تحذير مصري من عواقب «غطرسة القوة» الإسرائيلية

لهجة القاهرة المتصاعدة ضد تل أبيب لا تعيق جهود الوساطة في غزة

الجانب المصري من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة (إ.ب.أ)
الجانب المصري من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

تحذير مصري من عواقب «غطرسة القوة» الإسرائيلية

الجانب المصري من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة (إ.ب.أ)
الجانب المصري من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة (إ.ب.أ)

«حرب إبادة ممنهجة»، بهذه العبارة صريحة الاتهام، تصاعدت لهجة مصر رئاسياً ضد إسرائيل، منذ أوائل أغسطس (آب) الحالي، قبيل التوجه لإقرار خطة إسرائيلية لاحتلال كامل قطاع غزة.

تلك اللهجة المصرية التي تواصلت دبلوماسياً، ونددت، الخميس، بتصعيد إسرائيل بغزة، وحذّرت من عواقب نهج «غطرسة القوة»، يراها رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، وزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، تتساوى مع ما تُقدم عليه حكومة نتنياهو من تصعيد تجاوز كل محددات الاستقرار والمساعي الدولية لإنهاء الحرب، وهو ما يتفق معه عضو المجلس مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي.

ويعتقد العرابي وحجازي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك اللغة لن تؤثر أو تعيق أو توقف دور مصر بصفتها وسيطاً يُعبر بوضوح عن التزامه بدعم القضية الفلسطينية، ويصل رسائل شديدة للجانب الإسرائيلي من باب زيادة الضغوط لإرجاعه عن مسارات رفض الهدنة أو تهديد أمن المنطقة.

​امرأة فلسطينية نازحة تجلس مع أمتعتها بعد غارة إسرائيلية على مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعد ساعات من إعلان الجيش الإسرائيلي المضي في خطة السيطرة على مدن قطاع غزة، جاءت لهجة مصر التي تنتظر منذ الاثنين رداً إسرائيلياً بشأن مقترح الهدنة لمدة 60 يوماً، أكثر حزماً، وقالت إنها تُعرب عن «استهجانها الشديد للسياسات التصعيدية الإسرائيلية والتوسع في احتلالها للأراضي الفلسطينية»، وعدّت ذلك «يعكس تجاهلاً كاملاً من قِبل إسرائيل لجهود الوسطاء، والصفقة المطروحة لوقف إطلاق النار، وللمطالب الدولية بإنهاء الحرب»، وفق بيان للخارجية المصرية.

وحذّرت مصر وفق لغة البيان من أن «نهج غطرسة القوة، والإمعان في انتهاك القانون الدولي لخدمة مصالح سياسية ضيقة أو معتقدات واهية، إنما هو خطأ جسيم في الحسابات، سيؤدي إلى مزيد من التصعيد في المنطقة، وستستمر عواقبه الوخيمة على العلاقات بين شعوب المنطقة، بل وعلى الأمن والسلم الإقليميين والدوليين، لسنوات طويلة».

ودعت القاهرة «مجلس الأمن إلى الاضطلاع بمسؤولياته لمنع مزيد من تدهور الوضع في المنطقة نتيجة للانتهاكات الإسرائيلية السافرة وغير المسبوقة للقوانين والأعراف الدولية».

وكانت بداية اللهجة المصرية الشديدة، في 5 أغسطس الحالي، قُبيل أيام من اعتماد إسرائيل خطة احتلال قطاع غزة، باتهام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإسرائيل في مؤتمر صحافي مع نظيره الرئيس الفيتنامي لونغ كونغ.

وأكد السيسي أن «الحرب الدائرة في غزة تجاوزت أي منطق أو مبرر، وأصبحت حرباً للتجويع والإبادة الجماعية، وأيضاً تصفية القضية الفلسطينية»، مضيفاً: «نرى أن هناك إبادة ممنهجة في القطاع لتصفية القضية».

يتجمع نازحون فلسطينيون حول حفرة ناجمة عن ضربة إسرائيلية، في مخيم للنازحين في دير البلح، وسط قطاع غزة (أف ب)

وفي أعقاب ذلك واصلت الخارجية المصرية في بياناتها وعلى لسان وزيرها بدر عبد العاطي، في تصريحات صحافية ومتلفزة، تكرار الإشارة بوضوح إلى «حرب الإبادة الممنهجة وحرب التجويع»، وفق ما رصدت «الشرق الأوسط» منذ الحديث الرئاسي.

ويعتقد رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية وزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، أن تلك اللهجة تستحقها إسرائيل في ظل ممارساتها غير السياسية المتجاوزة لكل الأعراف والقوانين ومحددات الاستقرار بالإقليم، مؤكداً أن تلك العبارات في ظل انزعاج القاهرة ربما تمثل ضغطاً على إسرائيل في ظل رفضها المقترح الجديد.

ويؤكد أن تلك اللغة لا تؤثر على دور مصر بصفتها وسيطاً ولا توقفه ولا تعوقه، مشدداً على أن دور مصر في الوساطة جزء من التزامها بدعم القضية الفلسطينية وليس إرضاء لإسرائيل، وبالتالي سيستمر ولن يتوقف، وسيتخذ كل ما يتناسب مع الظروف من إجراءات ومواقف.

ويرى السفير حجازي، أنه من المنطقي أن تتصاعد لهجة مصر بتصاعد العنف الإسرائيلي نفسه، والتجاهل للمقترح الجديد، مؤكداً أن تلك اللهجة التي استخدمت تعبير الإبادة الجماعية الممنهجة «تعبير عن موقف رسمي ثابت في دعم القضية الفلسطينية يقف حائط صد ضد مخططات التهجير والاستيطان».

وينبه حجازي بأنه ليست لغة مصر وحدها شديدة اللهجة، بل المجتمع الدولي أيضاً ومنه ألمانيا أقرب حلفاء إسرائيل أصدرت بياناً شديداً الأربعاء، يرفض ما يحدث بغزة، وهذا تعبير عن أن العالم كله ضاق صدره مما يراه من تصعيد إسرائيلي، ورأينا ذلك في إصدار عقوبات تجاه إسرائيل، أو التلويح بالاعتراف بدولة فلسطين الشهر المقبل.

تزامناً مع هذه اللهجة المصرية، أقرت إسرائيل الأربعاء خطة عسكرية للسيطرة على مدينة غزة، واستدعت 60 ألف جندي من قوات الاحتياط، وسط مخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية التي يعاني منها أكثر من مليوني شخص في القطاع الفلسطيني المحاصر.

فلسطينية تحمل على رأسها كيساً من مساعدات إنسانية تم إلقاؤها من الجو في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقالت «حماس»، في بيان الأربعاء، إن إعلان الجيش الإسرائيلي بدء عمليته العسكرية لاحتلال مدينة غزة «إمعان في حرب الإبادة واستهتار» بجهود الوسطاء للوصول إلى وقف لإطلاق النار، داعيةً الوسطاء إلى «ممارسة أقصى الضغوط على الاحتلال لوقف جريمة الإبادة والتجويع» ضد الشعب الفلسطيني.

ومن المرجح أيضاً أن يستغرق استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط أسابيع، مما يتيح للوسطاء وقتاً لمحاولة تقريب المواقف في مقترح جديد لوقف إطلاق النار مؤقتاً، بعدما قبلت «حماس» المقترح المقدم من الوسيطين المصري والقطري الاثنين، لكن الحكومة الإسرائيلية لم ترد بعدُ رسمياً، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس عن مسؤول إسرائيلي.

ويتضمن المقترح وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، وإطلاق سراح 10 رهائن أحياء، وتسليم جثث 18 رهينة مقابل الإفراج عن حوالي 200 فلسطيني من المحكوم عليهم بالسجن لمدد طويلة في إسرائيل.

بالمقابل، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأربعاء، أن بنيامين نتنياهو أمر بتقليل المهلة الزمنية للسيطرة على معاقل «حماس» وهزيمتها، وفق ما نشرته «رويترز» بعدما أفادت القناة «12» الإسرائيلية بأن وزير الشؤون الاستراتيجية، رون ديرمر، أبلغ مسؤولين قطريين خلال اجتماع في باريس، بأن شرط إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار هو إطلاق سراح جميع الرهائن، وليس الهدنة الجزئية الحالية.

في ضوء تلك التطورات، يعتقد العرابي، صعوبة عقد اتفاق هدنة في ظل هذا التصعيد وتجاهل إسرائيل إبرام اتفاق تهدئة، مستبعداً أن تكون هناك صفقة قريباً، ما دام لم يغير نتنياهو مواقفه المرفوضة مصرياً وعربياً ودولياً.

بينما يرى حجازي أن ذلك التصعيد الإسرائيلي المستمر رغم الغضب العربي والدولي، يحتاج مزيداً من الضغوط والاتصالات الدولية لإثناء إسرائيل على مخططات تدمير أمن المنطقة، وإجبارها على الذهاب لاتفاق بات مهدداً بتعنت إسرائيلي.


مقالات ذات صلة

تقرير: رئيس وزراء بريطانيا سيقبل مقعداً في مجلس ترمب لإدارة غزة

المشرق العربي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

تقرير: رئيس وزراء بريطانيا سيقبل مقعداً في مجلس ترمب لإدارة غزة

يُتوقع أن ينضم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى المجموعة التي يخطط لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لترتيب الوضع في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي تقف فتاة فلسطينية بجوار خيام تضررت جراء الأمطار الغزيرة في الجزء الغربي من مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (د.ب.أ)

الأمم المتحدة: مقتل 100 طفل على الأقل في غزة منذ وقف النار

قُتل ما لا يقل عن 100 طفل بغارات جوية وأعمال عنف في غزة منذ بدء وقف إطلاق النار قبل 3 أشهر، وفق ما أعلنت الأمم المتحدة، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية نازحة تعيش في مبنى مهدم جراء القصف الإسرائيلي بمدينة غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطنيين جراء انهيار مبانٍ متضررة بفعل القصف في غزة

لقي 4 أشخاص حتفهم جراء انهيار مبانٍ ومنازل كانت متضررة بفعل القصف الإسرائيلي، بسبب شدة الرياح والأمطار في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي البابا ليو الرابع عشر خلال لقاء خاص مع فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة الأونروا... في مدينة الفاتيكان يوم 12 يناير 2026 (إ.ب.أ)

مفوض «الأونروا»: طلبت دعم البابا ليو للحفاظ على خدمات الوكالة للاجئين الفلسطينيين

قال المفوض العام لوكالة الأونروا إنه طلب دعم البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، للحفاظ على خدمات الوكالة الحيوية للاجئين الفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
شؤون إقليمية مستوطنون متطرفون يحاولون العبور إلى داخل غزة في فبراير 2024 لإقامة بؤرة استيطانية (د.ب.أ) play-circle

«أحدهم دعا لقصفها بقنبلة نووية»... مسؤولون إسرائيليون يطرحون خطة لاحتلال غزة

بمبادرة من ثلاثة وزراء و10 نواب في الائتلاف الحاكم، التأم في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) مؤتمر يدعو إلى العودة للاستيطان في غزة بزعم أنه «حق تاريخي لليهود».

نظير مجلي (تل أبيب)

عودة الحركة الجوية إلى حضرموت مع استئناف تشغيل مطار سيئون

عودة الرحلات الجوية من وادي حضرموت عبر مطار سيئون الدولي (سبأ)
عودة الرحلات الجوية من وادي حضرموت عبر مطار سيئون الدولي (سبأ)
TT

عودة الحركة الجوية إلى حضرموت مع استئناف تشغيل مطار سيئون

عودة الرحلات الجوية من وادي حضرموت عبر مطار سيئون الدولي (سبأ)
عودة الرحلات الجوية من وادي حضرموت عبر مطار سيئون الدولي (سبأ)

استأنفت الرحلات الجوية، صباح الثلاثاء، عبر مطار سيئون الدولي بمحافظة حضرموت، عقب توقفٍ فرضته التطورات الأمنية التي شهدها وادي حضرموت، خلال الفترة الماضية، في خطوة تعكس تحسّن الأوضاع وعودة الخدمات الحيوية، وتؤشر إلى مسار متدرّج لاستعادة الاستقرار المؤسسي والخدمي في المحافظة.

وشهد المطار انطلاق رحلات وفق المسار (عدن - سيئون - القاهرة - سيئون - عدن)، بما يسهم في تسهيل تنقّل المواطنين، وتعزيز الربط الجوي بين وادي حضرموت والعاصمة المؤقتة عدن، إلى جانب جمهورية مصر العربية، وهو ما يحمل أبعاداً إنسانية واقتصادية مهمة في ظل الظروف الراهنة.

وأكد وكيل محافظة حضرموت لشؤون مديريات الوادي والصحراء، عامر العامري، أن مطار سيئون الدولي يُعد شرياناً حيوياً لوادي حضرموت والمناطق المجاورة؛ لما يمثّله من دور إنساني وخِدمي واقتصادي، مشيراً إلى أن استئناف التشغيل جاء ثمرة جهود كبيرة ومضنية شاركت فيها مختلف الجهات الرسمية والأمنية والفنية.

سياح أجانب يتجمعون أمام مكتب الخطوط الجوية اليمنية بجزيرة سقطرى (إ.ب.أ)

وأشاد العامري بالدعم الذي قدّمته السعودية، وعَدَّه عاملاً محورياً في تهيئة الظروف المناسبة لإعادة تشغيل المطار وتعزيز الاستقرار بالمحافظة.

من جانبه، أوضح رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، الكابتن صالح بن نهيد، أن إعادة تشغيل مطار سيئون جرت خلال فترة قياسية، مثمّناً الجهود المتواصلة التي بذلتها الجهات المعنية لاستكمال الترتيبات الفنية والتشغيلية وفق المعايير المعتمَدة، بما يضمن سلامة الملاحة الجوية وجودة الخدمات المقدّمة للمسافرين.

مطار الريان

وفي سياق إعادة تطبيع الأوضاع بحضرموت، كشف الكابتن بن نهيد عن استعدادات مكثفة تُجريها الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد لاستئناف تشغيل مطار الريان الدولي بمدينة المكلا، خلال الأيام القليلة المقبلة، بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل في عدد من مرافق المطار.

وأوضح المسؤول اليمني، في تصريحات رسمية، أن هذه الخطوة ستسهم في تخفيف معاناة المواطنين، وتنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية بمحافظة حضرموت، عقب توقف المطار نتيجة الأحداث التي شهدتها المحافظة مؤخراً.

مسؤول يمني أكد اقتراب تشغيل الرحلات من مطار الريان بمدينة المكلا كبرى مدن حضرموت (سبأ)

وأشار رئيس الهيئة اليمنية للطيران إلى أن اللمسات الأخيرة تُستكمل حالياً لإعادة تشغيل مطار الريان بصورة كاملة وآمنة، بما يرفع مستوى الجاهزية التشغيلية، ويعزز معايير السلامة، ويحسّن الخدمات المقدّمة للمسافرين وشركات الطيران، بما يخدم أبناء حضرموت ويدعم مسارات التنمية المحلية.

وتوجّه بن نهيد بالشكر والتقدير إلى القيادة السياسية والحكومة، وإلى السعودية، وقيادتيْ وزارة النقل والسلطة المحلية في حضرموت، وكل الكوادر الفنية والأمنية التي أسهمت جهودها في إعادة تنشيط المطارات، مؤكداً أن استعادة الحركة الجوية تمثل ركيزة أساسية لاستقرار حضرموت وعودة الحياة إلى طبيعتها.


صنعاء: الحوثيون يزرعون «زينبيات» للتجسس داخل المشافي

مجندات حوثيات شاركن بتدريبات قتالية في باحة مدرسة بصنعاء (إكس)
مجندات حوثيات شاركن بتدريبات قتالية في باحة مدرسة بصنعاء (إكس)
TT

صنعاء: الحوثيون يزرعون «زينبيات» للتجسس داخل المشافي

مجندات حوثيات شاركن بتدريبات قتالية في باحة مدرسة بصنعاء (إكس)
مجندات حوثيات شاركن بتدريبات قتالية في باحة مدرسة بصنعاء (إكس)

اتسعت رقعة الاتهامات الموجهة إلى جماعة الحوثيين بفرض مزيد من القبضة الأمنية على المؤسسات الصحية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مع تواتر شكاوى أطباء وعاملين في هيئة مستشفى الثورة العام، أكبر المرافق الطبية الحكومية في البلاد، من لجوء الجماعة إلى زرع عناصر نسائية تابعة لما يُعرف بكتائب «الزينبيات» داخل المستشفى بذريعة «الرقابة».

وحسب شهادات متطابقة حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن قيادات حوثية تُدير المستشفى استقدمت عناصر نسائية أمنية للعمل تحت اسم «مُراقبات»، دون صدور أي توضيح رسمي حول طبيعة مهامهن أو الصفة القانونية التي يعملن بموجبها، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة داخل أوساط الكادر الطبي من تحوّل المرفق الصحي إلى ساحة مراقبة أمنية دائمة.

وقالت الطبيبة حنان العطاب، وهي إحدى العاملات في المستشفى، إن هذه الإجراءات تمثل سابقة خطيرة داخل منشأة يفترض أن تقوم على الثقة والخصوصية المهنية، خصوصاً في الأقسام الحساسة التي تتطلب بيئة عمل مستقرة وآمنة.

دفعة سابقة من «الزينبيات» عقب إخضاعهن لتدريبات قتالية في صنعاء (فيسبوك)

وأضافت، في منشور على موقع «فيسبوك»، أن أي إجراء رقابي يجب أن يكون واضحاً ومعلناً، ويتم عبر جهات إدارية وقانونية معروفة الصلاحيات، وليس عبر أساليب تُثير القلق وتنعكس سلباً على أداء الطواقم الطبية.

وطالبت العطاب مدير هيئة مستشفى الثورة المُعيَّن من قبل الحوثيين، خالد المداني، بتقديم توضيح رسمي وشفاف حول دوافع هذه الخطوة، محذّرة من أن الصمت عنها يفتح الباب أمام فوضى إدارية تُقوّض الثقة داخل أهم مرفق صحي يخدم ملايين المواطنين في صنعاء والمحافظات المجاورة.

ترهيب أمني

ويرى أطباء وموظفون أن هذه الخطوة تندرج ضمن سياسة أوسع تعتمدها الجماعة لإدارة ما تبقى من مؤسسات الدولة الخاضعة لها بـ«الترهيب الأمني»، عبر نشر الجواسيس لرصد تحركات الموظفين، وكبح أي تحركات احتجاجية محتملة للمطالبة بالرواتب أو التنديد بالفساد.

ويخشى العاملون الصحيون من تعميم هذه الإجراءات على بقية المستشفيات والمراكز الطبية في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يُنذر بمزيد من التدهور في القطاع الصحي المنهك أصلاً بفعل الحرب ونقص التمويل.

ويؤكد موظف في مستشفى الثورة، أن هذه الممارسات ليست جديدة، مشيراً إلى أن قيادات حوثية سابقة كانت قد استقدمت عشرات الجواسيس من خارج الهيئة لرصد تحركات الأطباء والموظفين، ما أدى إلى اعتقال المئات منهم أو فصلهم تعسفياً، لمجرد الاشتباه بتخطيطهم لأي احتجاجات سلمية.

هيئة مستشفى الثورة العام الخاضع للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

وأضاف أن الوشايات الأمنية لعبت دوراً مركزياً في ملاحقة أعضاء من الكوادر التمريضية والإدارية، وإخضاعهم لسلسلة من الانتهاكات شملت الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والحرمان من المرتبات، إلى جانب الإقصاء المنهجي للكفاءات الطبية لصالح عناصر موالية للجماعة تفتقر إلى المؤهلات المهنية.

وسبق أن اتهم ناشطون حقوقيون الجماعة الحوثية بتوسيع شبكات التجسس المجتمعي في مناطق سيطرتها، عبر تجنيد النساء، واستغلال الشباب العاطلين عن العمل، وسائقي وسائل النقل، وحتى عقال الحارات، في انتهاك صارخ للخصوصية والحقوق الأساسية.

نهب المستحقات

وتأتي هذه التطورات في وقت يشكو فيه العاملون بالمستشفى من استمرار نهب مستحقاتهم المالية وحرمانهم من أبسط حقوقهم الوظيفية، وسط مفارقة لافتة تمثلت - وفق شهادات الأطباء - في صرف مخصصات يومية مرتفعة لعناصر «المراقبة» الحوثيات، تفوق في بعض الحالات أجور العاملين الصحيين أنفسهم.

طفلة تتلقى الرعاية في مستشفى يمني بعد إصابتها بـ«حمى الضنك» (رويترز)

وخلال الأشهر الماضية، نفّذ الكادر الطبي في مستشفى الثورة عدة وقفات احتجاجية للمطالبة بصرف مستحقاته المالية من إيرادات المستشفى، التي كان من شأنها ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم، واستمرار تقديم الخدمات الصحية للمرضى.

ورغم ما يحظى به المستشفى من دعم مالي وإيرادات كبيرة، تؤكد شهادات العاملين أن الجماعة تستحوذ على تلك الموارد وتوظفها لصالح مجهودها الحربي أو لمصالح قياداتها، بينما يعاني المرضى من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية والإدارية التي تضرب القطاع الصحي في صنعاء.


الرئاسة اليمنية تلوّح بإجراءات ضد البحسني لحماية القرار السيادي

فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)
فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الرئاسة اليمنية تلوّح بإجراءات ضد البحسني لحماية القرار السيادي

فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)
فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

استغرب مصدر مسؤول في الرئاسة اليمنية التصريحات الأخيرة الصادرة عن عضو مجلس القيادة الرئاسي فرج البحسني، والتي أبدى فيها معارضته لقرارات سيادية اتخذتها قيادة المجلس، وفي مقدمتها توحيد القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية، بالتنسيق مع قيادة تحالف دعم الشرعية، وفقاً لما نص عليه اتفاق الرياض وإعلان نقل السلطة.

وأكد المصدر في بيان رسمي، أن هذه التصريحات تمثل خروجاً واضحاً عن مبدأ المسؤولية الجماعية التي أقسم عليها رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وتتناقض مع المرجعيات الحاكمة للمرحلة الانتقالية، ومع الصلاحيات الدستورية المخولة للمجلس في إدارة الملفين العسكري والأمني، بما يضمن استعادة مؤسسات الدولة، ومنع منازعتها سلطاتها الحصرية، وترسيخ هيبة الدولة في مواجهة التحديات الراهنة.

وأشار المصدر إلى أن التشكيك بالجهود التي تبذلها السعودية لرعاية الحوار الجنوبي، والدعوة إلى نقل هذا الحوار خارج إطار الرعاية المتوافق عليها، خلافاً لتصريحات سابقة للبحسني نفسه، كل ذلك يحمل رسائل سلبية لا تخدم مسار التهدئة، ولا تصب في مصلحة القضية الجنوبية، التي أكد مجلس القيادة الرئاسي مراراً التزامه بمعالجتها معالجة عادلة وشاملة ضمن الإطار الوطني الجامع.

جندي من القوات الحكومية اليمنية أثناء قيامه بدورية خارج مقر البنك المركزي في مدينة عدن (إ.ب.أ)

ولفت المصدر الرئاسي اليمني إلى أن هذه المواقف ليست معزولة عن سياق سابق، إذ سبق للبحسني أن عبّر في أكثر من مناسبة، عن مواقف مؤيدة أو متساهلة مع التمرد والإجراءات الأحادية في محافظتي حضرموت والمهرة، إضافة إلى إقالة موظفين في مكتبه بسبب انحيازهم لصف الدولة ومؤسساتها الوطنية، في سلوك يتعارض مع المهام السيادية والمسؤوليات الدستورية المناطة بعضوية مجلس القيادة الرئاسي.

التعامل بحزم

وأكد المصدر أن مجلس القيادة الرئاسي سيتعامل مع هذه الممارسات بما تفرضه المسؤولية الوطنية، ووفقاً للدستور والقانون والمرجعيات الحاكمة للمرحلة الانتقالية، واتخاذ ما يلزم من إجراءات للحفاظ على وحدة القرار السيادي، ومنع أي إخلال بالتوافق الوطني، أو تقويض لجهود استعادة الأمن والاستقرار.

وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً مسؤولاً ومواقف منسجمة مع التحديات المصيرية التي تواجه البلاد، بعيداً عن الحسابات الضيقة، أو الرسائل الملتبسة التي لا تخدم إلا خصوم الدولة ومشروعها الوطني الجامع.

وكانت الرئاسة اليمنية طالبت في وقت سابق، دولة الإمارات العربية المتحدة، بالسماح لعضو مجلس القيادة فرج البحسني، بمغادرة أراضيها إلى الرياض، للعمل مع قيادة المجلس والمشاركة في الجهود التي ترعاها السعودية لمعالجة الأوضاع في اليمن، وبما يزيل أي غموض أو التباس قائم.

وأكدت الرئاسة على لسان مصدر مسؤول، أن عضوية مجلس القيادة الرئاسي مسؤولية دستورية عليا لا يجوز تعطيلها أو إخضاعها لحسابات فردية أو خارج إطار الدولة، في وقت تتطلب فيه المعركة الوطنية أعلى درجات التماسك لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء معاناة اليمنيين.