باول أمام خيار صعب... هل يخفض الفائدة ويخسر استقلالية «الفيدرالي»؟

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خارج مكان انعقاد ندوة جاكسون هول (أ.ب)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خارج مكان انعقاد ندوة جاكسون هول (أ.ب)
TT

باول أمام خيار صعب... هل يخفض الفائدة ويخسر استقلالية «الفيدرالي»؟

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خارج مكان انعقاد ندوة جاكسون هول (أ.ب)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خارج مكان انعقاد ندوة جاكسون هول (أ.ب)

الآن، وبعد أن ألمح رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول إلى أن البنك المركزي قد يخفض قريباً سعر الفائدة الرئيسي، يواجه تحدياً جديداً: كيف يفعل ذلك دون أن يبدو مستسلماً لمطالب البيت الأبيض؟

على مدى شهور، تجاهل باول إلى حد بعيد ضغوط الرئيس دونالد ترمب المستمرة لخفض تكاليف الاقتراض. ومع ذلك، في خطاب ألقاه يوم الجمعة في جاكسون هول بوامينغ، كان يُنتظر منه الكثير، أشار باول إلى أن «الاحتياطي الفيدرالي» قد يتخذ مثل هذه الخطوة في أقرب وقت ممكن في اجتماعه المقبل في سبتمبر (أيلول).

سيكون قراراً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، الذي يجب أن يوازنه مع استمرار التضخم واحتمال تحسن الاقتصاد في النصف الثاني من هذا العام. وإذا حدث هذان الاتجاهان، فقد يبدو أي خفض سابق لأوانه، وفق «أسوشييتد برس».

كان ترمب قد حث باول على خفض أسعار الفائدة، مُجادلاً بأنه «لا يوجد تضخم» وأن الخفض سيقلل مدفوعات الفوائد الحكومية على ديونها البالغة 37 تريليون دولار.

من اليمين: باول ومحافظ بنك اليابان ورئيسة البنك المركزي الأوروبي ومحافظ بنك إنجلترا (رويترز)

دوافع مختلفة لخفض الفائدة

من ناحية أخرى، أشار باول إلى أن خفض سعر الفائدة محتمل لأسباب مختلفة تماماً عن أسباب ترمب؛ فهو قلق من ضعف الاقتصاد. كما أوضحت تصريحاته يوم الجمعة في ندوة اقتصادية بحديقة غراند تيتون الوطنية في وايومنغ أن «الاحتياطي الفيدرالي» سيتحرك بحذر وسيخفض الفائدة بوتيرة أبطأ بكثير مما يريده ترمب.

ومع ذلك، قال باول إن الرسوم الجمركية بدأت في رفع أسعار السلع، وقد تستمر في دفع التضخم إلى الارتفاع، وهي احتمالية سيراقبها مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» من كثب وستجعلهم حذرين بشأن إجراء تخفيضات إضافية في أسعار الفائدة.

يبلغ سعر الفائدة الرئيسي قصير الأجل للاحتياطي الفيدرالي، الذي يؤثر على تكاليف الاقتراض الأخرى لأشياء مثل الرهون العقارية وقروض السيارات، حالياً 4.25 في المائة، دعا ترمب إلى خفضه ليصل إلى 1 في المائة، وهو مستوى لا يؤيده أي مسؤول في «الاحتياطي الفيدرالي».

استقلالية «الفيدرالي» على المحك

مهما كانت الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي، فمن المرجح أن يفعل ذلك مع الاستمرار في تأكيد استقلاليته الراسخة. يعتبر معظم الاقتصاديين البنك المركزي المستقل سياسياً أمراً بالغ الأهمية لمنع التضخم، لأنه يمكنه اتخاذ خطوات - مثل رفع أسعار الفائدة لتبريد الاقتصاد ومكافحة التضخم - يصعب على المسؤولين المنتخبين القيام بها.

تتكون لجنة تحديد أسعار الفائدة في «الاحتياطي الفيدرالي» من 19 عضواً، 12 منهم يصوتون على قرارات الفائدة. وقالت إحدى عضوات اللجنة، بيث هامّاك، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، يوم الجمعة في مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» إنها ملتزمة باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي. أضافت: «أنا أركز بشدة... على ضمان أن أتمكن من تقديم نتائج جيدة للجمهور، وأحاول أن أتجاهل كل الضجيج الآخر».

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند بيث هاماك في ندوة جاكسون هول (رويترز)

لا تزال هامّاك قلقة من أن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يزال بحاجة إلى محاربة التضخم العنيد، وهي وجهة نظر يشاركها العديد من زملائها.

وقالت هامّاك: «التضخم مرتفع للغاية ويتجه في الاتجاه الخاطئ. الآن أرى أننا نبتعد عن أهدافنا فيما يتعلق بالتضخم».

لم يتحدث باول نفسه عن استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» خلال خطابه في وايومنغ، حيث تلقى تصفيقاً حاراً من الأكاديميين والاقتصاديين ومسؤولي البنوك المركزية من جميع أنحاء العالم. لكن آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، قال إن ذلك كان على الأرجح اختياراً متعمداً ويهدف، بشكل مثير للسخرية، إلى إظهار استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي».

وقال بوسن: «عدم الحديث عن الاستقلالية كان وسيلة لمحاولة إرسال إشارة بأفضل شكل ممكن أننا ماضون في عملنا. ما زلنا نجري مناقشة داخلية متحضرّة حول جدوى هذه القضية. وحتى لو أرضى ذلك الرئيس، فإننا سنتخذ القرار الصحيح».

تصعيد الضغوط على مسؤول آخر

على هذه الخلفية، كثف ترمب حملته للضغط على مسؤول بارز آخر في «الاحتياطي الفيدرالي». وقال ترمب إنه سيُقيل حاكمة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك إذا لم تتنحَ عن منصبها. وزعم بيل بولت، الذي عيّنه ترمب لرئاسة الوكالة التي تنظم عملاقي الرهن العقاري فاني ماي وفريدي ماك، يوم الأربعاء أن كوك ارتكبت احتيالاً على الرهن العقاري عندما اشترت عقارين في عام 2021. لم يتم توجيه اتهامات لها.

وقالت كوك إنها لن «تُرهب» للتنازل عن منصبها. ورفضت يوم الجمعة التعليق على تهديد ترمب.

وإذا تمت إقالة كوك بطريقة ما، فإن ذلك سيمنح ترمب فرصة لتعيين شخص موالٍ في مجلس إدارة «الاحتياطي الفيدرالي». يصوت أعضاء المجلس على جميع قرارات أسعار الفائدة. وقد رشح بالفعل كبير الاقتصاديين في البيت الأبيض، ستيفن ميران، ليحل محل الحاكمة السابقة أدريانا كوغلر، التي تنحت في الأول من أغسطس (آب).

وكان ترمب قد هدد في السابق بإقالة باول، لكنه لم يفعل ذلك. كان ترمب قد عيّن باول في أواخر عام 2017. وتنتهي ولايته كرئيس بعد نحو تسعة أشهر.

باول ليس غريباً على هجمات ترمب. وأشار مايكل سترين، مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد «أميركان إنتربرايز»، إلى أن الرئيس هاجمه أيضاً في عام 2018 بسبب رفع أسعار الفائدة، لكن ذلك لم يمنع باول.

وقال سترين: «الرئيس لديه تاريخ طويل في ممارسة الضغط على الرئيس باول. والرئيس باول لديه تاريخ طويل في مقاومة ذلك الضغط. لذا سيكون من الغريب، على ما أعتقد، أن يستسلم للمرة الأولى وهو في طريقه إلى المغادرة».

ومع ذلك، يعتقد سترين أن باول يبالغ في تقدير خطر ضعف الاقتصاد بشكل أكبر ورفع معدل البطالة. فإذا تفاقم التضخم بينما استمر التوظيف، فإن ذلك قد يجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على عكس المسار ورفع أسعار الفائدة مرة أخرى في العام المقبل.

واختتم قائلاً: «هذا من شأنه أن يلحق المزيد من الضرر بمصداقية (الاحتياطي الفيدرالي) فيما يتعلق بالحفاظ على تضخم أسعار منخفض ومستقر».


مقالات ذات صلة

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

أوروبا نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

تراقب روسيا من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وتبدي استعدادها لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

رائد جبر (موسكو )
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش».

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة «وظائف شاغرة» مُعلّقة على باب متجر «غيم ستوب» في مدينة نيويورك (رويترز)

فرص العمل في الولايات المتحدة عند أدنى مستوى منذ 5 سنوات

تراجعت فرص العمل في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر، مع تعديل بيانات الشهر السابق بالخفض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.