمة لم يكن مجرد تحصين للأغراض المادية التاريخية من التلف، وإنما بالأساس كان صوناً لدلالاتها الرمزية والتاريخية والسياسية، إذ لا يتعلق الأمر بحسب أطروحة المعرض بقطاع عمره يمتد إلى عام 1949، ومساحة تبلغ ما يناهز 365 كيلومتراً فحسب، وإنما بواحة عمّرت لآلاف السنين وأنتجت كياناً تميز «منذ البداية بانعزاله وكثافته القصوى سكانيّاً وعمرانيّاً... لقد جرفت الأحداث المأساوية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وصولاً إلى الحرب الحالية تاريخ هذه الواحة العريقة، مكان العبور والاتصال المفتوح على العالم. وبالفعل، من بتذكر أن غزة التي ولدت من التقاء الرمال والبحر تمتعت بماضٍ مرموق من دون انقطاع منذ العصر البرونزي؟» (كاتالوغ المعرض، ص 2).

يمكن القول إن السؤال الأخير لم يكن هو محرك المعرض، بيد أن التكوين البصري المقدم للمشاهد والزائر بات يتضمن إجابات عنه، أي أنه يقدم للعالم مساراً جغرافيّاً كباقي المسارات، لكنه انتهى إلى مصير مخالف للغالب الأعم من المآلات. في موضع من كتاب «ذكريات من القدس» ترد عبارة لسيرين الحسيني شهيد، في الصفحة الأولى، تختصر بعض دلالات المعرض، تقول فيها: «لا شيء كان يميزنا عن بقية سكان هذه المعمورة، لكن مصيرنا لم يكن مثل مصيرهم» (ص 9)، ذلك ما ينطبق أيضاً على غزة وعلى باقي المدن الفلسطينية تحت الاحتلال، التي تتحول فيها الآثار القديمة والصور الفوتوغرافية للعمائر الممحوة، والعائلات المهجرة أو المبادة، من علامات في مسار تاريخي طبعته الأحداث الراديكالية، إلى شهادة على انزياح استثنائي لواحة ورخاء نحو العدم. آثار ستدوم ظلالها أمداً طويلاً وتسهم في تعديل نظرة العالم.

تسمح الآثار المقدمة لزوار معهد العالم العربي في باريس، من الغرباء عن القضية، المصعوقين بأصداء المجاعة والخراب في المستطيل الضيق ضمن خريطة الشرق الأوسط الموسوم بـ«غزة»، بأن تصل الدوال بدلالاتها، خارج تضارب المرويات بين المستعمر والرازح تحت الاحتلال، ومن ثم التقاط ملامح هوية إنسانية تنتمي لذلك الفضاء، لها امتدادات في الزمن والتسميات والاستعمالات والتجمعات السكنية؛ من ميناء أنطون القديم، إلى الفسيفساء البيزنطية في مركز «مخيطيم» (جباليا)، مروراً بدير القديس هيلاريون (نصيرات)، وغيرها من أحياز الشريط الضيق على تخوم الصحراء في مواجهة البحر، الذي جعل «غزة» ما كانت عليه قبل قرون، رهاناً رئيسيّاً في التنافس بين قوى وادي النيل وقوى بلاد الرافدين، وميناء متوسطياً، يمثل نقطة التقاء طرق القوافل القادمة من أفريقيا والجزيرة العربية والهند، ما جعل منها «أكبر مدينة في سوريا القديمة» مثلما وصفها إسترابون، استثارت مطامع المصريين والآشوريين والبابليين والفرس واليونانيين والرومان والمماليك والعثمانيين... قبل أن تنتهي إلى الحصار والتدمير المنهج من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي.

في الصور الفوتوغرافية التي ترافق المعروضات الأثرية، وهي صور لم تنشر من قبل، تعود لمجموعة المقتنيات الخاصة بالمدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار في القدس (EBAF)، نكتشف عمائر لم يعد لها وجود في الغالب الأعم، أسواراً تاريخية وبوابات، مساجد ودوراً سكنية وساحات، ومناظر طبيعية، بعضها بقيت آثاره، وأخرى اندثرت. وتحكي النصوص المرافقة عن دمار مبكر في السنوات الأولى من القرن الماضي، حيث تسبب القصف البريطاني سنة 1917 في فقدان غزة كثيراً من تراثها المعماري، وأعقب وصول اللاجئين عام 1947 وقيام دولة إسرائيل تدفق أعداد كبيرة أخرى بعد النكبة، فانضم ما يقارب 200 ألف إلى سكان هذا الشريط الساحلي، الذي بدأ في فقدان ملامحه العمرانية من جراء الحروب منذ ذلك الوقت. والشيء الأكيد أن وجود تلك الصور يملأ ثغرات السردية التاريخية للآثار البرونزية والحديدية والخزفية، المقدمة لإعادة رسم ملامح الواحة التي امتلكت على امتداد آلاف السنين مقومات وجودها وازدهارها، وأسس هويتها المتوسطية والعربية ما بين سوريا الكبرى ومصر.

تتوقف النصوص المرافقة للنسق البصري المقدم للجمهور، عند اللحظات التاريخية العديدة التي تعرضت فيها غزة للتدمير منذ ما قبل الميلاد، حين احتلت مملكة «الحشمونيين» اليهودية غزة وخربتها، وما تلا غزوها من قبل الإسكندر المقدوني من أعمال النهب والمجازر، مروراً بالحروب الصليبية واحتلالها ما بين 1149 و1187، حتى الاحتلال البريطاني وقصفها سنوات الحرب العالمية الأولى. ويبدو منذ عنوان المعرض الذي لم يخلُ من إثارة «كنوز أنقذت من غزة»، أن القصة في مجملها مهددة بالزوال مثلما أزيلت المدن والمخيمات في الواقع، وأن الصدفة قد لا تتكفل دوماً ببقاء الآثار الهاربة من الأرض إلى المتحف، وبتعبير مرير ورد ضمن أحد النصوص المرافقة للصور والقطع الأثرية: «ثمة خطر كبير يهدد ثراء هذه الواحة... وتصورات مجنونة حول مستقبلها ستمحو لو تحققت خمسة آلاف سنة من وجودها، لذا فإن تاريخها بحاجة لأن يعرف اليوم أكثر من أي وقت مضى» (ص 2).


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.