توسع الاشتباكات في الكونغو الديمقراطية... «عبء إضافي» يهدد مسار السلام

الجيش يواجه هجمات جماعة مسلحة تشكلت منذ أشهر إضافة لـ«حركة 23 مارس»

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

توسع الاشتباكات في الكونغو الديمقراطية... «عبء إضافي» يهدد مسار السلام

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

تتسع دائرة الاشتباكات بالكونغو الديمقراطية في ظل مواجهات بين جماعة مسلحة تشكلت منذ أشهر والجيش الكونغولي، لتضاف إلى مواجهات «حركة 23 مارس».

هذه الاشتباكات يراها محلل مختص في الشؤون الأفريقية «عبئاً إضافياً يُهدّد مسار السلام المتعثر حالياً، ويزداد معها مشهد التوصل إلى اتفاق نهائي في الكونغو الديمقراطية قتامةً مع كل هجوم جديد، خصوصاً مع بروز جماعات مسلحة إضافية إلى جانب (حركة 23 مارس)»، مستبعداً إمكانية إجراء مفاوضات مع جميع الحركات المسلحة وسط تباين مصالحها.

اشتباكات عنيفة

اندلعت اشتباكات «عنيفة» بين جيش الكونغو وجماعة «مؤتمر الثورة الشعبية» المسلحة، التي أسّسها «مجرم حرب» أدانته المحكمة الجنائية الدولية ويُدعى توماس لوبانغا. وأفاد جيش الكونغو بأن جماعة «مؤتمر الثورة الشعبية» حاولت تنفيذ هجمات عدة، وبأن جنوده قتلوا 12 من مقاتلي الجماعة في موقعين مختلفين، على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال بونيا؛ عاصمة إيتوري، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» الجمعة.

غير أن ديودونيه لوزا، وهو ناشط بالمجتمع المدني في بونيا، أفاد بأن 19 مدنياً لقوا حتفهم، منهم 13 امرأة مُسنّة و4 فتيات صغيرات، مؤكداً أن «ما يحدث في شمال بونيا وضع غير مقبول».

وفي عام 2012، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حكماً بإدانة توماس لوبانغا بتهمة «تجنيد أطفال»، وحكمت عليه بالسجن لمدة 14 عاماً، وأُطلق سراحه عام 2020، وعيّنه الرئيس فيليكس تشيسكيدي ضمن فريق عمل لإحلال السلام في إيتوري. لكن في عام 2022، اختُطف رهينةً لمدة شهرين على يد جماعة متمردة، وحمّل الحكومة المسؤولية عن ذلك، ثم استقرّ في أوغندا.

حركة متمرّدة جديدة

سبق أن قال توماس لوبانغا، وهو أصلاً من منطقة إيتوري، لـ«رويترز» في مارس (آذار) الماضي، إنه في طور تشكيل حركة متمردة جديدة تحمل اسم «مؤتمر الثورة الشعبية» بهدف إسقاط الحكومة الإقليمية؛ الأمر الذي أثار حينها تهديداً محتملاً آخر للأمن في شرق الكونغو، حيث استولى متمردو «حركة 23 مارس» المدعومة من رواندا على مساحات كبيرة من الأراضي.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الاشتباكات الجديدة التي يشهدها شرق الكونغو الديمقراطية «تكشف عن مشهد أمني متصدّع، حيث لم تعد (حركة 23 مارس) وحدها التحدي الأكبر أمام الدولة، بل برزت جماعات مسلحة ناشئة تفتح جبهات موازية تزيد من تعقيد الأزمة».

وهذا التطور «لا يضعف فقط قدرة الجيش الكونغولي على تثبيت الاستقرار، بل يفاقم الضغوط على المسار السياسي والدبلوماسي الرامي إلى تحقيق السلام»، وفق عيسى، مشيراً إلى أنه «في ظلّ هذا التوسع بدوائر العنف، يبدو أن مسار التفاوض قد يواجه عراقيل إضافية، وقد يضع مسار السلام أمام اختبار صعب، إذ تُصبح أي تسوية جزئية غير كافية أمام تعدّد الفاعلين المُسلّحين وتداخل مصالحهم».

خرق اتفاق السلام

تأتي هذه الهجمات بعد 4 أيام من اتّهام جيش الكونغو، في بيان، متمردي «حركة 23 مارس»، المدعومين من رواندا، بشنّ هجمات متعددة في شرق البلاد، وقال إنها تنتهك الاتفاقات الموقعة في واشنطن والدوحة، وحذّر بأنه يحتفظ بحق الرد على الاستفزازات.

وجاء بيان الجيش بعد يوم واحد من اتهام «23 مارس» القواتِ الكونغوليةَ بحشد مزيد من القوات، وانتهاك بنود «إعلان المبادئ» الموقّع يوم 19 يوليو (تموز) الماضي في الدوحة، الذي دعم وقفاً دائماً لإطلاق النار.

وفي «إعلان المبادئ»، تعهّدت الكونغو و«حركة 23 مارس» ببدء المحادثات بحلول 8 أغسطس (آب) الحالي؛ بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي في موعد غايته 18 من الشهر ذاته.

عناصر من «حركة 23 مارس» بملعب «الوحدة» في غوما شرق الكونغو (رويترز)

وتُعدّ هجمات شهر أغسطس من قبل «حركة 23 مارس» امتداداً لأخرى سابقة وقعت خلال يوليو الماضي، وتأتي في ظلّ محادثات سلام تُجرى بين الدوحة وواشنطن.

وندّد مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في مؤتمر قبل نحو أسبوع، بهجماتٍ اتّهم «حركةَ 23 مارس»، المدعومةَ من رواندا، بشنِّها خلال يوليو الماضي، ووصفها بأنها «مروّعة»، لافتاً إلى أنها أوقعت 319 قتيلاً، على الأقل، في صفوف المدنيين بشرق الكونغو.

وفي ظلّ التّوسّع المُسلّح وتأثيراته، يأتي السؤال: هل بمقدور الكونغو دعوة كل الحركات المسلحة إلى طاولة المفاوضات؟ وفق المحلل السياسي التشادي؛ «تبدو من الناحية النظرية خطوة منطقية لإنهاء العنف، لكنها عمليّاً محفوفة بالصعوبات». وأوضح أن «المشهد الميداني معقّد، حيث تتعدد الجماعات المسلحة، وتتنوّع دوافعها بين مطالب سياسية، وإثنية، واقتصادية، وحتى مصالح إقليمية مرتبطة بدول الجوار»، مؤكداً أن «هذا التداخل يجعل من الصعب جمعها تحت سقف واحد، أو الوصول إلى اتفاق جامع يُلبّي تطلّعات الجميع».

إلى جانب ذلك، فإن بعض الجماعات المسلحة «ترى في السلاح وسيلة لتعزيز نفوذها على الأرض أكثرَ منه ورقة ضغط للتفاوض؛ مما يقلل من استعدادها للانخراط في حوار جاد»، وفق صالح إسحاق عيسى، مستدركاً: «لكن يبقى فتح قنوات حوار شاملة، ولو بشكل تدريجي، خياراً لا غنى عنه إذا ما أريدَ كسر حلقة العنف المتجددة، ويظل نجاح ذلك رهناً بوجود إرادة سياسية قوية، وضمانات إقليمية ودولية، وقدرة على تقديم مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية الضيقة».

ويأتي التصعيد من قِبل المتمردين بعد اتفاق سلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا الداعمةِ «حركة 23 مارس»، جرى توقيعه في العاصمة واشنطن يوم 27 يونيو (حزيران) الماضي، وتعهدتا فيه بوقف دعم المتمردين في البلدين. واستكمالاً لهذا الاتفاق، رعت وزارة الخارجية القطرية، في 19 يوليو الماضي، «إعلان مبادئ» بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«تحالف نهر الكونغو - حركة 23 مارس».

ويعتقد عيسى أن «مشهد السلام في الكونغو الديمقراطية يزداد قتامة مع كل هجوم جديد، خصوصاً مع بروز جماعات مسلحة إضافية إلى جانب (حركة 23 مارس)»، مؤكداً أن كل توسع في دائرة العنف يعني تراجعاً في فرص بناء الثقة بين الأطراف، ويزيد من هشاشة أي مسار تفاوضي قائم أو محتمل. وأوضح أن «ملامح السلام، التي كانت هشة أصلاً، باتت أكبر ضبابية، بعد توسع الاشتباكات وظهور مسلحين جدد؛ مما يجعل الاستقرار هدفاً أبعد منالاً، ما لم تُبذل جهود استثنائية لاحتواء العنف ومعالجة أسبابه الجذرية».


مقالات ذات صلة

«أرض الصومال» يتحدى «الرفض الإقليمي» ويلوّح بـ«قاعدة عسكرية إسرائيلية»

شؤون إقليمية رئيس إقليم أرض الصومال خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

«أرض الصومال» يتحدى «الرفض الإقليمي» ويلوّح بـ«قاعدة عسكرية إسرائيلية»

أكد رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، عبد الرحمن عرو، إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في الإقليم، وسط رفض عربي إقليمي متصاعد للتوغل الإسرائيلي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

تعقّد أزمة البحارة المصريين المختطفين في الصومال

دخلت أزمة البحارة المصريين المختطفين على متن ناقلة النفط «إم تي يوركا» مرحلة أكثر تعقيداً بعدما رفع القراصنة الصوماليون الذين استولوا عليها سقف مطالبهم.

علاء حموده (القاهرة)
أفريقيا رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)

كينشاسا إلى «انسداد سياسي» مع تواصل الخطوات الممهدة لتعديل الدستور

شقت الكونغو الديمقراطية أول طريق نحو تعديل الدستور في البلاد بإقرار قانون يسمح بإجراء استفتاءات شعبية.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

لقي افتتاح الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» سفارة في القدس رفضاً عربياً متواصلاً لمُخرجات ذلك التطبيع الذي بدأت أولى محطاته خلال ديسمبر الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية استقبال رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي من قبل الرئيس الإسرائيلي (حساب رئاسة الإقليم على «إكس») p-circle

«التغلغل» الإسرائيلي في «أرض الصومال» يُنذر بصدام

يتنامى «الرفض الإقليمي» للحضور الإسرائيلي المتصاعد في منطقة القرن الأفريقي عبر بوابة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، لا سيما بعد زيارة رئيسه لإسرائيل.

محمد محمود (القاهرة)

موريتانيا: «دليل الحوار» يغضب الموالاة ويرضي المعارضة

جانب من اجتماع منسقية أحزاب الموالاة لنقاش الوثيقة (حزب الإنصاف الحاكم)
جانب من اجتماع منسقية أحزاب الموالاة لنقاش الوثيقة (حزب الإنصاف الحاكم)
TT

موريتانيا: «دليل الحوار» يغضب الموالاة ويرضي المعارضة

جانب من اجتماع منسقية أحزاب الموالاة لنقاش الوثيقة (حزب الإنصاف الحاكم)
جانب من اجتماع منسقية أحزاب الموالاة لنقاش الوثيقة (حزب الإنصاف الحاكم)

يحتدم جدل حاد في موريتانيا بسبب وثيقة سياسية، قدمت على أنها «الدليل المرجعي» للحوار الوطني، وأثارت نقاشات واسعة داخل الطيف السياسي، وكانت محور اجتماعات مطولة أمس الخميس، بعضها استمر حتى فجر الجمعة، وذلك تمهيداً لتنظيم الحوار الذي دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قبل عامين.

وكان منسق الحوار الوطني، موسى فال، قد سلم جميع الأطراف السياسية وثيقة تشكل الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني، وهي الوثيقة نفسها التي سبق أن رفضتها المعارضة بسبب وجود مقترح تقدمت به أحزاب الأغلبية، يتضمن نقاش مواد دستورية تمنع رئيس الجمهورية من الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين.

الرئيس الموريتاني خلال الحملة الانتخابية السابقة (أ.ف.ب)

وتسببت نقطة المأموريات الرئاسية في تعليق الجلسات التمهيدية للحوار في مارس (آذار) الماضي، حيث رفضت المعارضة أي نقاش حول المواد الدستورية المحصنة، وخاصة تلك التي تتعلق بعدد المأموريات الرئاسية. وقالت إن جهات في أحزاب الأغلبية الرئاسية تسعى لتعديل الدستور من أجل السماح لولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية عام 2029، وهو الذي يحكم موريتانيا منذ 2019، ويمنعه الدستور الحالي من الترشح للانتخابات المقبلة.

وارتفعت أصوات سياسية خلال الأسبوع الماضي تطالب بترشح ولد الغزواني لولاية رئاسية ثالثة، وتصف المواد الدستورية التي تمنع ذلك بأنها لا تمثل وجهة نظر غالبية الشعب الموريتاني، ويجب أن تخضع للمراجعة والتعديل.

غضب الموالاة

بعد أن تسلمت الوثيقة، اجتمعت منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية، مساء الخميس، لنقاش ما تضمنته من مقترحات وأفكار تتعلق بالمسار التحضيري للحوار، لكن الاجتماع الذي استمر لساعات لم يسفر عن اتخاذ أي موقف من الوثيقة.

وقال حزب الإنصاف الحاكم في بيان صحافي إنه «بعد دراسة الوثيقة ومناقشة مختلف مضامينها، قررت المنسقية رفع الجلسة ومواصلة دراسة الوثيقة، وأبقت اجتماعها مفتوحاً إلى حين استكمال مناقشتها، وصياغة موقفها النهائي بشأنها».

وأضاف المصدر نفسه أن المنسقية «جددت تمسكها بخيار الحوار الوطني»، انسجاماً مع الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، مؤكدةً «استعدادها الكامل لمواصلة الانخراط الإيجابي والمسؤول في هذا المسار، والدخول في حوار جاد وشامل، دون إقصاء لأي طرف أو استبعاد مسبق لأي موضوع».

من لقاء سابق لزعيم المعارضة مع وسائل الإعلام العمومي (الوزارة الأولى)

لكن مصادر إعلامية محلية تحدثت عن «فشل» أطراف المنسقية في التوصل إلى «موقف موحد» من الوثيقة، وسط ما سمته «تبايناً واضحاً في المواقف بشأن الصيغة المقترحة للحوار ومستقبل المشاركة فيه».

وأضافت المصادر ذاتها أن عدداً من أحزاب الأغلبية الرئاسية دعا إلى «رفض الوثيقة»، وهدد بعدم المشاركة في الحوار «إذا تم إلغاء البند المتعلق بالمأموريات الرئاسية من جدول النقاش»، واحتدم النقاش حول الموقف من الوثيقة، وفي النهاية قررت الأحزاب تأجيل الحسم، حتى مساء الأربعاء المقبل.

ارتياح وسط المعارضة

على مستوى المعارضة، عقدت أحزابها أمس اجتماعات على مستوى القطبين الممثلين لها؛ قطب مؤسسة المعارضة الديمقراطية وقطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، حيث أعرب الطرفان عن مؤشرات إيجابية تجاه الوثيقة، التي تستجيب لعدد من مطالب المعارضة.

وقال مصدر من داخل المعارضة إن أحزابها تتجه للمصادقة على الوثيقة، تمهيداً لبدء جلسات الحوار الوطني، رغم وجود أصوات داخل المعارضة ما تزال تشكك في نيات أحزاب الأغلبية الرئاسية، وتشير هذه الأصوات إلى أن موضوع المأمورية حذف من الوثيقة، لكنه سيناقش داخل الورشات، معتبرة أن ما يجري هو مجرد فخ.

وفي هذا السياق، قال سيدي ولد الكوري، الأمين العام لحزب «إيناد»، والقيادي في قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية: «ناقشنا الوثيقة، وكان الانطباع العام عنها إيجابياً، لكن الموقف الرسمي سيعبر عنه الدكتور محمد ولد مولود، رئيس الائتلاف، بعد التنسيق مع قطب المعارضة الآخر، قطب مؤسسة المعارضة الديمقراطية».

وأضاف ولد الكوري في تصريح صحافي عقب الاجتماع: «الوثيقة كانت مفصلة وعملية أكثر من الوثيقة السابقة، لقد تعرضت لمواضيع الحوار، وتحدثت عن أهداف الحوار وطبيعة المشاركين فيه، كما تجاوزت الإشكال المتعلق بنقاش المؤسسات الدستورية الآجال والمدد والمأموريات».

وكان الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قد تعهد بتنظيم حوار وطني خلال حملته الانتخابية، التي سبقت رئاسيات 2024، وذلك استجابة لمطالب ظلت ترفعها المعارضة طوال مأموريته الرئاسية الأولى.


صالح والمنفي بوجه حفتر والدبيبة... اصطفافات جديدة تتشكل في ليبيا

حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)
حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)
TT

صالح والمنفي بوجه حفتر والدبيبة... اصطفافات جديدة تتشكل في ليبيا

حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)
حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)

انفتح المشهد الليبي المتشظي على رؤية أكثر وضوحاً، قوامها إعادة رسم خريطة جديدة للتحالفات والاصطفافات بين ساسة البلاد، فرضتها «المبادرة الأميركية»، بما يكسر منطق «الجبهات القديمة»، ويقرب بين شرق ليبيا وغربها على نحو مختلف.

فـ«الجبهة القديمة»، التي كانت تضم المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، والمستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، انفتحت على مسارات متباينة ومتعارضة في غرب ليبيا، بحسب مقتضيات الحال.

محمد المنفي في لقاء سابق مع المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

حفتر، الذي التزم الصمت حيال «المبادرة الأميركية» المطروحة منذ أشهر، أبدى موافقته عليها، مساء الخميس، ووصفها بأنها «من نوع فريد ومتميز؛ وتستند إلى الواقعية». وأعلن «استعداد القيادة العامة للانخراط المباشر في أي عملية تفاوضية حولها لاستكمال تفاصيلها، والوصول إلى الصيغة النهائية التي تحقق المصلحة العليا للبلاد، وترسم خريطة الطريق نحو إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن».

وتقوم المبادرة على الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة في طرابلس، مقابل صعود نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر إلى رئاسة مجلس رئاسي جديد، بدلاً من محمد المنفي.

وكان مسعد بولس - الذي تحدث للمرة الأولى عن تفاصيل المبادرة نهاية الأسبوع الماضي - قد عقد اجتماعات سرية في إيطاليا وفرنسا بين صدام وإبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، لبحث ترتيبات ما يطلق عليها ليبيون «تقاسم السلطة».

وبعد موافقة القيادة العامة على «المبادرة الأميركية» تكون قنوات الاتصال معلنة ومباشرة مع الدبيبة ومن يمثله، بعيداً عن «السرية» التي اكتنفتها في الأشهر الماضية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

ولم تخلُ العلاقة ما بين حفتر والدبيبة من مناكفات معلنة، وصلت أحياناً إلى المعايرة بـ«الميليشيات» و«العسكرة» و«إغراق ليبيا في الفوضى»، لكن أمام القبضة الأميركية بدت الأطراف المتصارعة منذ 15 عاماً أكثر مرونة وقابلية للتفاوض، بدلاً من نظرية «الاستحواذ على كل شيء».

ويُنظر إلى هذه المبادرة - إذا تم تفعيلها - على أنها ستقضي على جميع الأجسام السياسية، التي لم تشملها الرؤية الأميركية، ومن بينها المنفي وصالح وتكالة، الذين سارعوا إلى التخلي عن خلافاتهم، وأعلنوا عن «خريطة طريق» تسمح بعقد الانتخابات العامة في موعد أقصاه فبراير (شباط) المقبل.

ودفع هذا التحول الناشطة الليبية خلود القماطي إلى التساؤل: هل يُطيح صدام حفتر بالمنفي برعاية أميركية؟ وقالت إن التحركات الأميركية الأخيرة تهدف إلى «تخطي المسارات التقليدية لبعثة الأمم المتحدة، التي يراها البعض متعثرة، وصياغة اتفاق مباشر بين القوى الفاعلة على الأرض، المتمثلة في معسكري حفتر والدبيبة».

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (إ.ب.أ)

وثمّنت «القيادة العامة» المبادرة الأميركية، وقالت إنها «ترتكز في إطارها العام على توحيد السلطة التنفيذية، كنقطة انطلاق للحل الشامل». كما أنها «تستحق منحها الفرصة علّها تكون المدخل المفقود للحل السلمي للأزمة السياسية، باعتبارها الخطر الذي يهدد وحدة البلاد».

وليس بالضرورة ضمان نجاح هذه المبادرة في ظل ما يعترضها من رفض بيّن من أطراف سياسية ومسلحة مناوئة لحفتر في غرب ليبيا، لكن الرهان يظل على القبضة الأميركية في فرض رؤيتها كأمر واقع إذا لزم الأمر، وفق متابعين.

وأمام «المبادرة الأميركية»، التي يُتوقع أن تطيح بباقي «الأجسام السياسية القديمة»، التقى صالح مع المنفي في خط واحد، وأعلنا مع تكالة، قبيل ساعات من تقديم هانا تيتيه المبعوثة الأممية إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، عن التوافق على «وثيقة مبادئ أساسية قابلة للتنفيذ».

صدام حفتر مستقبلاً بولس في يناير الماضي (القيادة العامة)

وبعد خلافات عديدة، فاجأ رؤساء المجالس الثلاثة في ليبيا؛ «الرئاسي» و«النواب» و«الأعلى للدولة»، الرأي العام الليبي بـ«خريطة طريق» جديدة، قالوا إنها تهدف إلى «إنهاء المرحلة التمهيدية».

وعدّ سياسيون اصطفاف صالح إلى جانب المنفي وتكالة معارضة واضحة للمسار الأميركي، الذي يمهّد لقدوم صدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي. وتحدث ليبيون عديدون، من بينهم أشرف الشح، المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة، عن الخطوة التي أقدم عليها صالح، مشيرين إلى أن ليبيا مقبلة على «مرحلة جديدة»، وقالوا إنه «للمرة الأولى يظهر للعلن تحالف بين الدبيبة وحفتر، ويتوافق صالح مع المنفي وتكالة».

وقالت الناشطة الليبية إن رؤساء المجالس الثلاثة أقدموا على خطوتهم «في محاولة استباقية للهروب من المبادرة الأميركية، التي قد تنهي وجودهم في المشهد»، لافتة إلى أن إعلانهم المفاجئ عن تفاهمات لإجراء انتخابات متزامنة قبل فبراير المقبل، هو «محاولة واضحة لقطع الطريق على صفقة بولس».

وانتهت إلى أن المشهد الليبي «يمر بصراع محاور؛ الأول تقوده أميركا لفرض واقع سياسي جديد يجمع الدبيبة وصدام حفتر لإدارة البلاد، والثاني تمثله الأجسام السياسية الحالية (الرئاسي، النواب، الدولة) التي تحاول التمسك بمواقعها، والاستنجاد بالمسار الانتخابي لتفادي الاستبعاد».

وكانت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» قد انتهت في بيانها إلى القول إنها «ستعمل، خدمةً للمصلحة الوطنية العليا، ما بوسعها لنجاح المبادرة، إذا ما أبدت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والأطراف المحلية المعنية بالمبادرة الدعم اللازم لها، وضمان المضي قدماً في هذا المسار حتى النهاية».

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لصالح)

وسبق للمستشارة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا، ستيفاني ويليامز، حثّ مجلسي النواب و«الدولة» على «التوقف عن لعبة الكراسي الموسيقية للبقاء في السلطة، والتركيز على التحضير للانتخابات». وتحدثت في أعقاب فشل إجراء الانتخابات الليبية، نهاية عام 2021، عن انتهاء مدة صلاحيتهما، ورأت أن «صراع التشبث بالبقاء لدى هذه الأجسام قائم على السلطة والمال».


السعودية ومصر وتركيا وباكستان لـ«ترسيخ التعاون والشراكة»

وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وقطر فى اجتماع رباعي بالرياض في 20 مارس الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وقطر فى اجتماع رباعي بالرياض في 20 مارس الماضي (الخارجية المصرية)
TT

السعودية ومصر وتركيا وباكستان لـ«ترسيخ التعاون والشراكة»

وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وقطر فى اجتماع رباعي بالرياض في 20 مارس الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وقطر فى اجتماع رباعي بالرياض في 20 مارس الماضي (الخارجية المصرية)

تستضيف القاهرة، اجتماعاً رباعياً يضم وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، بعد أيام من بلورة مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران لوقف الحرب التي بدأت نهاية فبراير (شباط).

ووفق ما نقلته «وكالة الأنباء المصرية» الرسمية مساء الخميس، يلتقي وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اجتماع رباعي، الأحد، بالقاهرة، نظراءه من السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، وتركيا هاكان فيدان، وباكستان، محمد إسحاق دار في جلسة مباحثات موسعة، يعقبها مؤتمر صحافي.

ويرى دبلوماسي مصري أسبق في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الاجتماع سيتناول «سبل ترسيخ التعاون وتعميق الشراكة والتنسيق في قضايا المنطقة، واستكمال مسار تثبيت جهود التهدئة في المنطقة، وتقريب وجهات النظر خلال مفاوضات الـ60 يوماً المقبلة بين واشنطن وطهران».

ولعب «الرباعي» دوراً بارزاً في التوصل لاتفاق واشنطن وطهران قبل أيام، وانطلقت جهوده رسمياً لأول مرة باجتماع في مارس (آذار) الماضي بالعاصمة السعودية الرياض، وتلاه اجتماعان في إسلام آباد وأنطاليا، في سياق جهود وقف حرب إيران.

ويلتئم الاجتماع بعد يومين من إعلان الحكومة السويسرية، إرجاء المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، التي كان من المقرر أن تبدأ الجمعة في سويسرا إلى أجل غير مسمى، بعد ساعات من إعلان إلغاء زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.

وكان المرشد الإيراني مجتبى خامنئي كشف في وقت سابق الخميس أنه وافق على مذكرة التفاهم التي وقّعتها واشنطن وطهران رغم إشارته إلى تحفظات بشأنها، فيما أعلنت القوات الأميركية رفع الحصار البحري الذي كانت تفرضه على الموانئ الإيرانية بعد توقيع مذكرة التفاهم من قبل رئيسي أميركا وإيران، الأربعاء.

وأكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الدعوة للاجتماع الرباعي تعد تطوراً مهماً في مسار التشاور الإقليمي خلال مرحلة تشهد تحولات استراتيجية عميقة في الشرق الأوسط، لا سيما بعد وقف إطلاق النار واحتواء المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ومخاطر استمرار الحرب في غزة وتداعياتها على الأمن والاستقرار الإقليميين.

وأوضح أن «الرباعي التشاوري» للدول الفاعلة في الإقليم «أثبت حضوره كإطار مؤثر وفاعل إقليمياً ودولياً وقادر علي معالجة المشكلات والقضايا بالتنسيق مع دول الإقليم والقوى الكبرى لتهدئة الأوضاع الإقليمية ومشكلاتها».

وتتجاوز أهمية الاجتماع حدود التنسيق السياسي التقليدي، وفق حجازي، إذ يتوقع أن تشهد أجندة الاجتماع دعم تثبيت «اتفاق واشنطن وطهران» واستكمال المفاوضات وبحث ملفي غزة ولبنان ودعم التوصل لتهدئة مستدامة بالمنطقة.

ومن المتوقع أن يفتح الاجتماع حسب حجازي «الباب أمام تعميق الشراكة والتنسيق بين الرباعي وإمكانية دراسة عقد مؤتمر إقليمي أو دولي للأمن والتعاون في الشرق الأوسط، على غرار التجارب الناجحة في أقاليم أخرى، بهدف صياغة إعلان مبادئ حاكم للعلاقات الإقليمية، ووضع آليات مؤسسية للحوار وتسوية النزاعات وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني والإنساني بين دول المنطقة».

وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره الإيراني في القاهرة سبتمبر 2025 (الخارجية المصرية)

وأفادت الخارجية المصرية، الجمعة، بأنه جرى اتصالان هاتفيان بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيريه الباكستاني محمد إسحاق دار، والإيراني، عباس عراقجي، لبحث التطورات الإقليمية عقب التوصل لمذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفيد رسمياً، بأن الوزيرين المصري والباكستاني، أكدا «أهمية مواصلة التنسيق والتشاور المشترك خلال المرحلة المقبلة، لضمان تنفيذ مذكرة التفاهم والتوصل إلى اتفاق نهائي ومستدام يراعي مصالح وشواغل جميع الأطراف، ويعزز الحلول الدبلوماسية، بما يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة».

وأعرب عبد العاطي خلال حديث مع عراقجي عن «أمله أن تصبح مذكرة التفاهم نقطة تحول مهمة في سبيل دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة، وأن تسهم في فتح المجال أمام معالجة جميع القضايا عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية»، معرباً عن التطلع للتوصل إلى اتفاق نهائي ومستدام يعالج شواغل جميع الأطراف، ويدعم الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار المستدامين في المنطقة.

ويؤكد حجازي أهمية «استمرار الحوار الجاد بين القوى الإقليمية الرئيسية حول شكل النظام الإقليمي الذي يتعين أن يحكم العلاقات بين دول المنطقة خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن الانتقال من منطق إدارة الأزمات المتتالية وتجددها إلى بناء منظومة مستقرة للأمن والتعاون والتنمية».

وتفرض المرحلة الراهنة «ضرورة بلورة تفاهمات متبادلة مع إيران بشأن أمن الخليج العربي، بما يطمئن جميع الأطراف ويؤسس لعلاقات طبيعية قائمة على حسن الجوار والمصالح المشتركة وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، مع تعزيز آليات الحوار السياسي والأمني التي تمنع عودة المنطقة إلى دوامات التصعيد والمواجهة، وتبني أطراً لإدارة التعاون والتنمية فيما بينها في مختلف المجالات»، وفق حجازي.