الجيش اللبناني يتلقّف «كرة اللهب» السياسية لمواكبة التحولات وحصرية السلاح

دعم دولي متنامٍ... وتعويل عليه لضمانة الاستقرار

جنود لبنانيون ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)
جنود لبنانيون ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)
TT

الجيش اللبناني يتلقّف «كرة اللهب» السياسية لمواكبة التحولات وحصرية السلاح

جنود لبنانيون ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)
جنود لبنانيون ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)

تختصر المهام العملية للجيش اللبناني في الأسابيع الأخيرة، حجم التحديات المرمية على عاتقه، وفيما كان الجيش ينعى جنديين قتلا بانفجار مسيرة إسرائيلية كانا يعملان على تفكيكها بعد سقوطها في الجنوب، كانت وحدات أخرى تتسلّم أسلحة وعتاداً عسكرياً من المخيمات الفلسطينية، بينما كانت وحدات أخرى تنتشر على الحدود مع سوريا وتفكك معملاً لتصنيع المخدرات، بموازاة تعزيز الانتشار جنوب نهر الليطاني.

آليات عسكرية تابعة للجيش اللبناني على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)

وأكد قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الجمعة، أن «الجيش يتحمل مسؤوليات كبرى على مختلف المستويات، وهو مقبل على مرحلة دقيقة يتولى فيها مهمات حساسة، وسيقوم بالخطوات اللازمة لنجاح مهمته آخذاً في الاعتبار الحفاظ على السلم اﻷهلي واﻻستقرار الداخلي».

ويبلغ عديد الجيش الإجمالي نحو 75 ألف عسكري، ينتشرون على مختلف الأراضي اللبنانية وعند الحدود الشمالية والشرقية والجنوبية.

ويقول مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط» إن هؤلاء العناصر «تتعدّد مهماتهم وتتنوّع بين مهمات أمنية في الداخل وحفظ السلم الأهلي، وملاحقة المخلين بالأمن وتجار المخدرات ومكافحة الإرهاب»، بالإضافة إلى منع التهريب والتسلل غير الشرعي إلى الأراضي اللبنانية عند الحدود الشمالية والشرقية، وتعزيز انتشار الجيش في قطاع جنوب الليطاني.

كرة لهب سياسية

الواقع أن الجيش تلقّف «كرة لهب» قذفتها السلطة السياسية إلى ملعبه، وتتمثل بسحب سلاح «حزب الله»، وتثبيت الاستقرار في الجنوب، وضبط الحدود مع سوريا، فضلاً عن سحب السلاح الفلسطيني في المخيمات، وملاحقة المتورطين في الاتجار بالمخدرات وتصنيعها، وضبط الاستقرار الداخلي على ضوء التوترات المتزايدة. هذه المهام، وضعته في مركز الاهتمام الدولي الذي لم يجد أولوية تتصدر أولويات دعمه، بدليل ما ورد في «الورقة الأميركية»، والمسعى الفرنسي لدعم الجيش.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة «حزب الله» في الجنوب (مديرية التوجيه)

وبعدما نصت الورقة الأميركية التي حملها الموفد توماس براك إلى بيروت، على تمويل سنوي يناهز مليار دولار لتجهيز الجيش وقوى الأمن، بموازاة توسيع وجود الجيش إلى 33 موقعاً و15 حاجزاً إضافيّاً في الجنوب، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، إن بلاده عازمة على عقد مؤتمرين بحلول نهاية العام، أحدهما لدعم الجيش اللبناني، الذي وصفه بأنه «الركيزة الأساسية لسيادة البلاد»، والآخر للتعافي وإعادة الإعمار.

وأوضح ماكرون أنه حث الحكومة اللبنانية على اعتماد خطة حصر السلاح بيد الدولة التي ستُعرض على مجلس الوزراء لهذا الهدف، وذلك خلال اتصالَين هاتفيَّين مع الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام. وأضاف ماكرون عبر منصة «إكس» أنه سيرسل مبعوثه الشخصي إلى لبنان للعمل مع السلطات بشأن الأولويات فور اعتماد الحكومة خطة حصر السلاح.

ويسعى مؤتمر دعم الجيش لتأمين مساعدات تتيح زيادة عديد الجيش، ورفع مستوى تجهيزاته وتقويته بما يمكنه من تنفيذ مهامه، فضلاً عن دعم التقديمات لعناصر الجيش وتأمين استمراريتها، وذلك بعد سنوات من معاناة العسكريين جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعانيها لبنان.

تحديات متزايدة

ورغم هذا الاهتمام الدولي بدعم المؤسسة العسكرية، والتعويل الواسع على دورها، فإنها تزيد من حجم التحديات المترتبة عليه، ذلك أن الجيش اللبناني بات مركز الاهتمام الدولي لتثبيت الاستقرار في البلاد، وتطبيق التحولات السياسية والأمنية، علماً بأن الأفرقاء كافة يجمعون على توفير الدعم السياسي المحلي الكامل للجيش، وعلى ضرورة دعمه في مهامه.

ويترقب لبنان الخطة التطبيقية التي يعدّها الجيش لقرار حصرية السلاح في لبنان، والتي ستُعرض على مجلس الوزراء في 2 سبتمبر (أيلول) المقبل، وسط تأكيدات حكومية لـ«الشرق الأوسط» بأن الخطة ستكون «تحت سقف عدم التصادم»، في وقت يستمر فيه الجيش بمهامه في الجنوب، حيث ينتشر حالياً في قطاع جنوب الليطاني نحو 7000 عنصر من الجيش اللبناني، وهو عدد قابل للارتفاع مستقبلاً وفق قرار مجلس الوزراء لرفع عديد الجيش في الجنوب بعد اتفاق وقف إطلاق النار، حسبما يؤكد مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط».

جنوب الليطاني

بالموازاة، تعمل الوحدات العسكرية على جمع الذخائر من مخلفات الحرب، رغم المخاطر المترتبة عليها.

ويقول مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط» إن خبراء الذخائر والمتفجرات في فوج الهندسة «يقومون بمعالجة هذه الذخائر وفقاً للتعليمات النافذة بهذا الخصوص مع ضرورة التشديد على تطبيق تدابير الحيطة المطلوبة، ووفقاً لتقدير الخطورة من قِبَل الخبير ومدى قربها من المناطق السكنية»، وذلك ضمن أولويات «ضمان حيطة المواطنين والعاملين في مجال معالجة مخلفات الحروب نظراً للمخاطر العالية لها وتأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين»، و«العمل بالطاقة القصوى للتمكّن من معالجة أكبر عدد ممكن من مخلفات الحروب، وتأمين العودة الآمنة للمواطنين، ومؤازرة انتشار وحدات الجيش». وعادة ما تكون الأولوية للمناطق المستهدفة المأهولة بالسكان، ثم المناطق الزراعية المستهدفة التي يستثمرها المواطنون وخراج القرى، وصولاً إلى المناطق الحرجية.

جنود لبنانيون يحملون نعش عسكريٍّ قُتل في انفجار مسيرة إسرائيلية في الجنوب الخميس (إ.ب.أ)

ولا تخفي المصادر أن هناك «خطراً دائماً يتمثّل باحتمال انفجار الذخائر في أثناء التعامل معها»، وقد حصلت عدة حوادث في أثناء معالجة هذه الذخيرة أدّت إلى مقتل وإصابة عدد من عناصر من الجيش اللبناني.

الحدود مع سوريا

وإلى جانب الفصل المتصل بحصرية السلاح وضمانة الاستقرار على الحدود مع إسرائيل، نصت الورقة الأميركية على خطّة موازية لترسيم الحدود اللبنانيّة - السوريّة برّاً وبحراً، وإنشاء لجنةٍ ثلاثيّةٍ (لبنان، سوريا، الأمم المتحدة) بدعمٍ غربيّ - عربيّ، إضافةً إلى برنامجٍ مشترك لمكافحة تهريب المخدّرات، ويشمل عمليّات لبنانيّة - سوريّة مشتركة.

وتنتشر على طول الحدود اللبنانية - السورية وحدات عسكرية مختلفة، مهمتها الأساسية ضبط ومراقبة الحدود ومنع عمليات التهريب، وهي 4 أفواج للحدود البرية.

وأقفل الجيش اللبناني العدد الأكبر للمعابر غير الشرعية التي كانت موجودة على الحدود مع سوريا، معتمداً على «خطة أمنية متكاملة تشمل نشر وحدات عسكرية على امتداد الحدود، وإقامة نقاط مراقبة ثابتة ومتحركة، وتسيير دوريات راجلة ومؤللة، واستخدام تقنيات مراقبة ليلية، إضافة إلى التنسيق الدائم مع الأجهزة الأمنية المعنية»، حسبما تقول مصادر عسكرية؛ إذ «حقق الجيش نتائج ملموسة في الحد من الاتجار بالمخدرات من خلال تكثيف الإجراءات الأمنية وتعزيز المراقبة على الحدود».

قائد الجيش اللبناني يتفقد وحدات عسكرية في شرق لبنان يوم عيد الجيش مطلع الشهر الحالي (مديرية التوجيه)

وتشير بيانات الجيش إلى أنه منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فاق عدد الموقوفين الـ160 شخصاً من اللبنانيين والسوريين.

ويشير المصدر العسكري إلى أن هناك «تنسيقاً بين الجيش اللبناني وهيئة الأركان السورية لضبط عمليات التهريب عبر الحدود المشتركة من خلال مكتب التعاون والتنسيق، حيث يشهد هذا التنسيق تطوراً في مجال ضبط الحدود ومكافحة التهريب، عبر إجراءات أمنية مشتركة وزيارات رسمية. ومع ذلك، فإنّ التحديات الجغرافية والأمنية تتطلب استمرار التعاون والتنسيق بين البلدين لضمان أمن الحدود».

ويقول المصدر: «التحدي الأساسي هو الحفاظ على سيادة الدولة، ومنع أي اختراق للحدود، سواء من قبل مجموعات مسلحة، أو مهربين. لذلك، نعمل على الاستفادة من وسائل مراقبة حديثة وتقنيات رصد متطورة المتوافرة في أفواج الحدود البرية من أجل ضبط الحدود وحماية المواطنين اللبنانيين في المناطق الحدودية».

ويقول المصدر: «التحدي الأساسي هو الحفاظ على سيادة الدولة، ومنع أي اختراق للحدود، سواء من قبل مجموعات مسلحة، أو مهربين. لذلك، نعمل على الاستفادة من وسائل مراقبة حديثة وتقنيات رصد متطورة المتوافرة في أفواج الحدود البرية من أجل ضبط الحدود وحماية المواطنين اللبنانيين في المناطق الحدودية».


مقالات ذات صلة

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية

المشرق العربي صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية والرئيس عون يحض المشاركين في الاجتماع على «الاستثمار» بالجيش اللبناني والقوى الأمنية.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)

شبكة «حزب الله» وفلول الأسد أمام القضاء العسكري اللبناني

وضع القضاء العسكري في لبنان يده على واحدة من أخطر الشبكات الأمنية التي كُشف النقاب عنها خلال الأسابيع الماضية.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية متحدثاً أمام مجلس النواب (الوكالة الوطنية للإعلام)

الثقة الثالثة لحكومة سلام: تثبيت لخيار الدولة و«هزيمة سياسية» لـ«حزب الله»

أعادت الثقة الثالثة التي نالتها حكومة نواف سلام «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» أمام وضع سياسي مربك.

كارولين عاكوم (بيروت)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في باريس أمس (د.ب.أ)

توقيع اتفاقية تعاون عسكري بين فرنسا والأردن

وقع الأردن وفرنسا الخميس اتفاقية تعاون عسكري في إطار تنويع عمّان لخياراتها الدفاعية وسط حالة من عدم استقرار الحدود مع العراق وسوريا.

محمد خير الرواشدة (عمان)
المشرق العربي مقر سفارة الولايات المتحدة في روما حيث عُُقدت المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية أغسطس الماضي (أ.ب)

لبنان يدرس إنشاء نقطة مراقبة دولية في تلال علي الطاهر

يستعد لبنان للجولة الثامنة من المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية وبضيافة إيطالية للمرة الثالثة على التوالي.

محمد شقير (بيروت)

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية

صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)
صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)
TT

حراك دبلوماسي وعسكري لصالح لبنان في العاصمة الفرنسية

صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)
صورة جامعة للمشاركين باجتماع دعم الجيش اللبناني في باريس الخميس (حساب الرئيس الفرنسي)

يوم لبناني بامتياز عاشته باريس، الخميس، بمناسبة انعقاد الاجتماع الخاص بتوفير الدعم للجيش اللبناني والقوى الأمنية. فما بين الاجتماع الثنائي الذي حصل صباحاً في قصر الإليزيه بين الرئيس إيمانويل ماكرون والرئيس جوزيف عون، ثم القمة الثلاثية التي عُقدت لاحقاً في قصر الأنفاليد وضمت، إلى الرئيسين اللبناني والفرنسي، العاهل الأردني عبد الله الثاني، والكلمات الافتتاحية التي ألقاها الثلاثة في افتتاح الاجتماع التقني - العسكري بحضور قادة ورؤساء أركان وكبار الضباط من 17 دولة ومنظمة، كل ذلك أعاد الملف اللبناني، بمعنى ما، إلى واجهة الاهتمامات الدولية.

وبعد انتهاء الاجتماع، غرَّد ماكرون على منصة «إكس» عصراً ليعدّ أن «باريس هي اليوم المكان الذي يجتمع فيه شركاؤنا من أجل تعزيز سيادة لبنان وتمكينه من ضمان أمنه بشكل كامل»، عادَّاً أن لبنان الذي ينعم بالسلام «أمل يتجدد للشرق الأوسط بأسره. ولبنان ذو السيادة والمستقر هو خطوة حاسمة نحو تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة برمتها». وحرص ماكرون على التأكيد أننا «بالتعاون مع الرئيس اللبناني وملك الأردن، وبالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وشركائنا الدوليين، ندعم القوات المسلحة اللبنانية، التي لا غنى عنها لترسيخ سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها».

وأبعد من لبنان، أشار ماكرون إلى أنه «في مواجهة التوترات المستمرة في الشرق الأوسط، الدبلوماسية والحوار وحدهما من شأنهما وضع حد لتصعيد لا أفق له»، مجدداً تأكيد تضامن بلاده مع الأردن وإدانة الهجمات الإيرانية. كذلك، شدد الرئيس الفرنسي على «أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفي البحر الأحمر، وفي مضيق باب المندب». وأكد ماكرون أنه «يعمل بلا كلل من أجل خفض حدة التوترات، وتأمين إمداداتنا من النفط، وتخفيف الضغط على الأسعار».

اجتماع ثلاثي

واستفاد عون من المناسبة ليقدم عرضاً منهجياً للوضع اللبناني وصعوباته ولما تقوم به الدولة، وخصوصاً عرض الحجج القيّمة التي تجعل من مساعدة قوات الشرعية اللبنانية استثماراً في أمن المنطقة واستقرارها، بحيث لا تنحصر فائدته بلبنان وحده. وأسهمت مشاركة الملك عبد الله الثاني في الاجتماع بصفته يندرج في إطار «مسار العقبة» بإعطائه طابعاً إقليمياً وشرق أوسطياً بحيث شملت المحادثات، إن في الإليزيه أو في قصر الأنفاليد، الوضعين اللبناني والإقليمي. ووفق ما نقلته «الوكالة الوطنية للأنباء» عن أوساط رئاسة الجمهورية اللبنانية، فإن الثلاثة تناولوا في قمتهم «الوضع الإقليمي الخطير، وأكدوا ضرورة تكثيف الجهود الدولية للتوصل إلى تهدئة شاملة ومستدامة تعيد للمنطقة استقراراها. وقد تم البحث في مجمل التطورات في غزة والضفة الغربية والقدس». ومن جانبه، شدَّد عون على «أهمية ترابط أمن المنطقة» ودعا إلى «صياغة استراتيجية أمن إقليمي مشترك من خلال مشاريع الطاقة المشتركة والتعاون الاقتصادي والأمني والسياسي».

الرئيس اللبناني: نهاية الجفاء مع فرنسا

بيد أن عون أراد أيضاً من المناسبة أن يغلق ملف «الجفاء» القائم بين لبنان وفرنسا من خلال التركيز على شكر الرئيس ماكرون لـ«الدعم الذي تقدمه فرنسا للبنان وحرصه على تعزيز سلطة الدولة وسيادتها ودعم مؤسساتها الرسمية والأمنية والعسكرية». كذلك، أثنى على اهتمام ماكرون، بالتعاون مع رئيسة وزراء إيطاليا، بإيجاد بديل عن قوة «يونيفيل»؛ لتجنب الفراغ الأمني في جنوب لبنان. وذهب أبعد من ذلك بدعوته إلى «تعزيز التعاون في المجالات كافة، ولا سيما في المجال الاقتصادي والطاقة واستئناف التنقيب عن النفط والغاز في البلوكات اللبنانية». ومجدداً عاد عون، في كلمته الافتتاحية، لتوجيه الشكر للأردن ولماكرون ولفرنسا «باسم كل اللبنانيين على استضافتها الاجتماع وعلى وقوفها الدائم إلى جانب لبنان».

الرئيسان اللبناني والفرنسي وملك الأردن قبيل ظهر الخميس في قصر الأنفاليد حيث حصل الاجتماع الخاص بلبنان (أ.ب)

في كلمته الطويلة نسبياً، رسم عون صورة قاتمة عن الوضع في جنوب لبنان بسبب الاعتداءات والممارسات الإسرائيلية. إلا أنه، بالمقابل، عدَّ أن أمام لبنان فرصة توافرت بفضل «إرادة واضحة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها والمضي في الإصلاحات التي يحتاج إليه البلد». وكلام عون ليس جديداً، إنما التركيز عليه في باريس غرضه طمأنة المتخوفين من مراوحة الوضع اللبناني مكانه ومن عجز الدول عن ترجمة وعودها إلى أفعال.

يقول عون إن أمام لبنان فرصة يتعين اقتناصها، أساسها «قيام دولة قوية ومؤسسات فاعلة».

وهنا، يبرز دور الجيش والقوات الأمنية اللبنانية وتبرز الحاجة إلى دعم إقليمي ودولي. وإذ أشار إلى أهمية حصرية السلاح، شدد بالمقابل على أنه «أولاً خيار لبناني ومصلحة لبنانية» وهي حجة يرفعها بوجه من يتهم الدولة بـ«الانصياع للخارج». ودافع عن سياسة التفاوض مع إسرائيل، منبهاً بأن «التفاهمات والاتفاقيات لا تنجح بالتوقيع عليه فقط، بل باحترامها وتنفيذها من قِبل جميع الأطراف» في انتقاد واضح لإسرائيل. لذا؛ طلبه من «الأصدقاء والشركاء المساعدة على تنفيذ ما تم الاتّفاق عليه كاملاً، والتّعامل مع سيادة لبنان وسلامة أراضيه مبدأً ثابتاً لا يخضع للانتقائيّة».

الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً صباحاً الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

عون: هذه لحظة قرار لا لحظة انتظار

ولأن غرض الاجتماع «التقني والتمهيدي» مخصص لدعم الجيش؛ فقد سرد عون بإسهاب المهمات المتنوعة التي يتولى تنفيذها (تعزيز سلطة الدولة وحضورها، حماية الأمن الاستقرار ومنع انتهاكات الحدود ومحاربة التهريب...). يضاف إلى ما سبق الدور المفترض أن يلعبه بعد انتهاء مهمة «يونيفيل» بحيث لا يفضي رحيلها إلى فراغ أمني. كذلك، عرض لمهمات الأمن الداخلي ليخلص إلى القول إنه «لا يمكن تعزيز سلطة الدّولة من دون مؤسّسات عسكريّة وأمنيّة قوية فاعلة وحاضرة على كامل الأراضي اللّبنانيّة».

ولأن المؤسسات الأمنية تعيش ظروفاً قاسية، فإن الحاجة ملحة «إلى مواكبة ودعم دوليين» لتمكين القوى الأمنية من القيام بواجباتها. وهذا بالتحديد الغاية من الاجتماع التمهيدي الذي يراد منه أن يطلع على الخطة التفصيلية الدقيقة لانتشار الجيش اللبناني والنظر في كيفية التجاوب مع احتياجاته الكثيرة. وحرص الرئيس اللبناني على إيصال رسالة مفادها أن مساعدة القوى اللبنانية «استثمار يتجاوز حدود لبنان»؛ إذ إن «استقراره جزء من استقرار المنطقة»، مضيفاً أن «أي فراغ أمنيّ يمكن أن يتحول سريعاً مصدرَ عدم استقرار أوسع للمنطقة». وبناءً على ما سبق؛ فإن عون يطالب الاجتماع، وبقوة، بـ«نتائج ملموسة»، داعياً إلى أن يفضي إلى «خريطة طريق للمؤتمر الدّوليّ لدعم الجيش وقوى الأمن الدّاخليّ، وبجدول زمنيّ واضح لانعقاده وأن تؤسّس هذه الخريطة لمقاربة طويلة الأمد في دعم مؤسّساتنا العسكريّة والأمنية». وتبديداً للشكوك الدولية، فإن عون وعد بـ«الشفافية الكاملة والمساءلة» التي يتعين أن تترافق مع الدعم ووعد بأن تتحمل الدولة اللبنانية «حصة متزايدة في تمويل مؤسساتها الأمنية مع استعادة قدرتها المالية». وإشارة عون إلى «المؤتمر الدولي» مرده لكون اجتماع الخميس «تحضيري».

وختم الرئيس اللبناني كلمته داعياً إلى الاستثمار «في نجاح الدّولة اللّبنانيّة وفي استقرار المنطقة، فكما أن نجاح لبنان فإنّ نتائجه لن تبقى داخل حدوده، وتداعيات سقوطه أيضاً». ولمن ما زال متردداً وغير مقتنع، أردف قائلاً: «هذه لحظة قرار، لا لحظة انتظار».

القادة الثلاثة خلال اجتماعهم المغلق الخميس في قصر الأنفاليد (أ.ب)

هل أقنع الرئيس اللبناني المجتمعين؟ حقيقة الأمر، أن باريس، منذ بدء الحديث على اجتماع الخميس حرصت على خفض سقف التوقعات، ووعود الدعم التي تحدثت عنها مصادرها كانت «مؤجلة» للمؤتمر الذي أُلغي أو تأجل في مارس (آذار) الماضي. واللافت، أن الأطراف الثلاثة (فرنسا والأردن ولبنان) امتنعت طيلة النهار عن توفير أي معلومات عما دار داخل الاجتماع، بل رفض الإليزيه نقل كلمة القادة الثلاثة رغبة منه في إبقاء ما يقال داخل غرفة الاجتماع.


شبكة «حزب الله» وفلول الأسد أمام القضاء العسكري اللبناني

أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)
أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)
TT

شبكة «حزب الله» وفلول الأسد أمام القضاء العسكري اللبناني

أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)
أفراد من الجيش السوري يتجهون نحو اللاذقية للانضمام إلى القتال ضد فلول الأسد في حلب (رويترز)

وضع القضاء العسكري في لبنان يده على واحدة من أخطر الشبكات الأمنية التي كُشف النقاب عنها خلال الأسابيع الماضية، بعدما أظهرت التحقيقات الأولية تورّط مجموعة -تضمّ ضباطاً وعناصر من فلول نظام الأسد وأشخاصاً مرتبطين بـ«حزب الله»، أبرزهم ياسر علاء الدين الملقب بـ«الحاج علاء»- في تجنيد عشرات السوريين ونقلهم من الساحل السوري وتدريبهم، وإخضاعهم لدورات تدريبية على الأسلحة والمتفجرات واستخدام الطائرات المسيّرة، وإعادتهم إلى سوريا؛ تمهيداً لتنفيذ أعمال أمنية هناك.

التطوّر الأبرز في هذه القضية تمثّل في ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم على 14 شخصاً لبنانيين وسوريين بينهم 5، وأسند إليهم جرائم «تأليف عصابة من الأشرار، والتدريب على الأسلحة الحربية والمتفجرات والبنادق القناصة وتشغيل المسيّرات، بهدف القيام بأعمال إرهابية في الساحل السوري، وذلك استناداً إلى مواد تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة».

وأحال الملف على قاضي التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان، طالباً استجواب الموقوفين وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، واتخاذ ما تراه مناسباً بالنسبة للفارين من العدالة.

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر المصنع الحدودي مع سوريا بشرق لبنان (إ.ب.أ)

ادعاء القاضي غانم على الشبكة الأمنية جاء بعد أكثر من أسبوع على تسلّمه محاضر الاستجوابات الأولية التي أجرتها شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وأوضحت مصادر قضائية مطلعة على الملفّ لـ«الشرق الأوسط»، أن التحقيقات الأولية «رسمت مساراً منظّماً للعمليات التي نفذتها الشبكة، بدءاً من استقدام عشرات الأشخاص من سوريا إلى لبنان وإخضاعهم لدورات تدريب مكثّفة، وصولاً إلى نقل المعدات العسكرية إلى سوريا».

وأكدت أن الاعترافات الأولية للموقوفين، وأبرزهم العقيد في المخابرات الجوية في جيش بشار الأسد، مناف علي صافي، تحدثت عن «إدخال أكثر من 40 ضابطاً وعنصراً من فلول الأسد من الساحل السوري عن طريق سلوك معابر غير شرعية في شمال لبنان، على دفعات وبمعدل 5 أشخاص في كل مرة».

وقالت إن «المسؤول في تنظيم (حزب الله)، ياسر علاء الدين، المتواري عن الأنظار، كان يشرف على عمليات تهريب أعضاء الشبكة وتدريبهم»، مشيرة إلى أن هؤلاء «خضعوا لتدريبات داخل معسكرات تابعة لـ(حزب الله)، شملت استخدام المسيّرات والمتفجرات والأسلحة الحربية وبنادق القنص، في إطار التحضير لتنفيذ عمليات أمنية داخل الأراضي السورية، وأن هذه العمليات كان يديرها قائد قوات الصحراء في جيش الأسد اللواء محمد جابر، الموجود حالياً في العاصمة الروسية موسكو، والمقرب من بشار الأسد».

الحدود اللبنانية السورية (المركزية)

ولم تقتصر أنشطة الشبكة على التدريب، إذ كشفت التحقيقات أنها «نجحت في تهريب كميات من المتفجرات والأسلحة وطائرات الدرون (المسيّرات) إلى سوريا، بعد تفكيكها وإخفائها داخل مستوعبات وكراتين مخصصة لنقل مساعدات من (حزب الله) إلى مجموعات محددة في الساحل السوري».

ولفتت المصادر القضائية إلى أن الشبكة «كانت تخطّط لاستهداف قوات الأمن العام السورية، وتنفيذ أعمال تهدف إلى زعزعة الاستقرار في سوريا، على أن تمتد تداعياتها تدريجياً إلى مناطق سورية أخرى».

ووصفت المخطط بأنه «خطير وكبير جداً»، بالنظر إلى حجم الشبكة وطبيعة التدريبات والمعدات المستخدمة». وحذّرت من أن «تنفيذ هذا المخطط لم يكن ليهدد الأمن السوري فحسب، بل كان من شأنه أيضاً أن يرتد على الداخل اللبناني ويفتح الباب أمام تداعيات أمنية بالغة الخطورة».


صمت «حماس» على الاغتيالات... التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟

فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)
TT

صمت «حماس» على الاغتيالات... التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟

فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)

بعد اغتيال أبرز قادة المجلس العسكري لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، خلال الحرب على قطاع غزة، انتقلت إسرائيل لاستهداف الصف الثاني من قادة الكتائب بعدما أصبحوا هم من يديرون العمل العسكري في القطاع.

وخلال الأسبوع المنصرم، اغتالت إسرائيل قائديْ لواءي خان يونس ورفح في غارتين منفصلتين بمواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، وهما محمد اليازوري ونائل أبو عبيد، اللذان يعدّان من أبرز قيادات «القسام» في المنطقة الجنوبية.

وكان اليازوري قد تولى مسؤولية لواء خان يونس بعد فترة قصيرة من مقتل القياديَّين، عز الدين الحداد ومحمد عودة، اللذين اغتيلا بفارق لم يتجاوز عشرة أيام في مايو (أيار) الماضي. وقد قُتل برفقته، حذيفة أبو معمر، أحد المهندسين في «كتائب القسام»، والذي كان مسؤولاً عن تطوير قدراتها العسكرية ومقرباً من قياداتها البارزة.

أما أبو عبيد، فقد تولى قيادة لواء رفح بعد اغتيال محمد شبانة في مايو 2025، حين قصفت إسرائيل نفقاً بخان يونس كان فيه برفقة محمد السنوار القائد العام لـ«القسام»، الذي خلف بدوره محمد الضيف بعد اغتياله أيضاً في قصف في 13 يوليو (تموز) 2024، وبرفقته رافع سلامة قائد لواء خان يونس السابق.

ومن الملاحظ أن حركة «حماس» وجناحها المسلح باتا يكتفيان بنعي القيادات، دون أن تحمل البيانات أي لغة تهديد بالرد كما كان يحدث خلال الحرب وقبلها.

وبينما يرى مراقبون أن «حماس» أصابها الوهن، وأصبحت لا تستطيع الرد عسكرياً، يقول آخرون إنها فقط لا ترغب في جر إسرائيل لردود فعل أشد وطأة أو إعطائها ذريعة لاستئناف الحرب.

الإعلام الإسرائيلي

تتحدث وسائل الإعلام العبرية عن عدم قدرة «حماس» على الرد. وذكرت «القناة 12» أن الحركة تخشى رد فعل إسرائيل ولا تنوي الرد على الاغتيالات، «وباتت تدرك أن اليد العليا للجيش الإسرائيلي في ساحة المعركة».

فيما نقلت صحيفة «هآرتس» عن مسؤول رفيع سابق في الأجهزة الأمنية الفلسطينية بقطاع غزة قوله إن «حماس» لم تعد قادرة على العمل بحرية للرد على اغتيال قياداتها البارزة، وإن بوادر ذلك بدأت تظهر حتى قبل وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مشيراً إلى أن إطلاق الصواريخ من غزة باتجاه إسرائيل كاد يكون «منعدماً» خلال الأشهر الأخيرة من الحرب، ولم تكن هناك عمليات عسكرية كبيرة.

فلسطيني ينقِّب الخميس عن أشياء بين أنقاض مبنى سكني انهار بعد تضرره في قصف إسرائيلي سابق بمدينة غزة (رويترز)

ونسبت جريدة «يديعوت أحرونوت» إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قوله خلال مداولات أمنية مغلقة بحضور رئيس حكومته بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، إن حركة «حماس» انهزمت، وإن إسرائيل حسمت المواجهة؛ في حين حذَّر مسؤول في شعبة الاستخبارات العسكرية من أنها لا تزال تشكل تهديداً وتسعى إلى استعادة قدراتها وحكمها.

وقال كاتس إن «حماس» باتت تواجه «واقعاً استراتيجياً صعباً»، مضيفاً أن إسرائيل «ستواصل العمل لإنجاز أهدافها الأمنية وضمان عدم تكرار تهديد 7 أكتوبر»، مضيفاً: «لقد أحبطنا قادة (حماس) داخل وخارج غزة وحتى في إيران. لن نسمح لإيران أو لأي طرف آخر بتسليح (حماس) مرة أخرى».

أولويات الحركة

غير أن أربعة مصادر في «حماس»، منها مصدر سياسي بالخارج وآخر من غزة ومصدران ميدانيان بالقطاع، أكدوا جميعاً لـ«الشرق الأوسط»، في إفادات منفصلة، أن هناك أولويات لدى الحركة وجناحها المسلح تتمثل بشكل أساسي في حرمان إسرائيل من أي ذريعة لاستغلال الوضع واستئناف الحرب.

وصرَّح المصدر السياسي بالخارج بأن هناك «قراراً واضحاً بعدم الرد على أي اغتيالات كانت؛ لأن إسرائيل ما ترغب به هو رد فعل يمنح مصداقية لروايتها التي تدَّعي أن هناك سلاحاً حقيقياً يؤثر عليها داخل قطاع غزة ويجب نزعه بالقوة».

فيما قال المصدر الآخر من غزة إن «حماس» لا تريد أن تجر سكان القطاع إلى الحرب مجدداً، لذا فإن هناك تفاهمات فصائلية واسعة على ضرورة تجنب تنفيذ أي أعمال قد توصف بأنها «استفزازية»، ما قد يجر رداً إسرائيلياً غير محسوب.

أفراد من الدفاع المدني الفلسطيني يحملون جثماناً انتشلوه من وسط أنقاض مبنى منهار بمدينة غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

ويؤكد المصدران أن الحركة ملتزمة بشروط اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه العام الماضي، وكذلك بالتفاهمات مع «مجلس السلام» بشأن المرحلة الثانية، مؤكدين أن المشكلة هي عند إسرائيل التي تواصل خروقاتها وترفض الالتزام بأي اتفاق.

وقالا إن هناك قراراً داخل «حماس»، وبتنسيق مع الفصائل، على ضرورة المضي بالاتفاق بما يضمن ويشمل تسليم الحكم للجنة الوطنية لإدارة غزة، وبما يضمن حصر السلاح عبرها فقط وليس من خلال حصره بيد إسرائيل أو الولايات المتحدة. وأشارا إلى أن عرقلة إسرائيل للاتفاق تمنع البدء بعملية الحصر، وأنها لا تزال تعرقل دخول اللجنة للقطاع لمباشرة مهامها.

أما المصدران الميدانيان فقالا إن لدى «حماس» والفصائل إمكانيات يمكن وصفها بأنها «محدودة» مثل الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة والقذائف المضادة للآليات، يمكن أن تنفذ من خلالها هجمات؛ لكن القرار المتخذ في أوساط القيادتين السياسية والعسكرية هو الحفاظ على الهدوء ما أمكن، والاستعداد لأي عمليات دفاعية فقط وليست هجومية.

أطفال نازحون ينقِّبون وسط ركام مبنى انهار بمدينة غزة يوم الأربعاء وأسفر عن مقتل 21 فلسطينياً على الأقل (إ.ب.أ)

وبحسب أحد المصادر، فإن الأمر لا يتعلق بالخوف من مواجهة الإسرائيليين بقدر ما يتعلق بالحفاظ على حياة السكان، ووقف أي محاولات من إسرائيل لاستغلال ذلك لتهجير الفلسطينيين وإجبارهم على النزوح من منطقة لأخرى، وتدمير مزيد من المنازل التي ما زالت قائمة بالقطاع.

وأضاف: «الاعتقاد السائد في إسرائيل بأن (حماس) انهزمت مجرد شعار لا قيمة له على أرض الواقع»، مؤكداً أن الحركة «تُفضِّل تجنيب سكان القطاع ويلات الحرب على أن تُثبت فشل هذا الشعار من خلال أي هجوم لا أهمية لنتائجه في الوقت الحالي».

انتقادات «مجلس السلام»

وفي سياق متصل، نقلت قناة (آي 24 نيوز) العبرية عن مصدر مسؤول في «مجلس السلام» انتقاده استراتيجية إسرائيل الحالية بغزة، والمتمثلة في اغتيال القيادات مع بقاء عناصر مسلحة واستمرار حكم «حماس».

ونسبت القناة إلى المصدر قوله إن «مجلس السلام» يسعى لتفكيك «حماس» والقضاء عليها بالكامل، في حين تقتل إسرائيل نشطاء دون أن تقضي على الحركة نفسها.

وقال المصدر المسؤول إن سياسة إسرائيل تماثل ما كان سائداً قبل السابع من أكتوبر 2023، وإن السبيل لتحقيق هدف تفكيك الحركة هو 14 يوماً من الهدوء - باستثناء الإجراءات اللازمة لمواجهة التهديدات المباشرة - وتعاون الحكومة الإسرائيلية الكامل في جميع الخطوات التحضيرية واللوجستية المطلوبة لنزع السلاح طوعاً، والالتزام بالمهلة التي حددها «مجلس السلام» لوقف الهجمات من أجل الاتفاق على جدول زمني لبدء عملية حصر السلاح، كما كان متفقاً عليه في القاهرة.

وأضاف: «إذا بدأت (حماس) بتفكيك نفسها بسرعة وقدمت جميع إحداثيات الأنفاق، فسيكون ذلك ممتازاً. أما إذا لم تنزع سلاحها، فسيحصل الجيش الإسرائيلي على دعم دولي للقيام بذلك بالقوة».