شروط إسرائيل تُعقّد «هدنة غزة» وتضع الوسطاء في «اختبار صعب»

نتنياهو يريد مفاوضات «تحت النار» ويتمسك بإطلاق جميع الرهائن

فلسطينيون ينقلون أمتعتهم على عربة يجرها حمار أثناء فرارهم من حي أبو إسكندر شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينقلون أمتعتهم على عربة يجرها حمار أثناء فرارهم من حي أبو إسكندر شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

شروط إسرائيل تُعقّد «هدنة غزة» وتضع الوسطاء في «اختبار صعب»

فلسطينيون ينقلون أمتعتهم على عربة يجرها حمار أثناء فرارهم من حي أبو إسكندر شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينقلون أمتعتهم على عربة يجرها حمار أثناء فرارهم من حي أبو إسكندر شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)

تصطدم مساعي وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي تنتظر رداً إسرائيلياً رسمياً على مقترح هدنة لمدة 60 يوماً، بشروط تمسَّك رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بها لإنهاء الحرب؛ من بينها نزع سلاح «حماس»، وإطلاق سراح جميع الرهائن.

تلك الشروط التي تأتي تزامناً مع إعلان أممي هو الأول من نوعه بشأن حدوث المجاعة في غزة، وتلويح باستكمال الحرب، يراها خبراء، تحدّثوا لـ«الشرق الأوسط»، تُعقّد أي جهود حالية يبذلها الوسيطان المصري والقطري، وتضع الوسطاء في «حرج كبير واختبار صعب» بعد نجاحهم في موافقة «حماس» على مقترح الـ60 يوماً، متوقعين أن يزداد الغضب الدولي تجاه نتنياهو دون أي ضغط حقيقي أميركي عليه، مما يزيد فرص التصعيد أكثر من التهدئة.

ونقل موقع «واي نت» الإخباري الإسرائيلي، الجمعة، عن وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، قوله، عبر منصة «إكس»، إن «أبواب الجحيم» ستُفتح قريباً على «حماس» في مدينة غزة، إذا لم توافق «حماس» على شروط إسرائيل لإنهاء الحرب؛ وعلى رأسها إطلاق سراح جميع المحتجَزين، ونزع سلاح الحركة.

تلك التصريحات تأتي غداة إعلان نتنياهو، خلال تفقُّده وحدات عسكرية تُقاتل في غزة، أنه صادَقَ على خطط الجيش للسيطرة على مدينة غزة، و«هزيمة» حركة «حماس»، ووجّه ببدء مفاوضات فورية لإطلاق سراح جميع المحتجَزين، وإنهاء الحرب «بشروط مقبولة من إسرائيل».

وتحدثت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، الخميس، عن عدم وجود خطط «في هذه المرحلة» لإرسال وفد إسرائيلي إلى قطر أو مصر لإجراء محادثات حول وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، بينما نقلت صحيفة «أكسيوس» عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله: «عند تحديد مكان المفاوضات، سيأمر رئيس الوزراء بإرسال وفد إسرائيلي للتفاوض على جميع الرهائن - الأحياء والأموات - وعلى إنهاء الحرب بشروط إسرائيل».

امرأة فلسطينية مُسنة تنتظر مع أطفالها الحصول على طعام من مطبخ خيري بخان يونس (أ.ف.ب)

شروط إسرائيل، التي تكررت على ألسنة بعض مسؤوليها، تأتي في ظل عدم إرسال رد إسرائيلي رسمي بشأن المُقترح الجزئي الذي وافقت عليه «حماس»، الاثنين الماضي، ويدعو إلى الإفراج عن 10 رهائن و18 جثماناً محتجَزين في غزة، في مرحلةٍ أولى من هدنة لمدة ستين يوماً، على أن يجري إطلاق سراح الرهائن المتبقّين في مرحلة ثانية، في موازاةِ مفاوضات من أجل تسوية أشمل، بينما تُصر إسرائيل على أن يجري إطلاق جميع الرهائن دفعة واحدة، والتصعيد في آن واحد.

وصادَقَ الجيش الإسرائيلي على المُضي في خطة السيطرة على مدن قطاع غزة، مما دعا «الخارجية المصرية»، في بيان، الخميس، للإعراب عن «استهجانها الشديد للسياسات التصعيدية الإسرائيلية، والتوسع في احتلالها الأراضي الفلسطينية»، واعتبار ذلك «يعكس تجاهلاً كاملاً من قِبل إسرائيل لجهود الوسطاء، والصفقة المطروحة لوقف إطلاق النار، وللمطالب الدولية بإنهاء الحرب».

وجدّد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الجمعة، خلال لقائه نظيره الياباني شيغيرو إيشيبا، على هامش قمة «تيكاد 9» التي تستضيفها مدينة يوكوهاما، موقف مصر الثابت الرافض لاستمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، مستعرضاً مساعي وقف إطلاق النار، وفق بيان لـ«مجلس الوزراء المصري».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، يرى أن شروط إسرائيل تعجيزية وتُعقّد فرص التوصل لهدنة في قطاع غزة، وتضع الوسطاء في اختبار صعب بين إحراجهم وإهدار مصداقيتهم، خاصة أنهم بذلوا جهوداً كبيرة لموافقة «حماس»، في اجتماعاتٍ رَعَتها القاهرة أخيراً. وقال إن نتنياهو يريد بإدارة المفاوضات «تحت النار» أن يُظهر أنه يذهب للمحادثات بصورة المنتصر، ولا يهمُّه الرهائن أو الاستقرار بالمنطقة.

في حين أوضح المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن التصريحات الإسرائيلية تكشف عن رغبة في عدم تنفيذ هدنة جزئية بغزة مع ضوء أخضر أميركي لاستكمال الحرب، مشيراً إلى أن التفاوض تحت «إطلاق النار» الذي يسعى له نتنياهو من أجل صفقة شاملة، مرتبط بشروط تعجيزية؛ بينها نزع سلاح «حماس»، وهذا يعني إفشال المحادثات واستمرار الحرب. ويعتقد أن الوسيطين المصري والقطري في موقف صعب، لكن اتصالاتهما، ولا سيما من الجانب المصري، تؤكد أنهما مُصران على استكمال الضغوط وتعزيز فرص التوصل لاتفاق ولو شامل؛ لكن بضمانات حقيقية.

فلسطينيون يحملون مساعدات تلقّوها من «مؤسسة غزة الإنسانية» المدعومة من الولايات المتحدة الشهر الحالي (د.ب.أ)

تلك التطورات شهدت أيضاً، الجمعة، إعلان «الأمم المتحدة» المجاعة في غزة، في أوّل إعلان من هذا النوع بالشرق الأوسط، بعدما حذّر خبراؤها من أن 500 ألف شخص باتوا في وضع «كارثي» وحمّلوا إسرائيل مسؤولية عرقلة إدخال المساعدات، وفق تقرير صادر عن هيئة خبراء أممية.

ورفضت «الخارجية الإسرائيلية»، في بيان، الجمعة، نتائج التقرير، وعَدّته يستند إلى «أكاذيب (حماس)»، وأنه لا وجود لمجاعة في غزة، بينما شكّك السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، في النتائج، قائلاً: «هل تعلمون مَن الذين يعانون الجوع؟ إنهم الرهائن الذين جرى خطفهم وتعذيبهم على أيدي (حماس)».

بينما طالبت حركة «حماس»، في بيان، الجمعة، بفتح المعابر، و«التحرك الفوري لوقف حرب الإبادة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية العاجلة إلى القطاع الفلسطيني»، في حين تقول منظمة الصحة العالمية، التابعة للأمم المتحدة، في بيانات حديثة، إن 148 شخصاً تُوفوا جراء سوء التغذية في غزة، منذ يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويرى أنور أن إعلان المجاعة في غزة، الأولى من نوعه، يعني أن رصيد نتنياهو الدولي نفد، وأن ذلك بداية ضغط دولي جديد يعزز جهود الوسطاء لإجبار إسرائيل على إبرام اتفاق يسهل من دخول المساعدات بكثافة، متوقعاً أن يذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي لاتفاق، سواء جزئي أم شامل، بعد لقطات سينمائية تُظهره منتصراً مثل التوسع في مدينة، أو قتل قيادي عسكري مقاوم أو ما شابه. ويعتقد الرقب أن التقرير الأممي بشأن إعلان المجاعة، الذي هاجمته إسرائيل وكذلك واشنطن، تأكيد جديد بأنهما غير راغبين في إقرار حلول للاستقرار في المنطقة حالياً، لكنه سيزيد الضغوط لوقف الحرب، مؤكداً أن عدم تغير الموقف الأميركي المنحاز لنتنياهو لن يقود لنجاح أي مفاوضات أو اتفاق حالياً، مهما كانت الضغوط.


مقالات ذات صلة

«حماس» لا تقبل «تغييبها» عن المشهد السياسي في غزة

خاص خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع (أ.ف.ب) play-circle

«حماس» لا تقبل «تغييبها» عن المشهد السياسي في غزة

يبدأ العد التنازلي نحو إطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بينما يترقب مصير «حماس»، التي كانت في صدارة مواجهة إسرائيل على مدار نحو عامين.

محمد محمود (القاهرة)
العالم الكاتبة الفلسطينية الأسترالية رندة عبد الفتاح (صورة من حسابها الشخصي على «إكس») play-circle

انسحابات واستقالات من مهرجان أسترالي بعد استبعاد كاتبة فلسطينية

شهد مهرجان أديلايد الرائد في أستراليا سلسلة من الانسحابات والاستقالات بعد إلغاء دعوة كاتبة فلسطينية أسترالية بررته إدارته بـ«حساسيات ثقافية».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
المشرق العربي فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ) play-circle

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

قُتل عدد من الفلسطينيين، اليوم (الأحد)، في قصف إسرائيلي استهدف حي الزيتون بشرق مدينة غزة، كما قُتل فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص إسرائيلي في جنوب الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)

بنغلاديش تسعى للانضمام إلى «قوة الاستقرار» في غزة

قالت بنغلاديش، أمس (السبت)، إنها أبلغت الولايات المتحدة برغبتها في الانضمام إلى قوة تحقيق الاستقرار الدولية المقرر نشرها في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (دكا)
المشرق العربي لقطة عامة تُظهر المباني المدمرة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب) play-circle

تقرير: الجيش الإسرائيلي يخطط لعملية جديدة داخل مناطق سيطرة «حماس» بغزة

تستعد إسرائيل و«حماس» لتجدد القتال حيث ترفض الحركة الفلسطينية نزع سلاحها، وهو شرط يعيق التقدم في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.


اليمن: الزنداني رئيساً للوزراء... وبن بريك مستشاراً للعليمي

تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
TT

اليمن: الزنداني رئيساً للوزراء... وبن بريك مستشاراً للعليمي

تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)

قرَّر الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، تعيين الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء خلفاً لسالم بن بريك، وتكليفه بتشكيل الحكومة.

وتضمن القرار، بحسب وكالة الأنباء الرسمية (سبأ)، استمرار الحكومة الحالية بتصريف الأعمال باستثناء التعيين والعزل، إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة.

من جانب آخر، قرَّر رئيس مجلس القيادة تعيين سالم بن بريك مستشاراً له للشؤون المالية والاقتصادية، بعد قبول استقالة حكومته لفتح المجال أمام تشكيل حكومة جديدة.

وينسجم التشكيل الجديد مع «التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً على صعيد جهود استعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز وحدة القرار السيادي، والتوجهات الرامية نحو ترسيخ قيم الشراكة، والمسؤولية الجماعية، والمضي قدماً في برنامج الإصلاحات الشاملة، ومكافحة الفساد، وتوحيد جميع الجهود حول هدف استعادة مؤسسات الدولة، وإسقاط الانقلاب».

وذكرت الوكالة أن العليمي أشاد خلال لقائه بن بريك، بجهود رئيس وأعضاء الحكومة، في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنقدي خلال الفترة الماضية «رغم الأزمة التمويلية الحادة التي فاقمتها هجمات الميليشيات الحوثية الإرهابية على المنشآت النفطية بدعم من النظام الإيراني».