سكان مدينة غزة... عين على الترحيل وأخرى على المجاعة

المساعدات «قطرة في بحر» والهجمات مستمرة

فلسطينيون جالسون على جانب الطريق خلال رحلة نزوح عن الديار في حي الزيتون بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون جالسون على جانب الطريق خلال رحلة نزوح عن الديار في حي الزيتون بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

سكان مدينة غزة... عين على الترحيل وأخرى على المجاعة

فلسطينيون جالسون على جانب الطريق خلال رحلة نزوح عن الديار في حي الزيتون بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون جالسون على جانب الطريق خلال رحلة نزوح عن الديار في حي الزيتون بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«رحلة عذاب»... كلمتان تلخصان النزوح تلو النزوح الذي بات يطارد أهل غزة، بصحبة جوع لا يُفرِّق بين كبيرهم وصغيرهم.

ويصف محمود الغول (54 عاماً)، وهو من سكان حي النصر بشمال غربي مدينة غزة، المرحلة الحالية بأنها الأصعب على الإطلاق منذ بداية الحرب، مستخدماً تعبير «رحلة العذاب» في تصوير ما يعيشه سكان المدينة حالياً أمام نزوح يتربص بهم، سبق أن تجرعوا مرارته من قبل، وها هم يتوقعون الآن ما هو أقسى وأمرّ.

ويترقب أبناء مدينة غزة ما ستؤول إليه الأوضاع، وسط ضغوط هائلة، ما بين انفجارات لا تتوقف بسبب الغارات الجوية، أو النسف باستخدام «روبوتات» متفجرة، وبين مجاعة وظروف صحية وبيئية متفاقمة.

دخان كثيف يتصاعد بعد عملية إسرائيلية في حي الزيتون بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ووسط هذا كله، لا يزال الأمل يعلق بأي خبر سياسي قد يوقف قلق الفكر في مشاق رحلة نزوح متوقعة، مع استمرار تهديدات إسرائيل باستكمال عملياتها العسكرية في المدينة، وإجبار السكان على إخلائها، وهو ما بدأ فعلياً في بعض أجزائها الجنوبية والشمالية.

أما المجاعة، فهي متفاقمة، مع إدخال إسرائيل كميات محدودة جداً من مساعدات يجري نهب معظمها، ومن بضائع تدخل للتجار، ولا تزال أسعارها الباهظة بمنأى عن متناول الأغلبية، مع انعدام فرص العمل، والقيود المفروضة على التحويلات المالية من الخارج، والعمولات المبالغ فيها.

الترحيل... شبح لا يتوارى

وغادر مزيد من الأسر الفلسطينية مدينة غزة، الثلاثاء، بعد ليلة تَواصَلَ فيها القصف الإسرائيلي على أطراف المدينة. وقال سكان إن الغارات الجوية استمرَّت، وكذلك قصف الدبابات الإسرائيلية بعض أحياء مدينة غزة، ما أدى إلى تدمير طرق ومنازل.

فتاة فلسطينية تحمل طفلاً وتجلس إلى جوار أمتعة على الأرض في رحلة نزوح من مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

وقال الغزي محمود الغول -في حديث لـ«الشرق الأوسط»- إن سكان مدينة غزة لم يعد أمامهم خيار سوى النزوح؛ مشيراً إلى صعوبة البقاء في المدينة، وخصوصاً في شمالها الذي انتقل إليه بعض المواطنين سابقاً. كما أشار إلى تكدس أكثر من 900 ألف نسمة في غرب المدينة.

وقالت نهى أحمد (39 عاماً)، إن مجرد التفكير في النزوح مجدداً أمر مرهق نفسياً وعصبياً، مضيفة باللهجة العامية: «بصعوبة بنام في الليل، وأنا بفكر كيف بدِّي أنزح مع زوجي وأبنائي، وما فيه أماكن نروح عليها. هذه المرة مش مثل المرة الأولى. كل هذا التفكير أثَّر على يومنا وحوّلنا لناس عايشة على أعصابها، وأقل شيء بينرفزها».

وأضافت: «بيكفينا وجع وتعب، يحلونا ويشوفوا حل للحرب، إحنا ما فينا حيل؛ لا للنزوح ولا لأي شيء، بكفِّي الدم اللي دفعناه من أرواح أهالينا وأقاربنا».

وأكدت أن المواطنين لا يجدون أي أماكن في وسط وجنوب القطاع للنزوح إليها بسبب التكدس، مع نزوح سكان مناطق واسعة من خان يونس، وكذلك كل سكان رفح؛ بينما لا يزال سكان مناطق شرق وسط القطاع في حالة نزوح إلى الغرب من تلك المناطق.

نازحون عن ديارهم في حي الزيتون بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ومما يضاعف المعاناة عدم توفر وسائل المواصلات، وغلُو أسعارها في حال توفرها، حتى إن وسيلة الانتقال الواحدة قد تكلف العائلة النازحة أكثر من 1200 دولار!

أسواق بلا زبائن

ورغم الحالة النفسية والعصبية السيئة التي يعيشها السكان على وقع الانفجارات القوية الناجمة عن القصف الجوي وأجهزة الروبوت المفخخة، والتي يُسمع دويها من على بعد عشرات الكيلومترات وصولاً لجنوب القطاع، إلى جانب مخاوف النزوح، فإن أخبار الأسواق لا تكاد تخلو من حديث الغزيين بشكل عام، وخصوصاً في مدينة غزة.

فمعظم المساعدات والبضائع الخاصة بالتجار تدخل القطاع من مناطق الوسط، في حين تقع مدينة غزة في الجزء الشمالي منه، وبالكاد يصلها شيء نتيجة السرقات والنهب، إضافة إلى حاجة الأجزاء الأخرى من القطاع للسلع والبضائع، فتصلها متأخرة مقارنة بأسواق الوسط والجنوب، كما أن ثمنها يزيد بإضافة أسعار النقل والمواصلات.

ويقول أحمد أبو هاني (26 عاماً)، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، إنه يتوجه يومياً إلى سوق المخيم لجلب أي شيء يؤكل لعائلته ووالده المسن، فإنه يجد بالكاد ما يمكن تناوله من الفول أو العدس الذي انخفض سعره مؤخراً، ووصل سعر الكيلوغرام منه إلى عشرة شواقل (ما يعادل 3 دولارات)، بعدما كان سعره قبل أسبوعين أو أقل يعادل 9 دولارات.

فلسطينيون يحملون مساعدات غذائية حصلوا عليها من نقطة توزيع قرب ممر نتساريم بوسط قطاع غزة يوم 22 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وأشار في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى الخضراوات، فقال إنها متوفرة، ولكن بأثمان باهظة، حتى المقتدر لا يستطيع شراءها يومياً بانتظام. وأضاف أن سعر الطماطم (البندورة) يصل إلى 80 شيقلاً للكيلوغرام الواحد (ما يعادل نحو 25 دولاراً)، في حين كان سعرها قبل الحرب عشرة شواقل (أي نحو 3 دولارات) لكل 4 كيلوغرامات!

وأضاف: «لذلك، كثيرون هنا يفضلون العدس والأرز على الخضراوات، أو ما يمكن أن يتوفر في الأسواق بسبب الأسعار الجنونية».

ولأول مرة منذ استئناف إسرائيل الحرب في مارس (آذار) الماضي، دخلت الأسواق كميات محدودة من الدواجن يوم الاثنين الماضي، ولكن تبين لاحقاً أنها دخلت بتنسيق عبر مؤسسة إنسانية بهدف بيعها في الأسواق ضمن حملة تجارية، وكانت أسعارها باهظة.

وقالت صباح العيلة -من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة- إنها فوجئت بوجود الدواجن في الأسواق؛ لكن رغم أنها كانت تتمنى تناولها مع عائلتها، حال سعرها الباهظ دون ذلك، مثلها مثل كثير من المواطنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» خُلو الأسواق وحالة عدم القدرة على الشراء. ووصل سعر الكيلوغرام الواحد من الدواجن 120 شيقلاً (ما يعادل 30 دولاراً)، في حين كان قبل الحرب يعادل دولارين فقط، أو 3 دولارات ونصف دولار في أسوأ الأحوال.

«قطرة في بحر»

ويُمنِّي سكان القطاع النفس بكثير من أنواع الطعام هم محرومون منها، في ظل قيود كثيرة لا تزال تسبب المجاعة، بفعل منع إسرائيل عناصر الشرطة بغزة من توفير الأمن والحماية للمساعدات والبضائع التي تدخل؛ الأمر الذي يمنع وصولها لمستحقيها، ويفاقم من معاناتهم، ويزيد من حالات سوء التغذية، كما تؤكد جهات أممية ودولية.

تزاحم عند نقطة توزيع مساعدات غذائية قرب ممر نتساريم بوسط قطاع غزة يوم 22 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ويُسمَح لعشائر وعائلات مسلحة بحماية بعض البضائع للقطاع الخاص، مقابل الحصول على أموال من أصحابها.

وسجَّلت وزارة الصحة بغزة خلال 24 ساعة، من ظهيرة الاثنين إلى الثلاثاء، 3 حالات وفاة جديدة، نتيجة المجاعة وسوء التغذية، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 303 وفيات، من ضمنهم 117 طفلاً.

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي، الثلاثاء، من أن المساعدات التي تسمح إسرائيل بدخولها لا تزال «قطرة في بحر» بالنسبة للحاجات، بعد أيام على إعلان الأمم المتحدة المجاعة رسمياً في غزة.

تواصل الهجمات

وميدانياً، تواصلت العمليات الإسرائيلية، وتوسعت عمليات النسف في حيَّي الزيتون والصبرة جنوب مدينة غزة، بالتزامن مع هجمات مماثلة في بلدتَي جباليا البلد والنزلة، وحي الصفطاوي شمال المدينة، الأمر الذي أجبر مزيداً من السكان على النزوح، بفعل هذه التفجيرات العنيفة.

لقطة مأخوذة يوم الثلاثاء لمبنى البلدية الذي دمرته الضربات الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

كما تواصل القصف الجوي لمربعات سكنية مُخلاة في تلك المناطق، وسط استهدافات متكررة لمواطنين يحاولون تفقد منازلهم فيها، الأمر الذي تسبب في مقتل كثير منهم.

وقُتل أكثر من 60 فلسطينياً منذ فجر الثلاثاء، والعدد مرشح للزيادة، نتيجة سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي في مناطق متفرقة من القطاع.

وأعلنت وزارة الصحة في غزة أنه وصل مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة، من ظهيرة الاثنين إلى يوم الثلاثاء، 75 قتيلاً، و370 مصاباً، ما يرفع حصيلة الضحايا منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى 62 ألفاً و819 قتيلاً، و158 ألفاً و629 مصاباً. ومن بين هؤلاء قُتل 10 آلاف و975 فلسطينياً، وأصيب 46 ألفاً و588 منذ الثامن عشر من مارس الماضي، بعد استئناف إسرائيل الحرب في أعقاب شهرين من وقف إطلاق النار المؤقت.

مركبات متوقفة أمام مستشفى «الشفاء» المتضرر من القصف الإسرائيلي بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وسقط خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة 17 قتيلاً و122 مصاباً من منتظري المساعدات، ليرتفع إجمالي عددهم إلى 2140 قتيلاً، و15737 مصاباً منذ نهاية مايو (أيار) الماضي، بعد افتتاح مراكز توزيع المساعدات الأميركية.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ رميساء أوزتورك طالبة من تركيا بجامعة تافتس تتحدث إلى الصحافيين بعد أن حثت قاضياً فيدرالياً على إصدار أمر لإدارة ترمب بإعادة تفعيل تأشيرة الطالب الخاصة بها (رويترز)

قاضٍ يوقف مساعي إدارة ترمب لترحيل طالبة مؤيدة للفلسطينيين بجامعة تافتس

أفاد محامو طالبة الدكتوراه في جامعة تافتس الأميركية، رميساء أوزتورك، بأن قاضياً أميركياً رفض مساعي إدارة الرئيس دونالد ترمب لترحيلها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
TT

انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)

بدأت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بسحب قواتها من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة تنفيذاً للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و«قسد»، بحسب مواقع إخبارية ومجموعة صور نشرتها وكالة «رويترز».

وكانت قوات «قسد» بدأت في وقت سابق من يوم الثلاثاء التجهيز لسحب قواتها من ريف الحسكة الجنوبي، وأظهرت صور بثتها وسائل إعلام محلية انسحاب عناصر «قسد» من حاجز دوار البانوراما جنوب المدينة تمهيداً لتسليمه للأمن العام. وذلك بعد عقد اجتماع أمني بين قوات الأمن الداخلي «الأسايش» وقوات الأمن السوري لبحث كيفية انتشار قوى الأمن الداخلي في مدينة الحسكة، بحسب وكالة «نورث برس».

مصادر أمنية سورية قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن تنفيذ الاتفاق جارٍ بشكل جيد وكذلك تنفيذ الدمج، ورشحت «قسد» أسماء للاندماج كألوية في وزارة الدفاع، وهناك عناصر من الأسايش سينضمون إلى الأمن العام في المناطق ذات الغالبية الكردية.

انسحاب مركبة تابعة لقوات سوريا الديمقراطية من خطوط المواجهة في الحسكة بسوريا 10 فبراير تنفيذاً لاتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)

وبدأت قوات «قسد» الثلاثاء، بسحب قواتها العسكرية وقطعها الثقيلة من خطوط التماس في مدينة الحسكة، خاصة المناطق الجنوبية ومنها محيط دوار البانوراما، ليكون ذلك جزءاً من وقف إطلاق النار الدائم والبدء في عملية الدمج التدريجي، وذلك تنفيذاً لاتفاق 30 يناير (كانون الثاني) 2026.

وقال الباحث المختص بالشؤون السورية، محمد سليمان، إن هذا الانسحاب يشمل سحب القوات العسكرية من داخل مدينة الحسكة إلى ثكنات متفق عليها خارجها، في الدرباسية وعامودا ومحيط القامشلي، بينما تتولى قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية الانتشار في مراكز المدن، الحسكة والقامشلي لتنفيذ الدمج الأمني.

ولفت الباحث في مركز الدراسات «جسور» إلى أن «قسد» ترى أن الانسحاب «يقتصر على قواتها العسكرية فقط، مع بقاء الأسايش لإدارة الأمن داخل المدينة، بينما تعدّ الحكومة الاتفاق أنه جدول لتطبيق انسحاب كامل لقسد من الأحياء. كما سينسحب الجيش السوري إلى مناطق في محيط الحسكة ومنها الشدادي، مع الحفاظ على حظر دخول القوات العسكرية إلى المدن، خاصة المناطق ذات الأغلبية الكردية».

مجندة في قوات الأمن الداخلي الكردية تسير في الرميلان الغنية بالنفط في اليوم الذي زار فيه وفد من الحكومة السورية المدينة لتفقد حقول النفط الاثنين (رويترز)

وقال الباحث سليمان إنه حالياً هناك «عملية جدولة لضم عناصر الأسايش ودمجهم بشكل تدريجي وهذا محدد في الاتفاق، حيث سيتم دمج الأسايش في هيكل وزارة الداخلية السورية مع الحفاظ على رواتبهم وتثبيتهم ليكونوا موظفين».

وأفادت تقارير إعلامية، الثلاثاء، بعقد اجتماع أمني بين قيادة قوى الأمن الداخلي (الأسايش) وقوى الأمن الداخلي السوري، بحث تطبيق الاتفاق، ونقلت وكالة «نورث برس» عن مصدر أمني قوله إن المحور الرئيسي للاجتماع كان «الاتفاق على كيفية انتشار قوى الأمن الداخلي في مدينة الحسكة، وذلك قبيل انسحاب القوات العسكرية منها»، كذلك، الحواجز المشتركة عند مداخل مدينة الحسكة، بالإضافة إلى بحث آليات الانتشار في البلدات الواقعة جنوب الحسكة بعد انسحاب قوات الجيش السوري من تلك المناطق.

موظفون من شركة النفط السورية يتحدثون لوسائل الإعلام إلى جانب عناصر من قوات الأمن الداخلي الكردية خلال زيارة وفد حكومي سوري لمنطقة الرميلان الغنية بالنفط 9 فبراير (رويترز)

وتعدّ المرحلة الجاري تنفيذها الثانية ضمن خطة تنفيذ الاتفاق وتشمل تسلّم الدولة لآبار النفط ومطار القامشلي، على أن تليها مرحلة ثالثة تتضمن إشراف الدولة على المعابر الحدودية، وخاصة معبر نصيبين مع تركيا ومعبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق.

وبثت وكالة «رويترز» صوراً قالت إنها لانسحاب قوات «قسد» من جنوب الحسكة تنفيذاً لبنود الاتفاق مع الحكومة السورية. ويشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية للطرفين من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات «قسد» إضافة إلى تشكيل لواء لقوات كوباني «عين العرب» ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

كما يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، إلى جانب الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

معبر سيمالكا الحدودي شمال شرقي سوريا مع العراق (متداولة)

وفي وقت سابق، أوضح قائد قوات «قسد» مظلوم عبدي، أنه سيتم تشكيل فرقة من قـوات قسد تتألف من ثلاثة ألوية، تشمل لواء في الحسكة ولواء في القامشلي ولواء في المالكية «ديريك»، وأن مديري وموظفي الإدارة الذاتية سيبقون على رأس عملهم، مشيراً إلى أن موظفي معبر سيمالكا سيستمرون في أداء مهامهم، على أن يشرف وفد من دمشق على بعض الشؤون المتعلقة بالدولة مثل فحص جوازات السفر.


فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
TT

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ فعلياً الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة مع الدولة اللبنانية إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» معها، في مقاربة تقوم على إدارة النزاع وضبط التباينات بدل تفجيرها.

وكان ذلك واضحاً من قِبل أمين عام الحزب نعيم قاسم، بإعلانه ذلك صراحة عبر مواقف «تصالحية» للمرة الأولى مساء الاثنين، وكذلك تظهر الوقائع تبدّل نبرة الخطاب العام تجاه الحكومة، والانفتاح على التعاون الذي بدأ في الملفات الخدماتية والإنمائية.

مسار تصالحي

وبرز هذا المسار من خلال الزيارة التاريخية لرئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب نهاية الأسبوع الماضي وما رافقها من ترحيب حزبي وشعبي عابر للاصطفافات، ولا سيما من قبل ما يمكن وصفها بـ«بيئة حزب الله». وهي الزيارة التي لم تنظم لولا الضوء الأخضر من قيادة الحزب، ووصفها قاسم بـ«الإيجابية»، متحدثاً في الوقت عينه عن «تنظيم الخلاف» مع رئيس الجمهورية جوزيف عون بعد فترة من التوتر في لحظة إقليمية دقيقة.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتوسط النائبين علي حسن خليل وقاسم هاشم خلال زيارته إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان الأحد (أ.ف.ب)

مع العلم أن مواقف الحزب، ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار كانت تتّسم بـ«التصادمية» مع الدولة لا سيما فيما يتعلق بخطة تسليم السلاح، وإن كان الواقع على الأرض يختلف إلى حد كبير، حيث أنجزت خطة حصر السلاح في جنوب الليطاني، من دون أي مواجهة تذكر، وهو ما كان يرى فيه معارضو الحزب أن التصعيد بالمواقف كان موجهاً بشكل أساسي إلى بيئة الحزب الذي يعاني مأزقاً في هذا الإطار بعد تداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والتضييق المستمر عليه نتيجة تبدل موازين القوى الإقليمية.

«لا خيارات بديلة»

وفيما لا تنفي مصادر وزارية مقربة من الرئاسة أن مواقف الحزب الأخيرة، «إيجابية» تضعها في خانة «التعامل مع الواقع» في ظل غياب كل الخيارات البديلة، داعية في الوقت عينه إلى انتظار ما سيلي ذلك، وتقول: «في السياسة لا شيء يكون مجانياً».

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الخطوة موجّهة إلى داخل بيئة الحزب التي لا تزال تعاني من تداعيات الحرب ودعوة منه لها للعودة إلى الدولة، لا سيما في موضوع إعادة الإعمار الذي بات يشكّل عبئاً على الحزب، إضافة إلى إيحاءات موجّهة بضرورة التعامل بهدوء بعد التوتر الأخير والهجوم على رئيس الجمهورية، لأن الاستمرار بمعاداة الدولة سيكون نتيجته خسارة له ولبيئته».

مقدمة للتكيف مع الواقع

ويصف الوزير السابق رشيد درباس مواقف قاسم الأخيرة بأنها «تصالحية للمرة الأولى» ومغايرة لكل المواقف السابقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الترحيب الذي حظي به رئيس الحكومة في الجنوب، هدفه القول لجمهوره إن الدولة تحتضنهم، ولا مانع له من ذلك، بل على العكس فهو من مصلحته في ظل الواقع الحالي».

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث على شاشة خلال افتتاح «مركز لبنان الطبي - الحدث» (إعلام حزب الله)

ويضيف درباس: «بدأ الحزب فيما يمكن وصفه بالمناورة الحميدة، وبات يدرك أنه أصبح من دون أصدقاء ولا حلفاء لا في الداخل ولا في الخارج حيث موازين القوى كلّها تتبدّل في ظل التوتر الإيراني - الأميركي وما قد يؤدي ذلك إلى اندلاع الحرب».

من هنا، يرى درباس أن ما يحصل اليوم هو «مقدمة للتكيف مع الواقع»، من قبل «حزب الله»، مؤكداً: «لا يمكن الاستمرار بدولتين في بلد واحد، لا بد من تصحيح الوضع لا سيما بعد كل المآسي التي أصابت بيئته التي لم تعد تحمل كل ما تعرضت له، وبدأ التململ المترافق مع الخوف داخل هذه البيئة التي باتت تدرك أن الاستعصاء لن يوصل إلى أي مكان».

العد العكسي للسلاح

ومع كل التضييق والضغوط التي يتعرض لها «حزب الله» من الداخل والخارج، يرى درباس أن العد العكسي لانتهاء السلاح قد بدأ، والمؤشرات على ذلك كانت واضحة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وما لحق به من خطوات عملية، وبشكل أساسي خطة حصرية السلاح في جنوب الليطاني، وبدء المرحلة الثانية في شمال الليطاني، مضيفاً: «بدأ السلاح شيئاً فشيئاً يفقد دوره والمهام الإقليمية التي كان يتولاها انتهت، وما نشهده من مظاهرات بين الحين والآخر ستنتهي بدورها»، مؤكداً: «لا غنى لأي طائفة عن الدولة ولا سيما الشيعة».

لبنانيون من بلدة يارين الجنوبية يستقبلون رئيس الحكومة نوّاف سلام على أنقاض منازلهم المُدمَّرة (أ.ب)


وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
TT

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وأبلغ الوفد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحظاته على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع.

وتتزامن الزيارة مع مناقشة اللجان البرلمانية لمشروع قانون «الفجوة المالية» واسترداد الودائع العالقة في المصارف منذ 2019، وهو مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب لدراسته. كما تأتي الجولة عقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي.

لقاء مثمر

وبحث الوفد في بيروت، الخطوات التي تؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد، سبق أن تعثر إبرامه في ربيع عام 2022. واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو.

وأكد سلام أن اللقاء «كان إيجابياً ومثمراً، حيث تم البحث في ملاحظات الصندوق على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف، إضافةً إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». وأشارت رئاسة الحكومة اللبنانية في بيان إلى أن البحث «تناول الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق».

كذلك، زار الوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويتابع وفد الصندوق الخطوات التشريعية لقانون «الفجوة المالية» الذي يرى مسؤولون ماليون لبنانيون أن ثغرات قانونية وإجرائية في المشروع الحكومي، «تتنافى مع توصيات الصندوق»، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي بما يتناغم مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام».