الجيش الأميركي يتكيّف في بغداد مع «حرب محتملة»

العراق الرسمي يصدّ طلبات إيرانية للمساعدة الأمنية

صورة من قاعدة «عين الأسد» في الأنبار بالعراق 29 ديسمبر 2019 (رويترز)
صورة من قاعدة «عين الأسد» في الأنبار بالعراق 29 ديسمبر 2019 (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يتكيّف في بغداد مع «حرب محتملة»

صورة من قاعدة «عين الأسد» في الأنبار بالعراق 29 ديسمبر 2019 (رويترز)
صورة من قاعدة «عين الأسد» في الأنبار بالعراق 29 ديسمبر 2019 (رويترز)

تتجه القوات الأميركية في العراق إلى إعادة تموضع جديدة للتكيف مع تهديدات متزايدة بين إيران وإسرائيل، في حين لم يسمع الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، «أجوبة مريحة» من بغداد عن طلب مساعدة لـ«ضبط الحدود في حالة الحرب».

وحسب مصادر موثوقة، فإن إعادة التموضع لا تعكس تغييرات طارئة على اتفاق مبرم بين واشنطن وبغداد لسحب مئات الجنود في سبتمبر (أيلول) 2025، والبقية بحلول نهاية العام التالي، فيما يُرجح أن تضمن العلاقة الاستشارية الجديدة، بعد الانسحاب، بقاء قوات أميركية في العراق.

إعادة تموضع

قال مسؤول أميركي، طلب التحفظ على اسمه، لأنه غير مخول بالتصريح، إن واشنطن لا تجري تغييرات جوهرية على وجودها في العراق، وإن الحوادث المتوقعة خلال الأشهر المقبلة ستكون في إطار الاتفاق الأمني الموقع مع حكومة محمد شياع السوداني في سبتمبر 2024.

إلا أن المسؤول الأميركي كشف لـ«الشرق الأوسط» عن إعادة تموضع جديدة للقوات الأميركية بين قواعدها في المنطقة. وقال إن «العملية ليست على نطاق واسع، لكنها تستجيب بدقة لخريطة مخاطر أمنية في جغرافية جديدة في العراق ومحيطه».

ورفض المسؤول التحدث عن طبيعة المخاطر الأمنية الجديدة ومواقعها المحتملة، إلا أن مصادر سياسية تحدّثت عن تلقي أطراف عراقية إشارات من طهران خلال الأسابيع الماضية بخصوص احتمالية اندلاع مواجهة جديدة مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها مترددة في التفاعل مع الجموح الإيراني.

وكانت «الشرق الأوسط» قد كشفت مطلع أغسطس (آب) الحالي عن رسالة إيرانية إلى قادة فصائل عراقية تطلب منهم ممانعة نزع السلاح والاستعداد لمواجهة جديدة.

ويبدو أن خطط إعادة التموضع التي بلغت مرحلة متقدمة، وفق المسؤول الأميركي، تتكيف مع التحركات الإيرانية الأخيرة على المستويين السياسي والميداني، لا سيما محاولات «إعادة تشكيل القدرات العسكرية»، وبالتزامن، كانت «كتائب حزب الله» تجري تحضيرات «قبل تصعيد أمني وعسكري داخلي أو خارجي»، وفق وثيقة داخلية مسربة في 27 يوليو (تموز).

مدربون من «التحالف الدولي» داخل قاعدة «عين الأسد» في العراق (سينتكوم)

ماذا حدث في «عين الأسد»؟

خلال الأسابيع الماضية، شهدت قاعدة «عين الأسد»، غرب بغداد، عمليات نقل وخزن لمعدات عسكرية أميركية. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن «معدات لوجيستية ثقيلة تم رزمها وخزنها في القاعدة، في حين جرى نقل تقنيات عسكرية دقيقة، مثل أجهزة كشف مبكر ورادارات، إلى مواقع أخرى»، يعتقد أنها قواعد في المنطقة.

من الصعب التحقق من الوجهة التي نُقلت إليها المعدات، إلا أن مصادر تحدثت عن نقلها مع قوات أميركية إلى قواعد في المنطقة، في إطار تحركات منظمة للجيش الأميركي.

ومن المرجح أن تكون هذه العمليات جزءاً من خطط إعادة التموضع التي تحدّث عنها المسؤول الأميركي، لا سيما مع نقل معدات حيوية في المواجهات التي تعتمد على الدفاعات الجوية.

في المقابل، أكد مسؤول عراقي رفيع، لـ«الشرق الأوسط»، أن «جدول الانسحاب الأميركي، وفق الاتفاق المبرم مع الحكومة العراقية، لم يتغير كما لم يَجرِ الاتفاق على تسريعه في ضوء الاضطرابات الحاصلة في المنطقة». وقال المسؤول: «حتى حرب الـ12 يوماً لم تُغير بنود الاتفاق وتوقيتاته».

وحسب المسؤول، الذي طلب التحفظ على اسمه، لأنه غير مخول بالتصريح، فإن «الجانب العراقي لم يتسلّم إدارة قاعدة (عين الأسد)، وما جرى فيها خلال الأسابيع الماضية، مجرد عمليات فنية لا تتضمن تسريعاً للانسحاب».

واستبعد مستشار سياسي عراقي، مُطّلع على نقاشات تتعلّق بالانسحاب قوات «التحالف الدولي»، أن يصل الأميركيون في هذه اللحظة المضطربة إلى قناعة راسخة بمغادرة نهائية للبلاد.

وقال إن «العراق لم يعد يُمثل للأميركيين فرصة استراتيجية مغرية، لكنهم يرونه منطقة تأثر جيوسياسي في النزاع الإقليمي مع إيران، وهو ضروري بهذا المعنى».

الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني يُلوّح بيده في أثناء مغادرته قبر زعيم «حزب الله» السابق حسن نصر الله ببيروت (أ.ب)

لاريجاني لم يكن سعيداً

وبينما يبدو الأميركيون يضغطون سياسياً على بغداد لمنع تشريع قانون «الحشد الشعبي» ومراقبة تفاصيل العلاقة مع طهران من كثب، يواجه الإيرانيون صعوبات في استنهاض الحليف «الرسمي» في مكاتب الحكومة العراقية. في لحظة اختلال الموازين بين واشنطن وطهران في ملعب النفوذ العراقي.

لم يسمع الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني «أجوبة مريحة» من المسؤولين الحكوميين الذين التقاهم في بغداد أخيراً، بعدما اقترح المساعدة في ضبط الحدود المشتركة.

وأساس الطلب الإيراني، وفق مصادر موثوقة، هو معطيات قدمتها طهران بشأن الحرب الأخيرة مع إسرائيل أفادت بأنها تحققت من حالات تسلل لأشخاص ومعدات وتقنيات عبر الحدود إلى الداخل الإيراني قبل حرب الـ12 يوماً وخلالها.

وحسب المصادر، فإن لاريجاني لم يكن سعيداً بما سمعه في بغداد عن أن «العراق الرسمي غير قادر على القيام بمهمة فشلت فيها إيران نفسها، بما تملك من قدرات عسكرية واستخبارية». ونقلت أيضاً أن «بغداد لا تمتلك القدرات التي تنتظرها طهران».

وكان لاريجاني ومستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، قد وقّعا، يوم 11 أغسطس، مذكرة تفاهم لـ«ضبط الحدود ومنع التهريب والتسلل»، ما أثار تحفظات أميركية.

ودافع الأعرجي عن المذكرة حين التقى، السبت، القائم بالأعمال الأميركي في العراق، السفير ستيفن فاجن، قائلاً إن العراق ينطلق في سياساته من مصالحه الوطنية العليا، ويتصرف بوصفه دولة مستقلة ذات سيادة.

وتُحاول بغداد اكتشاف نفسها وقدراتها، إذ تواجه ضغطَين هائلَين من واشنطن وطهران، لكن كفة «واشنطن راجحة هذه المرة»، خصوصاً أن لاريجاني لم يحصل على وعود من العراق الرسمي بشأن ما سيفعله في الحرب المرتقبة، ما يُعزز فرضية مقلقة تتعلق بمشاركة صريحة وجماعية من فصائل موالية.


مقالات ذات صلة

ما دور المركبات البحرية المسيّرة التي أنقذت طاقم مروحية أميركية؟

العالم طائرة «سي شارك 800» SeaShark 800 البحرية المسيّرة تشارك في رحلة تجريبية في البحر قبالة ووشي... تايوان 6 يونيو 2025 (رويترز)

ما دور المركبات البحرية المسيّرة التي أنقذت طاقم مروحية أميركية؟

أنقذ زورق مسيّر تابع للبحرية الأميركية اثنين من طاقم طائرة مروحية تابعة للجيش الأميركي، ما يسلّط الضوء على قوة المركبات البحرية المسيّرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة قبل إقلاعها من مطار "جون إف كينيدي" الدولي في نيويورك، 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: أميركا سترد على إسقاط إيران مروحية «أباتشي»

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ‌الثلاثاء، ‌إن ​إيران ‌أسقطت ⁠طائرة ​هليكوبتر ⁠«أباتشي» أميركية كانت ⁠تقوم ‌بدورية ‌في ​مضيق ‌هرمز خلال ‌الليل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سفن في مضيق هرمز (رويترز)

إنقاذ طاقم هليكوبتر أميركية بعد سقوطها قرب «هرمز»

​قالت القيادة المركزية الأميركية، ‌الثلاثاء، ​إن ‌زورقاً ⁠​تابعاً للبحرية عثر ⁠على فردَي طاقم ⁠طائرة ‌هليكوبتر ‌هجومية ​أميركية ‌وأنقذهما في ‌مياه مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية- وكالة إرنا الإيرانية) p-circle

إيران تندد بـ«انتهاك وقف إطلاق النار» بعد ضربات أميركية على رادارات

قالت الخارجية الإيرانية إن الهجوم الأميركي على منشآت الرادار والمراقبة الساحلية في منطقة سيريك وجزيرة قشم، ينتهك وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية من عملية اعتراض القوات الأميركية للسفينة «دافينا» (القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ)

«البنتاغون» ينفي استهداف مدمرتين أميركيتين بصواريخ إيرانية

نفى الجيش الأميركي، الجمعة، ما أعلنته إيران عن إطلاقها «صواريخ تحذيرية» على مدمّرتين أميركيتين في خليج عُمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

غارات أميركية على إيران رداً على إسقاط الـ«أباتشي»

مقاتلتان من طراز الشبح F-35A تابعتان للقوات الجوية الأميركية أثناء تحليقهما في أجواء الشرق الأوسط  («سنتكوم»)
مقاتلتان من طراز الشبح F-35A تابعتان للقوات الجوية الأميركية أثناء تحليقهما في أجواء الشرق الأوسط («سنتكوم»)
TT

غارات أميركية على إيران رداً على إسقاط الـ«أباتشي»

مقاتلتان من طراز الشبح F-35A تابعتان للقوات الجوية الأميركية أثناء تحليقهما في أجواء الشرق الأوسط  («سنتكوم»)
مقاتلتان من طراز الشبح F-35A تابعتان للقوات الجوية الأميركية أثناء تحليقهما في أجواء الشرق الأوسط («سنتكوم»)

نفذت القوات الأميركية ضربات على إيران، رداً على إسقاط طهران مروحية أميركية من طراز «أباتشي»، بحسب ما أفادت القيادة المركزية.

وقالت «سنتكوم» في منشور على منصة «إكس»، إنّ القوات الأميركية بدأت «شن ضربات دفاعا عن النفس ضد إيران في الساعة الخامسة مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم، وذلك بتوجيه من القائد العام، ردا على إسقاط مروحية أباتشي تابعة للجيش الأميركي يوم أمس».

وأضافت: «تُعد هذه المهمة ردا متناسبا على عدوان إيراني غير مبرر».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتهم إيران في وقت سابق الثلاثاء، بأنّها أسقطت المروحية الأميركية في مضيق هرمز في اليوم السابق، مؤكدا أنّ الولايات المتحدة سترد على ذلك.


«أباتشي هرمز» تهدد مسار الاتفاق

عناصر من مشاة «البحرية» الأميركية التابعة للوحدة الاستكشافية 31 يصعدون إلى مروحية «يو إتش-1 واي فينوم» على متن السفينة «يو إس إس تريبولي» خلال تدريبات على القنص الجوي والإسناد القريب أثناء الإبحار بمياه المنطقة (سنتكوم)
عناصر من مشاة «البحرية» الأميركية التابعة للوحدة الاستكشافية 31 يصعدون إلى مروحية «يو إتش-1 واي فينوم» على متن السفينة «يو إس إس تريبولي» خلال تدريبات على القنص الجوي والإسناد القريب أثناء الإبحار بمياه المنطقة (سنتكوم)
TT

«أباتشي هرمز» تهدد مسار الاتفاق

عناصر من مشاة «البحرية» الأميركية التابعة للوحدة الاستكشافية 31 يصعدون إلى مروحية «يو إتش-1 واي فينوم» على متن السفينة «يو إس إس تريبولي» خلال تدريبات على القنص الجوي والإسناد القريب أثناء الإبحار بمياه المنطقة (سنتكوم)
عناصر من مشاة «البحرية» الأميركية التابعة للوحدة الاستكشافية 31 يصعدون إلى مروحية «يو إتش-1 واي فينوم» على متن السفينة «يو إس إس تريبولي» خلال تدريبات على القنص الجوي والإسناد القريب أثناء الإبحار بمياه المنطقة (سنتكوم)

هددت عملية إسقاط طائرة مروحية أميركية متطورة من طراز «إيه إتش-64 أباتشي»، في أثناء دورية فوق مضيق هرمز، بتعقيد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني، بينما حمّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران مسؤولية العملية، مؤكداً أن بلاده «يجب أن ترد».

وقال ترمب إن طياريْ الطائرة المروحية «بخير ولم يصابا بأذى»، في حين أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن المروحية سقطت قبالة سواحل عُمان، وأن زورقاً مسيّراً بطول 24 قدماً عثر على فردَي الطاقم ونقلهما إلى الشاطئ خلال نحو ساعتين. من جهته، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن القوات الأجنبية الموجودة قرب الأراضي الإيرانية تتعرض «لخطر دائم بسبب أخطائها البشرية أو الحوادث البحتة أو احتمال وقوعها في مرمى إطلاق النار»، بحسب ما كتب في منشور على منصة «إكس».

وجاء الحادث بعد ساعات من تأكيد ترمب أن المفاوضات مع إيران دخلت «المراحل الأخيرة»، وأن اتفاقاً «جيداً جداً» قد ينجز خلال «يومين أو ثلاثة»، مع توقعه تحقيق «نصر كامل» على إيران خلال أسبوعين وانخفاض أسعار النفط.

وأقر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بتباعد محتمل بين مصالح واشنطن وتل أبيب، مشدداً على أن أي اتفاق سيحتاج إلى «تدابير تحقق صارمة»؛ لأن الولايات المتحدة لن تفترض أن طهران «تتصرف بحسن نية».

في المقابل، قال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني إن طهران وواشنطن لم تصلا بعد إلى نص نهائي، لكنهما تواصلان العمل على تفاهم محتمل قبل نهاية شهر يونيو (حزيران) الحالي.


لماذا خاطرت إيران بمهاجمة إسرائيل؟

غارة إسرائيلية قرب قلعة الشقيف التاريخية كما بدت من النبطية في جنوب لبنان 4 يونيو 2026 (نيويورك تايمز)
غارة إسرائيلية قرب قلعة الشقيف التاريخية كما بدت من النبطية في جنوب لبنان 4 يونيو 2026 (نيويورك تايمز)
TT

لماذا خاطرت إيران بمهاجمة إسرائيل؟

غارة إسرائيلية قرب قلعة الشقيف التاريخية كما بدت من النبطية في جنوب لبنان 4 يونيو 2026 (نيويورك تايمز)
غارة إسرائيلية قرب قلعة الشقيف التاريخية كما بدت من النبطية في جنوب لبنان 4 يونيو 2026 (نيويورك تايمز)

للوهلة الأولى، قد يبدو الرد الإيراني على الهجمات الإسرائيلية في لبنان عملاً متهوراً يهدد بإشعال حرب إقليمية مدمرة من جديد. لكن بالنسبة لإيران، كانت تلك الضربات ضرورية، بوصفها جزءاً من نهج أكثر هجومية يعكس تحولاً استراتيجياً لدى حكامها الجدد. وبالنسبة لهم، كان الدرس المستخلص من الحرب أن الرد القوي سمح لهم بالبقاء، بل وحتى الخروج بأوراق قوة في مواجهة خصومهم الأكثر تفوقاً.

وقال أوميد ميماريان، الخبير في الشأن الإيراني لدى مركز «داون» للأبحاث في واشنطن: «تريد إيران إظهار القوة وإثبات أن لديها القدرة على التصعيد». وأضاف: «إنهم يبعثون برسالة مفادها بأنهم مستعدون لاستئناف الحرب إذا لزم الأمر».

وعلى مدى العقد الماضي، في عهد المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، كانت البلاد أكثر حذراً في استهداف إسرائيل والولايات المتحدة. ففي عام 2020، اكتفت إيران بردود محدودة على واشنطن بعد أن اغتالت الولايات المتحدة أحد أبرز قادتها العسكريين، قاسم سليماني. كما حصرت ردها بالكامل خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران) العام الماضي بضربات استهدفت قاعدة أميركية واحدة في قطر.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تحمّل المسؤولون الإيرانيون إلى حد كبير الضربات الإسرائيلية ضد أبرز حلفائهم، جماعة «حزب الله» اللبنانية المسلحة. واكتفت طهران بانتقاد تلك الهجمات، محذرة من ضرورة شمول الحزب بوقف إطلاق النار الإقليمي الذي اتفقت عليه مع واشنطن في أبريل (نيسان). لكن طالما بقيت الضربات الإسرائيلية محصورة في جنوب لبنان، لم ترد إيران.

إيران تطلق صواريخ باتجاه إسرائيل في موقع غير معروف في صورة ثابتة مأخوذة من مقطع فيديو نُشر 7 يونيو (رويترز)

وحذرت إيران من أن هذه الحسابات ستتغير إذا وسعت إسرائيل ضرباتها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يهيمن «حزب الله». وهذا ما فعلته إسرائيل يوم الأحد.

وقال صادق لاريجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو هيئة نافذة تقدم المشورة للمرشد الإيراني، إن «هجوم إيران دفاعاً عن لبنان لم يكن مجرد رد عسكري، بل كان إعلاناً رسمياً لعقيدة استراتيجية».

وأضاف: «إذا تعرض أي مكوّن من محور المقاومة لهجوم، فإن الرد سيتجاوز الحدود الجغرافية وسيغير ميزان القوى الإقليمي»، مستخدماً مصطلح إيران للشبكة الإقليمية من الجماعات المسلحة الحليفة، ومن بينها «حزب الله».

ومن خلال هذه التحركات، تريد إيران أن تظهر جديتها في الدفاع عن حلفائها الإقليميين. وقد تضررت هذه الصورة في عهد القيادة السابقة عندما امتنعت طهران عن الرد على الهجمات الإسرائيلية عام 2024 التي أضعفت «حزب الله» بشدة وأدت إلى مقتل أمينه العام حسن نصر الله.

ومنذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في فبراير (شباط)، والتي أسفرت عن مقتل جزء كبير من القيادة الإيرانية السابقة، بما في ذلك خامنئي، بات الحكام الجدد في طهران يعتبرون أن استعدادهم للتحرك بصورة أكثر هجومية يمثل نجاحاً كبيراً.

ويرى محللون أن هذا النهج الأكثر تشدداً سمح لإيران ليس فقط بالبقاء في مواجهة الهجمات الأميركية والإسرائيلية، بل أيضاً بإلحاق ضرر اقتصادي بخصومها والخروج بأوراق ضغط استراتيجية عبر السيطرة على المضيق، وهو أحد أهم ممرات شحن النفط والغاز في العالم.

كما وجد القادة الجدد في إيران أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر استجابة لهذه الاستراتيجية الأكثر هجومية. ففي الأسبوع الماضي، أقنع إسرائيل بعدم ضرب بيروت. ثم عاد، الاثنين، وبعد الضربات الإسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية والرد الإيراني، ودعا الطرفين إلى التراجع.

وبعد تصريحات ترمب، أعلن «الحرس الثوري» سريعاً وقف هجماته، لكنه أشار إلى أنه قد يعاود الهجوم إذا واصلت إسرائيل غاراتها على جنوب لبنان، وهو احتمال يبدو شبه مؤكد.

ويرى ميماريان أن مثل هذه الضربات تمنح إيران أيضاً فرصة لاختبار العلاقة بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقال: «إنهم يدركون وجود فجوة بين الأهداف الإسرائيلية والأميركية»، مضيفاً: «يريدون الضغط على ترمب لاحتواء إسرائيل».

لكن الدفاع عن «حزب الله» لا يتعلق فقط بالاختبار أو استعراض القوة. فبحسب حميد رضا عزيزي، الباحث الإيراني المتخصص في الشؤون الأمنية لدى المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، «ترى طهران أن قدرة الحزب على مواصلة مهاجمة شمال إسرائيل خلال الحرب الأخيرة كانت ضرورية لمنح إيران هامشاً يسمح لها بتركيز هجماتها على جيرانها الخليجيين الأغنياء بالنفط».

وأضاف أن السماح لإسرائيل بإضعاف «حزب الله» أكثر سيكون مكلفاً عسكرياً لإيران في أي صراع مستقبلي تعتبره طهران حتمياً.

كما رأت إيران أن الرد كان ضرورياً لأنها تعتبر الضربات الإسرائيلية جزءاً من استراتيجية أميركية - إسرائيلية تهدف إلى تقويض المكاسب الاستراتيجية التي حققتها طهران خلال الحرب الأخيرة بهدوء، بينما تحاول في الوقت نفسه التفاوض مع واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.

وعلى مدى أسابيع، كانت القوات الأميركية ترافق السفن بهدوء عبر مضيق هرمز. ويصف كثير من المحللين ذلك بأنه محاولة أميركية لتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي، مع زيادة الضغط الاقتصادي على إيران عبر تعزيز الحصار على سفنها. وتخشى طهران أن تكون الجهود الإسرائيلية لإضعاف «حزب الله» جزءاً آخر من هذه الاستراتيجية.

وقال عزيزي إن الإيرانيين يعتقدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل «تستخدمان وقف إطلاق النار لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض بطريقة تقوض النفوذ الذي حققته إيران خلال هذه الحرب».

كما أن استعداد إيران للرد بقوة يعكس مدى اقتناعها بأن ترمب، الذي يستعد لاستضافة مباريات كأس العالم ويواجه أزمة اقتصادية عالمية متفاقمة قبل انتخابات التجديد النصفي هذا الخريف، لن ينخرط مجدداً في حرب واسعة.

وقال فرزان ثابت، الباحث في الشأن الإيراني لدى معهد الدراسات العليا في جنيف: «إنهم لا يعتقدون أن ترمب سيذهب إلى الحرب». وأضاف: «لكن حتى لو فعل، فهم واثقون إلى حد بعيد من قدرتهم على احتواء الأمر».

*خدمة «نيويورك تايمز»