ثقل التاريخ في «قمة ألاسكا»

ترمب وبوتين وقفا لالتقاط صورة خلال قمتهما في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
ترمب وبوتين وقفا لالتقاط صورة خلال قمتهما في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
TT

ثقل التاريخ في «قمة ألاسكا»

ترمب وبوتين وقفا لالتقاط صورة خلال قمتهما في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
ترمب وبوتين وقفا لالتقاط صورة خلال قمتهما في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

لا يمكن للأمل أن يُشكّل استراتيجيّة فاعلة. فالاستراتيجيّة تتطلّب وقائع ملموسة، ووسائل ضغط قادرة على تغيير سلوك الآخر.

عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أرض كانت ملك الإمبراطورية الروسيّة، وتمنّى لو كان باستطاعته استردادها. استقبله نظيره الأميركي دونالد ترمب على الأرض الأميركيّة، الأمر الذي عكس وزن الولايات المتحدة مقابل روسيا. لكن استقبال بوتين على أرض أميركيّة بعد العزلة الدولية التي فرضها العم سام عليه بعد الحرب على أوكرانيا، يعد إنجازاً للرئيس بوتين. وبالنتيجة، تكلّم الرئيس ترمب بلطف، لكنه لم يحمل العصا الغليظة، تيمناً بنصيحة الرئيس الأميركي الراحل تيودور روزفلت، التي تقول: «تكلم بلطف، لكن احمل عصا غليظة».

لماذا يحق للرئيس ترمب السعي للسيطرة على غرينلاند، عبر شرائها، أو عبر استعمال القوّة العسكريّة؟ ولماذا يحق للرئيس ترمب أن يضم كندا، بعد فشل محاولة الثورة الأميركية بضم كيبيك بالقوة العسكريّة عام 1775؟ ولا يحق للرئيس بوتين استعادة أهم أضلع المثلث الروسي التاريخيّ، الذي يرتكز على كلٍّ من: روسيا الكبرى، وروسيا الصغرى والمقصود بها أوكرانيا، إضافةً إلى روسيا البيضاء (بيلاروسيا)؟ عندما يُحكى عن تبادلٍ (Swap) للأراضي مع أوكرانيا. فهل المقصود هو تبادل أراضٍ محتلة من أوكرانيا مع أوكرانيا وعلى حساب أوكرانيا؟ بالطبع هذا ما يقصده بوتين. فهو يعدّ نفسه قيصر روسيا للقرن الـ21. فكيف يتخلّى عن أرض ضمّها قياصرة قبله؟

توجه بوتين إلى ألاسكا، وهو لغز سعى ترمب لفك عُقَده. ألم يقل ترمب إنه يريد معرفة ماذا يريد بوتين؟ جاء بوتين لمقابلة رئيس شفاف في أهدافه، يختصر في شخصه كل السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية. فهو وحده وبتفرّد، يدير هذه السياسة علناً وعلى وسائل التواصل الاجتماعي يوميّاً، متجاوزاً بذلك كل البيروقراطية المعنية، ضمناً وزير الخارجيّة. في هذا اللقاء، كان هناك رئيس مستعجل، يرى أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال في مرحلة الأحاديّة، متجاهلاً أن أميركا أصبحت في مرتبة «الأولى بين متساوين». في المقابل، بوتين القادم من خلفية استخباراتيّة، كان قد عايش فيها الحرب الباردة، كمرحلة سقوط الاتحاد السوفياتي، واضعاً نصب عينيه استرداد موقع روسيا الكوني. ألم يقل بوتين إن سقوط الاتحاد السوفياتي هو أكبر كارثة جيوسياسيّة في القرن العشرين؟ يعرف بوتين ضمناً أن روسيا ليست لاعباً جيوسياسياً كونياً في وضعها الحالي. لكنه يعي تماماً أنه اللاعب «المُعطّل»، (Disruptor) وبامتياز.

توجه بوتين إلى ألاسكا وفي جعبته 25 سنة من الحكم المُستدام، ومع ثبات جيوسياسيّ-استراتيجي، ينقضّ على الفرص الاستراتيجية للاستفادة منها وتحسين وضع روسيا -سوريا مثلاً. عايش بوتين عدّة رؤساء أميركيين. قابل الرئيس بوش الابن 28 مرّة. وفي إحدى المرّات قال بوش عن بوتين: «نظرت في عينَي هذا الرجل ورأيت أنه رجل مستقيم ويستحق منَّا أن نصدقه... وكنت قادراً على الشعور بروحه. جلب هذا الرجل الأفضل لبلده».

كذلك، قابل أوباما 9 مرات، وقابل ترمب 6 مرّات. يقول السيناتور الأميركي الراحل جون ماكين عن روسيا، إنها أخطر من تنظيم «داعش»، وإنها محطة وقود، لكن مع سلاح نوويّ. في المقابل، وصف الرئيس السابق أوباما الرئيس بوتين بأنه يشبه حاكم مقاطعة صارم في شيكاغو، لكن مع سلاح نووي وحق الفيتو في مجلس الأمن. كما صنّف أوباما روسيا على أنها قوّة إقليميّة. خرج ترمب من القمة بخفَّي حُنين، لتعود مجدداً الديناميكية العسكريّة إلى المسرح الأوكراني بالتحديد، والأوروبي بشكل عام. فكيف تستعدّ أوروبا عسكريّاً؟

مهما كانت نتيجة القمّة، ترى أوروبا نفسها المُستهدفة من الاستراتيجيّة الروسيّة، وذلك بسبب القرب الجغرافيّ، خصوصاً بعد عسكرة الاقتصاد الروسي بالكامل لصالح الحرب. وفي هذا الإطار، من الضروري أن تستعد أوروبا عسكرياً، إن كان من ضمن حلف الناتو، أو ضمن الاتحاد الأوروبيّ. وعليه، رصدت مجلّة «الفاينانشال تايمز» التحوّل في الصناعات العسكريّة الأوروبيّة، وكانت النتيجة على الشكل التالي: توسّعت مساحة معامل الصناعات العسكريّة لتصل إلى 7 ملايين كلم2، الأمر الذي يعني تجسّد القرار السياسيّ الأوروبيّ ضمن قانون دعم إنتاج الذخيرة (ASAP)، الذي خُصّص له مبلغ 500 مليار يورو، لمواجهة روسيا في أوكرانيا عملياً على أرض الواقع. يعكس هذا الأمر قرار التصنيع بكثرة (Mass)، وبسرعة، خاصة للصواريخ وقذائف المدفعيّة، خصوصاً الـ155 ملم، كما لقذائف الدبابات من عيار 120 ملم. في تقارير أخرى، رأت أوروبا أن خط الاحتواء (Containment) الذي كان قائماً خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، قد انتقل شرقاً حتى الحدود المشتركة بين أوروبا الشرقية وروسيا. يبدأ هذا الخط من إستونيا حتى اليونان، مروراً بكلٍّ من لاتفيا، وليتوانيا، وبولندا، وهنغاريا، ورومانيا المُطلّة على البحر الأسود، وبلغاريا. وعليه، بدأ التحضير للسيناريو السيّئ مع روسيا، خصوصاً بعد أن بيّنت المناورات العسكريّة الأخيرة لحلف الناتو عدم جهوزيّة البنى التحتيّة لأغلب الدول؛ من جسور وطرقات لتأمين الحركيّة والمناورة (Mobility) خصوصاً للآليات الثقيلة، كالدبابات مثلاً. هذا بالطبع مع عدم إغفال موضوع اللوجيستيّة، وأهميّة القتال المشترك بين هذه الدول (Interoperability).



المال السياسي يفشل في وقف المدّ الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

المال السياسي يفشل في وقف المدّ الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)

رغم إنفاق ملايين الدولارات في انتخابات التجديد النصفي الأميركية للتأثير في خيارات الناخبين، لم تحقق هذه المبالغ الأثر المرجو منها، ولم تحقق النتيجة المتوخاة منها، بل إن الهزيمة السياسية التي مُني بها الجمهوريون في الكونغرس شكلت أيضاً انتكاسة للملياردير إيلون ماسك، أكبر ممولي حملاتهم.

وانتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، الثلاثاء، محققين انتصارات في سباقات انتخابية ضخت فيها المجموعات المحافظة أموالاً تفوق بكثير ما أنفقه منافسوها الليبراليون.

وكتب مؤسس موقع «ريس تو ذا وايت هاوس» المتخصص في التوقعات الانتخابية، لوغان فيليبس، على منصة «إكس»: «قد تكون هذه أكبر هزيمة للمال السياسي في تاريخ الولايات المتحدة»، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

أمّا ماسك فعلّق ساخراً على «إكس»، قائلاً: «يبدو أن أشعة الليزر الفضائية التي استخدمتها للتدخل في الانتخابات لم تنجح هذه المرة».

ووفق منظمة «أوبن سيكريتس» المتخصصة في تمويل الحملات الانتخابية، ضخّ ماسك نحو نصف مليار دولار دعماً للجمهوريين، ليصبح أكبر مساهم فردي في دورة انتخابية منذ عام 2010.

وكانت المحكمة العليا الأميركية قضت في ذلك العام بعدم جواز تقييد الإنفاق السياسي للشركات والنقابات وغيرها من الكيانات المستقلة، ما فتح الباب أمام ضخّ أموال طائلة في الحملات الانتخابية، من دون الإفصاح عن مصدرها أحياناً.

«عمالقة» في مواجهة «عمالقة»

أنفق ماسك أكثر من 200 مليون دولار دعماً لكين باكستون، المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ في تكساس، الذي هزم أمام جيمس تالاريكو، ليصبح هذا الأخير أول ديمقراطي يفوز بمنصب على مستوى الولاية في تكساس منذ عام 1994.

وقال تالاريكو: «في هذا السباق، واجهنا عمالقتنا: أغنى رجل في العالم، وأقوى رجل في العالم، والمنظومة السياسية بأكملها في واشنطن».

كذلك، هاجم أصحاب المليارات «الذين يملكون خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات الأخبار التلفزيونية، والسياسيين»، والذين «يريدون لنا أن نبقى في حالة اقتتال دائم».

في أوهايو، تمكن الديمقراطي شيرود براون من إلحاق الهزيمة بالجمهوري جون هوستد في ثاني أغلى سباق انتخابي في البلاد، بعدما تجاوز حجم الإنفاق فيه 500 مليون دولار.

وفي جورجيا، فازت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز بمنصب حاكمة الولاية على حساب رجل الأعمال الملياردير في قطاع الرعاية الصحية ريك جاكسون، الذي أنفق أكثر من 200 مليون دولار من ثروته الشخصية على حملته، حسب صحيفة «أتلانتا جورنال-كونستيتيوشن».

وخسر الملياردير فيفيك راماسوامي سباق حاكم ولاية أوهايو أمام الديمقراطية آيمي أكتون، رغم إنفاقه نحو 36 مليون دولار من أمواله الخاصة.

ولم تحقّق الأموال الآتية من قطاع الذكاء الاصطناعي النتائج المرجوة أيضاً.

ففي كارولاينا الجنوبية، أنفقت منظمة «أميركان ميشن»، الذراع الجمهورية لشبكة «ليدينغ ذا فيوتشر» المدعومة من رئيس شركة «أوبن إيه آي» غريغ بروكمان وشركة «أندريسن هورويتز» الاستثمارية، نحو 2,7 مليون دولار دعماً للمرشحة دارلين غراهام، التي هزمت أمام الديمقراطية آني أندروز في ولاية فاز فيها ترمب بفارق 18 نقطة مئوية.

«لا يمكن أن يستسلموا»

في المقابل، حظي الديمقراطيون أيضاً بدعم من أصحاب المليارات. فقد أنفق رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبرغ 80 مليون دولار على انتخابات مجلسَي النواب والشيوخ وحكام الولايات، ثم أضاف 36 مليوناً أخرى في الأيام الأخيرة من الحملة، حسب موقع بوليتيكو.

وقال مستشاره السياسي هوارد وولفسون لشبكة «سي إن إن»: «المال ليس العامل الحاسم، لكنه يساعد»، مشيراً إلى أفضلية الجمهوريين في هذا الجانب.

من جهته، دعا ريد هوفمان، الشريك المؤسس لـ«لينكد إن»، الذي أسهم بـ11,5 مليون دولار للجنة السياسية الداعمة لتالاريكو، إلى إبعاد المال عن السياسة.

وكتب على منصة «إكس»: «في وقت ينفق فيه أشخاص مثل إيلون مبالغ طائلة للإبقاء على مهرّجين سلطويين في السلطة، لا يمكن أولئك الذين يؤمنون بالمثل الأميركية أن يستسلموا».

وفي كاليفورنيا، بدا أن مقترح فرض ضريبة استثنائية بنسبة خمسة في المائة على ثروات أصحاب المليارات في الولاية فشل، بعدما أنفق عدد من أثريائها مئات الملايين من الدولارات لإسقاطه.


بعد نجاح الديمقراطيين... ترمب يواجه «خيارات سيئة» بشأن إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
TT

بعد نجاح الديمقراطيين... ترمب يواجه «خيارات سيئة» بشأن إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)

أقر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحرب مع إيران كلفت الجمهوريين ثمناً باهظاً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية. والآن، يتعين عليه أن يقرر ما إذا كان سيضع حداً لخسائره ويسعى للتوصل إلى اتفاق، أم سيواصل التصعيد ويعود إلى القصف ومواجهة إيران.

وانتزع الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي، في هزيمة قاسية للجمهوريين من شأنها أن تضع عراقيل شتى أمام ترمب في آخر سنتين من ولايته الرئاسية.

وتمكّن الديمقراطيون من إحكام سيطرتهم على مجلسَي الشيوخ والنواب، بعدما أدار الناخبون في عدد من المعاقل المحافظة ظهورهم للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترمب. ووصل هذا التحول إلى ولاية تكساس، التي تحولت إلى اللون الأزرق، رمز الحزب الديمقراطي، بعد عقود من الهيمنة الجمهورية.

وكان ترمب قد صرح، على مدى أسابيع، بأنه سينهي الحرب مع إيران بطريقة أو بأخرى بعد الانتخابات. وفي هذا السياق، قال أحد مستشاريه السابقين لموقع «أكسيوس»: «خسارة انتخابات التجديد النصفي شيء، لكن ترمب لا يريد أن يبدو خاسراً مرتين». وقد ترك هذا حتى أقرب مساعديه في حالة من عدم اليقين بشأن خطوته المقبلة.

فلماذا يعد هذا مهماً؟ كل الخيارات المتاحة أمام ترمب تنطوي على إشكاليات، وفقاً لما ذكره تقرير لموقع «أكسيوس» الإخباري.

الخيار الأول

هو توجيه ضربات عسكرية؛ لكن العودة إلى الحرب ستكون خطوة غير شعبية على الإطلاق، إذ ستؤدي إلى بقاء أسعار الوقود مرتفعة، ومن المرجح ألا تحقق نتائج عسكرية أفضل.

الخيار الثاني

هو التفاوض؛ لكن إذا رفض المسؤولون الإيرانيون تقديم تنازلات -أو إذا استشعروا ضعفاً لدى الإدارة الأميركية عقب الهزيمة السياسية للرئيس وقرروا رفع سقف مطالبهم- فسيواجه ترمب صعوبة بالغة في التوصل إلى اتفاق.

الخيار الثالث

هو «خنق» النظام الإيراني، كما يصفه مساعدو ترمب؛ ويعني ذلك الإبقاء على الوضع الراهن -أي استمرار الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية القاسية التي تترك النظام الإيراني «يتآكل» من الداخل- مع الاستمرار في اختبار مدى استعداده للتوصل إلى اتفاق. غير أن هذا المسار قد يستغرق أشهراً قبل أن تظهر أي مؤشرات على إحراز تقدم.

نقطة مثيرة للاهتمام

في تصريح لافت صباح الأربعاء، حمّل نائب الرئيس فانس الحربَ المسؤولية المباشرة عن الهزيمة القاسية التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، مما أضاف بُعداً سياسياً جديداً لحسابات ترمب.

وكتب فانس على منصة «إكس»: «السبب في خسارتنا هو الحرب. وقد أكد الرئيس نفسه ذلك الليلة الماضية. إذا كنتم ترغبون في المجادلة بأن الأمر كان يستحق العناء، وأن خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة كانت ثمناً مقبولاً، فافعلوا ذلك... لكن الجميع يدركون سبب خسارتنا، وأي نقاش صادق حول مسارنا المستقبلي يجب أن يبدأ من هذه النقطة». كما أشار فانس إلى أن علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل شكلت عبئاً كبيراً على الجمهوريين.

ومن جانبه، صرح ترمب للصحافيين أمس بأن تحليل فانس «صحيح إلى حد كبير»، نظراً لأن الحرب تسببت في ارتفاع أسعار الوقود. لكن ترمب قال إنه سيكرر ذلك إذا لزم الأمر، مضيفاً: «لم يكن أمامنا خيار. لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي».

ورداً على سؤال حول متى سينهي الحرب، أجاب ترمب: «في أي وقت أريد. لكن يجب أن يتم الأمر بشكل صحيح، لأنه لا يمكن السماح لهم بامتلاك سلاح نووي».

كواليس الأشهر الأخيرة

في الأشهر الأخيرة، قاد فانس تياراً داخل الدائرة المقربة من ترمب، حثه على التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب. وذكرت مصادر أن فانس اتهم -في أحاديث خاصة- رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه «مخطئ في كل شيء» فيما يتعلق بإيران.

وأشارت المصادر إلى أن فانس حذر من أن الحرب تحظى بمعارضة شعبية واسعة، وقد تكلف الجمهوريين خسارة الانتخابات.

ورغم أن معظم كبار المسؤولين المحيطين بترمب شاركوا فانس وجهة نظره، فإن ترمب ظل يميل نحو استئناف الحرب؛ بل إنه فكر في مرحلة ما بشن ضربات قبل انتخابات التجديد النصفي، وهو ما كان يضغط عليه نتنياهو للقيام به.

قرر ترمب الانتظار، لكنه -خلافاً لنصيحة كبار مستشاريه- أعلن دعمه لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت الأسبوع الماضي.

ماذا يحدث الأن؟

يقول مسؤولون أميركيون إن الجيش الأميركي يضع اللمسات الأخيرة على استعداداته لاحتمالية استئناف عمليات قتالية واسعة النطاق في إيران، بما في ذلك إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية إلى المنطقة.

وفي الوقت ذاته، يعمل الوسطاء على حشد دعم كل من الولايات المتحدة وإيران لمسودة اتفاق تهدف إلى منع العودة إلى القتال، وربما استئناف المحادثات المباشرة خلال الأيام المقبلة، وفقاً لمصادر إقليمية.

وكان الوسطاء قد سألوا مسؤولين في البيت الأبيض، قبل الانتخابات، عما سيفعله ترمب في حال خسارته، لكن مستشاري الرئيس لم يقدموا إجابة حاسمة، حسب مصدر مطلع لموقع «أكسيوس».

وقال مسؤول أميركي: «أبلغنا الجميع بأننا ننتظر أولاً لنرى كيف ستؤول نتائج الانتخابات بالنسبة إلينا».

«لا حرب ولا اتفاق»

واحتفى مسؤولون إيرانيون بهزيمة ترمب الانتخابية، معتبرين أنها دليل على أنهم ينتصرون في الحرب. كتب محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على منصة «إكس»: «لقد ألحق الشعب الإيراني بترمب هزيمة استراتيجية في ساحة المعركة وفي مضيق هرمز، وهزيمة سياسية في واشنطن. وفي الوقت ذاته، وجد الأميركيون أنفسهم مضطرين لتحمل تكاليف حربه».

ويرى دبلوماسيون مشاركون في جهود الوساطة، ومستشارون لترمب، وخبراء في شؤون الشرق الأوسط، أن تباهي إيران بانتصارها قد يدفع الرئيس الأميركي للعودة إلى خيار الحرب.

وفي تصريح لموقع «أكسيوس»، قال علي واعظ، مدير برنامج إيران في «مجموعة الأزمات الدولية»: «قد تقع طهران في خطأ فادح إذا عدّت الضعف السياسي لترمب ضعفاً عسكرياً، مما يدفعها للمبالغة في تقدير موقفها. في حين أن الخطوة الأكثر ذكاءً هي إبرام اتفاق بينما لا تزال واشنطن ترغب في ذلك». لكن في المقابل، قد يختار ترمب الإبقاء على الوضع الراهن القائم على معادلة «لا حرب ولا اتفاق».

إذ يضغط كل من مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) جون راتكليف، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ومستشارون آخرون، على ترمب لمواصلة الحصار البحري وحملة الضغوط الاقتصادية لفترة أطول، بهدف زيادة الخناق على إيران.

خلاصة القول: لا توجد طريقة سهلة أو مباشرة أمام ترمب «لإنجاز المهمة» في إيران.


الجمهوريون يطالبون ترمب بتغيير المسار بعد هزائم انتخابات التجديد النصفي

ترمب يتحدث للصحافيين يوم أمس خلال جولة في موقع بناء قاعة الرقص بالبيت الأبيض (ا.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين يوم أمس خلال جولة في موقع بناء قاعة الرقص بالبيت الأبيض (ا.ب)
TT

الجمهوريون يطالبون ترمب بتغيير المسار بعد هزائم انتخابات التجديد النصفي

ترمب يتحدث للصحافيين يوم أمس خلال جولة في موقع بناء قاعة الرقص بالبيت الأبيض (ا.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين يوم أمس خلال جولة في موقع بناء قاعة الرقص بالبيت الأبيض (ا.ب)

واجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ضغوطًا من الجمهوريين، أمس الأربعاء، لتغيير المسار بعد الهزائم الساحقة في انتخابات التجديد النصفي التي منحت الديمقراطيين السيطرة على الكونغرس، إلى جانب رفض الناخبين مرشحين اختارهم هو بنفسه لسباقات انتخابية حاسمة.

ومع دخول رئاسته عاميها الأخيرين، دعا حلفاء لترمب وخبراء استراتيجيون إلى إجراء تغييرات جذرية في طاقم البيت الأبيض، واستعادة الانضباط والتخلي عن السياسات التي حملوها المسؤولية عن هذه الخسائر، بما في ذلك حرب إيران والرسوم الجمركية.

ووصف الاستراتيجي الجمهوري المخضرم جون فيهيري النتائج بأنها «كارثة هائلة» حلت بترمب.

وقال فيهيري: «عليه أن يجري عملية تطهير شاملة. فمع كل يوم من الآن فصاعدًا، سيصبح وضعه أضعف وأضعف».

لكن ترمب لم يبدِ أي مؤشر يُذكر على أنه ينظر إلى نتيجة الانتخابات على أنها أمر يستدعي تغيير المسار.

وقال لـ«فوكس نيوز» في وقت متأخر من يوم الثلاثاء: «لا أعتبر ذلك ضربة موجهة إليّ».

وسيكون لدى الديمقراطيين الآن السلطة لعرقلة تشريعات ترمب، والتحقيق في أداء إدارته، والطعن في مرشحيه. ومن المتوقع أن يدفع ذلك ترمب، الذي يستخدم سلطته التنفيذية بالفعل بشكل مفرط، نحو الاعتماد بصورة أكبر على الإجراءات التي يمكنه اتخاذها بمفرده.

كما سيتعين عليه أن يقرر ما إذا كان سيواصل التركيز على أجندة يخشى بعض الجمهوريين من أن تكون قد أصبحت عبئًا سياسيًا، لا سيما بالنسبة للخلفاء المحتملين الذين يتطلعون إلى الترشح للبيت الأبيض في عام 2028.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب)

وبدا أن جيه دي فانس، نائب ترمب، والذي يُنظر إليه كوريث سياسي محتمل له، قد وضع بعض المسافة بينه وبين الرئيس أمس الأربعاء عندما حمّل حرب إيران المسؤولية عن خسائر انتخابات التجديد النصفي. وقال خبراء استراتيجيون ومسؤولون حزبيون إن مثل هذه المواقف قد تتكرر إذا خلص الجمهوريون إلى أن النفوذ الذي يتمتع به ترمب منذ فترة طويلة على ناخبي الحزب آخذ في الضعف.

استعدادات لتحقيقات وتغييرات في الموظفين داخل البيت الأبيض

وفقًا لمسؤول كبير تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن كبار المساعدين يتأهبون لمغادرة موظفين وإجراء تغييرات محتملة في الإدارة، إلى جانب تحقيقات من المتوقع أن يطالب بها الديمقراطيون.

وقال المسؤول: «المعنويات عند أدنى مستوياتها على الإطلاق».

وأوضح المسؤول أن استطلاعات رأي داخلية حذرت قبل ستة أسابيع من الانتخابات من أن الجمهوريين يتجهون لتكبد خسائر في مجلسي النواب والشيوخ، لكن ترمب رفض تغيير المسار تجاه إيران، على الرغم من التحذيرات بشأن العواقب السياسية.

وقال المسؤول: «في نهاية المطاف، لم يكترث للأمر على الإطلاق. ورفض الاستماع إلى أي شخص».

وأقر ترمب في وقت متأخر من يوم الثلاثاء بأن الحرب التي بدأت مع إيران قبل ثمانية أشهر أضرت بالمرشحين الجمهوريين، لكنه دافع عن قراره بشن الصراع.

وامتدت مخاوف الجمهوريين إلى ما هو أبعد من الحرب. وقال مستشار سياسي جمهوري إنه في المجموعات النقاشية التي عُقدت للتركيز على سباقات مجلس الشيوخ المتقاربة في مناطق مثل ميشيغان وأيوا، كان قلق المستشارين السياسيين الجمهوريين على الصعيد الوطني يتصاعد هذا الصيف، مع تعبير المزيد من الناخبين الجمهوريين والمستقلين عن معارضتهم لتركيز الرئيس على أمور مثل قاعة الرقص بالبيت الأبيض وأعمال التجديد في واشنطن.

وأضاف المستشار: «إذا أمضى ترمب العامين المقبلين يتحدث عن هذه التفاهات نفسها، فسنتعرض لهزيمة ساحقة مرة أخرى في الانتخابات المقبلة».

ووسط كل هذا، جمع ترمب الصحافيين أمس الأربعاء لزيارة موقع بناء قاعة الرقص، ودافع عن الوقت الذي كرسه لهذا المشروع.

وقال: «بالنسبة إليّ، هذا أمر يبعث على الارتياح».

كما تبنى البيت الأبيض نبرة اتسمت بالتحدي، ونشر صورة لترمب على وسائل التواصل الاجتماعي مصحوبة برسالة: «تنبيه للجميع: ترمب لا يزال رئيسكم».

ولا يزال ترمب يتمتع بسلطة كبيرة. وسبق أن ذكرت «رويترز» أن البيت الأبيض أمضى شهورًا في إعداد تدابير تنفيذية تتعلق بالهجرة والرسوم الجمركية والإسكان والإنفاق الاتحادي، بما يمكن أن يسمح له بالمضي قدمًا في جوانب من أجندته رغم أي معارضة ديمقراطية.

لكن السلطة التنفيذية لن تكون قادرة على حماية الإدارة من تحقيقات الكونغرس.