تجنيد «الحريديم»... أزمة سياسية تُعمّق الانقسامات في إسرائيل

«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس يوم 30 يونيو 2024 ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي (أ.ب)
«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس يوم 30 يونيو 2024 ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي (أ.ب)
TT

تجنيد «الحريديم»... أزمة سياسية تُعمّق الانقسامات في إسرائيل

«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس يوم 30 يونيو 2024 ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي (أ.ب)
«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس يوم 30 يونيو 2024 ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي (أ.ب)

في مطلع الشهر الحالي، انتاب القلق مئات اليهود المتشددين الحريديم في إسرائيل، عندما حذّر المرجع الروحي الأبرز لأولئك اليهود في إسرائيل، الحاخام دوف لانداو، من نية السلطات إشراك أعضاء هذا التيار في الخدمة العسكرية.

فقد جاء ذلك بعد سنوات من إعفاء أولئك اليهود من الخدمة العسكرية للتركيز على الدراسة الدينية. إلا إن الحكومة الإسرائيلية أعلنت مؤخراً أنها بحاجة إليهم في حرب غزة.

ويشكل اليهود المتشددون 14 في المائة من سكان إسرائيل، أو نحو 1.3 مليون نسمة، بينهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية يُعفَوْن من التجنيد.

وتتركز هذه الطائفة من اليهود بشكل رئيسي في مدينة القدس المحتلة، وتعدّ من أشد الجماعات الدينية اليهودية محافظة.

مظاهرات واسعة

ونظم أولئك اليهود المتطرفون مظاهرات واسعة في إسرائيل رفضاً لتجنيدهم.

وفي إحدى المظاهرات، أشعلوا النيران في حاوية قمامة. ورداً على ذلك، رش ضباط الشرطة الإسرائيليون «مياه الظربان» ذات الرائحة النتنة التي تلتصق بالملابس والجلد وتحتوي على غازات تمنع الأشخاص من التنفس، لتفريق الحشد، وفق ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

وخارج مدرسة «مير يشيفا»، وهي من كبرى وأقدم المدارس الدينية في إسرائيل، قال حاييم بامبرغر، البالغ من العمر 23 عاماً، إنه يدرس التوراة، وإن هذه الدراسة هي طريقته للدفاع عن إسرائيل، لا الخدمة العسكرية.

وقال: «عندما نفعل ما يريده الله، فإنه يحمينا. والهجوم الذي قادته (حماس) على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة، نتج جزئياً عن حقيقة أن كثيراً من الناس في هذا البلد لا يفعلون ما يريده الله».

وقال بامبرغر إنه مطلوب للتجنيد ولكنه يتجاهل الأمر ويخاطر بالتعرض للسجن، مضيفاً: «في هذا البلد، أُعَدُّ مجرماً؛ لأنني أريد دراسة التوراة».

واعتقلت الشرطة العسكرية الإسرائيلية عدداً من المتهربين من الخدمة العسكرية من اليهود المتشددين. لكن في 14 أغسطس (آب) الحالي، احتج مئات «الحريديم» واشتبكوا مع الشرطة خارج سجنٍ أفاد موقع «واي نت Ynet» الإخباري العبري بأنه يُحتجز فيه 7 من أفراد هذه الطائفة.

وفي الوقت الحالي، وفي ظل غضب اليهود المتشددين وتصاعد التوتر بين الجيش والحكومة بشأن غزة، يُؤجل الجيش الإسرائيلي الاعتقالات الجماعية.

اليهود المتدينون أو «الحريديم» خلال مظاهرة بالقدس يوم 11 أبريل 2024 (رويترز)

أزمة سياسية

تعدّ الخدمة العسكرية إلزامية لمعظم اليهود الإسرائيليين؛ رجالاً ونساءً. ولطالما استاء بقية السكان اليهود من إعفاء المتدينين المتشددين منها.

لكن الحرب التي استمرت نحو عامين في غزة حوّلت هذا الأمر من مجرد مصدر إزعاج إلى أزمة سياسية تُعمّق الانقسامات في المجتمع الإسرائيلي وتُعرّض ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الهش للخطر.

والشهر الماضي، انسحب حزبان متشددان، يُشكلان حجر الزاوية لأغلبية نتنياهو في البرلمان، من الحكومة بعد عدم إقرارها تشريعاً يُعفي المتدينين من التجنيد. قد تُؤدي هذه الخطوة إلى انهيار ائتلاف رئيس الوزراء وإجراء انتخابات مبكرة، على الرغم من نجاة نتنياهو من تهديدات سياسية أشد وطأة.

وقالت نيخومي يافي، أستاذة السياسات العامة بجامعة تل أبيب، وهي من المتدينين المتشددين: «العلمانيون الإسرائيليون يتساءلون: (لماذا يموت أبناؤنا في الوقت الذي يجلس فيه أبناؤكم في أمان يشربون القهوة ويتعلمون؟)».

وأضافت يافي أن استطلاعات الرأي أظهرت أن 25 في المائة من الرجال المتدينين سيوافقون على الانضمام للجيش إذا لم تنبذهم مجتمعاتهم بسبب ذلك، وأن 25 في المائة آخرين سينضمون إلى الجيش مع بعض التشجيع.

وأوضحت أن المواقف بدأت تلين داخل الطوائف المتدينة الأقل تشدداً، على الرغم من أن كثيراً من الحاخامات يقاومون التغيير.

وقالت: «يشعر الحاخامات بفقدان السيطرة على الأمور».

الإعفاء من التجنيد

تعود سياسة إعفاء «الحريديم» من التجنيد إلى إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، عندما منح ديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء المؤسس للبلاد، الإعفاء لطلاب المدارس الدينية اليهودية البالغ عددهم في البلاد آنذاك 400 طالب.

فقد تصوّر بن غوريون أن دراسة التوراة ستحمي إسرائيل من أعدائها.

لكن مع نمو السكان اليهود المتشددين، جرى توسيع نطاق هذه السياسة؛ مما أثار ردود فعل عنيفة وتحديات قانونية على مدى سنوات كثيرة.

وفي يونيو (حزيران) 2024، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأنه لا يوجد أساس قانوني للإعفاء، وأمرت الجيش بالبدء في تجنيد اليهود المتشددين، خصوصاً مع ازدياد عددهم في البلاد.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في 20 أغسطس الحالي أنه سيجري استدعاء 60 ألف جندي احتياط إضافي قبل عملية الاستيلاء على مدينة غزة، مشيراً إلى أن إجمالي عدد جنود الاحتياط العاملين في الجيش سيصل إلى نحو 120 ألفاً.

ويقول الجيش إن 80 ألف رجل من اليهود المتشددين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً مؤهلون للخدمة، وإن جميعهم تقريباً قد أُرسلت إليهم إشعارات تجنيد خلال العام الماضي.

وحتى الآن، لم يلتحق بالجيش سوى 2940 شخصاً من أولئك المتشددين، مع أن هناك متسعاً من الوقت للآخرين للتسجيل قبل المواعيد النهائية. ولن يكون معظم هؤلاء الـ2940 مستعدين لخوض الحرب الآن، لكنهم سيتمكنون من ذلك بعد 6 أشهر من التدريب الذي يجريه الجيش.

ولا يزال هذا العدد بعيداً عن هدف الجيش البالغ 4800 مجند من «الحريديم» لهذا العام.

«هل دمهم أطهر من دمنا؟»

وقُتل نجل الحاخام تامير غرانوت، الكابتن أميتاي غرانوت، البالغ من العمر 24 عاماً، بصاروخ أطلقه «حزب الله» على الحدود مع لبنان في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بعد 8 أيام من الهجوم الذي قادته «حماس» على إسرائيل. وفي مارس (آذار) التالي، ألقى الحاخام غرانوت خطاباً حماسياً، انتشر على نطاق واسع على «يوتيوب»، داعياً فيه اليهود المتشددين إلى الخدمة والمشاركة في الألم.

وينتمي الحاخام غرانوت إلى تيار مختلف من «اليهودية الأرثوذكسية»، وهو «الصهيونية الدينية»، التي تُشكل جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسرائيلي وتُرسل أعداداً كبيرة من طلابها إلى الجيش.

وفي مقابلة أُجريت معه داخل معهده الديني في تل أبيب، روى الحاخام غرانوت كيف ذهب إلى منازل قادة دينيين متشددين بعد وفاة ابنه وحاول إقناعهم بالمشاركة في الخدمة العسكرية.

وقال لهم إنه كان لديه طلاب في معهده الديني، وإنهم مثل ابنه، كانوا حريصين جداً على الخدمة في الجيش. وطرح سؤالاً على قادة «الحريديم»: «لماذا تعدّون أبناءكم أفضل منهم؟ هل دمهم أطهر من دمنا؟».

وأضاف أن بعض القادة وافقوا على كلامه، لكن لم يُصرّح أحد بذلك علناً.

وأوضح: «قال لي أحد كبار القادة: لا أستطيع أن أقول ذلك علناً. سألته عن السبب. قال لي: إذا فعلتُ ذلك، فلن أكون موجوداً».

لكن في الشهر الماضي، وفي مقطع فيديو نُشر لاجتماع طارئ بشأن التجنيد الإجباري لـ«الحريديم»، صرّح هيلل هيرش، أحد أبرز الحاخامات «الحريديم»، لمجموعة صغيرة من زملائه بوضوح تام بأن معظم طلاب المدارس الدينية لا يرغبون في الخدمة العسكرية. وقال: «لم يخطر على بالهم ذلك قط».

من احتجاج لليهود المتشددين بالقدس في 21 أغسطس 2024 ضد محاولات تجنيدهم (رويترز)

متشددون مؤيدون للتجنيد

ويرى عدد من اليهود المتشددين أنهم عليهم الخدمة في الجيش في الوقت الحالي.

وقال نحميا شتاينبرغر، وهو محاضر وحاخام «حريدي» في القدس التحق بالجيش عام 2021 وعمره 37 عاماً: «العيش في إسرائيل دون الالتحاق بالجيش وضع غير مريح لنا سيشعرنا دائماً بأننا مقصرون. لقد شعرت أنه ينبغي عليّ فعل ذلك».

وأيد هذا الرأي، آري عميت، عضو طائفة «حاباد لوبافيتش»، الأكبر ميلاً من غيرها من الجماعات اليهودية المتشددة للتفاعل مع العالم الخارجي. وقد كان عميت من أوائل «الحريديم» في إسرائيل الذين انضموا للجيش. كان ذلك عام 2001، وكان على وشك بلوغ الـ18 من عمره، وذلك بعد عام من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

وقال عميت في مقابلة أجريت معه بمقهى في مدينة بات يام، جنوب تل أبيب: «اعتقدت وقتها أنه يمكنني المساهمة بشكل أفضل في خدمة شعبي بالجيش، بدلاً من دراسة التوراة فقط».

ويتولى عميت الآن إدارة الشؤون اللوجيستية في قاعدة مؤقتة داخل حدود غزة، وقال إنه يتفهم سبب استياء كثير من الإسرائيليين من «الحريديم»، «حيث يشعرون بأنهم لا يتحملون العبء الذي يتحمله باقي أفراد الشعب».


مقالات ذات صلة

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

الولايات المتحدة​ المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

حذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية.

«الشرق الأوسط» (مودينا)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

انتقادات في القاهرة عقب حديث إسرائيلي عن «تعاظم قدرة الجيش المصري»

نقلت تقارير عبرية تحذيرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قوة الجيش المصري تطرق فيها إلى «ضرورة مراقبته من كثب لضمان عدم تجاوز الحد المعهود».

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي لقطة تُظهر أنقاض المباني التي دُمرت خلال الحرب في شمال قطاع غزة (رويترز)

تقرير: مقتل فلسطينيين اثنين برصاص إسرائيلي ونسف مربعات سكنية بغزة

ذكر تقرير إخباري أن فلسطينيين اثنين لقيا حتفهما برصاص الجيش الإسرائيلي في منطقتي جباليا البلد والواحة شمال قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية (رويترز)

تركيا توقف رجلين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل

أوقفت أجهزة الاستخبارات التركية شخصين للاشتباه بتجسسهما لحساب الموساد الإسرائيلي، وتزويده بمعلومات ساعدته في تنفيذ اغتيالات.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية صورة بتسلئيل زيني شقيق رئيس الشاباك (وسائل إعلام إسرائيلية)

الجيش الإسرائيلي: قضية تهريب البضائع لغزة «خطر كبير على أمننا»

أصدر الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، تعليقاً بشأن قضية تهريب بضائع لقطاع غزة، والمتهم فيها شقيق رئيس جهاز «الشاباك» و14 مشتبهاً بهم آخرين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

نتنياهو يلتقي ترمب في واشنطن الأربعاء للتباحث في ملف المفاوضات مع إيران

لقاء سابق بين ترمب ونتنياهو في واشنطن (رويترز)
لقاء سابق بين ترمب ونتنياهو في واشنطن (رويترز)
TT

نتنياهو يلتقي ترمب في واشنطن الأربعاء للتباحث في ملف المفاوضات مع إيران

لقاء سابق بين ترمب ونتنياهو في واشنطن (رويترز)
لقاء سابق بين ترمب ونتنياهو في واشنطن (رويترز)

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (السبت)، إن من المتوقع أن يلتقي نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، في واشنطن؛ حيث سيبحثان ملف المفاوضات مع إيران.

وأضاف المكتب، في بيان نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، أن نتنياهو «يعتقد أن أي مفاوضات (مع إيران) يجب أن تشمل الحد من الصواريخ الباليستية ووقف دعم وكلاء إيران» في المنطقة.

وعقدت إيران والولايات المتحدة محادثات نووية في سلطنة عمان، يوم الجمعة، قال عنها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إنها تشكّل بداية جيدة وستستمر، وذلك بعد مخاوف متزايدة من أن يؤدي إخفاق تلك المفاوضات المهمة إلى إشعال فتيل حرب أخرى في الشرق الأوسط.

لكن عراقجي أضاف عقب المحادثات في العاصمة العُمانية مسقط أن «العدول عن التهديدات والضغوط شرط لأي حوار. (طهران) لا تناقش إلا قضيتها النووية... لا نناقش أي قضية أخرى مع الولايات المتحدة».

وفي الوقت الذي أشار فيه الجانبان إلى استعدادهما لإعطاء الدبلوماسية فرصة جديدة لنزع فتيل النزاع النووي القائم منذ فترة طويلة بين طهران والغرب، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوم الأربعاء، إن واشنطن تريد أن تشمل المحادثات البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية ودعم إيران جماعات مسلحة في المنطقة، فضلاً عن «طريقة تعاملها مع شعبها».

وكرر مسؤولون إيرانيون مراراً أنهم لن يناقشوا مسألة الصواريخ الإيرانية، وهي واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ في المنطقة، وقالوا من قبل إن طهران تريد اعترافاً بحقها في تخصيب اليورانيوم.

وبالنسبة إلى واشنطن، يمثّل إجراء عمليات تخصيب داخل إيران، وهو مسار محتمل لصنع قنابل نووية، خطاً أحمر. وتنفي طهران منذ فترة طويلة أي نية لاستخدام الوقود النووي سلاحاً.


إيران توقف 11 شخصاً مرتبطين بحزب كردي على خلفية أعمال «تخريب»

عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)
TT

إيران توقف 11 شخصاً مرتبطين بحزب كردي على خلفية أعمال «تخريب»

عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

أوقفت السلطات الإيرانية 11 شخصاً مرتبطين بحزب كردي محظور للاشتباه بارتكابهم أعمال «تخريب»، بحسب ما أورد التلفزيون الرسمي، اليوم (السبت).

يأتي اعتقال الموقوفين المرتبطين بـ«حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)»، عقب احتجاجات واسعة النطاق شهدتها إيران، اعتباراً من أواخر ديسمبر (كانون الأول)، قُتِل خلالها الآلاف بينهم عناصر من قوات الأمن.

شنّ الحزب منذ تأسيسه، عام 2004، وهو متفرع من حزب العمال الكردستاني، عمليات ضد القوات الإيرانية، وتصنّفه طهران «منظمة إرهابية»، مثلها مثل الولايات المتحدة وتركيا.

وأوردت وكالة «فارس» للأنباء أن الموقوفين الذين اعتُقلوا في غرب إيران كانوا «على تواصل مباشر مع عناصر من (بيجاك)، يسعون إلى إطلاق أعمال تخريب والإخلال بأمن السكان».

ونقلت عن القيادي في «الحرس الثوري»، محسن كريمي، قوله: «تم تحديد هوياتهم واعتقالهم قبل أن يتمكنوا من تنفيذ العملية»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأقرَّت السلطات الإيرانية بمقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص خلال الاحتجاجات، غالبيتهم من قوات الأمن أو المارّة الذين استهدفهم «إرهابيون» تدعمهم الولايات المتحدة وإسرائيل.

غير أن منظمات حقوقية خارج إيران، قدّمت حصيلة مضاعفة تقريباً، مشيرة إلى أنها تواصل التحقق من آلاف الحالات الأخرى. وأكدت أن معظم القتلى هم محتجون قضوا بنيران قوات الأمن.


وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

تصاعدت ردود الفعل على الوثيقة الكاملة التي نشرها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخميس، وتضمنت إجاباته المقدمة إلى مراقب الدولة، وذلك في إطار تحقيق أمين المظالم في هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وألقى فيها باللوم في عدم منع الهجوم على خصومه السياسيين وقادة الأمن، مقللاً من مسؤوليته عن الهجوم.

وبعد هجوم السياسيين عليه هاجمه كتّاب وصحافيون، وقالوا إن رده محاولة منه بالتضحية بأمن الدولة من أجل تبرئة نفسه، ونوع من سلاح انتخابي يتم تحضيره بدم بارد منذ بداية الحرب.

فلسطينيون في خان يونس فوق مركبة عسكرية إسرائيلية جرى الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023 (د.ب.أ)

وكتب الصحافي الاستقصائي المعروف، رونين بيرغمان، في «يديعوت أحرونوت» قائلاً إن نتنياهو قدّم وثيقة تمثّل مزيجاً من الأكاذيب والتزييف الخطير، واستغلالاً سيئاً للثقة الممنوحة له ولرجاله للحفاظ على المواد المصنفة، واستخدامها بشكل تضليلي لإبعاد التهمة عن نفسه، وقرّر بنفسه ما سيعرفه الجمهور وما يفضل تركه في الظلام، خاصة في عام الانتخابات.

ووجه بيرغمان عدة اتهامات لنتنياهو، تتلخص بالاستيلاء غير القانوني على «صلاحية النشر» والتلاعب بالحقائق التاريخية. وقال إن الوثيقة التي طرحها تظهر أنه قدّم «التطبيع» على «الأمن» وفشل في اختيار القيادات، كما أنه استغل موارد الدولة لأغراض انتخابية.

وكتب بيرغمان أن الوثيقة التي نشرها نتنياهو هي «توليفة» من الاقتباسات المجتزأة والمضللة، هدفها تبرئة ساحته أمام الناخبين من مسؤولية أحداث 7 أكتوبر، مستغلاً خوف الأجهزة الأمنية حالياً من مواجهته قانونياً.

وربط بيرغمان بين وثيقة نتنياهو والانتخابات، قائلاً إن وثيقته تمثل فعلاً غير أخلاقي، خاصة في سنة انتخابية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وتلميح بيرغمان إلى أن نتنياهو اختار الوقت المناسب قبل الانتخابات لتبرئة نفسه، دعم مقالاً آخر للكاتبة يارا شابيرا، في هيئة البث الإسرائيلية، التي قالت إن جمع هذه المواد في وثيقة نتنياهو بدأ في وقت مبكر من أكتوبر 2023. حين كانت الحرب في غزة في بدايتها.

وقالت الكاتبة يارا شابيرا: «بالطبع، لا يمكن استنتاج أي شيء من الناحية الواقعية من مجموعة اقتباسات لمناقشات أمنية تمتد لعقد كامل، واختارها شخص يسعى لإثبات أنه آخر من يُلام على إخفاق 7 أكتوبر. والحقيقة هي، على الأرجح، أن كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين أخطأوا معاً في تقدير قدرة (حماس) واستعدادها للمواجهة. لكن نتنياهو لا يقف أمام لجنة تحقيق (لأنه لم يشكل واحدة أصلاً) بل يقف أمام جمهور مصدوم، بعد عامين من كارثة ثقيلة وقبيل معركة انتخابية. هو لا يحتاج إلى إثبات، بل يحتاج إلى عملية كيّ وعي».

أضافت شابيرا: «جاء توقيت نشر وثيقة الدفاع الحالية ليصوغ رواية مضادة للاتهامات التي ستُوجه لرئيس الوزراء مع اقتراب الانتخابات. إنه توقيت محسوب بدقة... لا يمكن نشر وثيقة كهذه بعد أن يتضح أن الكنيست سيُحل؛ لأنها ستُصنف فوراً كدعاية انتخابية، ومن ناحية أخرى، فإن نشرها مبكراً جداً قبل التوجه لصناديق الاقتراع يزيد من خطر ظهور ادعاءات مضادة قوية... نحن الآن، حسب التقديرات، في نقطة الوسط المثالية؛ لذا أُرسلت الوثيقة للصحافيين».

وتسود قناعات في إسرائيل بأن نتنياهو قد يقرب موعد الانتخابات فعلاً.

تجمُّع لعائلات أسرى خطفتهم حركة «حماس» خلال هجوم «7 أكتوبر» في تل أبيب 18 نوفمبر 2023 (أ.ب)

ويفترض أن تجري الانتخابات في أكتوبر من هذا العام، لكن تقارير سابقة قالت إن نتنياهو يميل إلى جعلها في يونيو (حزيران) وربما قبل ذلك.

وكان نتنياهو نشر، مساء الخميس، الوثيقة الكاملة التي تضمنت إجاباته المقدمة إلى مراقب الدولة في هجوم 7 أكتوبر، وصوّر نفسه في ضوء إيجابي مقللاً من مسؤوليته عن الهجوم.

وفي الوثيقة، سعى نتنياهو إلى تعزيز موقفه عبر اقتباسات مختارة بعناية، زاعماً أنه ضغط مراراً وتكراراً من أجل اغتيال قادة «حماس»، لكن رؤساء الأجهزة الأمنية عارضوا الفكرة باستمرار.

وفي إجاباته، قال نتنياهو إنه درس إمكانية احتلال قطاع غزة مرات عديدة في السنوات التي سبقت اجتياح «حماس» في 7 أكتوبر لجنوب إسرائيل، لكن المؤسسة الأمنية رفضت الفكرة مراراً وتكراراً، بحجة أن الأمر سيتطلب حرباً طويلة ومكلفة من دون شرعية داخلية أو دولية، وأنه لا يوجد بديل جاهز لـ«حماس» للحكم.

ويناقض ذلك ما قاله بعض كبار المسؤولين الأمنيين أنفسهم، بأن نتنياهو وحكومته رفضوا مراراً وتكراراً خطط اغتيال قادة «حماس» البارزين.

كما ضمّن نتنياهو في رده اجتماعاً للكابينت عُقد في يوليو (تموز) 2014، خلال عملية «الجرف الصامد» في غزة. حيث أثار حينها مسألة احتلال غزة، وردّ وزير الاقتصاد آنذاك، نفتالي بينيت، الذي نُقل عنه قوله: «لم أتحدث قط عن (احتلال غزة)». ووفقاً للبروتوكولات، رد نتنياهو بأن السبيل الوحيد لنزع سلاح غزة هو احتلالها عسكرياً.

الجدار الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة لم يمنع «حماس» من شن هجوم «7 أكتوبر» على مستوطنات غلاف غزة (رويترز)

ويُعدّ بينيت المنافس الأبرز لنتنياهو في انتخابات هذا العام، ولدى رئيس الوزراء حافز سياسي واضح لتصوير بينيت على أنه معارض لاستهداف «حماس».

كما ضمّن نتنياهو اقتباسات من النقاش نفسه لشخصيات أخرى تُعتبر اليوم من أشد منتقديه، بمن فيهم نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، غادي آيزنكوت، ورئيس الأركان بيني غانتس، ووزير الدفاع موشيه يعالون، حيث عارضوا جميعاً في ذلك الوقت فكرة السيطرة على قطاع غزة.

إلى جانب الاقتباسات من اجتماعات عام 2014، شارك نتنياهو مقتطفات مختارة من نقاشات لاحقة تُظهر كبار المسؤولين الأمنيين، بمن فيهم رئيس جهاز الشاباك، وهم يقولون إن القدرة الوحيدة لـ«حماس» على مفاجأة إسرائيل تكمن في الأنفاق العابرة للحدود.

واختار نتنياهو نقاشاً جرى عام 2016 قال فيه رئيس الشاباك آنذاك، نداف أرغمان، لنتنياهو إن اغتيال قادة «حماس» مثل يحيى السنوار ومحمد الضيف لن يؤدي إلى انهيار الحركة، في حين واصل رئيس الوزراء الدفع باتجاه اغتيالهما.

إسرائيليون يزورون في 6 أكتوبر 2024 موقعاً لهجوم «طوفان الأقصى» الذي شنته «حماس» قبل عام (رويترز)

كما ضمّن نتنياهو اقتباسات من نقاش جرى عام 2021 بعد عملية «حارس الأسوار» ضد حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية، عاد خلالها للضغط من أجل اغتيال السنوار والضيف، بينما عارض رئيس الأركان حينها، أفيف كوخافي، هذه السياسة بشدة. وشارك نتنياهو أيضاً وثيقة صادرة عن الشاباك عام 2022 اقترحت تخفيف الضغط الاقتصادي على «حماس» بدلاً من هزيمتها.

وجاءت اقتباسات جزئية أخرى من مداولات جرت في الشهر الذي سبق هجوم 7 أكتوبر، من بينها اجتماع للحكومة في 12 سبتمبر (أيلول) 2023، نُقل فيه عن وزير الدفاع آنذاك، يوآف غالانت، قوله إن الوضع الأمني في غزة «مستقر»، وإن على إسرائيل «كبح قواتها» في مواجهة «حماس».

كما قدّم نتنياهو ملخصاً لتقييم أمني عُقد في 21 سبتمبر 2023 برئاسة رئيس الأركان آنذاك، هرتسي هليفي، جاء فيه أن «رئيس الأركان يعتقد أن من الممكن خلق مسار إيجابي مع (حماس) عبر حوافز اقتصادية».

وفي اجتماع مع نتنياهو عُقد قبل عشرة أيام من اجتياح «حماس» لإسرائيل، قال ممثل عن شعبة الاستخبارات العسكرية إن «(حماس) تريد بالفعل الوصول إلى تصعيد»، فيما قال رئيس الشاباك آنذاك، رونين بار، إنهم «يريدون بشدة تجنب جولة قتال».

وأراد نتنياهو إظهار أن كبار الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية كانوا يدفعون باستمرار نحو إيجاد طرق لشراء هدوء طويل الأمد من «حماس»، في حين كان هو يجادل بضرورة التحضير لعمليات اغتيال قادة الحركة.

وركّز بشكل خاص على رونين بار، الذي أقاله هو الآخر خلال الحرب، ونشر اقتباسات من اليوم الذي سبق الهجوم، يقول فيها قائد الشاباك إن الهدوء عاد إلى حدود غزة، وإنه يمكن التوصل إلى «ترتيب أعمق» مع «حماس».

وكانت الوثيقة أثارت غضب سياسيين ورجال أمن، بينهم غالانت الذي قال إن نتنياهو «لا يفوّت فرصة للكذب والتحريض»، وزعيم المعارضة يائير لبيد الذي قال إنه «خلافاً لادعاءاته، تم تحذير نتنياهو مراراً وتكراراً قبل 7 أكتوبر، بما في ذلك من قِبلي، لكنه تجاهل جميع التحذيرات».