«صوت مصر» يستلهم حضور أم كلثوم الطاغي رغم الغياب

معرض يضم لوحات ومنحوتات مُستوحاة من مسيرتها

تمثال لأم كلثوم يتوسط لوحات عنها بمعرض «صوت مصر» (وزارة الثقافة المصرية)
تمثال لأم كلثوم يتوسط لوحات عنها بمعرض «صوت مصر» (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«صوت مصر» يستلهم حضور أم كلثوم الطاغي رغم الغياب

تمثال لأم كلثوم يتوسط لوحات عنها بمعرض «صوت مصر» (وزارة الثقافة المصرية)
تمثال لأم كلثوم يتوسط لوحات عنها بمعرض «صوت مصر» (وزارة الثقافة المصرية)

عادت أم كلثوم مجدداً لتتصدر المشهد الفني المصري في حضور استثنائي، رغم مرور 50 عاماً على رحيلها؛ حيث شهدت القاهرة انطلاق المعرض الفني الكبير «صوت مصر... الصوت الذي ألهم الصورة» في «مجمع الفنون» بالزمالك، في إطار احتفاء مصر بـ«عام كوكب الشرق».

المعرض افتتحه الدكتور أحمد فؤاد هَنو، وزير الثقافة المصري، الذي أكد أن «المعرض يُجسد عبقرية كوكب الشرق بوصفها رمزاً استثنائياً للهوية المصرية، ويمثل مساحة ملهمة تتلاقى فيها الفنون التشكيلية مع الذاكرة الغنائية والمقتنيات النادرة، ليقدم صورة متكاملة عن أم كلثوم بوصفها قيمة خالدة في الضمير الوطني والعربي».

أم كلثوم في لقطة مع أبو الهول (الشرق الأوسط)

واعتبر أن «أم كلثوم كانت صوت أمة كاملة؛ غنّت لمصر وللعروبة، فحملت في نبراتها قوة الشخصية المصرية وعمق حضارتها. لقد مثلت صوت الضمير الجمعي، ورفعت الفن إلى مصاف الرسالة الإنسانية والوطنية، وسيظل صوتها جزءاً أصيلاً من وجدان المصريين والعرب».

وفي الافتتاح استشعر الضيوف الحضور الطاغي لكوكب الشرق ووقوفها شامخة بمنديلها الشهير وأدائها وإطلالتها وسكناتها، بينما كان صوتها يصدح بين أرجاء قصر «عائشة فهمي» - مقر المجمع - المطل على ضفاف النيل؛ حيث تناغمت الألوان مع الموسيقى، والفنون مع التاريخ، والأرشيف الصحافي مع الفن التشكيلي، والذاكرة الغنائية مع خصوصية المكان وعراقته.

أم كلثوم في الصحف المصرية القديمة (وزارة الثقافة المصرية)

وبينما زيّنت لوحات ومنحوتات أم كلثوم الصالات التشكيلية مراراً، فإن هذا المعرض يُعد أول تجربة بصرية توثيقية متكاملة لمسيرة أيقونة غنائية وسمت بصوتها وأغانيها عصراً عربياً بكامله.

ويضم المعرض المقام بتنظيم وإشراف قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية، بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية، أعمال 29 فناناً من أجيال واتجاهات مختلفة، تنوعت بين التصوير والنحت، بما يعكس حجم الإلهام الذي جسدته «كوكب الشرق» للأجيال المتعاقبة؛ فكانت كما يشير شعار الحدث «صوت ألهم الصورة».

لوحة لكوكب الشرق بريشة الفنانة كاريل حمصي (الشرق الأوسط)

كما يسرد الحدث الذي يجمع مسارين أساسيين هما الفن والتاريخ مسيرة أم كلثوم من خلال توثيقها في الصحافة المصرية على مدى قرن كامل.

ويتيح المعرض كذلك لزواره فرصة التعرف على جوانب مهمة من الحياة الخاصة لها من خلال إصدار كتاب توثيقي مصور يحمل العنوان نفسه «صوت مصر»، ويتضمن رصداً لبدايات أم كلثوم وأعمالها ومحطات رئيسية في مشوارها، وصولاً إلى يوم رحيلها وجنازتها، وما كتب عنها من قصائد وكلمات في حبها ورثائها.

ويعقد على هامش المعرض مجموعة من الندوات والفعاليات الثقافية والفنية على مدى نحو 3 أشهر، حيث يستمر حتى منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

لوحة للفنان عمر عبد الظاهر تبرز ولع الأسرة المصرية بأغاني «كوكب الشرق» (الشرق الأوسط)

الفنان علي سعيد، مدير عام مراكز الفنون ومنسق المعرض، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «يضيء الحدث على قصة فنانة تتجاوز كونها مطربة ذات أثر لا يُمحى في نفوس مستمعيها وعشاقها؛ لتمثل شخصية قومية تلعب أدواراً في مجالات عدة، وتشارك في أحداث كبرى».

ويتابع: «كما يعيد تقديم أم كلثوم بلغة بصرية إبداعية، وذلك من خلال العديد من التجليات الفنية، سواء كانت لأجيال مختلفة مثل أعمال سيف وانلي، جمال السجيني، بيكار، بهجوري، التوني، عبد الوهاب عبد المحسن، خالد سرور، أحمد عبد العزيز، أحمد عبد الكريم، طاهر عبد العظيم، عماد إبراهيم، أحمد رجب صقر، وكاريل حمصي، وياسر جعيصة». مضيفاً: «يُعد الزخم الفني المستلهم من صوتها وأحاسيسها وأدائها أمراً لم يحدث من قبل مع أي فنان آخر في مصر، وربما في العالم».

لوحة للفنان جورج بهجوري (وزارة الثقافة المصرية)

وعبر اللوحات والمنحوتات التي جاءت بأساليب وتقنيات مختلفة ينتقل الزائر بين حالات طربية عدة، فبينما تركز بعضها على وجهها أو شد عنقها للأعلى، وحركة ذراعيها المرتفعتين عالياً؛ في إشارة إلى شموخها ومكانتها، ووصولها إلى مرحلة عليا من الطرب، فإن بعضها الآخر تقدم مشاهد درامية ومسرحية تضم أعضاء فرقتها، أو شغف البيوت المصرية بالاستماع إليها، مجسدة مكابدات الشوق والوجد كما جسدتها «الست».

أم كلثوم تتأمل لوحة رسمها لها الفنان صلاح طاهر (وزارة الثقافة المصرية)

من جهة أخرى، يأخذ المشاهد إلى العالم الخاص لـ«صوت مصر» من خلال بعض مقتنياتها الخاصة التي تمت استعارتها من متحفها في «المنيل» مثل فستانها ومنديلها وحذائها وحقيبتها ونظارتها ووشاحها، وقفازها، وقلمها، والغرامافون والراديو الخاصين بها، ومقاطع فيديو لها، وصورها الشخصية، والرسائل والقصائد المكتوبة بخط الشعراء لها، فضلاً عن جانب من مذكراتها التي صاغها لها الصحافي علي أمين، ورسمها الفنان بيكار، ونشرت في إحدى الصحف.

لوحة الفنان خالد سرور المشاركة بالمعرض (الشرق الأوسط)

ويمكن للزائر كذلك مشاهدة مقتنيات نادرة أخرى رحب أصحابها بتقديمها للمعرض طوال فترة إقامته، ومنها صورة للفنانة أم كلثوم وهي تتأمل لوحة رسمها لها الفنان صلاح طاهر، واللوحة نفسها التي كان يقتنيها أحد كبار رجال الأعمال الراحلين، ومجموعة كتب قديمة عنها، فضلاً عن مجموعات من الصحف النادرة جداً، على مدى عشرات السنين.

ويرى الدكتور إسلام عاصم، المشرف على شق التوثيق التاريخي للمعرض، أن «جانباً كبيراً من أهمية هذا الحدث الاستثنائي أنه يعكس إرادة الدولة ووعيها بمقاييس ومعايير القوة الناعمة المصرية، كما أنها لا تزال حاضرة بقوة في الداخل والخارج».

لوحة لـ«كوكب الشرق» وفرقتها في المعرض (وزارة الثقافة المصرية)

«ومن أهم رسائل المعرض أنه يبرز قوة المرأة المصرية عن جدارة؛ من خلال هذا الاستعراض الفني والتاريخي لمسيرتها وقوة إلهامها لمبدعين آخرين»؛ وفق تعبير عاصم.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «ومن يطلع على الكتاب المواكب للمعرض، على سبيل المثال، يستوقفه عبر ما يسرده عن حياتها منذ أن جاءت طفلة من قرية (طماي الزهايرة)، وصولاً إلى مكانتها في الغناء العربي، وحجم المصاعب والتحديات التي واجهتها، وقوة شخصيتها التي تصدت لها؛ لذلك هي ملهمة أيضاً للمرأة في كل مكان، ومن هنا تطورت فكرة المعرض أثناء التحضير له من تناول الجانب التشكيلي إلى الشق التاريخي؛ فقد استشعرنا أهمية اكتمال الرؤية والاحتفاء بالعمق التاريخي؛ كما أننا رأينا أن ذلك من شأنه أن يساهم في تعريف الأجيال الجديدة بها».


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المغنية نيكي ميناج والرئيس الأميركي دونالد ترمب يقفان على المسرح معاً خلال حدث في واشنطن (أ.ب)

«المعجبة الأولى بالرئيس»... ترمب يمازح نيكي ميناج ويشيد بأظافرها على المسرح

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مغنية الراب نيكي ميناج إلى الصعود على المنصة خلال إلقائه خطاباً، وأشاد بأظافرها الطويلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)

ماريلين نعمان... من زمن آخر

ضمن لقطة واحدة طويلة، تنتقل ماريلين نعمان بين حالات شعورية متعدّدة، بتركيز عالٍ يفرض إعادة التصوير من البداية عند أيّ خطأ...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الغناء مساحة مؤقّتة للحرّية (أ.ب)

خلف القضبان... سجينات برازيليات يتنافسن بالغناء قبل الحرّية

شاركت مجموعة من النساء البرازيليات القابعات خلف القضبان في مسابقة غنائية أُقيمت، الجمعة، داخل أحد سجون مدينة ريو دي جانيرو.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)
يوميات الشرق عبد الحليم حافظ (صفحة منزل عبد الحليم حافظ على فيسبوك)

أسرة عبد الحليم حافظ تتهم «العندليب الأبيض» بتشويه صورة المطرب الراحل

اتهمت أسرة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، والملقب بـ«العندليب الأسمر»، شخصاً أطلق على نفسه لقب «العندليب الأبيض».

داليا ماهر (القاهرة )

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».