علي عبيد الهاملي: لا معنى للحياة أو الكتابة بلا شغف

الكاتب والإعلامي الإماراتي يكتب جزءاً من سيرته الإعلامية والثقافية

علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
TT

علي عبيد الهاملي: لا معنى للحياة أو الكتابة بلا شغف

علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد

«وَمَا زَالَ الشَّغَفُ...» بهذه الكلمات، يبدأ الكاتب والإعلامي علي عبيد الهاملي كتابه الجديد الذي وثق فيه مسيرته بين الإعلام والثقافة، هو الذي شهد مراحل تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان مشاركاً في نسج حكايتها وشغفها الذي تُرجِم إنجازاً ونهضة. هنا حوار معه عن الكتاب، ونتاجه الثقافي:

> تصف كتابك بأنه محطةٌ من المحطات حياة عشتها، هل تجد بعد هذه السنوات الطويلة أن الشغف بعالمي الإعلام والأدب ما زال ينبض في داخلك رغم ظهور التقنيات التكنولوجية الباردة في عالمنا؟

- عنوان كتابي هو «وما زال الشغف.. حياة بين الإعلام والثقافة»، وهذا يعني أن عنوان حياتي كلها هو الشغف المستمر بهذا العالم الساحر الذي دخلته وأنا طالب على مقاعد الدراسة. أتطلع إلى استكشاف أسرار الحياة التي حولي، وهي حياة تزخر بالكثير والكثير من الأشياء التي كان يمكن أن تجذبني إليها، مثل عالم المال والأعمال والاقتصاد على سبيل المثال، خصوصاً وأنني وُلِدت وعشت مراحل طفولتي الأولى ونشأت في دبي، ودبي كما هو معروف للقاصي والداني هي مدينة المال والأعمال والاقتصاد الأولى على هذا الساحل. لقد انجذبت بدايةً إلى مجلة «أخبار دبي» التي صدر عددها الأول في منتصف الستينات من القرن الماضي في إمارة دبي. يتضح هذا في العبارة التي ختمت بها كتابي: «وما زال الشغف... فلا معنى للحياة إذا غاب عنها الشغف».

> اندرج صدور كتابك ضمن سلسلة تجارب السيرة، فهل هذا الكتاب هو عن سيرتك الذاتية بالفعل؟

- هو جزء من سيرتي الذاتية وليس كلها. فهو يرصد عدداً من محطات حياتي بين الإعلام والثقافة، ليس كل المحطات، ولكن أهم المحطات التي لها علاقة بمسيرة الإعلام والثقافة في بلدي. لا أدعي أنني شملت كل المحطات، لكن أهمها. فهناك محطات من الصعب الحديث عنها لأسباب عديدة، وهناك مواقف وأحداث، كنت شاهداً عليها، لم أستطع إيرادها لحساسيتها التي تجعل الحديث عنها صعباً وشائكاً، وهناك محطات وأحداث ومواقف تركت الحديث عنها لوقت آخر. ربما يأتي هذا الوقت وربما لا يأتي لأسباب تتعلق بمجريات الأمور ورحلة العمر الذي لا نملك التحكم فيها. من يعلم؟

أنا محظوظ لأنني من الجيل الذي وُلَد قبل قيام دولة الاتحاد بعقد ونيّف تقريباً. جيل تفتح وعيه في مرحلة الإرهاصات التي سبقت إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. ففي هذه المرحلة كان تفتح الوعي لديّ، وخلالها تكونت شخصيتي. لذلك فإن كل ما أتى بعدها في رحلة حياتي كان انعكاساً لتلك الظروف التي نشأت فيها، وهي ظروف انطبعت تفاصيلها في الذاكرة لتتشكل منها مرجعياتي وأفكاري وقيمي وممارساتي، فالمقارنة بين ما قبل الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1971 وما بعده مهمة، لأن هذا التاريخ رسم خطاً فاصلاً بين الحلم والحقيقة. وقد كان الحلم كبيراً جداً، وكانت الحقيقة بحجم الحلم وروعته وجماله. هذا هو ما حاولت أن أسجله في كتابي، وأتمنى أن أكون قد وُفّقت إلى ذلك.

> لاحظت عند قراءة كتابك أنه عبارة عن مزيج من الإعلام وروحية الأدب، كقولك في بداية الكتاب إن طفلاً يُولد على ساحل البحر هو طفل عاشق للخيال دون شك، وأنت الذي كتبت قصصاً قصيرة، ولك إصدار في هذا الحقل، فهل تؤمن بأن لا انفصال بين الإعلام والأدب أثناء الكتابة؟

- هناك انفصال بالطبع، فليس كل إعلامي أديباً، ولا كل أديب إعلامي. قليلون هم الذين جمعوا بين الإعلام والأدب في حياتهم. عن نفسي، أنا أحببت الأدب وانبهرت بالإعلام منذ بداية تفتح الوعي لدي، فكان هذا المزيج الذي تكونت منه شخصيتي. الإعلام بطبيعة الحال يتعامل مع الواقع، والواقع هو نقيض الخيال، كما يقال، والأدب يتعامل مع الخيال، والخيال هو هروب من الواقع كما يقال. ومن هذا المزيج، وليس الصراع، حاولت أن أسير قريباً من الإعلام غير بعيد عن الأدب. حتى عندما أكتب في السياسة كنت لا أبتعد عن الأدب. وهنا تحضرني كلمة الصديق العزيز الأستاذ محمد الخولي، عليه رحمة الله: «أنت تؤدب السياسة». لا أعرف إلى أي مدى كلامه كان صحيحاً، لكنني أعترف بعدم استطاعتي الابتعاد عن الأدب وأنا أكتب في أي موضوع.

> ما مقدار الخيال وما مقدار الواقع في كتابك «وما زال الشغف: حياة بين الإعلام والثقافة»؟

- أعتقد أن كل من قرأ الكتاب، أو سيقرؤه، سيدرك مقدار الخيال ومقدار الواقع فيه. الخيال يظهر في حجم الطموح الذي كنا نسعى إلى تحقيقه في بلد يحاول أن يلحق بركب التعليم والنهضة والحضارة الذي سبقنا إليه إخوة وأشقاء، بعضهم في منطقتنا وبعضهم الآخر في الوطن العربي الكبير الذي ننتمي إليه، وفي العالم البعيد الذي يبدو لنا اللحاق به ضرباً من المستحيل. لكن من يرى ما تحقق على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة خلال نصف قرن من الزمان، يدرك أن المعجزة يمكن أن تتحقق في عصرنا هذا.

> في الكتاب استذكار للصحف والمجلات التي عملت بها، وكذلك الانتقال إلى الصحافة، فهل أثّر عملك في ميدانين مختلفين؛ الصحافة الورقية والتلفزيون المرئي في كتابتك؟

- من يقرأ الكتاب يجد أن شغفي بدأ بالصحافة الورقية، حيث بدأت الكتابة عام 1971 وأنا في سن مبكرة جداً، وأنا طالب على مقاعد الدراسة، وبعد ثلاث سنوات انتقلت إلى عالم التلفزيون فعملت مذيعاً في تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي عام 1974م، دون أن أترك الكتابة تماماً، بل كانت تجربتي الكتابية تنضج فأواصل الكتابة في أكثر من جريدة من الجرائد التي كانت تصدر في دبي وقتها، حيث ساهمت في إصدار مجلة «الأهلي» عام 1972م، وكتبت فيها، كما كتبت في مجلة «المجمع» عام 1974م وأنا أعمل في التلفزيون. ثم ذهبت لدراسة الإعلام في مصر وتخصصت في مجال الإذاعة والتلفزيوني لأعود من هناك للعمل في تلفزيون الإمارات العربية من أبوظبي. وبعد 18 عاماً من العمل في التلفزيون عدتُ مرة أخرى إلى العمل في الصحافة.

> ما هو تأثير مصر في مسيرتك؟ نعلم أنت التقيت الرئيس المصري الراحل حسني مبارك... ما مدى تأثير ذلك اللقاء في تبلور عملك الإعلامي؟

- درست في مصر خلال الأعوام من 1975 إلى 1979م. وهي مرحلة مهمة، ليس في تاريخ مصر وحدها، بل في تاريخ الأمة العربية كلها، إذ شهدت زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للقدس، وتوقيعه بعد ذلك لاتفاقيات السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد. أما اللقاء الذي أجريته مع الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك فكان تجربة مفيدة ومحطة من محطات عملي الإعلامي التي أعتز بها، وقد تحدثت عنه بالتفصيل في الكتاب.

> نعيش مع كتابك جميع المراحل التي مرّت بالإمارات من أحداث سياسية وثقافية، كنتَ فيها شاهداً على تاريخها، خصوصاً في عهد الشيخ زايد، حكيم العرب. ما هي الصورة التي يمكن أن تنقلها لنا عن هذا القائد باني الإمارات؟

- عملت في تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من أبوظبي خلال الأعوام من 1980 وحتى نهاية عام 1997م. وهي سنوات سميتها «سنوات الألق»، وأفردت لها صفحات في الكتاب. كانت قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة في الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تولي الإعلام، وعلى وجه الخصوص التلفزيون، اهتماماً خاصاً، فقد كان يتابع كل ما يعرض على الشاشة، ويبدي ملحوظاته، ويوجه المسؤولين للتركيز على القضايا التي تهم الوطن في تلك المرحلة، ويهتم بالتراث كثيراً. وغطيت هذه الزيارات والمؤتمرات ونقلتها للمشاهدين في الإمارات بصوتي، ولمست عن قرب حكمة هذا القائد العربي الملهم، فهو «حكيم العرب» بحق.

> في الجزء الثاني من الكتاب، تخوض في عالم الثقافة وخاصة إسهاماتك في ندوة الثقافة والعلوم ومجلس دبي الثقافي، وغيرها من المؤسسات والمهرجانات الثقافية والمجلات، هل كان ذلك يعبّر عن شغفك الحقيقي؟

- عندما بدأت تأليف كتابي اخترت له عنواناً «وما زال الشغف... سيرة إعلامية». وكلما أوغلت في الكتابة عن السيرة الإعلامية كنت أشعر أن هناك خطّاً آخر موازياً يدعوني للكتابة عنه، فأنا دخلت الإعلام من باب الثقافة عندما استضافوني في تلفزيون دبي الأبيض والأسود عام 1974 للتحدث عن واقع القصة القصيرة في الإمارات، لأن بدايتي كانت بكتابة القصة القصيرة، التي أتاحت لي مجالاً للتواصل مع أسرة تحرير مجلة «أخبار دبي» التي نشرت فيها قصصي الأولى.

> عملت مع ثلاثة وزراء، ما الذي أضافته لك هذه التجربة؟

- عملت مع ثلاثة وزراء إعلام هم حسب الترتيب الزمني الشيخ أحمد بن حامد، أول وزير إعلام وثقافة في الإمارات بعد قيام الدولة، ومعالي خلفان بن محمد الرومي، ثاني وزير إعلام وثقافة، ومع الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، ثالث وزير إعلام وثقافة في دولة الإمارات، قبل انتقاله إلى وزارة الخارجية، وهو يشغل الآن منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة. ساهموا جميعاً في نهضة الإعلام الإماراتي ووضعه على قمة الإعلام العربي الفاعل والمتطور.

> لا يُخفى توجهك الأدبي، هل ثمة إصدار أدبي مجموعة قصصية أو رواية تعد بها القارئ؟

- أعمل الآن على تجهيز ديوان شعري، هو الأول الذي أتمنى أن أنتهي منه وأدفع به إلى المطبعة قريباً. كما أن لدي مشاريع كتب مؤجلة حالت ظروف العمل دون إنجازها.


مقالات ذات صلة

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

ثقافة وفنون مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية…

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.