علي عبيد الهاملي: لا معنى للحياة أو الكتابة بلا شغف

الكاتب والإعلامي الإماراتي يكتب جزءاً من سيرته الإعلامية والثقافية

علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
TT

علي عبيد الهاملي: لا معنى للحياة أو الكتابة بلا شغف

علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد

«وَمَا زَالَ الشَّغَفُ...» بهذه الكلمات، يبدأ الكاتب والإعلامي علي عبيد الهاملي كتابه الجديد الذي وثق فيه مسيرته بين الإعلام والثقافة، هو الذي شهد مراحل تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان مشاركاً في نسج حكايتها وشغفها الذي تُرجِم إنجازاً ونهضة. هنا حوار معه عن الكتاب، ونتاجه الثقافي:

> تصف كتابك بأنه محطةٌ من المحطات حياة عشتها، هل تجد بعد هذه السنوات الطويلة أن الشغف بعالمي الإعلام والأدب ما زال ينبض في داخلك رغم ظهور التقنيات التكنولوجية الباردة في عالمنا؟

- عنوان كتابي هو «وما زال الشغف.. حياة بين الإعلام والثقافة»، وهذا يعني أن عنوان حياتي كلها هو الشغف المستمر بهذا العالم الساحر الذي دخلته وأنا طالب على مقاعد الدراسة. أتطلع إلى استكشاف أسرار الحياة التي حولي، وهي حياة تزخر بالكثير والكثير من الأشياء التي كان يمكن أن تجذبني إليها، مثل عالم المال والأعمال والاقتصاد على سبيل المثال، خصوصاً وأنني وُلِدت وعشت مراحل طفولتي الأولى ونشأت في دبي، ودبي كما هو معروف للقاصي والداني هي مدينة المال والأعمال والاقتصاد الأولى على هذا الساحل. لقد انجذبت بدايةً إلى مجلة «أخبار دبي» التي صدر عددها الأول في منتصف الستينات من القرن الماضي في إمارة دبي. يتضح هذا في العبارة التي ختمت بها كتابي: «وما زال الشغف... فلا معنى للحياة إذا غاب عنها الشغف».

> اندرج صدور كتابك ضمن سلسلة تجارب السيرة، فهل هذا الكتاب هو عن سيرتك الذاتية بالفعل؟

- هو جزء من سيرتي الذاتية وليس كلها. فهو يرصد عدداً من محطات حياتي بين الإعلام والثقافة، ليس كل المحطات، ولكن أهم المحطات التي لها علاقة بمسيرة الإعلام والثقافة في بلدي. لا أدعي أنني شملت كل المحطات، لكن أهمها. فهناك محطات من الصعب الحديث عنها لأسباب عديدة، وهناك مواقف وأحداث، كنت شاهداً عليها، لم أستطع إيرادها لحساسيتها التي تجعل الحديث عنها صعباً وشائكاً، وهناك محطات وأحداث ومواقف تركت الحديث عنها لوقت آخر. ربما يأتي هذا الوقت وربما لا يأتي لأسباب تتعلق بمجريات الأمور ورحلة العمر الذي لا نملك التحكم فيها. من يعلم؟

أنا محظوظ لأنني من الجيل الذي وُلَد قبل قيام دولة الاتحاد بعقد ونيّف تقريباً. جيل تفتح وعيه في مرحلة الإرهاصات التي سبقت إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. ففي هذه المرحلة كان تفتح الوعي لديّ، وخلالها تكونت شخصيتي. لذلك فإن كل ما أتى بعدها في رحلة حياتي كان انعكاساً لتلك الظروف التي نشأت فيها، وهي ظروف انطبعت تفاصيلها في الذاكرة لتتشكل منها مرجعياتي وأفكاري وقيمي وممارساتي، فالمقارنة بين ما قبل الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1971 وما بعده مهمة، لأن هذا التاريخ رسم خطاً فاصلاً بين الحلم والحقيقة. وقد كان الحلم كبيراً جداً، وكانت الحقيقة بحجم الحلم وروعته وجماله. هذا هو ما حاولت أن أسجله في كتابي، وأتمنى أن أكون قد وُفّقت إلى ذلك.

> لاحظت عند قراءة كتابك أنه عبارة عن مزيج من الإعلام وروحية الأدب، كقولك في بداية الكتاب إن طفلاً يُولد على ساحل البحر هو طفل عاشق للخيال دون شك، وأنت الذي كتبت قصصاً قصيرة، ولك إصدار في هذا الحقل، فهل تؤمن بأن لا انفصال بين الإعلام والأدب أثناء الكتابة؟

- هناك انفصال بالطبع، فليس كل إعلامي أديباً، ولا كل أديب إعلامي. قليلون هم الذين جمعوا بين الإعلام والأدب في حياتهم. عن نفسي، أنا أحببت الأدب وانبهرت بالإعلام منذ بداية تفتح الوعي لدي، فكان هذا المزيج الذي تكونت منه شخصيتي. الإعلام بطبيعة الحال يتعامل مع الواقع، والواقع هو نقيض الخيال، كما يقال، والأدب يتعامل مع الخيال، والخيال هو هروب من الواقع كما يقال. ومن هذا المزيج، وليس الصراع، حاولت أن أسير قريباً من الإعلام غير بعيد عن الأدب. حتى عندما أكتب في السياسة كنت لا أبتعد عن الأدب. وهنا تحضرني كلمة الصديق العزيز الأستاذ محمد الخولي، عليه رحمة الله: «أنت تؤدب السياسة». لا أعرف إلى أي مدى كلامه كان صحيحاً، لكنني أعترف بعدم استطاعتي الابتعاد عن الأدب وأنا أكتب في أي موضوع.

> ما مقدار الخيال وما مقدار الواقع في كتابك «وما زال الشغف: حياة بين الإعلام والثقافة»؟

- أعتقد أن كل من قرأ الكتاب، أو سيقرؤه، سيدرك مقدار الخيال ومقدار الواقع فيه. الخيال يظهر في حجم الطموح الذي كنا نسعى إلى تحقيقه في بلد يحاول أن يلحق بركب التعليم والنهضة والحضارة الذي سبقنا إليه إخوة وأشقاء، بعضهم في منطقتنا وبعضهم الآخر في الوطن العربي الكبير الذي ننتمي إليه، وفي العالم البعيد الذي يبدو لنا اللحاق به ضرباً من المستحيل. لكن من يرى ما تحقق على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة خلال نصف قرن من الزمان، يدرك أن المعجزة يمكن أن تتحقق في عصرنا هذا.

> في الكتاب استذكار للصحف والمجلات التي عملت بها، وكذلك الانتقال إلى الصحافة، فهل أثّر عملك في ميدانين مختلفين؛ الصحافة الورقية والتلفزيون المرئي في كتابتك؟

- من يقرأ الكتاب يجد أن شغفي بدأ بالصحافة الورقية، حيث بدأت الكتابة عام 1971 وأنا في سن مبكرة جداً، وأنا طالب على مقاعد الدراسة، وبعد ثلاث سنوات انتقلت إلى عالم التلفزيون فعملت مذيعاً في تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي عام 1974م، دون أن أترك الكتابة تماماً، بل كانت تجربتي الكتابية تنضج فأواصل الكتابة في أكثر من جريدة من الجرائد التي كانت تصدر في دبي وقتها، حيث ساهمت في إصدار مجلة «الأهلي» عام 1972م، وكتبت فيها، كما كتبت في مجلة «المجمع» عام 1974م وأنا أعمل في التلفزيون. ثم ذهبت لدراسة الإعلام في مصر وتخصصت في مجال الإذاعة والتلفزيوني لأعود من هناك للعمل في تلفزيون الإمارات العربية من أبوظبي. وبعد 18 عاماً من العمل في التلفزيون عدتُ مرة أخرى إلى العمل في الصحافة.

> ما هو تأثير مصر في مسيرتك؟ نعلم أنت التقيت الرئيس المصري الراحل حسني مبارك... ما مدى تأثير ذلك اللقاء في تبلور عملك الإعلامي؟

- درست في مصر خلال الأعوام من 1975 إلى 1979م. وهي مرحلة مهمة، ليس في تاريخ مصر وحدها، بل في تاريخ الأمة العربية كلها، إذ شهدت زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للقدس، وتوقيعه بعد ذلك لاتفاقيات السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد. أما اللقاء الذي أجريته مع الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك فكان تجربة مفيدة ومحطة من محطات عملي الإعلامي التي أعتز بها، وقد تحدثت عنه بالتفصيل في الكتاب.

> نعيش مع كتابك جميع المراحل التي مرّت بالإمارات من أحداث سياسية وثقافية، كنتَ فيها شاهداً على تاريخها، خصوصاً في عهد الشيخ زايد، حكيم العرب. ما هي الصورة التي يمكن أن تنقلها لنا عن هذا القائد باني الإمارات؟

- عملت في تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من أبوظبي خلال الأعوام من 1980 وحتى نهاية عام 1997م. وهي سنوات سميتها «سنوات الألق»، وأفردت لها صفحات في الكتاب. كانت قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة في الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تولي الإعلام، وعلى وجه الخصوص التلفزيون، اهتماماً خاصاً، فقد كان يتابع كل ما يعرض على الشاشة، ويبدي ملحوظاته، ويوجه المسؤولين للتركيز على القضايا التي تهم الوطن في تلك المرحلة، ويهتم بالتراث كثيراً. وغطيت هذه الزيارات والمؤتمرات ونقلتها للمشاهدين في الإمارات بصوتي، ولمست عن قرب حكمة هذا القائد العربي الملهم، فهو «حكيم العرب» بحق.

> في الجزء الثاني من الكتاب، تخوض في عالم الثقافة وخاصة إسهاماتك في ندوة الثقافة والعلوم ومجلس دبي الثقافي، وغيرها من المؤسسات والمهرجانات الثقافية والمجلات، هل كان ذلك يعبّر عن شغفك الحقيقي؟

- عندما بدأت تأليف كتابي اخترت له عنواناً «وما زال الشغف... سيرة إعلامية». وكلما أوغلت في الكتابة عن السيرة الإعلامية كنت أشعر أن هناك خطّاً آخر موازياً يدعوني للكتابة عنه، فأنا دخلت الإعلام من باب الثقافة عندما استضافوني في تلفزيون دبي الأبيض والأسود عام 1974 للتحدث عن واقع القصة القصيرة في الإمارات، لأن بدايتي كانت بكتابة القصة القصيرة، التي أتاحت لي مجالاً للتواصل مع أسرة تحرير مجلة «أخبار دبي» التي نشرت فيها قصصي الأولى.

> عملت مع ثلاثة وزراء، ما الذي أضافته لك هذه التجربة؟

- عملت مع ثلاثة وزراء إعلام هم حسب الترتيب الزمني الشيخ أحمد بن حامد، أول وزير إعلام وثقافة في الإمارات بعد قيام الدولة، ومعالي خلفان بن محمد الرومي، ثاني وزير إعلام وثقافة، ومع الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، ثالث وزير إعلام وثقافة في دولة الإمارات، قبل انتقاله إلى وزارة الخارجية، وهو يشغل الآن منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة. ساهموا جميعاً في نهضة الإعلام الإماراتي ووضعه على قمة الإعلام العربي الفاعل والمتطور.

> لا يُخفى توجهك الأدبي، هل ثمة إصدار أدبي مجموعة قصصية أو رواية تعد بها القارئ؟

- أعمل الآن على تجهيز ديوان شعري، هو الأول الذي أتمنى أن أنتهي منه وأدفع به إلى المطبعة قريباً. كما أن لدي مشاريع كتب مؤجلة حالت ظروف العمل دون إنجازها.


مقالات ذات صلة

في استحالة «حي بن يقظان»

ثقافة وفنون في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته.

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود.

«الشرق الأوسط» (برلين)
كتب سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن...

د. رشيد العناني
كتب تي. إس. إليوت

دفاع عن العاطفة

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة».

د. ماهر شفيق فريد
كتب طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن

«الشرق الأوسط» (لندن)

في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»
TT

في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته. تُنسب في صيغها المختلفة إلى ابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن طفيل، وابن النفيس، غير أن الصياغة الأكثر شهرةً وتأثيراً هي التي قدّمها ابن طفيل الأندلسي في القرن السادس الهجري، فأصبحت، لاحقاً، أحد النصوص المؤسِّسة في تاريخ الفلسفة المقارنة، بعد أن تُرجمت إلى اللغة اللاتينية على يد إدوارد بوكوك، ونُشرت في أكسفورد سنة 1671م بعنوان: «الفيلسوف العصامي». ويصف أهمية هذه القصة الفيلسوف عبد الرحمن بدوي بقوله: «ومن الذين أُعجبوا بقصَّة حي بن يقظان ليبنتز الفيلسوف المشهور، فقد أطراها إطراءً بالغاً، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر والدراسات حولها في أوروبا تتوالى في غير انقطاع وبمختلف اللغات حتى الآن، حتى ليمكن أن نقرّر في اطمئنان أنَّ قصَّة حي بن يقظان كانت أوفر الكتب العربية حظاً من التقدير والعناية والتأثير في أوروبا في العصر الحديث».

وابن طفيل هو أبو بكر محمد بن عبد الملك القيسي الأندلسي (ت 581هـ/1185م). أصبح طبيباً للخليفة أبي يعقوب يوسف المنصور، ولم يصلنا من كتبه إلا قصَّته الفلسفية المشهورة حي بن يقظان.

يبدأ بناؤها السردي برضيع ينشأ في جزيرة نائية لا بشر فيها، تحت رعاية ظبية ترضعه وتغذيه، ثم يُترك بعد موتها ليواجه العالم بأدواته الإدراكية الأولية في مسار تصاعدي للمعرفة، فينتقل من الملاحظة الحسية إلى التجربة، ومن التجربة إلى التحليل، ثم إلى التجريد العقلي، وصولاً إلى بناء نسق ميتافيزيقي متكامل يفسر به العالم والوجود والعلية والغاية. ويكتشف بالحواس والتجربة قوانين العالم المادي ومراتب الوجود، ثم يهتدي إلى وجود فاعل كامل يقف وراء نظام العالم، فتتجه عنايته من معرفة الموجودات إلى معرفة موجدها. وعند الخامسة والثلاثين ينصرف إلى طلب الواجب الوجود، متخذاً الرياضة والزهد سبيلاً إلى ذلك، فلا يأخذ من الطعام والشراب إلا ما يقيم أَوَدَه، وفي الثلث الأخير من القصة تظهر شخصيتا أبسال وسلامان، وهما رفيقان يعيشان في جزيرة قريبة من الجزيرة التي نشأ فيها حيٌّ. فأما أبسال «فكان أشد غوصاً في الباطن، وأكثر عثوراً على المعاني الروحانية، وأطمع في التأويل، وأما سلامان فكان أميل إلى ظاهر الشريعة، وكلاهما مجدٌّ في الأعمال الظاهرة ومحاسبة النفس ومجاهدة الهوى».

يشكّل لقاء حيٍّ بأبسال نقطة التحوُّل الكبرى؛ فبعد أن نشأ حي معزولاً عن البشر وبلغ بعقله وتأمله معرفة الحقائق العليا، وصل أبسال إلى جزيرته طلباً للعزلة والعبادة. وعندما يلتقي بحي يعلّمه اللغة، فيطلع كل منهما على تجربة الآخر، ويدرك أبسال أنَّ المعارف التي بلغها حي بالعقل والمشاهدة تتوافق في جوهرها مع ما جاءت به الشريعة التي يدين بها، فيزداد يقيناً بصدق الدين. أما حي فيجد في الشريعة تمثيلاً رمزياً للحقائق التي أدركها بنفسه، لذلك يؤمن بالرسالة ويلتزم فرائضها. ثم ينتقلان إلى الجزيرة التي قدم منها أبسال لنقل هذه الحقائق إلى الناس، غير أن محاولتهما تخفق؛ إذ لا يمتلك الناس أدوات التأمل العقلي ولا تقنيات التجريد الفلسفي، فهم يدركون الحقيقة عبر العادة والظاهر لا البرهان، فيستقر في وعي حيٍّ أن التواصل بين المستوى الفلسفي العميق والوعي الجماعي العام محدود للغاية، فيعود مع صاحبه أبسال إلى جزيرته التي نشأ فيها مؤثراً العزلة والعبادة والتأمل الروحي.

يطرح ابن طفيل في هذه القصة تصوراً متكاملاً لتطور الإنسان معرفيّاً وروحيّاً وأخلاقيّاً، ويبني تسلسلاً هرميّاً لمراتب البشر: فأعلاها مرتبة الفيلسوف، أي حيّ بن يقظان، تليها مرتبة الصوفي، أي أبسال، ثم مرتبة الفقيه، أي سلامان، ثم العامة الذين يكتفون بالتقليد والانقياد للعادات دون بحث عقلي أو تأمل فلسفي.

اكتسبت هذه القصة عبر تاريخها الطويل قوةً برهانيةً؛ إذ بدت وكأنَّها تُظهر استقلال العقل الإنساني عن المجتمع والتقليد والوحي معاً. غير أن قوة هذا النموذج الفلسفي لا تخفي إشكاله العميق: هل يمكن أصلاً تصور عقل إنساني يعمل في فراغٍ اجتماعيٍّ كامل؟ وهل يمكن للغة والتجريد والتفكير المفهومي النشوء في عزلة مطلقة؟ هنا يمكن تفكيك الأساس الذي تقوم عليه هذه التجربة الفكرية، لا من حيث نتائجها، بل من حيث شرط إمكانها نفسه.

إن إعادة قراءة حي بن يقظان في ضوء اللسانيات البيولوجية، والأنثروبولوجيا المعرفية، والأنثروبولوجيا التأويلية تكشف عن مشكلة أعمق في نموذج (العقل ما قبل الاجتماعي) الذي تقدمه هذه القصة. فقد دلَّلت بحوث اكتساب اللغة أنَّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل إنها شرط أساسي لتطور القدرات الرمزية والمفاهيمية التي يقوم عليها التفكير المجرد. وفي هذا السياق قدّم إريك لينبرغ (Eric Lenneberg) في كتابه (Biological Foundations of Language) ما عُرف بـ(فرضية الفترة الحرجة) (Critical Period Hypothesis) لاكتساب اللغة، والتي تفيد بأنَّ القدرة على اكتساب اللغة الطبيعية ترتبط بمرحلة نمو عصبي مبكرة، وأنَّ الحرمان اللغوي في تلك المرحلة يؤدي إلى عجز دائم أو شبه دائم في اكتسابها لاحقاً. وقد استند إلى حالات الأطفال الذين نشأوا في عزلة شديدة عن التفاعل اللغوي الإنساني، فأدى الحرمان من البيئة الاجتماعية إلى ضعف في التواصل وإلى اختلالات أعمق في القدرة على بناء تراكيب نحوية ومعرفية معقَّدة. ومن ثم فإنَّ اللغة لا تبدو مهارة فردية تُكتسب تلقائيّاً، بل بنية اجتماعية - بيولوجية لا تتكوّن إلا داخل مجتمع لغوي.

وإذا انتقلنا من مستوى اللغة إلى مستوى بنية الإدراك الإنساني ذاته، فإنّ الصورة تتضح أكثر في دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية، ففي أعمال مايكل توماسيلو، ولا سيما «الأصول الثقافية للإدراك البشري» (The Cultural Origins of Human Cognition) و«أصول التواصل البشري» (Origins of Human Communication)، يتبيّن لنا أنَّ ما يميز العقل الإنساني ليس قدرات فردية معزولة، بل القدرة على (المقصدية المشتركة) (shared intentionality)؛ أي القدرة على بناء معانٍ ومقاصد مشتركة داخل إطار اجتماعي. ووفق هذا التصور، فإنَّ العمليات الذهنية العليا، مثل الاستدلال السببي، وبناء المفاهيم المجردة، وتكوين المعايير الأخلاقية، بل حتى الوعي بالذات، لا تنشأ في عزلة فردية، بل تتشكَّل تدريجيّاً عبر التفاعل الاجتماعي، والتعلم الثقافي، والتواصل اللغوي. وبذلك يصبح العقل الإنساني نتاجاً تاريخيّاً - اجتماعيّاً، لا بنية طبيعية مكتفية بذاتها.

وتدفع الأنثروبولوجيا التأويلية هذا الاعتراض إلى مداه الأقصى، حين تقرّر في تحليلها عند كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) في مقاله «أثر مفهوم الثقافة على مفهوم الإنسان» (The Impact of the Concept of Culture on the Concept of Man)، أن البشر حيوانات غير مكتملة، وأنَّ الثقافة هي التي تكمّلها داخل شبكات المعنى التي تنتجها الثقافة، فغياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه؛ لأن الإنسان لا يعيش إلا في عالم مشبع بالرموز والمعاني: اللغة، الدين، العادات، والتصورات الجماعية. وهذه البنى شروط أساسية لتكوُّن الخبرة الإنسانية نفسها. ومن هنا فإنَّ فصل الإنسان عن هذا الوسط الرمزي لا يعني تحرير العقل، بل يعني تفكيك شروط إمكانه.

وفي ضوء ذلك، يمكن إعادة النظر في إحدى أكثر قضايا علم الكلام الإسلامي مركزية، وهي مسألة (التحسين والتقبيح): أهي أحكام تُؤسَّس على دلالة الشرع كما ذهب الأشاعرة، أم على معطيات عقلية مستقلة كما قرّر المعتزلة؟

غياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه

ومن خلال إعادة قراءة نموذج «حي بن يقظان»، يمكن توسيع هذا الفهم ليشمل تكوّن (العقل الأخلاقي) نفسه بوصفه حصيلة سيرورة اجتماعية تنتظم داخل شبكة من العلاقات التي تؤطرها الخبرة الإنسانية في خضم المجال الثقافي واللغوي، وفي هذا السياق يغدو الحديث عن (التحسين والتقبيح) العقليين تعبيراً عن نمط من الوعي المعياري المشروط ثقافياً ولغوياً، لا عن حكم صادر عن عقل مستقل عن شروط إنتاجه.

أما الخطاب الشرعي، فعلى الرغم من طابعه المتعالي وكونه يتخذ صورة أحكام منزَّلة من خارج السيرورة التاريخية، فإنّه يبدو من حيث البنية والنتيجة مندمجاً في هذه السيرورة نفسها؛ إذ يُفهم بوصفه امتداداً لسلسلة من الرسالات والشرائع التي تراكمت عبر زمن ممتد من التفاعل والتداول، بما يتيح تشكّل المعايير الأخلاقية داخل شبكة من العلاقات والخبرات الإنسانية، ويمنحها دلالاتها عبر هذا الامتداد التاريخي المتصل، وبذلك يكتسب الخطاب الشرعي قدرة على تنظيم المجال المعياري للعقل الأخلاقي وإضفاء صيغته المستقرة داخل النسق الإنساني، بما يضبط تداول القيم الأخلاقية في إطار متماسك.

لقد نجح ابن طفيل في تصوير صعود العقل إلى أعلى مراتب التجريد، لكنّه فعل ذلك عبر افتراض واقع يستحيل تحققه: فكر بلا لغة، وعقل بلا مجتمع، وتجريد بلا شبكة ثقافية سابقة عليه! وبذلك تحوَّلت القصة، من حيث لم يرد، من برهان على استقلال العقل إلى شاهد على استحالة هذا الاستقلال.

إنَّ «حي بن يقظان» ممكن سرديّاً وتخيليّاً، لكنَّه مستحيل أنطولوجيّاً وتكوينيّاً.

* باحث سوري


كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية
TT

كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب جديد بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود. ويتناول بإيجاز ستة مستويات رئيسية في تحليل اللغة: علم الأصوات، وعلم الفونولوجيا، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم الدلالة والتداولية. ويعرض المؤلف مفاهيم ونظريات وأمثلة تطبيقية محددة من اللغة الكردية ومن اللغة الإنجليزية، ويشرح مكوناتها من الصوت إلى المعنى، ويعتمد على مراجع إنجليزية أساسية. ويهدف الكتاب إلى تعريف الطلاب والباحثين بأسس علم اللغة، وأن يكون مرجعاً علمياً لدراسة اللغة الكردية.

ورغم صعوبة الخوض في مجال اللغويات بسبب وجود كمية كبيرة من المصطلحات اللسانية التي تغطي المستويات الست، والتي تتطلب تقديم مصطلح كردي بصفته مقابلاً وبديلاً وصادقاً مع المفهوم والتعريف اللساني، إلا أن إلمام الكاتب باللهجتين الكرمانجية والسورانية وخبرته الطويلة في الكتابة بالكردية ساعداه في التغلب على الصعوبات الاصطلاحية. ومن الطبيعي القول إنه قد بذل جهوداً حثيثة ومضنية في سد الفجوة المصطلحية.

ويعتمد الكتاب التحليل اللغوي إطاراً هرمياً، فيُقسمه إلى وحدات أصغر مترابطة. بدءاً من أصغر الأصوات الفيزيائية وصولاً إلى المحادثات الاجتماعية الأوسع، تشمل مستويات التحليل الرئيسية:

المستوى الأول: علم الصوتيات أو الفونوتيك والفونولوجيا، وهما فرعان رئيسيان من فروع علم اللغة، يُعنى كل منهما بدراسة أصوات الكلام البشري. ورغم ترابطهما الوثيق، فإنهما يحللان الأصوات من منظورين مختلفين: المنظور الفيزيائي والمنظور الإدراكي. فالفونتيك يتناول الخصائص الفيزيائية الفعلية لأصوات الكلام، ويهتم بكيفية إنتاج الأصوات ونقلها وإدراكها، بغض النظر عما إذا كانت تُشكّل لغةً مُحددة أم لا. وينقسم إلى ثلاثة فروع رئيسية: علم الصوتيات النطقي: دراسة كيفية إنتاج الجهاز الصوتي (الشفتان واللسان والحلق والأحبال الصوتية) لأصوات الكلام، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة الخصائص الفيزيائية للموجات الصوتية أثناء انتقالها عبر الهواء، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة كيفية استقبال الأذن البشرية والدماغ لهذه الموجات الصوتية ومعالجتها.

أما المستوى الثاني، فيركز على التنظيم الذهني المجرَّد للأصوات داخل لغة مُحددة أو عبر لغات مُختلفة. ويدرس كيفية عمل الأصوات كنظام لنقل المعنى، وتكوين الكلمات، والتحكم في قواعد النطق.

ويتناول المستوى الثالث الصرف (المورفولوجيا) وهو دراسة كيفية تشكيل الكلمات معجمياً، وكيفية ارتباطها ببعضها بعضاً داخل اللغة نحوياً. تبحث معظم مناهج علم الصرف في بنية الكلمات من حيث المورفيمات، وهي أصغر الوحدات في اللغة ذات معنى مستقل أو وظيفة نحوية. تتضمن المورفيمات جذوراً يمكن أن توجد ككلمات بحد ذاتها، ولكنها تتضمن أيضاً فئات، مثل اللواحق التي يمكن أن تظهر فقط كجزء من كلمة أكبر. يحلل علم الصرف أيضاً كيفية تصرف الكلمات كأجزاء من الكلام، وكيف يمكن تصريفها للتعبير عن الفئات النحوية، مثل العدد والزمن والجانب. يتعلق علم الصرف أيضاً بالإنتاجية، أو كيفية إنشاء المتحدثين للكلمات في سياقات محددة.

أما المستوى الرابع، فهو «السينتاكس»، أو النحو، وهو مجموعة القواعد التي تحكم كيفية ترتيب الكلمات والعبارات لتكوين جمل سليمة وذات معنى في اللغة. وهو يحدد ترتيب الكلمات، وبنية الجملة، والعلاقات بين أجزاء الكلام المختلفة. وغير ذلك من فصول الكتاب.


كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.