«صوت مصر» يستلهم حضور أم كلثوم الطاغي رغم الغياب

معرض يضم لوحات ومنحوتات مُستوحاة من مسيرتها

تمثال لأم كلثوم يتوسط لوحات عنها بمعرض «صوت مصر» (وزارة الثقافة المصرية)
تمثال لأم كلثوم يتوسط لوحات عنها بمعرض «صوت مصر» (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«صوت مصر» يستلهم حضور أم كلثوم الطاغي رغم الغياب

تمثال لأم كلثوم يتوسط لوحات عنها بمعرض «صوت مصر» (وزارة الثقافة المصرية)
تمثال لأم كلثوم يتوسط لوحات عنها بمعرض «صوت مصر» (وزارة الثقافة المصرية)

عادت أم كلثوم مجدداً لتتصدر المشهد الفني المصري في حضور استثنائي، رغم مرور 50 عاماً على رحيلها؛ حيث شهدت القاهرة انطلاق المعرض الفني الكبير «صوت مصر... الصوت الذي ألهم الصورة» في «مجمع الفنون» بالزمالك، في إطار احتفاء مصر بـ«عام كوكب الشرق».

المعرض افتتحه الدكتور أحمد فؤاد هَنو، وزير الثقافة المصري، الذي أكد أن «المعرض يُجسد عبقرية كوكب الشرق بوصفها رمزاً استثنائياً للهوية المصرية، ويمثل مساحة ملهمة تتلاقى فيها الفنون التشكيلية مع الذاكرة الغنائية والمقتنيات النادرة، ليقدم صورة متكاملة عن أم كلثوم بوصفها قيمة خالدة في الضمير الوطني والعربي».

أم كلثوم في لقطة مع أبو الهول (الشرق الأوسط)

واعتبر أن «أم كلثوم كانت صوت أمة كاملة؛ غنّت لمصر وللعروبة، فحملت في نبراتها قوة الشخصية المصرية وعمق حضارتها. لقد مثلت صوت الضمير الجمعي، ورفعت الفن إلى مصاف الرسالة الإنسانية والوطنية، وسيظل صوتها جزءاً أصيلاً من وجدان المصريين والعرب».

وفي الافتتاح استشعر الضيوف الحضور الطاغي لكوكب الشرق ووقوفها شامخة بمنديلها الشهير وأدائها وإطلالتها وسكناتها، بينما كان صوتها يصدح بين أرجاء قصر «عائشة فهمي» - مقر المجمع - المطل على ضفاف النيل؛ حيث تناغمت الألوان مع الموسيقى، والفنون مع التاريخ، والأرشيف الصحافي مع الفن التشكيلي، والذاكرة الغنائية مع خصوصية المكان وعراقته.

أم كلثوم في الصحف المصرية القديمة (وزارة الثقافة المصرية)

وبينما زيّنت لوحات ومنحوتات أم كلثوم الصالات التشكيلية مراراً، فإن هذا المعرض يُعد أول تجربة بصرية توثيقية متكاملة لمسيرة أيقونة غنائية وسمت بصوتها وأغانيها عصراً عربياً بكامله.

ويضم المعرض المقام بتنظيم وإشراف قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية، بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية، أعمال 29 فناناً من أجيال واتجاهات مختلفة، تنوعت بين التصوير والنحت، بما يعكس حجم الإلهام الذي جسدته «كوكب الشرق» للأجيال المتعاقبة؛ فكانت كما يشير شعار الحدث «صوت ألهم الصورة».

لوحة لكوكب الشرق بريشة الفنانة كاريل حمصي (الشرق الأوسط)

كما يسرد الحدث الذي يجمع مسارين أساسيين هما الفن والتاريخ مسيرة أم كلثوم من خلال توثيقها في الصحافة المصرية على مدى قرن كامل.

ويتيح المعرض كذلك لزواره فرصة التعرف على جوانب مهمة من الحياة الخاصة لها من خلال إصدار كتاب توثيقي مصور يحمل العنوان نفسه «صوت مصر»، ويتضمن رصداً لبدايات أم كلثوم وأعمالها ومحطات رئيسية في مشوارها، وصولاً إلى يوم رحيلها وجنازتها، وما كتب عنها من قصائد وكلمات في حبها ورثائها.

ويعقد على هامش المعرض مجموعة من الندوات والفعاليات الثقافية والفنية على مدى نحو 3 أشهر، حيث يستمر حتى منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

لوحة للفنان عمر عبد الظاهر تبرز ولع الأسرة المصرية بأغاني «كوكب الشرق» (الشرق الأوسط)

الفنان علي سعيد، مدير عام مراكز الفنون ومنسق المعرض، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «يضيء الحدث على قصة فنانة تتجاوز كونها مطربة ذات أثر لا يُمحى في نفوس مستمعيها وعشاقها؛ لتمثل شخصية قومية تلعب أدواراً في مجالات عدة، وتشارك في أحداث كبرى».

ويتابع: «كما يعيد تقديم أم كلثوم بلغة بصرية إبداعية، وذلك من خلال العديد من التجليات الفنية، سواء كانت لأجيال مختلفة مثل أعمال سيف وانلي، جمال السجيني، بيكار، بهجوري، التوني، عبد الوهاب عبد المحسن، خالد سرور، أحمد عبد العزيز، أحمد عبد الكريم، طاهر عبد العظيم، عماد إبراهيم، أحمد رجب صقر، وكاريل حمصي، وياسر جعيصة». مضيفاً: «يُعد الزخم الفني المستلهم من صوتها وأحاسيسها وأدائها أمراً لم يحدث من قبل مع أي فنان آخر في مصر، وربما في العالم».

لوحة للفنان جورج بهجوري (وزارة الثقافة المصرية)

وعبر اللوحات والمنحوتات التي جاءت بأساليب وتقنيات مختلفة ينتقل الزائر بين حالات طربية عدة، فبينما تركز بعضها على وجهها أو شد عنقها للأعلى، وحركة ذراعيها المرتفعتين عالياً؛ في إشارة إلى شموخها ومكانتها، ووصولها إلى مرحلة عليا من الطرب، فإن بعضها الآخر تقدم مشاهد درامية ومسرحية تضم أعضاء فرقتها، أو شغف البيوت المصرية بالاستماع إليها، مجسدة مكابدات الشوق والوجد كما جسدتها «الست».

أم كلثوم تتأمل لوحة رسمها لها الفنان صلاح طاهر (وزارة الثقافة المصرية)

من جهة أخرى، يأخذ المشاهد إلى العالم الخاص لـ«صوت مصر» من خلال بعض مقتنياتها الخاصة التي تمت استعارتها من متحفها في «المنيل» مثل فستانها ومنديلها وحذائها وحقيبتها ونظارتها ووشاحها، وقفازها، وقلمها، والغرامافون والراديو الخاصين بها، ومقاطع فيديو لها، وصورها الشخصية، والرسائل والقصائد المكتوبة بخط الشعراء لها، فضلاً عن جانب من مذكراتها التي صاغها لها الصحافي علي أمين، ورسمها الفنان بيكار، ونشرت في إحدى الصحف.

لوحة الفنان خالد سرور المشاركة بالمعرض (الشرق الأوسط)

ويمكن للزائر كذلك مشاهدة مقتنيات نادرة أخرى رحب أصحابها بتقديمها للمعرض طوال فترة إقامته، ومنها صورة للفنانة أم كلثوم وهي تتأمل لوحة رسمها لها الفنان صلاح طاهر، واللوحة نفسها التي كان يقتنيها أحد كبار رجال الأعمال الراحلين، ومجموعة كتب قديمة عنها، فضلاً عن مجموعات من الصحف النادرة جداً، على مدى عشرات السنين.

ويرى الدكتور إسلام عاصم، المشرف على شق التوثيق التاريخي للمعرض، أن «جانباً كبيراً من أهمية هذا الحدث الاستثنائي أنه يعكس إرادة الدولة ووعيها بمقاييس ومعايير القوة الناعمة المصرية، كما أنها لا تزال حاضرة بقوة في الداخل والخارج».

لوحة لـ«كوكب الشرق» وفرقتها في المعرض (وزارة الثقافة المصرية)

«ومن أهم رسائل المعرض أنه يبرز قوة المرأة المصرية عن جدارة؛ من خلال هذا الاستعراض الفني والتاريخي لمسيرتها وقوة إلهامها لمبدعين آخرين»؛ وفق تعبير عاصم.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «ومن يطلع على الكتاب المواكب للمعرض، على سبيل المثال، يستوقفه عبر ما يسرده عن حياتها منذ أن جاءت طفلة من قرية (طماي الزهايرة)، وصولاً إلى مكانتها في الغناء العربي، وحجم المصاعب والتحديات التي واجهتها، وقوة شخصيتها التي تصدت لها؛ لذلك هي ملهمة أيضاً للمرأة في كل مكان، ومن هنا تطورت فكرة المعرض أثناء التحضير له من تناول الجانب التشكيلي إلى الشق التاريخي؛ فقد استشعرنا أهمية اكتمال الرؤية والاحتفاء بالعمق التاريخي؛ كما أننا رأينا أن ذلك من شأنه أن يساهم في تعريف الأجيال الجديدة بها».


مقالات ذات صلة

«حلم والله حلم»... فضل شاكر يطوي 14 عاماً من الغياب في الرياض

يوميات الشرق قدّم شاكر باقة من أغنياته التي طبعت وجدان محبّيه على مدى عقود (بنش مارك) p-circle 02:16

«حلم والله حلم»... فضل شاكر يطوي 14 عاماً من الغياب في الرياض

على مسرح ضجَّ بالتصفيق وهتافات الترحيب من آلاف الحضور، استعاد فضل شاكر ذكريات الأغنية العربية الأصيلة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الفنان اللبناني فضل شاكر على مسرح أبو بكر سالم خلال حفلة «عودة الغايب» في الرياض (X@RiyadhSeason)

«عودة الغايب»... نجوم الفن يحتفون بعودة فضل شاكر برسائل من القلب

بعض الغياب يستحق العودة. وبعد نحو 14 عاماً من الغياب عن المسرح، عاد الفنان اللبناني فضل شاكر إلى لقاء جمهوره في حفل حمل عنوان «عودة الغايب».

لينا صالح (بيروت)
يوميات الشرق النجمة الأميركية سيلينا غوميز (بيكسلز)

سيلينا غوميز تكشف عن تأثير التدخين الإلكتروني على صوتها... وتحذّر من النيكوتين

كشفت النجمة الأميركية سيلينا غوميز عن أن استخدامها للنيكوتين عبر السجائر الإلكترونية ترك تغييراً دائماً في صوتها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون أمام مقر إقامتها في باريس حيث تجمّعات يومية للمعجبين (غيتي) p-circle 01:48

مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

اختتمت سيلين ديون، مساء أمس، الشهر الأول من حفلاتها الباريسية بعد سنوات المرض والغياب. شكرت ديون الجمهور للدعم والحب، قائلة إنها وقفت على المسرح من جديد بفضلهم.

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس منى عزيز في أحد اللقاءات التلفزيونية (حسابها على «فيسبوك»)

منى عزيز لـ«الشرق الأوسط»: هاني شنودة مطوّر الموسيقى الكلاسيكية

من الولايات المتحدة الأميركية جاءت خصيصاً المطربة المصرية منى عزيز لتشارك في مهرجان «هي الفنون» الذي أقامته الجامعة الأميركية بالقاهرة،

انتصار دردير (القاهرة)

التوتر المزمن قد يسرّع شيخوختك... 4 نصائح لتخفيف تأثيراته

تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
TT

التوتر المزمن قد يسرّع شيخوختك... 4 نصائح لتخفيف تأثيراته

تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)
تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)

قد يكون الشعور بالتوتر من حين إلى آخر جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لكن استمراره لفترات طويلة قد يترك آثاراً تتجاوز الحالة النفسية، ليزيد خطر الإصابة بمشكلات صحية، مثل القلق، وارتفاع ضغط الدم، وصولاً إلى النوبات القلبية. وتشير خبيرة في الشيخوخة إلى أن التوتر المزمن قد يؤثر أيضاً في صحة الخلايا، ويسرّع عملية الشيخوخة، مؤكدة أن بعض التغييرات البسيطة في نمط الحياة قد تساعد على الحد من هذه التأثيرات.

وفي حلقة حديثة من برنامج «10 في المائة Happier» (أكثر سعادة بنسبة 10 في المائة)، الذي يقدمه دان هاريس، شرحت إليسا إيبل، مؤلفة كتاب «وصفة التوتر» (The Stress Prescription) والخبيرة في مجالي العافية والشيخوخة، كيف يمكن للتوتر المزمن أن يؤثر في صحة خلايا الجسم، ويسرّع عملية الشيخوخة، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وقال هاريس: «كما تشير ضيفتي اليوم، فإن خلاياك (تستمع) إلى تفاصيل حياتك؛ فإذا أجريت تعديلات على نمط حياتك، فستستجيب خلاياك وفقاً لذلك».

كيف يؤثر التوتر المزمن في شيخوخة الخلايا؟

أوضحت إيبل أن الكروموسومات الموجودة داخل كل خلية من خلايا الجسم تتمتع بأغطية واقية عند أطرافها، تُعرف باسم «التيلوميرات» (Telomeres).

وأضافت: «هذه التيلوميرات لا تحب التوتر؛ إذ يمثل التوتر تهديداً لها، لأنه قد يتسبب في تلف الحمض النووي (DNA) لدينا، ما يؤدي إلى ظهور مشكلات بيولوجية متنوعة».

وبيّنت أن التيلوميرات، وهي النهايات الواقية للكروموسومات، تقصر بصورة طبيعية مع التقدم في العمر، لكن هذه العملية قد تتسارع عندما يتعرض الأشخاص للتوتر بصورة متكررة.

وقالت إيبل: «إن التوتر المزمن، عندما يستمر لسنوات طويلة أو حتى عقود دون إدارته بصورة جيدة، أو الحصول على فترات كافية من الراحة، يؤدي إلى تسريع وتيرة الشيخوخة».

وأضافت: «بما أننا نعلم الآن أن التيلوميرات موجودة في كل خلية من خلايانا، وأنها تتأثر بأفكارنا، ومشاعرنا، وتستجيب لنمط حياتنا، فإن ذلك يدفعنا إلى الاهتمام بها، والحفاظ عليها».

4 طرق لتخفيف التوتر والعيش حياة أطول وأكثر صحة

تشير إيبل إلى أن تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية التي نواجهها، لكنها تؤكد أن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الذي يلحق بالتيلوميرات نتيجة التوتر المزمن.

وفيما يلي أربع ممارسات توصي بإدخالها إلى الروتين اليومي للمساعدة على تخفيف التوتر، والتأثير إيجاباً في التيلوميرات:

1. تناول المزيد من الفواكه والخضراوات

زيادة كمية الفواكه والخضراوات في النظام الغذائي اليومي.

2. تخصيص فترات قصيرة للتأمل

الحرص على أخذ فترات راحة قصيرة يومياً، حتى لو لم تتجاوز خمس دقائق، لتهيئة حالة من الهدوء، والتأمل، أو ممارسة التأمل بصورة منتظمة.

3. زيادة تناول أحماض «أوميغا 3»

إضافة المزيد من أحماض «أوميغا 3» إلى النظام الغذائي، أو تجربة اتباع حمية البحر الأبيض المتوسط.

4. إعطاء الأولوية للراحة العميقة

ممارسة أنشطة تساعد على تحقيق الانسجام بين العقل والجسم، والوصول إلى حالة من الراحة العميقة، مثل اليوغا، أو تمارين التنفس.

وتؤكد إيبل أن هذه الخطوات لا تستلزم تغييرات كبيرة في أسلوب الحياة، قائلة: «إنها تغييرات بسيطة يمكننا القيام بها؛ فهي لا تتطلب تعديلات جذرية في نمط الحياة، وهذه هي التغييرات التي يمكننا الاستمرار في اتباعها، والحفاظ عليها لسنوات طويلة».


متى تبقى في وظيفتك ومتى ترحل؟

يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
TT

متى تبقى في وظيفتك ومتى ترحل؟

يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)
يمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة وطلب المساعدة والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة (أرشيفية - بيكسباي)

تتطلب بيئة العمل الصحية أن يتمكن الموظفون من التعبير عن مخاوفهم، وطرح الأسئلة، والإبلاغ عن المشكلات دون خشية التعرض للعقاب، أو الانتقام. لكن عندما يقابل المديرون هذه المحاولات بالتوبيخ، أو التجاهل، فقد يتحول مكان العمل إلى بيئة ضاغطة تؤثر سلباً في أداء الموظفين، وصحتهم النفسية، وتدفعهم إلى التفكير في الرحيل. فكيف يمكن التعامل مع هذه الأوضاع، ومتى يصبح البحث عن وظيفة أخرى هو الخيار الأفضل؟

إن ثقافة العمل التي تقوم على اعتبار الوظيفة الأولوية الأولى في حياة الموظفين، قبل كل شيء آخر، تدفعهم إلى تراكم الغضب من الوظيفة. فكثيراً ما كان يُتوقع منهم البقاء بعد ساعات العمل لمعالجة مشكلات طارئة، وغير متوقعة، بصرف النظر عن مدى توافرهم.

ما الأمان النفسي في مكان العمل؟

يشير مفهوم الأمان النفسي، الذي درسَته أستاذة جامعة هارفارد الدكتورة إيمي إدموندسون على نطاق واسع، إلى اعتقاد مشترك بين أعضاء الفريق بأن بإمكانهم التعبير عن آرائهم في مكان العمل، وطرح وجهات نظر مخالفة، أو إثارة المخاوف، من دون الخشية من الانتقام، أو العقاب، وفق موقع (سيكولوجي توداي).

ويمنح الأمان النفسي أعضاء الفريق مساحة لطرح الأسئلة، وطلب المساعدة، والتعلم عندما لا تسير الأمور وفق الخطة. وفي دراسة تأسيسية شملت 51 فريقاً في أماكن العمل، وجدت إدموندسون عام 1999 أن الأمان النفسي يرتبط بسلوكيات التعلم داخل الفرق، مثل طلب الملاحظات، ومناقشة الأخطاء، وطلب المساعدة. وهذه تفاعلات يومية تتيح للموظفين التعلم، وأداء مهامهم بفاعلية.

لكن ماذا يحدث عندما يفتقر مكان عملك إلى الأمان النفسي؟ وماذا لو اقترن ذلك بغياب الحدود الفاصلة بين العمل والحياة الشخصية؟ كيف تعرف ما إذا كان عليك الاستمرار في العمل لدى شركة ما؟ أم أن الوقت قد حان للرحيل؟ هناك بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعدك على اتخاذ القرار.

ماذا يحدث عندما تثير إحدى المشكلات؟

هل يستمع إليك مديرك ويطرح الأسئلة؟ أم يستجيب برد فعل متسرع، ويلجأ إلى السخرية أو الغضب أو الانتقام؟ لا يوجد أحد كامل. فقد يكون من الصعب على القادة، حتى مع أفضل النيات، تقبّل الانتقادات. لكن بعد أن تتاح لهم فرصة التفكير فيها، هل يعودون إلى مناقشة المشكلة ومعالجتها؟ أم ينتهي الأمر بالتجاهل أو التهرب من المسؤولية أو الانتقام؟

هل توجد مؤشرات على إمكانية التغيير؟

عندما تُثار مشكلة، هل تتخذ الإدارة خطوات فعلية لمتابعتها؟ وهل تظهر تغييرات مستمرة في السلوك، بدلاً من مجرد وعود تُقدَّم بعد تهديد أحد الموظفين بالاستقالة؟

في الأوساط الأكاديمية والحكومية وغيرها من المؤسسات الكبيرة، قد يكون التغيير بطيئاً. فلا يمكن توقع تغيير فوري في السياسات أو الإجراءات دائماً، خصوصاً عندما يتطلب الأمر اتخاذ القرارات بصورة جماعية. لكن هل بدأت الخطوات الفعلية للتغيير؟ إن سرعة التغيير مهمة، لكن الأهم أيضاً هو ما إذا كان هناك أي تقدم ملموس من الأساس.

ما الخيارات المتاحة داخل المؤسسة؟

هل يوجد مدير آخر يمكنك العمل تحت إشرافه، أو فرصة للانتقال من القسم أو الوحدة التي تعاني مشكلات إلى أخرى تسير فيها الأمور بصورة أفضل؟ وهل يمكنك الانتقال إلى فريق آخر أو تغيير مسؤولياتك بحيث تعمل مع أشخاص مختلفين أو تقدم تقاريرك إلى مدير آخر؟ وهل يوجد شخص يمكنه مساندتك في هذا الموقف، مثل مشرف أو مدير آخر يستطيع التوسط لحل المشكلة؟

ما الثمن الذي تدفعه مقابل الاستمرار؟

تمنحنا الأبحاث أسباباً تدعو إلى التعامل بجدية مع التكاليف المترتبة على العمل في بيئة سيئة. فقد وجد تحليل تلوي أجراه شينز وشيلينغ عام 2013 أن القيادة الهدامة ترتبط بتراجع رفاه الموظفين، وانخفاض أدائهم، وزيادة رغبتهم في ترك العمل. ويمكن أن تتجاوز آثار بيئة العمل الصعبة مجرد شعورك تجاه مديرك.

فكر في ثقتك بنفسك، وصحتك النفسية والجسدية، وعلاقاتك، وقدرتك على إنجاز عمل تشعر بالرضا عنه. إذا كنت تحب وظيفتك وتشعر بالشغف تجاه ما تقوم به، فقد تكون مستعداً لتحمل بعض المشكلات، مثل العمل حتى ساعات متأخرة من حين إلى آخر، أو تعرضك أحياناً لردود فعل حادة من مديرك.

لكن إذا كانت الوظيفة تقوض ثقتك بنفسك، وتضر بعلاقاتك خارج العمل، لأن ساعات العمل الإضافية الإلزامية تجبرك على إلغاء خططك، والتغيب عن المناسبات الاجتماعية، فقد يكون الوقت قد حان للتفكير في الثمن الذي تدفعه على مستوى حياتك ككل.

نادراً ما يكون ترك الوظيفة أمراً سهلاً، خصوصاً إذا كنت قد حصلت على «وظيفة أحلامك»، وكان سوق العمل يعاني شح الفرص، ما يجعلك تشعر بأن البدائل محدودة. كما أن إدراكك أن وقت الرحيل قد حان لا يعني بالضرورة أنك قادر مالياً أو عملياً على المغادرة فوراً. فقد يعني ذلك البدء في استكشاف الخيارات المتاحة، ووضع خطة.

وتقول آشلي سي. جوردان، أستاذة علم النفس في جامعة أريزونا، وفق موقع (سيكولوجي توداي): «لا أنصح بترك الوظيفة عند أول علامة على وجود مشكلة. فعندما يكون ذلك آمناً ومعقولاً، امنح مديرك ومكان عملك فرصة لتصحيح الأمور. لكن إذا لم تُؤخذ مخاوفك على محمل الجد، وبدا أن التغيير الحقيقي غير مرجح، ففكر فيما تمنحك إياه الوظيفة، مثل الراتب، والشعور بالهدف، والفرص المتاحة، وفي المقابل، ما تسلبه منك، مثل التوازن بين العمل والحياة الشخصية، والثقة بالنفس، والصحة، والعلاقات». وتتابع: «صحيح أن العمل قد يمر بفترات مزدحمة أو صعبة. لكن إذا كانت الكفة تميل باستمرار لصالح العمل على حساب صحتك وحياتك خارجه، فقد يكون الوقت قد حان لإجراء تغيير».


قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
TT

قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)

يتزايد اعتماد الأطفال والبالغين على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة والدعم النفسي، بدلاً من اللجوء إلى المختصين في بعض الحالات. ورغم ما قد توفره هذه الأدوات من مساعدة في فهم المشاعر وإعادة صياغة الأفكار، يحذّر خبراء من مخاطر استخدامها بديلاً عن الرعاية النفسية المتخصصة، خصوصاً أنها قد تؤيد أفكار المستخدم دون تمحيص، أو تفشل في رصد أعراض تشير إلى اضطرابات نفسية خطيرة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وكشفت بيانات استطلاع شمل ألفي طفل بريطاني، تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، أجرته مؤسسة «بارناردو» والجمعية الوطنية للاستشارات والعلاج النفسي، أن 43 في المائة منهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة أو الدعم النفسي.

ويبدو أن البالغين يتجهون نحو النمط نفسه؛ إذ أظهر «مؤشر بوبا للرفاهية لعام 2026» أن ما يقرب من 3 من كل 5 بالغين، أي 57 في المائة، يختارون حالياً روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلاً من حجز موعد مع طبيب عام، بسبب ضيق الوقت.

وترتفع هذه النسبة إلى 65 في المائة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، وإلى 61 في المائة لدى الفئة العمرية بين 25 و34 عاماً.

وفي هذا السياق، تحدث الدكتور دانييل مسعود، استشاري الطب النفسي في مركز «سنترال هيلث لندن» (Central Health London)، والمتخصص في الطب النفسي العام للبالغين وعلاج الإدمان، عن الدوافع والفوائد والمخاطر المرتبطة بالاعتماد على هذه التقنيات للحصول على الدعم النفسي.

روبوتات الدردشة قد تبالغ في تأييد المستخدم وتفتقر إلى الموضوعية

من أبرز المخاطر التي يشير إليها مسعود أن نماذج الذكاء الاصطناعي مصممة لتكون تفاعلية وتميل إلى موافقة المستخدم على آرائه، بدلاً من التشكيك فيها أو إخضاعها للتقييم الموضوعي.

ويقول: «نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، مثل (تشات جي بي تي)، مُدرَّبة على تأييد وجهة نظرك؛ لذا فهي لا تشكك بالضرورة في المعلومات التي تقدمها لها».

ويوضح بمثال: «إذا قلت لها: (أنا قلق من أن أمي تحاول تسميمي)، فستتعامل مع ذلك على أنه حقيقة، وستقدم لك نصائح بناءً عليه».

ويضيف: «وبالتالي، فإنها تقدم المشورة انطلاقاً من منظور المريض أو المعلومات التي يرويها، بدلاً من تبنّي رؤية أكثر موضوعية. وفي المقابل، من المرجح أن يكون الطبيب النفسي البشري أكثر فضولاً وتدقيقاً في المعلومات المطروحة، وقد يتساءل عما إذا كان الشخص يعاني من جنون الارتياب (البارانويا)، أو ربما من حالة ذهانية».

احتمال عدم اكتشاف أعراض نفسية مهمة

يحذّر مسعود أيضاً من احتمال أن تفشل روبوتات الدردشة في التعرف على أعراض قد تشير إلى مشكلات نفسية تستدعي تدخلاً متخصصاً.

ويقول: «تعتمد روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على المنطق والأوامر التي تتلقاها، وهي ليست مُدرَّبة على التعرف على الأنماط المرتبطة بحالات الصحة النفسية المحددة».

ويضيف: «ما يحدث أحياناً هو أن أعراضاً مهمة، كان من الممكن التعامل معها عبر المسارات المخصصة لخدمات الصحة النفسية، تضيع ولا يجري رصدها».

ويتابع: «سيكون أمراً رائعاً لو تمكنت النماذج اللغوية الكبيرة من اكتشاف مشكلات الصحة النفسية الخطيرة بصورة أفضل، مثل الذهان. لكنني اختبرت ذلك بنفسي، وأدخلت أوامر قد تشير إلى وجود مرض، ومع ذلك لم تنجح الروبوتات في اكتشافه».

غياب الوضوح بشأن تدابير الحماية

من بين المخاوف الأخرى التي يثيرها الطبيب النفسي عدم وضوح الإجراءات الوقائية التي تعتمدها الشركات المطوّرة لأنظمة الذكاء الاصطناعي عند التعامل مع حالات الاضطرابات النفسية الشديدة.

ويحذّر مسعود قائلاً: «لا يوجد وضوح كافٍ بشأن تدابير الحماية التي تضعها الشركات المطوّرة لهذه النماذج اللغوية الكبيرة للتعامل مع حالات الأمراض النفسية الشديدة».

خطر تكوين علاقة زائفة مع روبوت الدردشة

يشير مسعود إلى أن بعض المستخدمين قد يطوّرون ارتباطاً عاطفياً بروبوتات الدردشة، إلى درجة تصبح معها هذه الأدوات أشبه بطرف ثالث في علاقاتهم الشخصية.

ويقول: «قد يطوّر بعض الأشخاص علاقات مع روبوتات الدردشة الخاصة بهم، لدرجة أنها تصبح أشبه بطرف ثالث في علاقاتهم الشخصية».

ويضيف: «من الصعب جداً وضع حدود صارمة بشأن مدى ملاءمة اعتماد الشخص على هذا النموذج للحصول على الدعم؛ فأحياناً يستخدم الأشخاص هذه الروبوتات بديلاً عن العلاج النفسي، ويطرحون عليها أسئلة عميقة للغاية، في حين أنها لا تمتلك بالضرورة الخبرة أو الإجابات المناسبة للتعامل مع مثل هذه الأمور».

فوائد محتملة في فهم المشاعر وإعادة صياغة الأفكار

رغم هذه المخاطر، يرى مسعود أن روبوتات الدردشة قد توفر بعض الفوائد في مجال الدعم النفسي العام، لا سيما عندما يواجه الأشخاص صعوبة في التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم.

ويقول: «في بعض الأحيان، قد لا يمتلك المرضى القدرة اللغوية للتعبير بوضوح عما يمرون به، أو عما يفكرون فيه ويشعرون به. وهنا قد يساعدهم التحدث إلى روبوت الدردشة في فهم وجهة نظرهم الخاصة وترتيب مشاعرهم».

ويشير إلى أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الأفراد، في ظروف مناسبة، في إعادة صياغة أفكارهم وتبنّي ما يُعرف بـ«عقلية النمو».

ويوضح: «يمكن لهذه الروبوتات أحياناً مساعدة الأشخاص في إعادة صياغة الأفكار الصعبة التي قد تراودهم؛ فعلى سبيل المثال، إذا اعتقد شخص أن مديره يكرهه، أو واجه موقفاً صعباً في العمل، يمكن لروبوتات الدردشة غالباً تقديم نصائح بسيطة بشأن كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف مستقبلاً، والاستفادة منها لتحقيق النمو الشخصي».