«المسجد الأم»... أول جامع تم تشييده في قلب أميركا عام 1934

شاهد على تاريخ طويل من الوجود الإسلامي شيّده أحفاد المهاجرين اللبنانيين

يُعد «المسجد الأم» في سيدار رابيدز أقدم مكان عبادة للمسلمين بالولايات المتحدة وقد بناه أشخاص لبنانيون منذ ما يقارب قرناً من الزمان (أ.ب)
يُعد «المسجد الأم» في سيدار رابيدز أقدم مكان عبادة للمسلمين بالولايات المتحدة وقد بناه أشخاص لبنانيون منذ ما يقارب قرناً من الزمان (أ.ب)
TT

«المسجد الأم»... أول جامع تم تشييده في قلب أميركا عام 1934

يُعد «المسجد الأم» في سيدار رابيدز أقدم مكان عبادة للمسلمين بالولايات المتحدة وقد بناه أشخاص لبنانيون منذ ما يقارب قرناً من الزمان (أ.ب)
يُعد «المسجد الأم» في سيدار رابيدز أقدم مكان عبادة للمسلمين بالولايات المتحدة وقد بناه أشخاص لبنانيون منذ ما يقارب قرناً من الزمان (أ.ب)

في وقتٍ تتصاعد الصراعات بالشرق الأوسط، وتؤجج التوترات بشأن الهجرة والإسلام بالولايات المتحدة، يقف «المسجد الأم» شاهداً على تاريخ طويل من الوجود الإسلامي في قلب أميركا.

وفي زاوية هادئة بمدينة سيدار رابيدز بولاية آيوا الأميركية، يقف مبنى خشبي أبيض متواضع بتصميم يشبه بيوت الغرب الأوسط الأميركية، إلا أن قبة صغيرة تعلوه تميزه بصفته أول مسجد بُني من الأساس في الولايات المتحدة عام 1934.

هذه التحفة التاريخية، المعروفة باسم «المسجد الأم»، لا ترمز فقط إلى بدايات المجتمع المسلم في أميركا، بل أصبحت أيضاً شاهداً على رحلة اندماجه وتطوره وسط تحديات العصر، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس» الأحد.

أحفاد المهاجرين اللبنانيين الذين شيدوا المسجد قبل ما يقارب القرن، إلى جانب المقبلين الجدد من أفغانستان وشرق أفريقيا ومناطق أخرى، يعيدون تشكيل معنى أن تكون مسلماً وأميركياً في قلب البلاد، في الوقت الذي تؤجج فيه الصراعات الزائدة بالشرق الأوسط التوترات المتعلقة بالهجرة والإسلام في الولايات المتحدة.

بالقرب من باب مركز سيدار رابيدز الإسلامي، كانت فاطمة إغرام سميكال ترتدي عباءة سوداء مطرزة بالذهب وتستقبل المصلين بترحيب «سلام» مبهج أثناء دخولهم لأداء صلاة الجمعة.

فاطمة إغرام سميكال التي هاجرت عائلتها إلى الولايات المتحدة من لبنان في أوائل القرن العشرين تُحيي إخوانها المؤمنين قبل صلاة الجمعة بالمركز الإسلامي بسيدار رابيدز يوم الجمعة 8 أغسطس 2025 (أ.ب)

في عام 1934، ساعدت عائلتها في افتتاح ما وصفه «السجل الوطني للأماكن التاريخية» بأنه «أول مبنى صُمم وبُني خصيصاً ليكون مكاناً للعبادة الإسلامية في الولايات المتحدة».

قالت فاطمة عن العائلات مثل عائلتها، التي وصلت في مطلع القرن العشرين: «جاءوا من لا شيء... لذا أرادوا أن يردوا الجميل».

وأضافت: «لهذا السبب أُعامل المقبلين من الصومال والكونغو والسودان وأفغانستان بلطف. لا أعرف ما الذي تركوه خلفهم، أو بماذا يشعرون عندما يدخلون المسجد».

الآن، يجتمع المجتمع الإسلامي في «المركز الإسلامي»، الذي بُني في السبعينات عندما أصبح عددهم أكبر من أن تستوعبه قاعة الصلاة الصغيرة في مسجد الأم. والآن تجاوز عددهم حتى طاقة هذا المركز الجديد.

مئات من المسلمين في آيوا من الجيل الخامس، بالإضافة إلى اللاجئين والمهاجرين الجدد، يؤدون الصلاة على سجاد صناعي يُفرش فوق ملعب كرة السلة في صالة الألعاب، من كبار السن الذين يستخدمون مشايات، إلى الرُّضع في مقاعد السيارة، والنساء المحجبات، والرجال الذين يرتدون قبعات من الكوفيات الأفريقية والقبعات الأفغانية إلى قبعات البيسبول الأميركية.

هذا المكان الذي يجمع مجموعات متنوعة يساعد في الحفاظ على روح المجتمع، في وقتٍ يحاول فيه المهاجرون الحفاظ على تراثهم أثناء اندماجهم في الثقافة والمجتمع الأميركي.

قال حسن إغرام، رئيس مجلس الأمناء في المركز: «بإمكانك أن تكون مسلماً تمارس دينك وتعيش بسلام مع كل مَن حولك».

تقف فاطمة إغرام سميكال التي هاجرت عائلتها من لبنان إلى الولايات المتحدة أوائل القرن العشرين بجانب قبر زوجها بالمقبرة الوطنية الإسلامية التي أنشئت في أربعينات القرن العشرين بسيدار رابيدز يوم الجمعة 8 أغسطس 2025 (أ.ب)

المهاجرون اللبنانيون بنوا أول مسجد في أميركا

عشرات الآلاف من الشباب، مسلمين كانوا أو مسيحيين، استقروا في مدن الغرب الأوسط المزدهرة بعد الفرار من الإمبراطورية العثمانية، وكان كثير منهم لا يحمل أكثر من إنجيل أو قرآن في حقائبهم. غالباً ما عملوا في بيع الأدوات المنزلية في المزارع النائية، حتى تمكنوا من شراء خيول وعربات، ثم افتتحوا متاجر بقالة.

ومن خلال بيع المعجنات وتنظيم العشاءات المجتمعية، جمعت مجموعة من النساء المسلمات المال في عشرينات القرن الماضي لبناء ما كان يسمى «المعبد الإسلامي». مثل عائلة إغرام، يتذكر أنيس عاصي حضور الصلاة هناك مع والديه، رغم أن الأطفال كانوا يترقبون أكثر لحظة وهي تناول كعك «ديكسي كريم» بعد الصلاة.

وقال عاصي: «لم نُربَّ بطريقة دينية صارمة»، وكان والده يبيع البضائع على طول خطوط القطار من كيس يزن 175 رطلاً. وأضاف: «كانوا هنا للاندماج مع المجتمع الأميركي».

النشأة في قلب أميركا

واجه المسلمون أحياناً تمييزاً مؤسسياً، فبعد خدمته في الحرب العالمية الثانية، قاد عبد الله إغرام حملة ناجحة لإضافة خيار «مسلم» إلى بطاقات تعريف الجنود، بجانب «كاثوليكي»، و«بروتستانتي»، و«يهودي».

لكن في مدينة سيدار رابيدز، وجد المهاجرون قبولاً متبادلاً، بُني على علاقات الجوار ودور العبادة، وعلى صداقات نشأت بين الأطفال المولودين في الولايات المتحدة وجيرانهم غير المسلمين، فقد كانت أقرب صديقة لفاطمة سميكال كاثوليكية، وكان والدها يحتفظ بالنقانق المصنوعة من لحم البقر فقط احتراماً لتحريم المسلمين أكل لحم الخنزير. وفي المقابل، كان والد فاطمة يحرص على أن تتضمن وجبات يوم الجمعة أعواد السمك المقلية احتراماً للعادات الدينية المسيحية، خصوصاً الكاثوليكية.

وقال الأستاذ إدوارد كيرتس من جامعة «إنديانا»: «المسلمون الناطقون بالعربية كانوا جزءاً لا يتجزأ من القصص نفسها التي تشكّل فهمنا لماهية الغرب الأوسط وقيمه».

ودُفن عبد الله إغرام في مقبرة المسلمين الواقعة على قمة التل، التي كانت من أولى المقابر الإسلامية في أميركا عند إنشائها في أربعينات القرن الماضي. وهي بجوار مقبرة التشيك، أحفاد المهاجرين الذين أسسوا سيدار رابيدز في خمسينات القرن التاسع عشر، والمقبرة اليهودية التي تبرعت بأشجار لمقبرة المسلمين بعد أن تضررت من إعصار قبل خمس سنوات، وتتمنى فاطمة أن تتعاون ديانات العالم كلها بهذا الشكل، قائلة: «عندها فقط تزول الحواجز. أدعو أن يتحقق ذلك يوماً ماً».

وقال كيرتس إن الوجود الإسلامي في الغرب الأوسط ازداد بشكل كبير بعد قانون الهجرة لعام 1965، الذي ألغى القيود التي كانت تمنع وصول مهاجرين من مناطق كثيرة منذ عشرينات القرن الماضي.

الإمام طه طويل يناقش تاريخ المبنى الطويل في سيدار رابيدز يوم الجمعة 8 أغسطس 2025 (أ.ب)

لكن موجات الشك والريبة عادت لتطفو على السطح بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لا سيما في المجتمعات الزراعية التي كان أبناؤها يقاتلون في أفغانستان والعراق. هذا ما أكده آكو عبد الصمد، الأميركي من أصل أفريقي، الذي مثّل مدينة دي موين في مجلس نواب ولاية آيوا لما يقارب عشرين عاماً.

وقد أوضح أنه كان يخشى أن انتماءه الديني كونه مسلماً سيقف عائقاً أمام فوزه في أول حملة انتخابية له، غير أن الناخبين جددوا ثقتهم به مرة بعد أخرى

ورغم أن الهجرة، ومنها الهجرة من دول مسلمة، ما زالت قضية خلافية، فإن المجتمعات المسلمة ازدهرت وزاد تأثيرها السياسي، خصوصاً في مدن كبرى مثل مينيابوليس وديترويت.

لكن التفاعل اليومي بين المسلمين وجيرانهم وفّر نوعاً من الحماية من التحيز، وفقاً لإمام «المسجد الأم»، طه الطويل، الفلسطيني الذي هاجر في الثمانينات. إذ يقول: «الصور النمطية لم تنجح في سيدار رابيدز».

ويقول المسلمون البوسنيون إنهم مرّوا بتجارب مماثلة قرب دي موين، حيث سيفتتح الشهر المقبل مسجد ومركز ثقافي جديد بتكلفة عدة ملايين من الدولارات، وهذه توسعة لأول مركز أسسه لاجئو حرب قبل 20 عاماً. وقال أمين الصندوق مورين بليزيفيتش: «كان جيراننا رائعين معنا، بمن فيهم المزارعون الذين اشترينا الأرض منهم». وأضاف: «نحن أخيراً أصبحنا من آيوا».

ويمزح فاروز وزيري بأن زوجته مينا وهو ربما كانا أول أفغانيين في المدينة عندما وصلا في منتصف العقد الماضي بتأشيرة خاصة لمن عملوا مع القوات الأميركية. وبعد معاناة مع «الصدمة الثقافية» وحواجز اللغة، أصبحا مواطنين أميركيين، وهو الآن مدير موارد اللاجئين في منظمة غير ربحية أسستها راهبات كاثوليكيات.

وبينما تشعر عائلة وزيري بالامتنان للمساعدة التي تلقوها وللأمان الذي ينعمون به، إلا أنهم يفتقدون أقاربهم ووطنهم الأم، ويعترفون بأن الفجوات الثقافية، خصوصاً النزعة الفردية الأميركية، مثل الجلوس على طاولة الطعام بدلاً من التجمّع حول بساط على الأرض، لا تزال كبيرة وصعبة التجاوز.

وتقول مينا وزيري: «ذهنياً وعاطفياً، لا أشعر بأنني أميركية». وهي الآن خريجة جامعية وتُقدّر الاستقلالية وحقوق المرأة التي تبقى بعيدة المنال في أفغانستان تحت حكم حركة «طالبان». لكن العائلة حريصة على أن يحظى ابنها رايان، المولود في الولايات المتحدة، بأصدقاء مسلمين، وأن ينشأ على القيم الإسلامية.

وهذه التوترات ليست غريبة على أحفاد أوائل المسلمين في المدينة، مثل أنيس عاصي، الذي يحتفظ بألواح عرض حول الهجرة اللبنانية والاندماج في المرأب نفسه الذي يحتفظ فيه بمركباته الترفيهية في مزرعته الخاصة. واختتم عاصي حديثه قائلاً: «قصتي هي القصة الأميركية، وليست القصة الإسلامية».


مقالات ذات صلة

سلطات بنغازي تطلب تعاوناً أوروبياً لمواجهة الهجرة غير النظامية

شمال افريقيا عدد من المهاجرين غير النظاميين داخل منشأة لـ«جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» (الجهاز)

سلطات بنغازي تطلب تعاوناً أوروبياً لمواجهة الهجرة غير النظامية

قال اللواء صلاح الخفيفي رئيس «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في شرق ليبيا، إن «مخاطر الظاهرة على الأمن الإقليمي والعالمي تستوجب من الجميع التعاون مع بلاده».

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

تحليل إخباري لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

فجَّر حادث مصرع 22 مهاجراً غير نظامي قبالة سواحل اليونان، بعدما ضلوا الطريق إلى أوروبا تساؤلات عدة، بشأن الجهود التي تتخذها السلطات الليبية لمنع عمليات التهريب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)

ليبيا: «الهجرة غير النظامية» تتصدر محادثات حفتر ووزير خارجية اليونان

تصدر ملف الهجرة غير النظامية محادثات قائد «الجيش الوطني» في شرق ليبيا المشير خليفة حفتر مع وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، السبت.

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (رويترز)

ظلوا لـ9 أيام في البحر... غرق 22 مهاجراً قبالة سواحل اليونان

لقي 22 مهاجراً مصرعهم بعدما بقوا 6 أيام عالقين في قاربهم المطاطي في البحر الأبيض المتوسط، عقب انطلاقهم من ليبيا، حسبما أفاد خفر السواحل اليوناني.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها، من دون أن يتضح ما كان يقصده بالضبط، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «لم تسمح فرنسا للطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة معدات عسكرية، بالتحليق فوق أراضيها. كانت فرنسا غير متعاونة إطلاقاً، بينما تتصل بالجزار الإيراني الذي تم القضاء عليه بنجاح».

وقال قصر الإليزيه للصحافيين، الثلاثاء، رداً على تصريحات ترمب، إن هذا القرار يتماشى مع الموقف الفرنسي منذ بداية الحرب، وأضاف: «لم تُغيِّر فرنسا موقفها منذ البداية. لقد فوجئنا بهذا المنشور» لترمب.

ولم تعلن باريس رسمياً أو علناً حظراً لتحليق الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب فوق أراضيها، على عكس إسبانيا.

وكانت إسبانيا التي أعلنت حكومتها اليسارية «معارضتها التامة» للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاثنين إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.


هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز... والقوات البرية ليست مستبعدة

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
TT

هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز... والقوات البرية ليست مستبعدة

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)

وضع وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مضيق هرمز في قلب الرسالة الأميركية الجديدة إلى إيران، معلناً أن خيارات واشنطن في الممر البحري الحيوي لا تزال مفتوحة، وأن إرسال قوات برية ليس خياراً مستبعداً، فيما أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أن الضربات الأميركية تتصاعد ضد القدرات البحرية الإيرانية ومواقع إنتاج السلاح، مع بدء مهمات قاذفات «بي - 52» فوق الأراضي الإيرانية.

أكد هيغسيث في مؤتمر صحافي أن الأيام المقبلة من الحرب التي تشّنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستكون «حاسمة»، رافضاً استبعاد إمكان تنفيذ عملية بريّة.

وبعد 12 يوماً على آخر مؤتمر صحافي عقده، عكس هيغسيث من البنتاغون توجهاً أميركياً يقوم على إبقاء سقف التصعيد مرتفعاً؛ من الضغط في مضيق هرمز وتعزيز الانتشار العسكري في المنطقة، إلى توسيع بنك الأهداف داخل إيران، مع ترك قرار إنهاء الحرب أو الانتقال إلى اتفاق بيد الرئيس دونالد ترمب وحده، من دون أي جدول زمني معلن أو تصور واضح للخطوة التالية. وقال هيغسيث: «الأيام المقبلة ستكون حاسمة، إيران تدرك هذا الأمر، ولا يمكنها فعل شيء عسكري إزاءه تقريباً».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (رويترز)

وأضاف أن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت «أقل عدد من الصواريخ التي تطلقها إيران»، مشيراً إلى أنه تفقد في الآونة الأخيرة وحدات عسكرية أميركية منتشرة بالشرق الأوسط. وقال هيغسيث إن المحادثات لإنهاء الحرب في إيران تكتسب زخماً، وإنها «حقيقية جداً»، مضيفاً: «لا نريد أن نضطر إلى القيام بأكثر مما هو ضروري عسكرياً. وحين قلت إننا سنُفاوض تحت القنابل لم أقل ذلك باستخفاف».

مضيق هرمز

ولفت هيغسيث إلى أن قضية مضيق هرمز «ليست مجرد مشكلة تخص الولايات المتحدة الأميركية»، مكرراً دعوة الرئيس دونالد ترمب إلى أن تقوم دول أخرى بدور أكبر في هذا الممر الحيوي. وأضاف أن على إيران أن «تفتحه للأعمال التجارية»، وإلا فإن لدى الولايات المتحدة «خيارات». ووجه انتقاداً واضحاً إلى الحلفاء، ولا سيما بريطانيا، قائلاً إن الأمر لا يقتصر على البحرية الأميركية، وإن دولاً أخرى يفترض أن تكون مستعدة للتحرك في المضيق.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن عدداً أكبر بكثير من السفن يمر اليوم عبر مضيق هرمز، في إشارة إلى أن واشنطن بدأت بالفعل إجراءات ميدانية لتحسين حركة الملاحة، من دون أن يوضح طبيعة هذه الإجراءات أو ما إذا كانت ترقى إلى عملية لفرض فتح المضيق بالقوة.

وعندما سُئل عن إمكان إرسال قوات برية إلى إيران، رفض هيغسيث استبعاد هذا الخيار. وقال إن الولايات المتحدة لن تخبر خصمها بما هي مستعدة لفعله أو عدم فعله، «بما في ذلك إرسال قوات برية»، مضيفاً أن إيران تعتقد بوجود «15 طريقة مختلفة» يمكن للولايات المتحدة أن تهاجمها بها بقوات على الأرض، وتابع: «وخمّنوا ماذا؟ هناك بالفعل 15 طريقة». لكنه شدد في الوقت نفسه على أن عدم كشف هذه الخيارات جزء من استراتيجية تقوم على الإبقاء على الغموض وعدم القابلية للتنبؤ.

وربط هيغسيث هذا الموقف بانتشار القوات الأميركية في المنطقة، مؤكداً أنه زار خلال عطلة نهاية الأسبوع قوات أميركية في الشرق الأوسط، ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية، من دون أن يكشف عن أسماء القواعد أو مواقعها. وقال إنه تحدث إلى أفراد من سلاحي الجو والبحرية، بعضهم عادوا «للتو من سماء إيران»، وإن الرسالة التي تلقاها منهم كانت المطالبة بمزيد من القنابل، وقنابل أكبر، وأهداف أكثر. كما قال إن صاروخين أُسقطا بنجاح خلال زيارته، في إشارة إلى استمرار التهديدات الإيرانية المباشرة على القواعد والقوات المنتشرة في المنطقة.

وفي جانب آخر من صورة الانتشار العسكري، قال هيغسيث إن آلاف المارينز والمظليين الوافدين حديثاً لا يمكن الحديث عن كيفية استخدامهم، مكتفياً بالتأكيد أن كل الخيارات تبقى مطروحة، وأن قرار استخدامها يعود إلى الرئيس وحده. كما أوضح أن قرار إنهاء الحرب أو إبرام اتفاق مع إيران سيكون «تحديداً من جانب الرئيس دونالد ترمب وحده».

وعلى مستوى الأهداف العسكرية، قدم هيغسيث مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين صورة أكثر تفصيلاً لطبيعة الحملة الجارية ضد إيران. وقال هيغسيث إن الهدف الأساسي للبنتاغون هو تدمير صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة وأسطولها البحري، من دون أن يضع فتح مضيق هرمز ضمن الأهداف العسكرية الأميركية المباشرة، معتبراً أن هذه مهمة أوسع يفترض أن تشارك فيها دول أخرى.

رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (أ.ف.ب)

من جانبه، قال الجنرال كين إن العمل العسكري الأميركي يركز على «استهداف قدراتهم في زرع الألغام وأصولهم البحرية»، مضيفاً أن أكثر من 150 سفينة إيرانية دمرت مجدداً، وأن المروحيات الهجومية انضمت إلى الحملة التي تستهدف الأهداف البحرية الإيرانية. وبذلك بدا واضحاً أن واشنطن تركز، في الشق البحري من الحرب، على شل قدرة إيران على تهديد الملاحة أو فرض إغلاق فعلي للمضيق.

لكن كين أضاف أن الجبهة الثانية لا تقل أهمية، وهي تعطيل القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية. وقال إن الضربات تشمل المصانع والمستودعات ومختبرات البحث والتطوير المرتبطة بالأسلحة النووية، فضلاً عن البنية التحتية اللازمة لإعادة بناء القدرة القتالية الإيرانية.

قاذفات «بي - 52» الأميركية

وأوضح أن الطائرات الأميركية باتت تركز على «اعتراض وتدمير سلاسل الإمداد واللوجيستيات» التي تغذي منشآت بناء الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن الحربية، بهدف خنق قدرة إيران على تعويض الذخائر التي دمرت في آلاف الغارات.

وفي هذا الإطار، أعلن كين بدء مهمات قاذفات «بي - 52» الأميركية فوق إيران، في خطوة عكست، بحسب توصيفه، حجم التفوق الجوي الأميركي فوق البلاد، وما يعنيه ذلك من تراجع شديد في فاعلية الدفاعات الجوية الإيرانية. كما أكد أن هذا التطور يسمح بتوسيع الضغط على أهداف أعمق وأثقل ضمن الحملة الجارية.

وتحدث هيغسيث عن جانب عملياتي آخر، قائلاً إن الولايات المتحدة نفذت الليلة الماضية وحدها نحو 200 «ضربة ديناميكية»، أي ضربات يتغير فيها الهدف بعد إقلاع الطائرة، إضافة إلى أهداف مخطط لها مسبقاً. وأكد أن مقطع الفيديو الذي نشره ترمب أظهر ضربة أميركية على مستودع ذخيرة في أصفهان. ولم يحدد متى صُور الفيديو، لكنه قال إن قلة المقاطع المتاحة تعود أيضاً إلى أن إيران ما زالت تحجب الإنترنت عن معظم سكانها.

وبالتوازي مع هذا التصعيد، حرص هيغسيث على التأكيد أن «الجهد الأساسي» للولايات المتحدة ما زال هو التوصل إلى اتفاق مع إيران. وقال إن مهمة واشنطن هي حمل النظام القائم حالياً في إيران على إدراك أن وضعه سيكون أفضل إذا أبرم اتفاقاً. لكنه أوضح أن عدم التوصل إلى اتفاق سيعني ببساطة أن الولايات المتحدة «مستعدة للمضي قدماً».

وفي معرض شرحه لهذه المعادلة، استخدم هيغسيث عبارة لافتة حين قال: «نحن نتفاوض بالقنابل»، في تلخيص واضح لسياسة تمزج بين الإبقاء على القناة التفاوضية مفتوحة، واستخدام الضغط العسكري المكثف لتحسين شروط التفاوض. كما قال إن المحادثات مع إيران «حقيقية للغاية، ونشطة، وتكتسب قوة»، رغم التباين العلني بين واشنطن وطهران بشأن وجود هذه المفاوضات أصلاً.

وأظهر المؤتمر أيضاً أن الإدارة الأميركية تريد تقديم صورة عن تراجع إيران ميدانياً ومعنوياً. فقد قال هيغسيث إن عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها إيران انخفض، وإن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت أدنى عدد من المقذوفات الإيرانية منذ بدء الحرب. وأضاف أن معنويات الجيش الإيراني تتضرر، متحدثاً عن حالات فرار وإحباط بين القادة العسكريين.

وفي هذا السياق نفسه، قال هيغسيث إن «تغيير النظام قد حدث» في إيران، وهو توصيف سياسي بالغ الحساسية لم يقدمه كخطة أميركية معلنة بقدر ما طرحه كقراءة لواقع القيادة الحالية. لكنه لم يدخل في تفصيل شكل هذا التغيير أو تركيبته، بينما أشار جزء من الإحاطة إلى أن القائد الجديد في إيران يُعتقد أنه أكثر تشدداً من سلفه.